FAZER LOGINبعض المدن لا تنتمي للإنسان. مهما حاولتَ الهرب، ستجد نفسك يوماً متروكاً عند أعتابها. بالنسبة لي، كانت تلك المدينة هي الوطن، أو بالأحرى، كانت ماضيّ.
في اللحظة التي لمست فيها عجلات الطائرة أرض المطار، خفق قلبي وكأنه سيقتلع من صدري. لقد عدتُ إلى أرضٍ هربت منها لعامٍ كامل. لم تكن هذه العودة مجرد إياب... بل كانت أشبه ببدء حسابٍ معلق.
كانت رضوى تنام في حضني، واضعة رأسها على صدري، وأنفاسها الدافئة تلامس بشرتي. وجودها كان يمدني بالقوة، لكنه في الوقت نفسه كان يضاعف مخاوفي.
فلدي في هذه المدينة أقرباء قد يسعون لانتزاعها مني.
أبي...
وإخوتي...
ومالك.
كان اسم مالك يتردد حتى في أظلم زوايا عقلي. كان من المفترض أن يتزوج غداً. ربما يُجري التحضيرات للزفاف في هذه اللحظات، وربما تكون تلك المرأة إلى جانبه الآن، أو ربما يمضي في حياته وكأنني لم أكن موجودةً قط.
لم يكن يعلم.
لم يكن يعلم أن لديه ابنة.
ولن يعلم أبداً.
مسحتُ على شعر رضوى، ونسجتُ أصابعي بين خصلاته الذهبية. هسستُ بصوتٍ خافت: "اهدئي"، ولا أدري إن كنتُ أقولها لنفسي أم لها.
في هذه المدينة، لم يكن يُسمح لي بارتكاب خطأ واحد.
عندما فُتح باب الطائرة، اندفعت نسائم باردة إلى الداخل. رائحة الوطن... الأرض، والبحر، والماضي.
مضى أكثر من نصف ساعة على هبوطنا. بينما كنا نتجه نحو المنزل الذي أعده لي إخوتي، أخرجتُ هاتفي من جيبي، ودخلتُ إلى حسابي البنكي لأحول مبلغاً مالياً لأخي. لم أكن أرغب في استخدام أموالهم؛ فهذا المنزل بُني بمالهم، وحولتُ المبلغ لتغطية تكاليف إقامتي فيه خلال هذه الفترة. لا أملك الملايين، لكن لدي قدرٌ كافٍ من المال.
وصل إشعار التحويل إلى هاتف أخي كنان، الذي كان يقود السيارة. شعرتُ وكأن قلبي سيتوقف عن النبض. ورغم أنني لم أبتعد سوى لمدّة قصيرة، إلا أن هذا المكان كان كابوسي الأكبر؛ ففيه وقعت كل كوابيسي، وفيه تعرضتُ للخيانات.
بينما كنتُ أستنشق رائحة طفلتي، وصلني صوت كنان الغاضب: "ليليان، هل فقدتِ عقلكِ يا فتاتي؟ ما هذا المال؟ هل أنتِ مجنونة؟"
التفتَ إليّ أمير من المرآة العاكسة بنظراتٍ ملؤها الذهول. رفعتُ رأسي ببطء وقلت: "لا أملك مالاً يغطي جميع مصاريف المنزل الذي اشتريتموه، لذا أرسلتُ ما يغطي فترة إقامتي فقط."
سألني أمير: "لماذا فعلتِ ذلك؟"
أجبته: "لا تنسيا أن أموالكم محرمة عليّ." كان أبي قد قال لي ذلك في تلك الليلة: "كل قرش أملكه محرم عليكِ!"، قالها لمجرد أنني ارتبطتُ بالرجل الذي أحببته.
أطلق كنان زفيراً عميقاً ومحاطاً بالغضب: "يا فتاتي لا تتفوهي بالترهات، أبي قال ذلك في لحظة غضب."
