خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة

خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة

last update最後更新 : 2026-06-28
作者:  بدر رمضان剛剛更新
語言: Arab
goodnovel16goodnovel
評分不足
18章節
87閱讀量
閱讀
加入書架

分享:  

檢舉
作品概覽
目錄
掃碼在 APP 閱讀

故事簡介

العصر الجديد

رئيس الشركة

حب وكراهية

حب مؤلم

بطل متسلط

مهووس

الخيانة

يتم انتهاك التوقعات

من الكراهية إلى الحب

خمس سنوات مرّت على تلك الحادثة المشؤومة.. خمس سنوات منذ أن دفعت "سهر" جسدها وثمن أنوثتها لإنقاذ شقيقته، فتركت النيران آثارها القاسية على رقة جسدها، وتركت الشفقة والذنب أثرهما على زواجها من رجل الأعمال المليونير "فارس النعمان". طوال خمسة أعوام، عاشت سهر في سجنه المخملي، قصرٌ بارد كصاحبه. كان يغمرها بأفخر الثياب المحتشمة —ليخفي عيوبها عن أعين مجتمعه— ويقدم لها في كل عيد زواج نفس صندوق الساعات الفاخرة المكررة.. هدايا باهظة تُشترى بالمال لتسد خانة المشاعر الميتة، بينما لم تنظر عيناه يوماً في عينيها بشغف. لكن في ليلة عيد زواجهما الخامس، وبينما كانت الشموع تذوب في صمت، تلقت سهر الطعنة التي أطاحت بما تبقى من كبريائها كأنثى! دلفَت إلى غرفته خفية لتسأله عن أمرٍ ما، لتجده غارقاً في عالمه الخاص، يحدق بشغفٍ محموم ورغبة عارمة في شاشة هاتفه.. كان يتأمل صورة عارية لحبيبة عمره الراحلة عن بلاده. نظرة عينيه، وتنهيداته المكتومة، تمنت سهر لو حظيت بربعها طوال سنوات زواجهما البارد، لكنها كانت نظرات محرمة لامرأة أخرى، بينما هي —الزوجة المضحية— مجرد واجهة وواجب ثقيل يهرب منه حتى في فراشهما! في تلك الليلة بالذات، وتحت مطر تشرين البارد، لم تبكِ سهر.. ولم تصرخ. انهار جدار الصبر وتحول كبرياؤها الجريح إلى قوة مرعبة. خلعت قفازاتها المخملية، تركت صندوق الساعات الممتلئ، ووضعت أوراق الطلاق فوق السرير البارد الذي لم يجمعهما يوماً.. ورحلت في صمت كالظل. ظنّ فارس أنها مجرد نوبة غضب لامرأة ضعيفة لا تملك من حطام الدنيا شيئاً، وأنها ستعود زاحفة إليه.. لكنه لم يكن يعلم أن تلك النظرة الجارحة أنبتت امرأة أخرى تماماً؛ امرأة بدأت تبني إمبراطوريتها الخاصة من تحت الرماد، وباسم مستعار سيهز سوق الموضة والأناقة في قلب أوروبا! حين تظهر "سهر الجديدة" بكامل فتنتها وثقتها على شاشات التلفاز، مشعلةً منصات التواصل، سيعرف فارس —لأول مرة— معنى الندم الحقيقي. سيبدأ رحلة مطاردة مجنونة لاستعادة زوجته، ليصطدم بجدار أقسى من جدار قسوته.. كبرياء امرأة نبت من ليلة خذلانها الأخيرة!

查看更多

第 1 章

الفصل الأول: زجاج الساعات المكسور

كان صوت الماء المتساقط يتردد من داخل الحمام.

كان فارس النعمان يستحم.

الساعة الثالثة فجراً.

لقد عاد للتو.

وقفت سهر أمام مرآة زينتها الكبيرة، ترغب في التحدث إليه بشأن أمرٍ ما. كانت متوترة، لا تدري إن كان سيوافق على ما ستخبره به أم لا. وبينما كانت تفكر في الطريقة المناسبة لبدء الحديث، انتبهت فجأة إلى يدها المرتجفة وهي تمسك بمساحيق التجميل ذات التغطية الكثيفة.

