Masuk
في عالم "علي"، كان كل شيء يخضع لمنطق المعادلات والنتائج المضمونة. طالب في السنة الثالثة بكلية الصيدلة، متفوق لدرجة تثير حقد زملائه، وهادئ لدرجة تثير جنون الفتيات اللاتي يلاحقنه في ممرات الجامعة. بطوله الفارع الذي يبلغ 185 سم وجسده الذي بناه بجهد شاق في صالة الألعاب الرياضية، كان علي يبدو كتمثال إغريقي صامت؛ عضلات بطنه المقسمة وصدره العريض لم تكن للعرض، بل كانت نتاج انضباط حديدي يطبقه على كل تفاصيل حياته. بالنسبة له، العلاقات العاطفية كانت مجرد "تفاعلات كيميائية غير مستقرة" تستهلك الوقت، لذا قرر إغلاق قلبه وجسده خلف جدران من البرود والكتب.
لكن، كما تعلم الكيمياء، هناك دائماً "عامل حفاز" واحد يمكنه تفجير أكثر المواد استقراراً. وكان ذلك العامل يسكن في الشقة المقابلة. تلك الليلة، كان الهواء ثقيلاً ومشحوناً بالرطوبة. عاد علي من "الجيم" وشعر برغبة ملحة في الهدوء قبل البدء في مراجعة مادة العقاقير. أطفأ أنوار غرته، ووقف عند النافذة الكبيرة المطلة على المنور الواصل بين بنايته وبناية جيرانه. أشعل سيجارته، وهو أمر يفعله نادراً وفي الخفاء، وراح يراقب دخانها وهو يتصاعد في الظلام، محاولاً تصفية ذهنه من صور الفتيات اللاتي حاولن التقرب منه في الجامعة اليوم، وعلى رأسهن "تالا" التي كانت تنظر إليه بعيون تفيض بالحب والخجل، وصديقتها "سارة" التي كانت نظراتها تخترق ثيابه بجرأة مستفزة. فجأة، انكسر السكون بوميض ضوء أصفر دافئ. كانت نافذة غرفة النوم في الشقة المقابلة قد فُتحت. حبس علي أنفاسه وسقطت السيجارة من بين أصابعه دون أن يشعر. كانت جارته "مي" قد دخلت الغرفة. مي، التي طالما رآها الجيران كنموذج للمرأة الملتزمة والخجولة، زوجة المحامي الشهير "عمر" الذي يملأ صيته الآفاق. لكن مي التي رآها الآن لم تكن تشبه تلك الصورة في شيء. خرجت مي من الحمام البخاري، وكان جسدها يفوح بالحرارة والأنوثة الطاغية. كانت ترتدي منشفة بيضاء قصيرة جداً، بالكاد تصل إلى منتصف أفخاذها، وقد لفتها حول جسدها بطريقة جعلت صدرها يبرز بشكل صارخ من فوق الحافة الضيقة للمنشفة. كانت بشرتها بيضاء كالحليب الصافي، مشربة بحمرة خفيفة ناتجة عن الماء الساخن، وقطرات الماء كانت لا تزال تنزلق ببطء على عنقها الطويل، لتختفي في المنخفض المثير بين نهديها العامرين. تجمد علي في مكانه. كانت المسافة بين النافذتين لا تتجاوز الثلاثة أمتار، وهو ما سمح له برؤية كل تفصيل صغير. رأى مي وهي ترفع ذراعيها المرمرتين لتجفف شعرها الطويل المبلل، ومع كل حركة للتدليك، كانت المنشفة ترتفع أكثر، لتكشف عن ساقين ممتلئتين وناعمتين لدرجة تخطف الأنفاس. خصرها كان نحيلاً بشكل مذهل، ينحدر بنعومة نحو أرداف دائرية ثقيلة كانت ترتسم بوضوح وقسوة خلف قماش المنشفة الرقيق. في تلك اللحظة، شعر علي بانفجار مروّع داخل جسده. لأول مرة في حياته، أحس برغبة جنسية قاتلة، رغبة لم تكن مجرد فكرة عابرة، بل كانت وحشاً استيقظ فجأة من سبات طويل. شعر بدمائه تغلي وتتدفق بعنف جنوني نحو الأسفل. وفي ثوانٍ معدودة، خانته كل سنوات الانضباط؛ انتفض عضوه بقوة مذهلة خلف بنطاله الرياضي الضيق، متصلباً لدرجة الألم. الانتصاب كان عنيفاً لدرجة أنه كاد يمزق نسيج