قلتُ وهما صامتان: "ألم يقل أبوكما من قبل إنك تعرف المشاعر الحقيقية للبشر بطريقتين؟ الأولى عندما لا يكون المرء في كامل وعيه، والثانية عندما يغضب؛ فكلا الحالتين تكشفان عن ما يخفيه المرء من مشاعر صادقة. وأنتم فعلتم الشيء نفسه، غضبتم واستفرغتم غضبكم وتراكمات السنين."
منعتُ الدموع من الهرب من عينيّ.
أما مالك، فقد أظهر لي مشاعره الحقيقية في لحظة غضبه وهو ثمل، حين قال لي وقتها: "لقد استغللتُكِ، لكنكِ كنتِ محتاجة للحنان لدرجة أنكِ صدقتِ حبي." وقال لي بغضب: "أنتِ مقرفة لدرجة ألا أكنّ لكِ أي شعور! أنتِ مجرد فتاتٍ عاجزة خائنة ومخادعة!"
عاد كنان ليركز على الطريق دون أن ينبس ببنت شفة. أما أنا، فكنتُ أنظر إلى ابنتي النائمة في أحضاني ببراءة؛ كانت بريئة لدرجة بدت معها وكأنها الشيء الصالح الوحيد في هذا العالم.
عندما بدأت السيارة بتهدئة سرعتها، وجدنا أنفسنا أمام فيلا كبيرة. كان هذا المنزل هو المكان الذي نأتي إليه قديماً للترويح عن أنفسنا كلما شعر أحدنا بالضيق.
تلعثمتُ وأنا أبتلع غصتي، ثم قال كنان: "لم يأتِ أحد إلى هنا منذ فترة طويلة. أستطيع وضع رجلين عند البوابة، وإن أردتِ يمكنني إرسال إحدى العاملات أيضاً."
رددتُ: "لا داعي لكل هذا، إن كان المكان مهجوراً فلا تضعوا أحداً كي لا نلفت الانتباه."
وافقتني أمير رأيي قائلاً: "بالضبط يا أخي، لكن يمكنني البقاء أنا إن أردتِ."
هززتُ رأسي نفيًا وارتسمت على وجهي ابتسامة صغيرة: "أنت الذي لا تفارق المنزل، ستثير شكوك أمي كثيراً. سأبقى مع ابنتي بمفردنا."
نقر كنان بلسانه وهو يركن السيارة: "ذلك الوغد سيعلم بهبوطكِ في البلاد، وهو شخص لا يتوقع تصرفه، دعوا أحداً يبقى."
نزلتُ من السيارة بحذر وأنا أحمل رضوى. بدأ كنان وأمير في إخراج الحقائب، فقلتُ ضاحكة: "إن كان مالك يريد المجيء، فمن يستطيع إيقافه؟"
ردّ كنان وهو يتذمر: "ذلك الوغد يستحق القتل، ابن الكلب..." فابتسمتُ لكلامه.
التفتُّ لأنظر إلى الفيلا البيضاء ذات الحديقة الواسعة. هنا قضيتُ طفولتي، والآن سأكون هنا مع ابنتي. يبدو الأمر وكأنه أضحوكة، لكنني بالفعل في الوطن مع ابنتي؛ لم أكن أتخيل أن هذه اللحظة ستأتي أبداً.
تقدمنا معاً نحو الفيلا، وسارع أمير بفتح الباب وهو يقول: "أعددنا إحدى غرف الضيوف لرضوى، وهي الغرفة المجاورة لغرفتكِ تماماً، ووضعنا مهداً في غرفتكِ أيضاً في حال لم تستطع النوم بعيداً عنكِ."
عندما خطونا إلى الداخل، رفرف الطفل الذي بداخلي فرحاً. اهتمام أمير بطفلتي أسعد تلك الطفولة القابعة في أعماقي. وقبل أن أتمكن من شكره، بدأت طفلتي التي ظننتها نائمة تثرثر بصوتٍ عالٍ ومتحمس.