ببطء شديد، أزاحت حمالة فستانها الحريري الأسود عن كتفها الأيسر، ليتعرى أمام المرآة ذلك السطح المشوه من جلدها. ندوب غائرة، متعرجة، تميل إلى الحمرة الداكنة؛ بقايا حريق قديم التهم رقة أنوثتها في تلك الليلة المشؤومة قبل سنوات، حين ألقت بنفسها وسط النيران لتنقذ شقيقته الصغرى من موت محقق.

بدأت سهر في دمج المساحيق فوق بشرتها المتضررة بحركات دقيقة، كانت تخفي آثار الحروق بصمت وخجل، كأنها تخفي جريمة لم ترتكبها. طوال السنوات الخمس التي قضتها زوجة لفارس، كانت دائماً تهرب؛ تهرب من العالم الخارجي، وتهرب من نظرات الناس الغريبة، وتهرب أيضاً من شفقة فارس وتعاطفه —زوجة فارس... عرجاء.

كيف لامرأة عرجاء أن تليق برجل ناجح متألق مثله؟ لكنها كانت تملك يوماً ساقين جميلتين.

تنهدت بغصة مريرة وهي ترى الندوب تتلاشى ظاهرياً تحت طبقات المستحضرات الكثيفة. أعادت حمالة الفستان إلى مكانها، ثم نظرت إلى وجهها؛ عيناها المتسعتان كانتا تلمعان ببريق الدموع المحبوسة. لقد أعدت كل شيء لهذه الليلة؛ ارتدت الفستان الأنيق الذي اختارته بعناية ليغطي أقصى ما يمكن من جسدها، وصففت شعرها الأسود الطويل ليتدلى بنعومة فوق ظهرها. كان اليوم ذكرى زواجهما، مرور خمس سنوات على زفافهما، ومع ذلك لم يجمع بينهما شيء كزوجين. تعترف بأنها أحبته منذ ذلك الحين، بصمت وخجل.

في ذلك الوقت، كان هو الفتى الوسيم، الطالب المتفوق البارد الطباع. أما هي، فكانت طالبة فنون، جميلة، لكن الفتيات الجميلات كثيرات، ولم تكن طالبة الفنون لافتة إلى ذلك الحد، بل إن البعض كان يحمل تجاهها شيئاً من التحامل. فبقي حبها سراً لا يُقال، يخصها وحدها، لم يخطر ببالها يوماً أنها ستقف أمامه يوماً ما.

إلى أن عادت، بعد تخرجها من معهد الرقص لقضاء العطلة الصيفية في بيتها، فالتقت به، منهاراً لا يقوى على النهوض. في تلك الليلة، كان سكيراً، يمشي مترنحاً في الشارع، وعندما همّ بعبور الطريق دون النظر إلى الإشارة، انطلقت سيارة مسرعة، وكانت هي، التي تتبعه بقلق، مَن دفعته بعيداً، لتصدمها هي السيارة بدلاً عنه. كانت راقصة موهوبة، حصلت على قبول لمتابعة الدراسات العليا، لكن تلك الحادثة تركت ساقها مصابةً بعرج دائم، ولم تعد قادرة على الرقص أبداً.

بعدها أقلع هو عن الشرب، وتزوجها.

كان يشعر تجاهها بالذنب إلى الأبد، ويظل ممتناً لها إلى الأبد، ويتحدث معها دائماً بصوت خافت لطيف، ببرود ثابت، وكان يغمرها بالهدايا والمال. لكنه، وحده الشيء الذي لم يمنحه إياه: لم يحبها يوماً. ظنت أن الزمن سيذيب الجليد بينهما، لكنها كانت ساذجة. وفي النهاية... كانت هي الساذجة، كانت هي الطيبة أكثر مما ينبغي.

تأملت الغرفة الشاسعة؛ السرير الكبير ذو الملاءات الحريرية الناعمة، والمسافة الميتة المتسعة بين وسادتيهما، مسافة كانت تشعر كل ليلة أنها تتسع لتكفي ثلاثة أشخاص آخرين. لطالما نامت عند هذا الطرف، بينما يستلقي هو عند الطرف الأقصى الآخر، دون كلمة، دون لمسة حانية.