ملابسه، مسبباً ضغطاً هائلاً في منطقة حوضه. أحس بحرارة وجهه ترتفع، وأنفاسه أصبحت مسموعة وثقيلة، بينما كانت عيناه تلتهمان كل إنش من جسد مي المبلل. لم يكن قادراً على الالتفاف أو إغماض عينيه. كانت مي تنحني الآن أمام المرآة لتضع بعض الكريم على ساقيها، مما جعل المنشفة ترتفع لتكشف عما كان يجب أن يبقى مستوراً. برزت أردافها المستديرة بتناغم مذهل أمام عينيه، وكان يرى اهتزاز جسدها مع كل حركة. أحس علي برغبة عارمة في القفز عبر النافذة، في تحطيم هذا الزجاج الذي يفصله عن تلك الجنة المحرمة. كان يعلم أن مي متزوجة، وأن زوجها "عمر" قد يدخل في أي لحظة. "عمر" المحامي المتغطرس الذي يظن أنه يملك كل شيء، بينما هو في الحقيقة يملك كنزاً لا يعرف قيمته. تذكر علي شائعات الجامعة عن علاقات عمر النسائية، وشعر بموجة من الغضب تمتزج بشهوته. كيف يمكن لرجل يملك هذه الفاتنة أن يبحث عن غيرها؟ بينما هو غارق في هذه الدوامة من الشهوة والغضب، استدارت مي فجأة. كان وجهها خارق الجمال؛ عينان واسعتان ممتلئتان بالخجل الطبيعي، وشفتان ممتلئتان طبيعياً بدا وكأنهما دعوة صريحة للقبلات. لثانية واحدة، بدا وكأن عينيها اخترقت ظلام غرفته لتلتقي بعينيه. تجمدت مي مكانها، وارتجفت يدها وهي تمسك بطرف المنشفة لتشده إلى أعلى صدرها، وكأن حاسة الأنثى لديها أنبأتها بأن هناك وحشاً يراقبها في الظلام. أغلقت مي الستارة بسرعة، لكن المشهد ظل مطبوعاً في ذاكرة علي كوشم لا يزول. تراجع علي إلى الوراء، وسقط على سريره بأنفاس متلاحقة، بينما كان انتصابه القاسي لا يزال يضغط على بنطاله، مذكراً إياه بأن "علي" القديم قد مات، وأن رحلة السقوط في بئر الرغبة قد بدأت للتو. في تلك اللحظة، رن هاتفه. كانت رسالة من "سارة": "علي.. أعلم أنك لا تزال مستيقظاً. غداً في الجامعة لدي لك مفاجأة.. ستجعل جسدك يرتجف." ألقى علي الهاتف بعيداً، وهو يدرك أن حياته الهادئة كطالب متفوق قد انتهت، وأن الحرب بين العقل والجسد ستكون دامية.الوطن – المنزل القديم – بعد أسبوع من إعلان مريم عن حملها كان الصباح بارداً، والسماء رمادية تمطر بغزارة، والرياح تعصف بأشجار الحديقة الخلفية. كان علي جالساً في غرفة المعيشة، يحتسي فنجاناً من القهوة السادة، ويقرأ جريدته الصباحية. كانت الحياة هادئة، والأخبار في الجريدة عادية، ولا توجد أي أحداث تستحق الاهتمام. كان يشعر بالراحة، بالاستقرار، وكأن السنوات المضطربة كانت مجرد حلم بعيد. فجأة، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، فإذا برقم دولي لا يعرفه. تردد للحظة، ثم رد. صوت من الطرف الآخر، بلكنة روسية ثقيلة: «علي؟ هل هذا أنت؟» علي: «نعم. من المتحدث؟» الصوت: «إنه أنا. سيرغي. لقد خرجت من السجن منذ ستة أشهر، وقررت أن أزورك. أنا في مطار العاصمة الآن. هل يمكنني القدوم إليك؟» شعر علي بصدمة سعيدة. لم يرَ سيرغي منذ أن خرج من السجن قبل سنوات، وكان يظن أنه عاد إلى روسيا إلى الأبد. لكنه كان هنا، في وطنه، يريد زيارته. علي: «سيرغي! يا للهول! بالطبع يمكنك القدوم. سأرسل لك العنوان. أنتظرك على الغداء.» سيرغي: «شكراً لك يا علي. سأكون هناك خلال ساعة.» أغلق علي الهاتف، ونهض من مكانه مسرعاً. كان يشعر بحماس طفولي.
