登入خمس سنوات مرّت على تلك الحادثة المشؤومة.. خمس سنوات منذ أن دفعت "سهر" جسدها وثمن أنوثتها لإنقاذ شقيقته، فتركت النيران آثارها القاسية على رقة جسدها، وتركت الشفقة والذنب أثرهما على زواجها من رجل الأعمال المليونير "فارس النعمان". طوال خمسة أعوام، عاشت سهر في سجنه المخملي، قصرٌ بارد كصاحبه. كان يغمرها بأفخر الثياب المحتشمة —ليخفي عيوبها عن أعين مجتمعه— ويقدم لها في كل عيد زواج نفس صندوق الساعات الفاخرة المكررة.. هدايا باهظة تُشترى بالمال لتسد خانة المشاعر الميتة، بينما لم تنظر عيناه يوماً في عينيها بشغف. لكن في ليلة عيد زواجهما الخامس، وبينما كانت الشموع تذوب في صمت، تلقت سهر الطعنة التي أطاحت بما تبقى من كبريائها كأنثى! دلفَت إلى غرفته خفية لتسأله عن أمرٍ ما، لتجده غارقاً في عالمه الخاص، يحدق بشغفٍ محموم ورغبة عارمة في شاشة هاتفه.. كان يتأمل صورة عارية لحبيبة عمره الراحلة عن بلاده. نظرة عينيه، وتنهيداته المكتومة، تمنت سهر لو حظيت بربعها طوال سنوات زواجهما البارد، لكنها كانت نظرات محرمة لامرأة أخرى، بينما هي —الزوجة المضحية— مجرد واجهة وواجب ثقيل يهرب منه حتى في فراشهما! في تلك الليلة بالذات، وتحت مطر تشرين البارد، لم تبكِ سهر.. ولم تصرخ. انهار جدار الصبر وتحول كبرياؤها الجريح إلى قوة مرعبة. خلعت قفازاتها المخملية، تركت صندوق الساعات الممتلئ، ووضعت أوراق الطلاق فوق السرير البارد الذي لم يجمعهما يوماً.. ورحلت في صمت كالظل. ظنّ فارس أنها مجرد نوبة غضب لامرأة ضعيفة لا تملك من حطام الدنيا شيئاً، وأنها ستعود زاحفة إليه.. لكنه لم يكن يعلم أن تلك النظرة الجارحة أنبتت امرأة أخرى تماماً؛ امرأة بدأت تبني إمبراطوريتها الخاصة من تحت الرماد، وباسم مستعار سيهز سوق الموضة والأناقة في قلب أوروبا! حين تظهر "سهر الجديدة" بكامل فتنتها وثقتها على شاشات التلفاز، مشعلةً منصات التواصل، سيعرف فارس —لأول مرة— معنى الندم الحقيقي. سيبدأ رحلة مطاردة مجنونة لاستعادة زوجته، ليصطدم بجدار أقسى من جدار قسوته.. كبرياء امرأة نبت من ليلة خذلانها الأخيرة!
查看更多كان صوت الماء المتساقط يتردد من داخل الحمام.
كان فارس النعمان يستحم. الساعة الثالثة فجراً. لقد عاد للتو. وقفت سهر أمام مرآة زينتها الكبيرة، ترغب في التحدث إليه بشأن أمرٍ ما. كانت متوترة، لا تدري إن كان سيوافق على ما ستخبره به أم لا. وبينما كانت تفكر في الطريقة المناسبة لبدء الحديث، انتبهت فجأة إلى يدها المرتجفة وهي تمسك بمساحيق التجميل ذات التغطية الكثيفة. ببطء شديد، أزاحت حمالة فستانها الحريري الأسود عن كتفها الأيسر، ليتعرى أمام المرآة ذلك السطح المشوه من جلدها. ندوب غائرة، متعرجة، تميل إلى الحمرة الداكنة؛ بقايا حريق قديم التهم رقة أنوثتها في تلك الليلة المشؤومة قبل سنوات، حين ألقت بنفسها وسط النيران لتنقذ شقيقته الصغرى من موت محقق. بدأت سهر في دمج المساحيق فوق بشرتها المتضررة بحركات دقيقة، كانت تخفي آثار الحروق بصمت وخجل، كأنها تخفي جريمة لم ترتكبها. طوال السنوات الخمس التي قضتها زوجة لفارس، كانت دائماً تهرب؛ تهرب من العالم الخارجي، وتهرب من نظرات الناس الغريبة، وتهرب أيضاً من شفقة فارس وتعاطفه —زوجة فارس... عرجاء. كيف لامرأة عرجاء أن تليق برجل ناجح متألق مثله؟ لكنها كانت تملك يوماً ساقين جميلتين. تنهدت بغصة مريرة وهي ترى الندوب تتلاشى ظاهرياً تحت طبقات المستحضرات الكثيفة. أعادت حمالة الفستان إلى مكانها، ثم نظرت إلى وجهها؛ عيناها المتسعتان كانتا تلمعان ببريق الدموع المحبوسة. لقد أعدت كل شيء لهذه الليلة؛ ارتدت الفستان الأنيق الذي اختارته بعناية ليغطي أقصى ما يمكن من جسدها، وصففت شعرها الأسود الطويل ليتدلى بنعومة فوق ظهرها. كان اليوم ذكرى زواجهما، مرور خمس سنوات على زفافهما، ومع ذلك لم يجمع بينهما شيء كزوجين. تعترف بأنها أحبته منذ ذلك الحين، بصمت وخجل. في ذلك الوقت، كان هو الفتى الوسيم، الطالب المتفوق البارد الطباع. أما هي، فكانت طالبة فنون، جميلة، لكن الفتيات الجميلات كثيرات، ولم تكن طالبة الفنون لافتة إلى ذلك الحد، بل إن البعض كان يحمل تجاهها شيئاً من التحامل. فبقي حبها سراً لا يُقال، يخصها وحدها، لم يخطر ببالها يوماً أنها ستقف أمامه يوماً ما. إلى أن عادت، بعد تخرجها من معهد الرقص لقضاء العطلة الصيفية في بيتها، فالتقت به، منهاراً لا يقوى على النهوض. في تلك الليلة، كان سكيراً، يمشي مترنحاً في الشارع، وعندما همّ بعبور الطريق دون النظر إلى الإشارة، انطلقت سيارة مسرعة، وكانت هي، التي تتبعه بقلق، مَن دفعته بعيداً، لتصدمها هي السيارة بدلاً عنه. كانت راقصة موهوبة، حصلت على قبول لمتابعة الدراسات العليا، لكن تلك الحادثة تركت ساقها مصابةً بعرج دائم، ولم تعد قادرة على الرقص أبداً. بعدها أقلع هو عن الشرب، وتزوجها. كان يشعر تجاهها بالذنب إلى الأبد، ويظل ممتناً لها إلى الأبد، ويتحدث معها دائماً بصوت خافت لطيف، ببرود ثابت، وكان يغمرها بالهدايا والمال. لكنه، وحده الشيء الذي لم يمنحه إياه: لم يحبها يوماً. ظنت أن الزمن سيذيب الجليد بينهما، لكنها كانت ساذجة. وفي النهاية... كانت هي الساذجة، كانت هي الطيبة أكثر مما ينبغي. تأملت الغرفة الشاسعة؛ السرير الكبير ذو الملاءات الحريرية الناعمة، والمسافة الميتة المتسعة بين وسادتيهما، مسافة كانت تشعر كل ليلة أنها تتسع لتكفي ثلاثة أشخاص آخرين. لطالما نامت عند هذا الطرف، بينما يستلقي هو عند الطرف الأقصى الآخر، دون كلمة، دون لمسة حانية. حين وفقت أخيراً، خرج فارس من الحمام مرتدياً روباً أبيض غير مرتب، لكن حزامه كان مشدوداً بإحكام. خرج خلفها بصوت لطيف قلق: "هل تألمتِ؟ دعيني أرى." ألمعت الدموع في عينيها، لكنها دفعت يده برفق وحزم: "لا بأس، لا بأس." قالت وهي تغطي نفسها بالغطاء، تخفي خجلها وارتباكها. "حقاً لا بأس؟" سألها بصدق واهتمام. "نعم." أجابت وهي تدير ظهرها له. "ألن تذهبي إلى الحمام؟" "لم أعد أرغب، دعنا ننام." همست بصوت خافت. "حسناً، بالمناسبة، اليوم ذكرى زواجنا. اشتريت لكِ هدية، افتحيها غداً لتري إن كانت تعجبكِ." أجابت بهدوء. كانت الهدية موضوعة عند رأس السرير، وقد رأتها بالفعل، لكنها لم تكن بحاجة إلى فتحها لتعرف ما بداخلها. كان الصندوق كل عام بالحجم نفسه، وفي داخله الساعة نفسها تماماً. وفي درجها، مع هدايا أعياد ميلادها، ترقد تسع ساعات متطابقة، وهذه هي العاشرة. انتهى الحديث عند هذا الحد، أطفأ الضوء واستلقى، فيما امتلأت الغرفة برائحة رطبة من صابون الاستحمام، ومع ذلك، بالكاد شعرت هي بانخفاض الفراش، فسريرهما ذو المترين، تنام هي عند هذا