حين وفقت أخيراً، خرج فارس من الحمام مرتدياً روباً أبيض غير مرتب، لكن حزامه كان مشدوداً بإحكام. خرج خلفها بصوت لطيف قلق:

"هل تألمتِ؟ دعيني أرى."

ألمعت الدموع في عينيها، لكنها دفعت يده برفق وحزم:

"لا بأس، لا بأس." قالت وهي تغطي نفسها بالغطاء، تخفي خجلها وارتباكها.

"حقاً لا بأس؟" سألها بصدق واهتمام.

"نعم." أجابت وهي تدير ظهرها له.

"ألن تذهبي إلى الحمام؟"

"لم أعد أرغب، دعنا ننام." همست بصوت خافت.

"حسناً، بالمناسبة، اليوم ذكرى زواجنا. اشتريت لكِ هدية، افتحيها غداً لتري إن كانت تعجبكِ."

أجابت بهدوء. كانت الهدية موضوعة عند رأس السرير، وقد رأتها بالفعل، لكنها لم تكن بحاجة إلى فتحها لتعرف ما بداخلها. كان الصندوق كل عام بالحجم نفسه، وفي داخله الساعة نفسها تماماً. وفي درجها، مع هدايا أعياد ميلادها، ترقد تسع ساعات متطابقة، وهذه هي العاشرة.

انتهى الحديث عند هذا الحد، أطفأ الضوء واستلقى، فيما امتلأت الغرفة برائحة رطبة من صابون الاستحمام، ومع ذلك، بالكاد شعرت هي بانخفاض الفراش، فسريرهما ذو المترين، تنام هي عند هذا الطرف، ويستلقي هو عند أقصى الطرف الآخر، والمسافة بينهما تتسع لثلاثة أشخاص آخرين. لم يتحدث أي منهما عن رانيا، ولا عما حدث في الحمام، كأن شيئاً لم يكن.

تمددت جامدة، وحرارة الدموع تلسع عينيها. رانيا... رانيا قاسم، زميلته في الجامعة، حبيبته الأولى، ومعبودته. حين تخرجا، سافرت رانيا إلى الخارج، وافترقا. انهار بعدها فارس، وغرق في الشراب، حتى أنقذته سهر. لكنها لم تتخيل قط أنه، بعد مرور خمس سنوات، ما زال اسم "رانيا" محفوراً في قلبه بهذا العمق، حتى في لحظاته الخاصة، لا يزال ينادي بهذا الاسم ذاته.

لم تنم تلك الليلة.

ظلت تحدق في بريدها الإلكتروني، في تلك الرسالة التي قرأتها مائة مرّة؛ عرض قبول من جامعة في الخارج لدراسة الماجستير. وكانت تنوي أن تسأله الليلة إن كان يوافق على سفرها، لكن يبدو أنها لم تعد تحتاج إلى سؤاله. خمس سنوات من زواج بارد، وسهر لا تنتهي من الوحدة، صارت الآن تعد أنفاسها الأخيرة.

حين استيقظ، كانت تتظاهر بالنوم. سمعته في الخارج يقول للخادمة:

"لدي اجتماع الليلة، قولي لسيدتي ألا تنتظرني، فلنم باكراً."

ثم عاد يتفقدها قبل أن يغادر، وهي ما زالت تحت الغطاء، ودموعها قد بللت الوسادة. كان في العادة، حين يذهب إلى الشركة، يجد ثيابه التي اختارتها له مسبقاً موضوعة بجانبه، لكنها اليوم لم تفعل ذلك. فذهب إلى غرفة الملابس، واختار ثيابه بنفسه ثم غادر إلى عمله.

حين خرج، فتحت عينيها، تشعر بثقل في جفنيها. رن منبه الهاتف، الوقت المخصص لدراسة اللغة الإنجليزية. ومنذ زواجها، وبسبب إصابة ساقها، أمضت تسعين في المئة من وقتها حبيسة المنزل. لم تعد تخرج، وصارت تقطع يومها إلى فترات صغيرة، تبحث في كل منها عما يشغلها وحدها.