الوطن – منزل آدم ومريم الجديد – حي هادئ على مشارف المدينة – مساء يوم الجمعة كان المنزل صغيراً لكنه دافئ، يقع في نهاية شارع هادئ تحيط به الأشجار القديمة والحدائق الصغيرة. كان آدم ومريم قد انتقلا إليه منذ شهر، بعد أن قررا الاستقرار في الوطن بدلاً من العودة إلى لندن. كان آدم يدير مشروعه عن بُعد، ويسافر بين الحين والآخر لحضور الاجتماعات المهمة، بينما كانت مريم تعمل على إنهاء دراستها عبر الإنترنت. كانت حياتهما هادئة، مستقرة، ومليئة بالحب. في ذلك المساء، كان آدم جالساً على الأريكة في غرفة المعيشة، يقرأ بعض التقارير المالية على حاسوبه المحمول. كان متعباً بعد يوم طويل من الاجتماعات عبر الفيديو مع شركائه في لندن، لكنه كان سعيداً. كان مشروعه ينمو بسرعة، وكانت العقود تتوالى، وكان المستقبل يبدو مشرقاً. كانت مريم في المطبخ تعد العشاء، وكانت رائحة البهارات والزيتون تملأ المكان. آدم: «مريم، هل تحتاجين إلى مساعدة؟» مريم من المطبخ: «لا، شكراً. أنا على وشك الانتهاء. فقط اجلس واسترخِ. سأحضر العشاء خلال دقائق.» ابتسم آدم، وعاد إلى قراءة التقارير. كان يشعر بالارتياح لأول مرة منذ سنوات. لم يعد هناك خو
الوطن – محكمة الاستئناف – قاعة المحكمة رقم 3 – صباح يوم الخميس كانت قاعة المحكمة مكتظة بالحضور، رغم أن القضية لم تكن من القضايا الكبرى التي تثير اهتمام الصحافة. كانت قضية "سامي" الذي اعتقل قبل أسابيع بتهمة المشاركة في مظاهرة غير مرخصة. لكن بالنسبة لليلى، كانت هذه القضية هي الأولى في حياتها المهنية، وكانت تشعر بثقل المسؤولية على كتفيها الصغيرتين. كانت ترتدي بدلة سوداء أنيقة، وشعرها الأشقر مربوط إلى الخلف، وعيناها تلمعان بتركيز وحماس. كانت تقف بجانب رامي، المحامي المتمرس الذي كان يشرف على تدريبها، وتستعرض أوراقها للمرة الأخيرة قبل بدء الجلسة. كانت يداها ترتجفان قليلاً، لكنها كانت تحاول إخفاء ذلك. رامي يهمس لها: «لا تقلقي يا ليلى. أنتِ مستعدة. لدينا كل الأدلة، والشهود في أماكنهم. فقط ثقي بنفسك، وتحدثي بوضوح. القاضي رجل عادل، وسيستمع إليكِ.» ليلى: «أنا خائفة يا رامي. ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو نسيت شيئاً مهماً؟» رامي: «لن تخطئي. أنتِ تعرفين هذه القضية عن ظهر قلب. لقد عملتِ عليها لأسابيع. ثقي بحدسك. هذا هو دورك الآن.» دخل القاضي إلى القاعة، ووقف الجميع احتراماً. جلس القاضي على كرسيه، ونظ
الوطن – صالة "الحديد" الرياضية – حي وسط المدينة – صباح يوم الثلاثاء كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحاً حين وقف علي أمام باب صالة "الحديد" الرياضية. كان الجو بارداً، والسماء لا تزال مظلمة، والشارع خالياً إلا من بعض السيارات المتوقفة على الرصيف. كان المكان صغيراً، لا يتجاوز مساحته مائتي متر مربع، لكنه كان ممتلئاً بالأجهزة الرياضية القديمة والجديدة، وبعض المرايا المعلقة على الجدران، ورائحة العرق والمطهرات التي تملأ المكان. لم يكن علي قد دخل صالة رياضية منذ سنوات. آخر مرة كان فيها في صالة مماثلة كانت في أيام شبابه، عندما كان طالباً في كلية الصيدلة، يمارس التمارين الشاقة ليحافظ على جسده الرياضي الذي كان يثير إعجاب الفتيات في الجامعة. لكن السنوات الطويلة في السجن، وقلة الحركة، والشيخوخة، كلها تركت آثارها على جسده. كانت عضلاته قد ترهلت، وظهره أصبح منحنياً، وكتفاه أصبحا أضيق مما كانا عليه في الماضي. لكنه كان مصمماً على استعادة شيء من لياقته البدنية. ليس لإبهار أحد، بل ليشعر بأنه لا يزال حياً، وأن جسده لا يزال قادراً على التحرك والقوة. دخل علي الصالة، واستقبله صاحبها، رجل في الأربعين من ع
