LOGINكوسكو – منزل حلى – بعد أسبوع من خروج علي من السجن كان الصباح بارداً في كوسكو، والنسيم الجبلي يداعب أغصان أشجار الصنوبر خارج نافذة غرفة المعيشة. استيقظ علي قبل شروق الشمس، كما اعتاد في السجن، لكنه هذه المرة لم يجد جدراناً رمادية تزنر حوله. كانت الغرفة صغيرة، مفروشة ببساطة، لكن ضوء الفجر كان يتسلل من الستائر البيضاء ليرسم خطوطاً ذهبية على الأرض الخشبية. جلس على حافة السرير، ولم يتحرك لعدة دقائق، يتأكد أن هذا ليس حلماً. إلى جانبه، كانت حلى نائمة، وملامحها الهادئة تشي بسلام لم تشعر به منذ سنوات. كان شعرها قد امتزج بالشيب أكثر مما يتذكر، وتجاعيد وجهها أصبحت أعمق، لكنها ظلت جميلة في عينيه. انحنى وقبل جبينها قبلة خفيفة، ثم نهض بهدوء لئلا يوقظها. خرج إلى غرفة المعيشة. كانت ماكينة الخياطة القديمة لا تزال في زاويتها، وبجانبها كومة من الأقمشة الملونة. كان هناك دفتر حسابات صغير مفتوح على الطاولة، وأرقامه تشهد على عمل شاق وكفاح يومي. شعر علي بغصة في حلقه. حلى لم تنتظره فقط، بل عملت وسهرت وتعب لتؤمن لهما وللأطفال حياة كريمة. بعد دقائق، سمع خطوات خلفه. كانت ليلى الصغيرة، التي كبرت وأصبحت في الخا
برلين – سجن تياغر – بوابة الخروج – بعد ثلاث سنوات من تخفيف الحكم كانت شمس الصباح الباردة تتسلل من بين الأسلاك الشائكة التي تحيط بسجن تياغر، لتلقي بظلالها الطويلة على الجدران الرمادية. كان الجو قارساً، والرياح تعصف بأشجار الصنوبر الجافة خارج الأسوار، والثلوج القديمة لا تزال متراكمة في الزوايا. لكن علي لم يشعر بالبرد. كان واقفاً أمام البوابة الحديدية الكبيرة، يرتدي ملابسه المدنية التي أرسلتها له حلى قبل أسبوع: بنطال جينز أزرق، وقميص رمادي، وجاكيت أسود بسيط. كان شعره قد امتزج بالشيب أكثر مما كان عليه قبل ثلاث سنوات، ولحيته أصبحت أطول، لكن عينيه كانتا لا تزالان تلمعان بنفس البريق. إلى جانبه، كان سيرغي واقفاً أيضاً. كان قد خرج من السجن قبل ستة أشهر بموجب عفو رئاسي، بعد أن ساعدت معلوماته في كشف شبكة فلاديمير ألكسندروف. لكنه أصر على البقاء في برلين حتى يرى علي يخرج. لم يكن صديقاً بالمعنى التقليدي، لكنه كان الرفيق الوحيد لعلي في أشد سنوات عمره قسوة. سيرغي: «اليوم هو يومك يا علي. لا تنظر إلى الوراء. ابدأ حياة جديدة.» علي: «بدونك؟» سيرغي مبتسماً: «لكل منا طريقه. أنا سأعود إلى روسيا. لدي ثأ
برلين – محكمة برلين الإقليمية – بعد ستة أشهر من اعتقال هانز كانت قاعة المحكمة مكتظة بالصحفيين والمحامين والمتفرجين. القضية التي كانت تهم الجميع قبل سنوات عادت إلى الواجهة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بطلها لم يكن ضابط الإنتربول المدعي، بل المتهم الذي ظل خلف القضبان لسبع سنوات. كان علي جالساً خلف الزجاج العازل في قفص الاتهام، مرتدياً بذلة سجن رمادية، وشعره قد امتزج بالشيب، ووجهه أصبح أكثر تجاعيداً، لكن عينيه كانتا لا تزالان حادتين. إلى جانبه، جلس ميشيل لوبلان، محاميه القديم الذي لم يتخل عنه طوال هذه السنوات. كان يقلب ملفاً ضخماً يحتوي على الأدلة الجديدة التي تمكن من جمعها بمساعدة رفيق وسيرغي وديمتري. الأدلة التي أثبتت أن هانز تلاعب بشهود القضية، وزوّر تواريخ بعض الوثائق، وضغط على القضاة لإصدار حكم قاسٍ ضد علي. على الجانب الآخر، جلس ممثل النيابة الجديد، وهو مدعٍ شاب لم يكن متورطاً في فضيحة هانز. كان وجهه جاداً، وعيناه تتحركان بسرعة بين الأوراق. كان يعلم أن هذه القضية ستحدد مسيرته المهنية، وكان مصمماً على أن يكون عادلاً. دخل القضاة الثلاثة إلى القاعة. وقف الجميع احتراماً. جلس رئيس المحكم