الطرف، ويستلقي هو عند أقصى الطرف الآخر، والمسافة بينهما تتسع لثلاثة أشخاص آخرين. لم يتحدث أي منهما عن رانيا، ولا عما حدث في الحمام، كأن شيئاً لم يكن. تمددت جامدة، وحرارة الدموع تلسع عينيها. رانيا... رانيا قاسم، زميلته في الجامعة، حبيبته الأولى، ومعبودته. حين تخرجا، سافرت رانيا إلى الخارج، وافترقا. انهار بعدها فارس، وغرق في الشراب، حتى أنقذته سهر. لكنها لم تتخيل قط أنه، بعد مرور خمس سنوات، ما زال اسم "رانيا" محفوراً في قلبه بهذا العمق، حتى في لحظاته الخاصة، لا يزال ينادي بهذا الاسم ذاته. لم تنم تلك الليلة. ظلت تحدق في بريدها الإلكتروني، في تلك الرسالة التي قرأتها مائة مرّة؛ عرض قبول من جامعة في الخارج لدراسة الماجستير. وكانت تنوي أن تسأله الليلة إن كان يوافق على سفرها، لكن يبدو أنها لم تعد تحتاج إلى سؤاله. خمس سنوات من زواج بارد، وسهر لا تنتهي من الوحدة، صارت الآن تعد أنفاسها الأخيرة. حين استيقظ، كانت تتظاهر بالنوم. سمعته في الخارج يقول للخادمة: "لدي اجتماع الليلة، قولي لسيدتي ألا تنتظرني، فلنم باكراً." ثم عاد يتفقدها قبل أن يغادر، وهي ما زالت تحت الغطاء، ودموعها قد بللت الوسادة. كان في العادة، حين يذهب إلى الشركة، يجد ثيابه التي اختارتها له مسبقاً موضوعة بجانبه، لكنها اليوم لم تفعل ذلك. فذهب إلى غرفة الملابس، واختار ثيابه بنفسه ثم غادر إلى عمله. حين خرج، فتحت عينيها، تشعر بثقل في جفنيها. رن منبه الهاتف، الوقت المخصص لدراسة اللغة الإنجليزية. ومنذ زواجها، وبسبب إصابة ساقها، أمضت تسعين في المئة من وقتها حبيسة المنزل. لم تعد تخرج، وصارت تقطع يومها إلى فترات صغيرة، تبحث في كل منها عما يشغلها وحدها. أغلقت المنبه، وبدأت تتصفح التطبيقات بلا هدف. ذهنها مشوش، لا تركز في شيء. إلى أن ظهر أمامها فجأة مقطع فيديو على إنستغرام. الوجه مألوف للغاية... نظرت إلى اسم الحساب: رانو سي سي. هذا زمن الخوارزميات فعلاً... تاريخ النشر: البارحة. ضغطت على الفيديو، فتعالت موسيقى صاخبة، وصوت يقول: "واحد، اثنان، ثلاثة، مرحباً بعودة رانيا! نحبكِ!" وكان الصوت... صوت فارس. وفجأة، شعرت بوقع أقدام تقترب من خلفها في ممر غرفتها المظلم. التفتت بذعر، لتجد ظله الطويل يتمدد فوق الأرضية، وعيناه الباردتان تحدقان بها وسط عتمة الفجر المتسلل من النوافذ! كان الباب المغلق يفصل بين عالمين. تحرك فارس برتابة نحو الحمام الملحق بالجناح. كانت خطواته ثقيلة، مجهدة، تحمل عبء يوم طويل قضاه خلف مكاتب شركاته الاستثمارية الضخمة. بمجرد أن أُغلق الباب، انبعث صوت تدفق المياه متساقطاً بارتطام منتظم، ليمتزج من جديد بصوت حبات المطر التي كانت تضرب زجاج الشرفات في الخارج بلا هوادة. وقفت سهر في منتصف غرفة النوم الواسعة. كانت الغرفة غارقة في برود غريب لا تفلح المدفأة المركزية في طرده، برود ينبعث من الجدران ذاتها، ومن ذلك السرير ذي المترين الذي بات يشبه رقعة جليدية تفصل بين جسدين. شعرت بقشعريرة خفيفة تسري في أطرافها؛ كان فستانها الحريري الأسود رقيقاً، ولم يكن كافياً لحمايتها من صقيع نوفمبر المتسلل. تذكرت شالها الصوفي الدافئ، ذلك الشال الرمادي الذي غزلته في ليالي وحدتها الطويلة، والذي تركته صباحاً فوق المقعد الجلدي في غرفة مكتبه الخاصة الملحقة بالجناح. تحركت بخطوات متهادية، حريصة كل الحرص على كتمان صوت عرج ساقها الخفيف فوق السجاد العجمي الفاخر. لم تكن ترغب في إثارة أي جلبة. دنت من باب مكتبه، وكانت الغرفة غارقة في عتمة خفيفة، لا يكسر عتمتها سوى الضوء الشاحب المتسلل من شاشات الأجهزة الرقمية. مددت يدها نحو مقبض الباب البارد، ودفعته في صمت. لكن خطوتها تجمدت في الهواء حين وجدت....