نظر كنان إلى الفتاة بنظرات قطب فيها حاجبيه بدهشة، بينما ابتسم أمير واقترب منا حانياً بجسده نحو وجه ابنتي: "سأعتبر هذا شكراً يا جميلتي." أخذ يدها الصغيرة وطبع عليها قبضة: "أميرة خالها."
بدأت رضوى تتصرف بدلال وكأنها فهمت ما قيل، وارتسمت الابتسامة على وجهها وهي ترفرف بقدميها. قال أمير: "انظروا إليها، كيف تدللت بسرعة!"
تعلقت نظراتي بـ كنان؛ كانت نظراته نحو ابنتي غريبة ومبهمة، ولم أكن أستطيع فهم ما يفكر فيه أبداً، فهو كالصندوق الأسود المغلق.
اتجهنا معاً نحو الصالة، وحينها بدأ هاتف كنان بالرنين. عندما نظر إلى الشاشة، تمتم بغضب: "اللعنة على هذا السافل!"
لمحتُ الاسم على الشاشة وابتلعتُ ريقي بصعوبة؛ كان الاسم المسجل هو "مالك الوغد".
أردتُ أن أضحك للوهلة الأولى على الطريقة التي سجل بها كنان اسم مالك، إذ كان مالك قد سجل اسم كنان سابقاً باسم "كنان الديوث". عندما التفت كنان إليّ، جلستُ سريعاً على الأريكة، فابتعد قليلاً ووضع الهاتف على أذنه: "ماذا تريد مجدداً أيها العاهر؟"
استمع لـ مالك لبرهة، ثم تحولت نظراته إليّ، فاستبد بي الفضول لمعرفة ما يقال. قال كنان: "وما شأني أنا بذلك؟ ألم تكن في العناية المركزة بالأمس؟ ما الخبر؟"
استمع إليه مجدداً ثم قال: "يبدو أنك لم تستفق من تأثير المخدر بعد."
دفعتني غريزة الفضول، فوضعتُ رضوى في أحضان أمير، ودون أن أنظر حتى إلى وجه أمير، وقفتُ خلف كنان المولي ظهره إليّ وقربتُ أذني من الهاتف لأسمع قول مالك: "أيها الديوث، ألم تكن أنت من أطلق عليّ النار؟"
رمقني كنان بنظرة حادة وابتعد خطوتين إلى الأمام، فلحقتُ به فوراً. وبينما كان يوجه إليّ نظرات غاضبة، أعدتُ أذني نحو الهاتف دون أن أبالي به. هذه المرة أمسك كنان برأسي وأبعدني عنه. وقبل أن يتحدث، اقتربتُ منه مجدداً ورفعتُ سبابتي: "أيها الأحمق، ما علاقتي أنا بإطلاق النار عليك؟"
ولكي أستطيع سماع مالك، اقتربتُ أكثر من الهاتف حتى قال كنان بسأم: "ابتعادي يا فتاتي، لقد أزعجتني!" اتسعت عيناي بذهول ولوحتُ بيدي مستنكرة صمته.
سمعتُ ضحكة مالك، فشعرتُ وكأن شيئاً ما قد تمزق في داخلي. قال مالك: "ذهبتُ إلى فرنسا بداعي العمل، ولكن حزر من يعيش هناك؟" تباً، هل كان يبحث عني؟ "أختك."
اشتعل غضب كنان وقال: "يا هذا، لا تجعلني أخرج عن صمتي وألعن أسلافك، ما شأنك بأختي ولماذا تبحث خلفها؟"
كان قلبي يخفق بشدة في حنجرتي. رد مالك: "ولماذا أبحث خلف أختك؟ رجالي هم من رأوها..." هل رأوني في المستشفى يا ترى؟ "...وكان برفقتها رجلٌ سافل." عمن يتحدث بالظبط؟
رحتُ أفكر في الرجل الذي التقيته مؤخراً؛ كان لويس قبل أربعة أيام، وهو جاري في السكن. في ذلك اليوم استغللتُ نوم ابنتي وخرجتُ للجري، فتقابلنا وركضنا معاً.