براغ – شقة رفيق – بعد يومين من اعتقال هانز كانت الغرفة مظلمة، لا يضيئها سوى شاشات الحاسوب الخمس التي كانت تغطي الجدار بالكامل. كان رفيق يجلس أمامها، وعيناه محمرتان من السهر، وأصابعه لا تتوقف عن الضرب على لوحة المفاتيح. كان يتابع تدفق الأخبار لحظة بلحظة، ويوزع الملفات على عناوين بريدية جديدة كل ساعة، لضمان عدم قدرة أي جهة على حجبها بالكامل. كان يعلم أن ما يفعله خطير، لكنه كان يعلم أيضاً أن هذه هي الضربة القاضية التي كان ينتظرها الجميع. اعتقال هانز كان مجرد البداية. الأدلة التي بحوزته كانت كافية لإدانة ليس هانز فقط، بل شبكة كاملة من الضباط والوسطاء والسياسيين المتواطئين معه. لكن نشرها تطلب حذراً شديداً. رفيق لم يكن يريد أن يُقتل قبل أن يكمل المهمة. اهتز هاتفه. رسالة من حلى. قرأها بسرعة، ثم أرسل رداً موجزاً، ثم عاد إلى شاشاته. كان عليه أن يقرر أي الملفات ينشر أولاً، وأيها يؤجل. كان عليه أن يحسب ردود فعل كل الأطراف. كان عليه أن يبقى على قيد الحياة. كوسكو – منزل حلى – صباح اليوم التالي كانت حلى لا تزال نائمة عندما دخل آدم غرفتها. كان قد وصل من لندن في منتصف الليل، ولم يخبرها، مفض
كوسكو – منزل حلى – بعد ثلاثة أيام من بدء ديمتري بكتابة مقاله كانت حلى جالسة على أريكتها القديمة أمام ماكينة الخياطة، تنهي طلبية فستان زفاف لابنة أحد الجيران. كانت يداها ماهرتين، وعيناها مركزتين على القماش الأبيض الناعم الذي كان يتشكل تحت أصابعها. كانت تشعر ببعض السلام الداخلي لأول مرة منذ أسابيع. العمل كان يشغلها عن التفكير في هانز، وعن علي، وعن الخطر الذي لا يزال يحدق بهم. فجأة، رن هاتفها الأسود. كانت هذه إشارة من رفيق. لم تكن تتفاجأ باتصالاته في أوقات غير متوقعة، لكنها كانت تعلم أنها تحمل أخباراً مهمة. توقفت عن الخياطة، ومسحت يديها بقطعة قماش، ثم رفعت السماعة. رفيق من الطرف الآخر، بصوت منخفض سريع: «حلى، لدي أخبار. وصلتني قبل ساعة مظاريف تحتوي على ملفات كثيرة. أرسلها شخص مجهول إلى عنواني الوهمي في براغ. لا أعرف من أرسلها، لكن المحتوى صادم. هذه الملفات تخص هانز بالكامل. سجلات رشاوى، وحسابات بنكية سرية، وتسجيلات لمكالمات مع جان لوك، وأسماء وسطاء في أوروبا الشرقية، وحتى صور له وهو يتسلم أموالاً في فنادق فاخرة.» حلى بصوت يرتجف: «من أرسلها؟ هل يمكن أن يكون فخاً؟» رفيق: «لا أعرف. قد ت
ليون – مقر الإنتربول الرئيسي – مكتب هانز – بعد أسبوع من زيارة رفيق الأخيرة للسجن كان مكتب هانز في الطابق الخامس من المبنى الزجاجي الذي يطل على نهر الرون. كان المكتب واسعاً، مفروشاً بأثاث حديث باللون الرمادي، وجدرانه مغطاة بشهادات تقدير وصور تذكارية مع كبار المسؤولين الأوروبيين. على مكتبه، كان هناك جهاز حاسوب محمول، وهاتفان، وكأس قهوة فارغ منذ الصباح. كان هانز جالساً على كرسيه الدوار، ووجهه شاحب، وعيناه تحملان أرقاً ثقيلاً. كان يقلب صفحات تقرير استخباراتي سري، وتتجعد أساريره كلما قرأ سطراً جديداً. التقرير كان من مصدر مجهول داخل ألمانيا، يفيد بأن علياً لا يزال على اتصال بالعالم الخارجي عبر قنوات مشفرة، وأنه يخطط لشيء كبير. لم يذكر التقرير تفاصيل، لكنه كان كافياً لإعادة إحياء مخاوف هانز القديمة. هانز لنفسه: «بعد كل هذه السنوات... لا يزال يتآمر. متى سيتوقف هذا الرجل؟» أغلق التقرير، وأشعل سيجارة. كان قد أقلع عن التدخين قبل خمس سنوات، لكنه عاد إليه مرة أخرى منذ أن بدأت الضغوط تتصاعد. كان يعلم أن علياً ليس رجلاً عادياً. كان يعلم أن السجن لم يكسر روحه، بل زاده صلابة. كانت رسائله إلى حلى و