أغلقت المنبه، وبدأت تتصفح التطبيقات بلا هدف. ذهنها مشوش، لا تركز في شيء. إلى أن ظهر أمامها فجأة مقطع فيديو على إنستغرام. الوجه مألوف للغاية... نظرت إلى اسم الحساب: رانو سي سي.

هذا زمن الخوارزميات فعلاً... تاريخ النشر: البارحة.

ضغطت على الفيديو، فتعالت موسيقى صاخبة، وصوت يقول: "واحد، اثنان، ثلاثة، مرحباً بعودة رانيا! نحبكِ!"

وكان الصوت... صوت فارس.

وفجأة، شعرت بوقع أقدام تقترب من خلفها في ممر غرفتها المظلم. التفتت بذعر، لتجد ظله الطويل يتمدد فوق الأرضية، وعيناه الباردتان تحدقان بها وسط عتمة الفجر المتسلل من النوافذ!

كان الباب المغلق يفصل بين عالمين.

تحرك فارس برتابة نحو الحمام الملحق بالجناح. كانت خطواته ثقيلة، مجهدة، تحمل عبء يوم طويل قضاه خلف مكاتب شركاته الاستثمارية الضخمة. بمجرد أن أُغلق الباب، انبعث صوت تدفق المياه متساقطاً بارتطام منتظم، ليمتزج من جديد بصوت حبات المطر التي كانت تضرب زجاج الشرفات في الخارج بلا هوادة.

وقفت سهر في منتصف غرفة النوم الواسعة. كانت الغرفة غارقة في برود غريب لا تفلح المدفأة المركزية في طرده، برود ينبعث من الجدران ذاتها، ومن ذلك السرير ذي المترين الذي بات يشبه رقعة جليدية تفصل بين جسدين. شعرت بقشعريرة خفيفة تسري في أطرافها؛ كان فستانها الحريري الأسود رقيقاً، ولم يكن كافياً لحمايتها من صقيع نوفمبر المتسلل. تذكرت شالها الصوفي الدافئ، ذلك الشال الرمادي الذي غزلته في ليالي وحدتها الطويلة، والذي تركته صباحاً فوق المقعد الجلدي في غرفة مكتبه الخاصة الملحقة بالجناح.

تحركت بخطوات متهادية، حريصة كل الحرص على كتمان صوت عرج ساقها الخفيف فوق السجاد العجمي الفاخر. لم تكن ترغب في إثارة أي جلبة. دنت من باب مكتبه، وكانت الغرفة غارقة في عتمة خفيفة، لا يكسر عتمتها سوى الضوء الشاحب المتسلل من شاشات الأجهزة الرقمية. مددت يدها نحو مقبض الباب البارد، ودفعته في صمت.

لكن خطوتها تجمدت في الهواء حين وجدت....