قال كنان وهو ينفخ صدره بفخر: "تتقابل وتتحدث مع من تشاء، الفتاة حرة في تصرفاتها، وأنا أخٌ متفتح."
رد مالك: "سحقاً لتفتحك هذا أيها الديوث! على أي حال، الموضوع ليس عن أختك."
قال كنان: "ولا يمكن أن يكون كذلك."
رد مالك: "أغلق الخط، لقد ذكّرتني بالأمر في دقيقتين، سحقاً!" ثم أنهى المكالمة.
وما إن انتهت المكالمة حتى استدرتُ لأبتعد، لكن يده التي تمسكت بعنقي من الخلف منعتني. قال بغضب: "من يكون ذلك الرجل السافل؟"
قطبتُ حاجبي وأشرتُ إلى طفلتي التي تلعب مع أمير: "قلنا لا للسباب أمام ابنتي! ثم كما قلتَ أنت، أنا فتاة حرة وأفعل ما أريد ولا أقدم حساباً لأحد، أنت من قال هذا."
عقد حاجبيه هذه المرة وقال: "لا تفيضي في الكلام وأخبريني بوضوح، من ذلك الرجل؟"
تنهدتُ بسأم: "كان جاري، التقينا أثناء ممارسة الجري، وهذا كل ما في الأمر."
وعندما كدتُ أُمسك بضبع الرجل، سدت عشرات السيارات الطريق! ألقيتُ بنفسي إلى الخلف وأنا أتمسك بالمسدس في يدي بصلابة. رغم أنني لم أكن مرئية في تلك اللحظة، كان بإمكاني رؤية الرجال يترجلون من السيارات، والمشاهد التي رأيتها جعلت فمي يقع دهشة! لقد وصل رجال مالك. أهذه أفعاله؟نادى الرجل الذي دخل من باب الحديقة على الآخرين: «يا معلم، يوجد رجل هنا.»«من؟» كان هذا صوت جينغيز.بما أنني كنت في نقطة عمياء، لم يرونني. فحص الرجل نبض الرجل الذي أغميتُ عليه: «إنه حي، وهو أحد رجال آل "كوزغون" يا معلم.»عندما سمعتُ صوت جينغيز الضاحك، سمعتُ أيضاً صوت فرامل سيارة أخرى تصصر بألم: «أين هم؟!» تباً، لقد جاء مالك أيضاً! يبدو أنه لا مفر لي.«على الأرجح هم في المنزل. هذا عمل آل كوزغون.» آل كوزغون هم من أعداء إسماعيل بيك، لكنهم أعداء لمالك أيضاً. إذن فآل كوزغون يعلمون أن رضوى هي ابنة مالك. يجب إنهاء أمرهم في أقرب وقت. هذا بالطبع إن لم ينهِ مالك أمري قبلهم.عندما دخل مالك الحديقة بخطوات حاسمة، اقتربتُ منه بخطوات سريعة ولكن صامتة وأنا بين الأشجار. وفي اللحظة التي شعر بي فيها، صوّبتُ مسدسي نحو جبهته: «إن خطوتم خطوة أخ
كانت ليلة... لكن ليست كأي ليلة تعرفها. كان الهواء ثقيلاً، وكأن التنفس صار أمراً عسيراً. لم يكن الجو مظلماً كلياً، لكن لم يكن ثمة ضوء أيضاً. كان هناك إشراق شاحب ورمادي. لم أكن أفهم أين أنا. كان ما تحت قدميّ رطباً... كالطين. كلما خطوتُ خطوة، صدر صوت خفيف، لزج.نظرتُ حولي. كانت هناك أشجار، لكنها لم تكن كالأشجار العادية. أغصانها منحنية، جافة، وكأنها تمتد نحوي. لم يكن ثمة رياح، لكن الأغصان كانت تتحرك ببطء شديد. وكأن شيئاً ما كان يحركها.بدأ قلبي يخفق كالمجنون.ثم رأيتها.كانت هناك طفلة تقف أمامي.