في الجناح الملكي الباذخ لفندق "جورج الخامس" العتيق، حيث تتشابك ملامح الترف الأرستقراطي مع صمت الجدران المصمتة، كان الفضاء يضيق على صدر فارس النعمان حتى كاد يخنقه. كانت ستائر المخمل القرمزي الثقيلة، المحلاة بالنقوش المذهبة المنسوجة يدوياً، تدلى كستائر مسرح هُجر أبطاله بعد مأساة إغريقية دموية. وقف فارس أمام الشرفة الزجاجية الشاهقة، يحدق بعينين غائرتين في ليل باريس المبلل. لم يكن المطر في الخارج مجرد ماء ينهمر، بل كان سوطاً من صقيع يجلد نوافذه، وكانت الأضواء البعيدة المنبعثة من برج إيفل، الممتدة وسط ضباب المدينة الكثيف، تبدو لعينيه المتعبتين كمسامير من نور سائل تخترق صدره المثقل بالخيبات، وتنزع عنه ما تبقى من وقاره القديم. كان يمسك في يده اليمنى، تلك اليد القوية التي طالما حسمت صفقات تجارية كبرى بجرّة قلم، وثيقة التحذير القانوني الرسمي المطبوعة على ورق صقيل يلوح في أعلاه شعار الجمهورية الفرنسية البارد. تسلمها قبل أقل من ساعة من ممثل الادعاء العام، الذي كان مصحوباً بقوة من الشرطة القضائية الصارمة. كانت أصابعه الطويلة ترتجف بعنف مستتر، عنف لم يعهده في نفسه قط، وكان يضغط على الأ
لم تكن شمس باريس في الصباحات التالية لتغسل وعثاء تلك الليلة المطيرة التي انكسر فيها قيد "سهر"، بل كانت الخيوط الذهبية الباهتة تتسلل عبر ضباب المدينة لتكشف عن ملامح فارس النعمان التي باتت أشبه بتمثال من الرخام المشروخ. رفض فارس مغادرة العاصمة الفرنسية؛ إذ كيف يغادر الطاغية أرضاً شهدت أول هزيمة علنية لكبريائه؟ كيف يعود إلى مصر وظل أنثاه الطاهرة لا يزال يتهادى فوق أرصفة "مونمارت" الحجرية دون إذنه؟ كان رحيلها قد أحدث في روحه ثقباً أسود يلتهم كل ما بناه من نفوذ، وتحول ذلك العشق المريض بالتملك إلى هوس يحرق خلايا عقله.في الجناح الملكي لفندق "جورج الخامس" الفخم، كان فارس يسير جيئة وذهاباً بخطوات ثقيلة يتردد صداها بين الجدران المذهبة. الصراع النفسي كان ينهش أحشاءه بلا رحمة؛ يرى مقعده الفاخر خاوياً، فيخيل إليه أنه يرى سهر بجسدها الدافئ واحتشامها الشاعري، تنظر إليه بعينين تفيضان بعاطفة رومانسية منكسرة، تلك النظرة القديمة التي طالما هرب منها في عتمة قصر النعمان مدعياً الجفاء ليغطي على ذنب حريقها القديم. أما الآن، فلم يتبق له من ذكراها سوى عينيها الميتتين اللتين رآهما تحت المطر، يدان عاجيتا
ظلّت شوارع "مونمارت" الحجرية شاهدةً على تلك اللحظة التاريخية، حيث تلاقت الأنفاس اللاهثة تحت غسق باريس المطير، وتحولت بقعة الضوء الباهتة المنبعثة من عمود الإنارة العتيق إلى ساحة حرب نفسية طاحنة. كان فارس النعمان لا يزال ممسكاً بمعصم سهر، وأصابعه الفولاذية تطوق جلدها النقي كقيدٍ أثري يأبى الزوال. كانت نبضات قلبه المتسارعة تقرع في صدره كطبول الحرب، وعيناه الغائرتان تبحثان في ملامحها عن أي أثرٍ لتلك الطفلة المستكينة التي طالما بكت بين يديه، مستجديةً منه نظرة حب أو دفقاً دافئاً يذيب صقيع زواج الشفقة.