展開
下一章
下載

最新章節

更多章節
暫無評論。
18 章節
الفصل الأول: زجاج الساعات المكسور
كان صوت الماء المتساقط يتردد من داخل الحمام. كان فارس النعمان يستحم. الساعة الثالثة فجراً. لقد عاد للتو. وقفت سهر أمام مرآة زينتها الكبيرة، ترغب في التحدث إليه بشأن أمرٍ ما. كانت متوترة، لا تدري إن كان سيوافق على ما ستخبره به أم لا. وبينما كانت تفكر في الطريقة المناسبة لبدء الحديث، انتبهت فجأة إلى يدها المرتجفة وهي تمسك بمساحيق التجميل ذات التغطية الكثيفة. ببطء شديد، أزاحت حمالة فستانها الحريري الأسود عن كتفها الأيسر، ليتعرى أمام المرآة ذلك السطح المشوه من جلدها. ندوب غائرة، متعرجة، تميل إلى الحمرة الداكنة؛ بقايا حريق قديم التهم رقة أنوثتها في تلك الليلة المشؤومة قبل سنوات، حين ألقت بنفسها وسط النيران لتنقذ شقيقته الصغرى من موت محقق. بدأت سهر في دمج المساحيق فوق بشرتها المتضررة بحركات دقيقة، كانت تخفي آثار الحروق بصمت وخجل، كأنها تخفي جريمة لم ترتكبها. طوال السنوات الخمس التي قضتها زوجة لفارس، كانت دائماً تهرب؛ تهرب من العالم الخارجي، وتهرب من نظرات الناس الغريبة، وتهرب أيضاً من شفقة فارس وتعاطفه —زوجة فارس... عرجاء. كيف لامرأة عرجاء أن تليق برجل ناجح متألق مثله؟ لكنها كانت تمل
閱讀更多
الفصل الثاني: جدار الجليد
كان الباب المغلق يفصل بين عالمين. تحرك فارس برتابة نحو الحمام الملحق بالجناح. كانت خطواته ثقيلة، مجهدة، تحمل عبء يوم طويل قضاه خلف مكاتب شركاته الاستثمارية الضخمة. بمجرد أن أُغلق الباب، انبعث صوت تدفق المياه متساقطاً بارتطام منتظم، ليمتزج من جديد بصوت حبات المطر التي كانت تضرب زجاج الشرفات في الخارج بلا هوادة. وقفت سهر في منتصف غرفة النوم الواسعة. كانت الغرفة غارقة في برود غريب لا تفلح المدفأة المركزية في طرده، برود ينبعث من الجدران ذاتها، ومن ذلك السرير ذي المترين الذي بات يشبه رقعة جليدية تفصل بين جسدين. شعرت بقشعريرة خفيفة تسري في أطرافها؛ كان فستانها الحريري الأسود رقيقاً، ولم يكن كافياً لحمايتها من صقيع نوفمبر المتسلل. تذكرت شالها الصوفي الدافئ، ذلك الشال الرمادي الذي غزلته في ليالي وحدتها الطويلة، والذي تركته صباحاً فوق المقعد الجلدي في غرفة مكتبه الخاصة الملحقة بالجناح. تحركت بخطوات متهادية، حريصة كل الحرص على كتمان صوت عرج ساقها الخفيف فوق السجاد العجمي الفاخر. لم تكن ترغب في إثارة أي جلبة. دنت من باب مكتبه، وكانت الغرفة غارقة في عتمة خفيفة، لا يكسر عتمتها سوى الضوء الشاحب
閱讀更多
الفصل الثالث: الهدوء الذي يسبق العاصفة
تسللت خيوط الفجر الأولى الشاحبة عبر ستائر الجناح المخملية السميكة، لتعري نهاراً تشرينيّاً جديداً غارقاً في رداء كثيف من الضباب الرمادي. كان صخب عاصفة البارحة قد تراجع إلى حد ما، مخلفاً وراءه سكوناً مريباً يحمل في طياته برودة قارسة، وصوتاً رتيباً منتظماً لقطرات المطر المتبقية وهي تنساب على زجاج النوافذ الطويلة، تاركة خلفها مسارات متعرجة تشبه الدموع المنسية على وجنة باردة.لم تنم سهر دقيقة واحدة طوال تلك الليلة الطويلة.