في التاسعة من عمرها تقريباً... شقراء. شعرها متسخ ومتناثر. ثوبها الأبيض قديم وممزق في بعض أجزائه. لكن الأكثر إخافةً كان عينيها. مزيج من الخضرة والزرقة، لكنهما لم تكونا ثابتتين. وكأن شيئاً ما ينهمر ويتماوج داخل عينيها. كلما نظرتُ إليها، اعتصر صدري.تراجعتُ خطوة إلى الخلف.لكنها لم تتحرك. كانت تنظر إليّ فقط. دون أن ترمش بعينها.ثم أدركتُ الأمر. كانت تلك الطفلة هي أنا.طفولتي. لكن... مشوهة، وكأن ثمة خطأً جثيماً فيها.كان بين يديها طفل رضيع. في عامه الأول. كان أشقر أيضاً... لكنني لم أستطع رؤية وجهه. مه
تلك الفترات التي تتكالب فيها كل الأسباب دفعة واحدة... وكأن الكون قد اختارك خصيصاً ليقول لك: "تعال هنا، دعني أُضايقك قاطبةً بعض الوقت." تستيقظ صباحاً، وقبل أن تفتح عينيك حتى، يربض على صدرك ثقلٌ كاباس. لست حزيناً تماماً، ولا تشعر بأنك قوي بحق. أصبحت عالقاً في المنطقة الرمادية الفاصلة بينهما. يصعب عليك الحديث مع الناس، لأنك لا تدري من أين تبدأ. في الحقيقة، لا تتردى كل الأمور إلى الحضيض دفعة واحدة، لكنك تشعر بها هكذا تماماً.والجزء الأشد إثارة للسخط هو أن الحياة، لمن ينظر إليها من الخارج، تبدو وكأنها تسير في مجراها الطبيعي، بينما العاصفة تحتدم وتطحن عظامك في الداخل. الجميع ينتظرون منك الشيء نفسه: أن تبتسم، أن تستمر، أن تظل قوياً. لكنك لا ترغب سوى في التوقف قليلاً، والصمت قليلاً.إنها الفترة التي يكون فيها المرء أبعد ما يكون عن نفسه. تنظر في المرآة، لكن الشخص الذي تلمحه يبدو لك غريباً. لست كما كنت في السابق، ولا كما تتمنى أن تكون.لكن الأغرب من ذلك كله... أنه في مثل هذه الأوقات بالذات، يبدأ الإنسان بالتغير دون أن يشعر. بصمت، وببطء شديد. تنكسر أشياء في داخلك، هذا صحيح، لكن شيئاً آخر ينبت وي
كانت كلماته تشعل الفتيل في عروقي، فسددت لكمة إلى خده الأيمن: «وماذا أظنك فاعلاً يا هذا؟!»زفر "علي" بغضب في وجهي: «أنت تريد سلب حياتها، ألا يكفيك هذا يا خبيث؟»في الحقيقة، لم أكن أنوي سلب حياتها إطلاقاً؛ أردتها فقط أن تذوق ما أذاقتني إياه. وقبل أن أجيبه، تابع كلامه: «ليليان كانت السبب في أن تفقد رحمتك مجدداً. تريد تطبيق مبدأ القصاص، وأنا لن أسمح لك بذلك. حياتها ليست سهلة بالأساس، فلا تزدها صعوبة عليها.»تركت ياقته بغضب والتفتُّ معطياً إياه ظهري. *(الحقيقة مرّة دائماً.)**(أنت ترحل فقط لأن كلامه أثار حنقك.)**(لماذا لا تعترف أنك تخشى فقدان "ليليان" مجدداً؟)*لم أكن أهتم بما تفعله تلك الساحرة، كل ما أردته هو ألا تُحرم من الرحمة كما حرمتني منها.صوت "علي" استوقفني عند خطوة الباب: «يا أخي...» التفتُّ إليه، فتابع: «الرجل الشهم لا تتسع حياته لامرأتين.»علاقتي بـ "جيزيم" لم تعد كما كانت في السابق، أعني قبل ظهور "ليليان". فبعد ظهورها تغير كل شيء بيننا؛ صرنا لا نتلامس، مع أننا لم نكن ننام ليلة دون أن نغرق في أحضان بعضنا. حتى نظرتنا لبعضنا التاثت، وقلّ التقاؤنا وتضاءل تحمُّلنا لبعضنا الآخر، وك