بيد أن ما رآه فارس في تلك اللحظة أطاح بآخر ذرات كبريائه البرجوازي؛ لم يجد في عينيها خوفاً، ولا عتاباً، ولا حتى شرارة غضب متقدة. كانت عينا سهر تبدوان كبحرين من الجليد الأسود، ميتتين، خاليتين تماماً من أي مشاعر، وكأن الرجل الواقف أمامها بكل سطوته وثروته وجنونه ليس سوى عابر سبيل لا يملك في رصيد أيامها قطرة مداد واحدة. كان هذا الموت العاطفي في عينيها أشد قسوة على روحه المريضة بالتملك من أي صراخ أو عويل.استجمعت سهر كل ذرة من قوتها المستعارة من مرارة الغربة، وفي حركة مفاجئة لم يتوقعها جسد
كانت باريس في تلك الليلة تتشح برداء من الغسق الرمادي الداكن، والغيوم الحبلى بالمطر الثقيل تحاصر برج إيفل وتخفي قمته كأنه سر مطوي في كتاب العدم. لم يكن المطر مجرد حبات ماء باردة تسقط على الأرصفة الحجرية لحي "مونمارت"، بل كان إيقاعاً قادماً من عمق الذاكرة؛ إيقاعاً شبيهاً بليلة هروب سهر من قصر النعمان بالقاهرة، حين انشقت الأرض وابتلعت طيفها تاركة وراءها فراغاً موحشاً مزق كبرياء مالكها.توقفت سيارة اليموزين السوداء ذات الزجاج الداكن على بعد أمتار قليلة من البوابة الحديدية الضخمة لـ "معهد باريس العالي للأزياء". انفتح الباب الخلفي ببطء، وترجل منه فارس النعمان. لم يكن ذلك الرجل الصارم الذي تهتز له ردهات الشركات الكبرى؛ بل كان جسداً شحنه الصراع النفسي بجنون عارم، وعينين غائرتين يملأهما الاحمرار، وروحاً ينهشها الشوق المريض بالتملك والندم المتأخر. كان يرتدي معطفه الصوفي الأسود الطويل، وياقته المرفوعة تحمي عنقه من لفحات البرد، لكنها لم تكن لتدفئ الصقيع الذي استوطن ضلوعه منذ أن غادرت أنثاه الطاهرة سريره المنفصل.وقف فارس يستند إلى عمود إنارة قديم ينبعث منه ضوء أصفر باهت، يراقب البوابة ب
كانت لافحة الفجر الباردة لا تزال تضرب جدران القصر الفاخر، حين انطلق صوت فارس النعمان من داخل سيارته الرابضة في باحة القصر كزئير وحشٍ طُعن في مقتل. لم تكن يداه النازفتان اللتان تقبضان على مقود السيارة بعنفٍ جنوني سوى انعكاسٍ خارجي لتمزق أحشائه من الداخل. ألقى بجسده الضخم خارج مقعد القيادة، ودلف إل
انقشعت غيوم الليل العاصف عن صباح تشرينيٍّ بارد، تسللت خيوطه الرمادية الشاحبة عبر ستائر الجناح الرئيسي الفاخر، لتلقي بظلالٍ باهتة على وجه فارس النعمان. فتح عينيه ببطء، وفي حلقه مرارة تشبه علقم ليلة البارحة. كانت أنفاسه ثقيلة، وجسده مثقلاً بتعب ذلك النزاع الصامت الذي دار بينه وبين سهر في طريق العود
عادت سهر إلى القصر والخطوات تتسارع في سباق محموم مع الزمن، كان الصمت في الردهات يزداد ثقلاً مع اقتراب الليل، وكأن الجدران الضخمة تشعر بالزلزال العاطفي الذي يوشك أن يقتلع أوتاد هذا المكان. دخلت الجناح الرئيسي، وكان عطر فارس الغني برائحة العود والصندل لا يزال عالقاً في الهواء، عطرٌ طالما ارتبط في ذ
انقشعت عتمة تلك الليلة الجائرة عن صباح تشرينيّ جديد، لم يحمل معه سوى رداء كثيف من الضباب الرمادي الذي غلّف شوارع القاهرة ككفن بارد. تحركت سهر في ردهات القصر الفسيح كطيف عابر بعد أن تأكدت من مغادرة فارس إلى مملكته التجارية. لم يكن في صدرها متسع للبكاء أو اجترار الخيبات؛ فالروح التي ذُبحت كرامتها ا