كانت تقف في المطبخ الفسيح ذي الجدران الرخامية القاتمة أمام آلة صنع القهوة، وجسدها مستقيم بثبات غريب لم تعهده من قبل، بينما كانت عيناها المتسعتان تحدقان في الفراغ بجمود تام يشبه جمود التماثيل المتروكة في الميادين المهجورة. كانت أنفاسها المكتومة تتصاعد في خفوت، تتنفس بصعوبة كمن يبتلع قطعاً من الزجاج المكسور، لكنها لم تعد تشعر بالألم الجسدي؛ فقد تضاءل كل وجع أمام ذلك الجرح الغائر الذي أصاب كبرياءها كأنثى في ليلة البارحة.عندما تناهى إلى مسامعها صوت خطوات فارس المألوفة، الرزينة والمنتظمة، وهي تهبط الدرج الرخامي الكبير، لم ترتبك، ولم تتسارع نبضات قلبها كما كان يحدث طوال السنو
閱讀更多
الفصل الرابع: شفاء الندوب الغائرة
خلف زجاج نافذة عيادة التجميل الفاخرة القابعة في أحد الأحياء الراقية بالقاهرة، كانت حركة المرور تبدو باهتة ومشوّشة بفعل بقايا الضباب التشرينيّ. كان الهدوء في هذا المكان يبدو مصطنعاً، تعززه رائحة المعقمات الطبية الخفيفة والموسيقى الهادئة التي تبثها مكبرات الصوت في السقف، هدوء يتناقض تماماً مع الصراع المحموم الذي يدور في صدر سهر.جلست سهر على المقعد الجلدي الأبيض داخل غرفة الفحص، ممسكةً بحقيبة يدها بقوة أدت إلى ابيضاض مفاصل أصابعها. كانت طوال السنوات الماضية تزور هذا المكان سراً، كمن يتردد على وكر لجريمة ما، هرباً من معرفة فارس، وهرباً من أن يرى محاولاتها المستميتة لإصلاح جسدها المشوه. كان فارس دائماً يغمرها بكلمات الشفقة والامتنان، ويخبرها أن تلك الحروق هي "أوسمة شرف" لأنها أنقذت شقيقته، لكن نظراته الباردة المتهربة من جسدها في الفراش كانت تقول عكس ذلك تماماً. كانت نظراته تذبح كبرياءها كل ليلة، وتؤكد لها أنها باتت مجرد جسد متضرر يثير الشفقة والواجب لا الرغبة.دخل الطبيب، وهو جراح تجميل معروف، يرتدي معطفه الطبي الأبيض ويحمل ملفها التاريخي الممتلئ بالتقارير وجلسات الليزر المعقدة التي خضعت
閱讀更多
الفصل الخامس: شباك الخديعة
كان المساء قد أرخى سدوله الكثيفة فوق العاصمة، وتوشحت شوارعها بوشاح مغزل من ضباب نوفمبر البارد وصخب سياراتها التي لا تهدأ. في الجناح الرئيسي للقصر، كان الصمت الحذر هو السيد والمسيطر، يتنقل كطيف خفي بين سهر وفارس، صمت لم تعد تكسره سوى حركة أناملها الواجفة وهي تصفف خصلات شعرها أمام المرآة الطويلة. دخل فارس الغرفة بخطوات حازمة، ينبعث منه ذلك الكبرياء الطاغي الذي يفرضه منصبه كرئيس لمجموعة الشركات المستهدفة بالاندماج الليلة. وقف خلفها، يتأمل انعكاس صورتها في الزجاج المصقول؛ كانت تبدو كالملكة الأسيرة، هدوءها مريب، وملامحها مغلفة ببرود صلد كالصخر لم يعهده فيها طوال خمس سنوات. تحمحم فارس ليقطع هذا الحصار الصامت، وقال بنبرة هادئة حملت صوتاً خافتاً من الأمر المبطن بالرقة: * "سهر.. الليلة حفل عشاء عمل ضخم بمناسبة اندماج شركاتي، وهو الحدث الأهم في مسيرتي المهنية لهذا العام. أريدكِ أن ترافقي البريطانيين وشركائي الجدد، فالصحافة ستغطي الحفل بأكمله." لم تلتفت إليه، بل واصلت تمشيط شعرها بنعومة مرعبة، وأجابت بصوت مستقر خلا من أي عاطفة: * "كما تشاء يا فارس.. سأكون مستعدة." أدار فارس عينيه نحو الس