لندن – حي "شورديتش" – مكتب شركة "أوريزون للطاقة المتجددة" – بعد شهرين من زفاف آدم ومريم كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً حين وصل آدم إلى مكتبه. كان الجو بارداً، والسماء رمادية تمطر بغزارة، والرياح تعصف بالشوارع الضيقة في شورديتش. كان قد عاد إلى لندن قبل أسبوعين لإنهاء بعض الأعمال العالقة في مشروعه، بينما بقيت مريم في الوطن لتجهز منزلهما الجديد. كان يشعر بالوحدة، لكنه كان يعلم أن هذه التضحية ضرورية لتحقيق حلمه. كان مكتبه لا يزال صغيراً، لكنه كان قد توسع قليلاً. أضاف مكتبين جديدين لفريقه، واشترى أجهزة حاسوب حديثة، وبدأ في توظيف مهندسين متخصصين في الطاقة المتجددة. كان مشروعه قد بدأ يجذب انتباه المستثمرين، لكنه كان لا يزال بحاجة إلى دفعة كبيرة ليتحول إلى شركة حقيقية قادرة على المنافسة في السوق الأوروبية. جلس آدم على كرسيه، وفتح حاسوبه المحمول. كان هناك بريد إلكتروني جديد من أحد المستثمرين المحتملين، وهو رجل أعمال ألماني يدعى "هانز بيتر شولتز" (لا علاقة له بهانز ماير). كان شولتز قد أبدى اهتماماً بمشروع آدم قبل شهر، ووعد بالاستثمار فيه إذا تمكن آدم من تقديم خطة عمل أكثر تفصيلاً. آدم
الوطن – مدينة العاصمة – مكتب المحامي "خالد المنصور" – صباح يوم الاثنين كان المكتب يقع في الطابق الثالث من مبنى قديم في وسط المدينة، جدرانه من الحجر الأصفر، ونوافذه تطل على شارع مزدحم بالأشجار والسيارات. كان المكتب صغيراً، لكنه كان يعج بالحركة؛ محامون يتنقلون بين المكاتب، وسكرتيرات يردن على الهواتف، وملفات ضخمة تتراكم على كل سطح. كانت رائحة الورق والحبر والقهوة تملأ المكان، وتخلق جواً من الجدية والانشغال. كانت ليلى تقف عند المدخل، ترتدي بدلة رسمية باللون الرمادي الفاتح، وشعرها الأشقر مربوط إلى الخلف، وعيناها تلمعان بحماس وخوف في آن واحد. كانت تحمل حقيبة جلدية سوداء تحتوي على دفتر ملاحظاتها وقلمها ونسخة من سيرتها الذاتية. كانت هذه أول يوم لها كمتدربة في مكتب المحامي خالد المنصور، وهو محامٍ معروف في مجال حقوق الإنسان، وكانت قد تقدمت إليه بطلب التدريب منذ أشهر، ووافق أخيراً. كانت ليلى تشعر بالرهبة، لكنها كانت تشعر أيضاً بالفخر. كانت هذه هي الخطوة الأولى في طريقها لتصبح محامية تدافع عن المظلومين، كما كانت تحلم دائماً. كان والدها قد خرج من السجن، وكانت عائلتها في سلام، والآن حان دورها لت
استيقظ علي في السابعة صباحاً، قبل أن يرن المنبه. كانت عادته منذ سنوات؛ لا يحتاج إلى منبه، فجسده كان يتكيف مع ضغوط العمل لدرجة أنه كان يستيقظ في الوقت نفسه كل يوم تقريباً. نهض من السرير، واتجه إلى الحمام. وقف تحت رذاذ الماء البارد لدقائق، يحاول أن يغسل عنه تعب الأمس وقلقه. خرج، ولف منشفة بيضاء حول
كانت الشمس قد أشرقت منذ ساعتين على بحيرة ليمان، لكن مكتب هانز كان لا يزال غارقاً في ظلام صناعي بفعل الستائر المعتمة التي نادراً ما كان يفتحها. كان الجو بارداً، والمكيف يصدر همهمة خافتة مزعجة. على مكتبه، كانت ثلاثة أكواب من القهوة الفارغة تتحدث عن ليلة بيضاء قضاها في متابعة الملفات. جلس هانز على كر
كانت الغرفة في الطابق السفلي من قصر سنان معزولة تماماً عن باقي أرجاء المبنى. جدرانها مكسوة بألواح معدنية عازلة للإشارات، ولا نوافذ لها سوى فتحة تهوية صغيرة في السقف. في وسط الغرفة، كان أربعة رجال يجلسون أمام شاشات حاسوب كبيرة، وأيديهم تتحرك بسرعة على لوحات المفاتيح. كانوا يرتدون سماعات رأس، ويتحدثو
وصل علي إلى قصر سنان في الظهيرة. كانت السماء غائمة، والرياح الباردة تعصف بأشجار الحديقة. كان الحراس في أماكنهم، والخدم يتحركون بصمت. دخل القاعة الكبرى، حيث كان سنان جالساً على أريكته المخملية الحمراء، يدخن سيجاره الكوبي ويشرب قهوته السادة. بدا سنان هذه المرة مختلفاً. لم يكن ذلك الرجل العجوز الخائف