POV: مالك «تباً!» قلتها وأنا أضع يدي الباردة على قفاي. لقد نجحت الساحرة الصغيرة في التغلب عليّ مجدداً. يبدو أنني تعلمت الدرس ولن أستهين بها بعد الآن؛ لقد طرحتني أرضاً بكل ما تعنيه الكلمة. كان الطريق مهجوراً وقاحلاً، يندر أن تمر به سيارة. عندما نهضت عن الأرض، انزلقت سترة عن كتفي، فزفرت بنَفَس عميق وساخن.تلك الساحرة الرحيمة فكرت بي وشرعت عليّ سترتها! غرق جسدي في موجة من الغضب العارم وأنا أدخل ذراعي في أكمام السترة؛ لقد تلاعبت بي وفازت مجدداً. هذه هي المرة الثالثة!أخذت هاتفي الذي تركته في جيبي، ولم يعد أمامي خيار سوى السير على الأقدام. تباً... تباً بحق! لقد أصبحت أضحوكة على يد ساحرة صغيرة. ما الحكمة من فرارها وهي لا تملك مكاناً تقصده؟ حسناً، ربما أخفتها أكثر من اللازم، لكن كل تلك الكلمات القاسية كانت لمنعها من الركوب على رأسي. لم أكن لأكرر أخطاء الماضي اليوم.كان الليل ينقشع معلناً اقتراب الصباح. من يعلم أين ذهبت الآن؟ كنت أتساءل في نفسي عما قاله لها "كينان" ليجلبها إلى هنا. "ليليان" كانت جادة ومصممة على عدم العودة عندما رحلت. في الحقيقة، أنا من قلت لها "ارحلي"، فلو لم تفعل لكانت تلك
ركبتُ السيارة إلى جواره وساد الصمت. أدار "مالك" مذياع السيارة كعادته، وكانت تعزف أغنية قديمة تحكي عن الفراق والندم. أسندتُ رأسي على الزجاج وأنا أبتسم بمرارة... ما أشد سخرية القدر! كان دائماً يحب الاستماع لأغاني الحزن أثناء القيادة. تذكرتُ رحلاتنا القديمة إلى العاصمة؛ لم تكن مجرد أخطاء طيش، بل كانت أصدق وأجمل لحظات عشتها، رغم زيادتها بالوهم.بدأ يدمدم مع كلمات الأغنية ببرود، ملتفتاً إليّ لثانية:— «كِلانا لم يدرك القيمة... والقدر لا يرحم.»ابتسمتُ بسخرية، فأغلق الشاشة بغضب واستخدم هاتفه بيد واحدة بينما يُملس على عجلة القيادة باليد الأخرى. تحدث عبر الهاتف بنبرة حادة:— «ألغوا المتابعة... سأتولى الأمر بنفسي.»كان "مالك" يفضل الترحال بمفرده دائماً رغم كثرة رجاله وأعدائه. استمع للطرف الآخر قاطقاً:— «يا "جنيد"، لا تكثر اللغط! خذ الرجال وانسحب، وسنلتقي غداً في الشركة.».أنهى المكالمة، ليبدأ عقلي بتدبير خطة الهرب. كل ما عليّ فعله هو تحييد "مالك" داخل السيارة. رفعتُ بصري نحو درج السيارة الأمامي... هل ما زال يحتفظ بسلاحه الإضافي هناك؟ـ «سكتي تلك الأفكار في رأسكِ.»فزعتُ من صوته المفاجئ، وحا