閱讀更多
الفصل السادس: خيوط الرحيل الصامت
وفي تلك اللحظة المحددة من الانضغاط النفسي، انفتحت الأبواب الضخمة للقاعة بكامل اتساعها، وكأنها تعلن عن بدء المسرحية الهزلية. خفتت أضواء القاعة الرئيسية فجأة، وتسلطت بؤر الضوء المبهرة نحو المدخل، لتندلع موجة عارمة من فلاشات كاميرات الصحافة والصيحات الصاخبة التي هزت أركان المكان.كانت المفاجأة الصادمة التي جمدت الدماء في عروق الحاضرين.دلفت "رانيا قاسم" إلى الحفل. كانت تمشي بخطوات واثقة، متغطرسة، تنبض بكامل أناقتها الفاضحة التي تتحدى كل الأعراف والتقاليد. ارتدت فستاناً أحمر قرمزيّاً مكشوف الكتفين والظهر، يلتصق بجسدها كأنه غلاف من نار، ليبرز كمال قوامها وخلوّه من أي عيب أو ندبة. كان حضورها صاخباً، مشحوناً بنظرات التحدي التي وجهتها مباشرة نحو المنصة الرئيسية، حيث يقف صفوة رجال الأعمال!عند طرف القاعة، كان فارس النعمان يتحدث مع بعض المستثمرين البريطانيين، يبتسم ببرود وجفاء كالعادة. لكن بمجرد أن وقعت عيناه على رانيا، تصلب في مكانه تماماً كمن أصابته صاعقة. سقطت الكلمات من فمه، وتلاشت ابتسامته المهنية، وانفصل عن العالم المحيط به في ثانية واحدة.كانت عيناه تلاحقان رانيا بشغف أعمى، شغف محموم، جا
閱讀更多
الفصل السابع: خيوط الرحيل
انقشعت عتمة تلك الليلة الجائرة عن صباح تشرينيّ جديد، لم يحمل معه سوى رداء كثيف من الضباب الرمادي الذي غلّف شوارع القاهرة ككفن بارد. تحركت سهر في ردهات القصر الفسيح كطيف عابر بعد أن تأكدت من مغادرة فارس إلى مملكته التجارية. لم يكن في صدرها متسع للبكاء أو اجترار الخيبات؛ فالروح التي ذُبحت كرامتها البارحة تحت أضواء حفل الاندماج الصاخب، ولدت من جديد بقسوة وإصرار صلد لا يلين. ارتدت معطفاً صوفياً طويلاً بلون الشوكولاتة الداكنة، وأحكمت لف شالها الحريري حول عنقها لتخفي تفاصيل بشرتها التي طالما حاصرها فارس بنظرات الشفقة والامتنان المصطنع. غادرت القصر بخطوات حازمة، متهادية بالرغم من عرج ساقها الخفيف، مستقرة النظرات نحو هدف واحد صِيغَ بمداد الدموع المنسية ليلة البارحة. كانت وجهتها الأولى أحد المصارف القديمة العريقة بوسط العاصمة، حيث يقبع حسابها البنكي الشخصي القديم؛ ذلك الحساب المنسي الذي فتحته قبل سنوات طويلة من معرفتها بفارس، يوم كانت أحلامها غضة، وقبل أن تلتهم النيران جسدها وتتحول حياتها إلى كفارة يدفع فارس ثمنها مقيداً بالذنب والمسؤولية. دلفت إلى ردهة المصرف ذ
閱讀更多
الفصل الثامن: صكوك الغفران
عادت سهر إلى القصر والخطوات تتسارع في سباق محموم مع الزمن، كان الصمت في الردهات يزداد ثقلاً مع اقتراب الليل، وكأن الجدران الضخمة تشعر بالزلزال العاطفي الذي يوشك أن يقتلع أوتاد هذا المكان. دخلت الجناح الرئيسي، وكان عطر فارس الغني برائحة العود والصندل لا يزال عالقاً في الهواء، عطرٌ طالما ارتبط في ذهنها بليالي الجفاء الطويلة والاقتراب البارد الذي كان يمنحه لها كواجب يثقل كاهله. تفشت رائحته في جوف صدرها، لتثير خضّة حنين قديم مشوب بمرارة حاضرة؛ فهذا العطر بالذات كان يسبق خطاه حين يأتي إليها معتذراً بعد كل غياب، محاولاً ردم الهوة السحيقة بينهما بكلمات مقتضبة، لم تكن سوى غلاف خارجي لقلب معلق في مكان آخر.وقفت وسط الغرفة الفسيحة، ونظرت إلى الفراش المزدوج الوثير؛ ذلك الفراش الذي شهد صراعاً نفسياً مريراً طوال خمس سنوات، حيث كان يجمعهما سقف واحد وتفصلهما جبال من الصمت، والخيبة، والحرمان. كم من ليلة تظاهرت فيها بالنوم، بينما كانت ترقبه وهو يتقلب في فراشه، يتنهد بأسى مكتوم كأنه سجين قيّدته الأقدار بامرأة مشوهة لا يملك نحوها سوى واجب الرعاية. لطالما نامت في زاويتها تتلمس مواضع الحروق على جسده
閱讀更多
الفصل التاسع: انتحار الكبرياء
انقشعت غيوم الليل العاصف عن صباح تشرينيٍّ بارد، تسللت خيوطه الرمادية الشاحبة عبر ستائر الجناح الرئيسي الفاخر، لتلقي بظلالٍ باهتة على وجه فارس النعمان. فتح عينيه ببطء، وفي حلقه مرارة تشبه علقم ليلة البارحة. كانت أنفاسه ثقيلة، وجسده مثقلاً بتعب ذلك النزاع الصامت الذي دار بينه وبين سهر في طريق العودة من الحفل.اعتدل في فراشه، واستند بمرفقيه على الوسائد الحريرية، محاولاً طرد طيف رانيا قاسم بفستانها الأحمر الذي ظل يطارده في نومه ككابوسٍ يمتزج بالشهوة والندم. التفت بغريزته نحو الجانب الآخر من الفراش، لكنه لم يجد سوى الفراغ؛ فراغاً بارداً لم تطأه سهر الليلة الماضية، حيث آثرت كعادتها مؤخراً الانعزال في غرفتها الصغيرة الملحقة بالجناح، هرباً من نظراته التي كانت تخترق كبرياءها.ساد الجناح هدوءٌ مريب، هدوءٌ غريبٌ لم يعتده في مثل هذا الوقت. لم يكن هناك صوت حركة خادمة، ولا حفيف ثوبها القطني وهي تتحرك بتمهل بسبب عرج ساقها الخفيف، ولا حتى صوت فيروز الذي طالما اعتادت تشغيله بصوتٍ خافت مع فيض الصباح. كان الصمت ثقيلاً، لزجاً، يطبق على أنفاسه ويثير في صدره وجلاً غامضاً وخضّة قلقٍ لم يألفها رجلٌ
閱讀更多
الفصل العاشر: رماد الوداع
كانت لافحة الفجر الباردة لا تزال تضرب جدران القصر الفاخر، حين انطلق صوت فارس النعمان من داخل سيارته الرابضة في باحة القصر كزئير وحشٍ طُعن في مقتل. لم تكن يداه النازفتان اللتان تقبضان على مقود السيارة بعنفٍ جنوني سوى انعكاسٍ خارجي لتمزق أحشائه من الداخل. ألقى بجسده الضخم خارج مقعد القيادة، ودلف إلى ردهة القصر مجدداً كالإعصار المدمر، ملامحه التي طالما اتسمت بالوقار الصارم والرصانة البرجوازية تحولت الليلة إلى قناعٍ من الرعب الصرف، الخوف من فقدان السيطرة، والخوف الأكبر... من ضياع سهر إلى الأبد.أخرج هاتفه المحمول بملامح متشنجة، وضغط على زر الاتصال بالسائق الخاص والحارس الشخصي المكلف بمراقبة القصر وحمايتها. لم ينتظر حتى يكتمل الرنين؛ فبمجرد أن أتاه صوت السائق المتهدج والواجل من خلف سماعة الهاتف قائلاً: "نعم يا فارس بيه..."، قاطعه فارس بصراخٍ هستيري مدوٍّ زلزل أركان السكون، صراخٍ تجمعت فيه كل ألوان الصراع النفسي المرير والندم المتأخر:"أين هي؟!!! سهر أين ذهبت؟!!! كيف خرجت من القصر دون علمي أيتها الكلاب اللاهثة؟!!! أقسم بمن خلق السموات، إن لم تخبرني بمكانها الآن، سأهدم هذا العالم ف
閱讀更多
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status