الجدار الذي تذكّر

الجدار الذي تذكّر

last updateLast Updated : 2026-10-09
By:  H.E.DUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
5Chapters
52views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

الجدار الذي تذكّر «بعض الأسرار لا يمحوها الزمن... بل يجعل اكتشافها أكثر خطورة.» لم يكن موت والدها سوى البداية... أما الحقيقة، فقد كانت مدفونة خلف جدار منذ واحد وثلاثين عامًا. بعد وفاة والدها في حادث غامض، تعود ليان، المهندسة المعمارية الشابة، إلى منزل عائلتها القديم في عمّان، عازمةً على بيعه وإغلاق آخر أبواب الماضي. لكن عرضًا ماليًا مبالغًا فيه من مشترٍ مجهول يثير شكوكها، خصوصًا عندما تكتشف أن أحد جدران المنزل يخفي فراغًا لا وجود له في المخططات الأصلية. وعند قاعدة الجدار، تعثر على صندوق تركه والدها، يحتوي على صورة محترقة، ورسالة اعتراف ناقصة، وتسجيل صوتي يعود إلى ليلة حريق غامض وقع عام 1995. في التسجيل، تسمع صوت والدتها الراحلة يقول: «لقد أخذناها من أمها يا فارس... تلك المرأة لا تعرف أن ابنتها ما زالت حية.» منذ تلك اللحظة، يصبح السؤال الذي يطارد ليان ليس فقط من تكون، بل لماذا أخفى والداها حقيقتها طوال تلك السنوات؟ كل دليل يقودها إلى ليلة الحريق، وكل محاولة لفهم ما حدث تكشف تناقضًا جديدًا في روايات أقرب الناس إليها. ثم يظهر آدم، رجل غامض يعرف تفاصيل لم تخبر بها أحدًا، ويعرض مساعدتها في كشف الماضي. لكن وجوده يطرح احتمالًا مخيفًا: ربما لم يكن لقاؤهما مصادفة. ومع اقتراب ليان من الغرفة المخفية، تبدأ المكالمات المجهولة، وتكتشف أن هناك من يعرف ما وجدته، ويراقب خطواتها داخل المنزل. وحين تدرك أن وفاة والدها قد ترتبط بالسر نفسه الذي حاول إخفاءه، يصبح البحث عن الحقيقة سباقًا مع شخص لا يريد لها الوصول إليها. لكن أخطر ما ستكتشفه ليان ليس أنها عاشت بهوية مزيفة... بل أن معرفة هويتها الحقيقية قد تكشف سبب موت والدها. في هذا البيت، لم يكن الجدار يخفي مجرد غرفة... بل آخر دليل على ليلة اتفق الجميع على نسيانها.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: وصية الجدار

في اليوم الأربعين لوفاة أبي، عرض عليّ رجل غريب ثلاثة أضعاف قيمة منزلنا القديم.

لم يطلب رؤية المنزل.

لم يسأل عن حالته.

ولم يحاول حتى التفاوض.

وحدها عيناه كانتا تتحركان بقلق بين وجهي والملف الموضوع أمامه، كأنه لا ينتظر موافقتي على البيع، بل يخشى أن أطرح سؤالًا لا يريد الإجابة عنه.

قال وهو يدفع العقد نحوي:

— أعتقد أن العرض أكثر من مناسب، آنسة ليان.

نظرت إلى المبلغ المطبوع أسفل الصفحة، ثم رفعت عينيّ إليه.

— مناسب جدًا، لدرجة تثير الشك.

ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.

— الموقع ممتاز. الشركة لديها خطط استثمارية للمنطقة.

كنا نجلس في مكتب المحامي سامر، الذي تولى إجراءات تركة أبي. كان الرجل المقابل لي في أواخر الأربعينيات، يرتدي بدلة رمادية فاخرة، ويحمل حقيبة جلدية سوداء لم يفتحها منذ دخوله.

قال المحامي محاولًا تلطيف الأجواء:

— القرار يعود لك بالكامل يا ليان. المنزل أصبح مسجلًا باسمك بموجب الوصية، ولا يوجد ما يجبرك على بيعه.

أعدت النظر إلى العقد.

— لماذا هذا المنزل تحديدًا؟

أجاب الرجل:

— لأنه يناسب المشروع.

— هل اطلعت على مخططاته؟

— لدينا المعلومات اللازمة.

— وهل تعلم أنه لم يُرمم منذ سنوات؟

تردد جزءًا من الثانية.

— هذا لا يغير شيئًا.

أغلقت الملف بهدوء.

— بالنسبة إلى مهندسة معمارية، يغير الكثير.

اختفت ابتسامته.

كانت المرة الأولى التي يبدو فيها منزعجًا حقًا.

قال:

— أنصحك ألا تؤخري القرار. العقارات القديمة قد تصبح عبئًا كبيرًا، خاصة عندما ترتبط بماضٍ مؤلم.

توقفت يدي فوق حقيبتي.

— ماذا تقصد؟

— أقصد حادث والدك، بالطبع. من الطبيعي ألا ترغبي في الاحتفاظ بالمكان الذي توفي فيه.

راقبته بصمت.

لم تكن وفاة أبي سرًا، لكن الرجل تحدث عنها بطريقة جعلتني أشعر أنه يعرف أكثر مما قرأ في الأخبار.

سألته:

— هل عرفته شخصيًا؟

لم يجب فورًا.

التفت إلى المحامي، ثم عاد إليّ.

— تعاملنا معه قبل سنوات.

— في أي مشروع؟

نهض، وأغلق زر سترته.

— أظن أن الأفضل أن نترك هذه التفاصيل لمناسبة أخرى.

مد يده مودعًا.

لم أصافحه.

غادر دون كلمة إضافية.

انتظرت حتى سمعت صوت باب المكتب يغلق، ثم التفت إلى المحامي.

— من هذا الرجل؟

قال وهو يرتب الأوراق:

— يمثل شركة الدروبي للاستثمارات العقارية.

— وهل تعامل أبي معهم فعلًا؟

هز رأسه.

— لا أعلم. والدك لم يكن يحدثني عن أعماله القديمة.

ساد الصمت قليلًا.

ثم أضاف:

— لكن هناك أمر غريب.

نظرت إليه.

— ما هو؟

فتح درج مكتبه وأخرج ظرفًا بنيًا صغيرًا.

— قبل وفاته بثلاثة أسابيع، زارني والدك وطلب مني الاحتفاظ بهذا.

مد يده بالظرف.

كان مغلقًا، وعلى واجهته اسمي بخط أبي.

ليان فارس الخطيب.

ابتلعت ريقي.

— لماذا لم تعطِني إياه من قبل؟

— طلب مني تسليمه لك عندما تنتهين من إجراءات الإرث، وقبل أن تتخذي أي قرار بشأن المنزل.

لم أفتح الظرف مباشرة.

مررت إصبعي فوق الحروف.

منذ موت أبي، أصبحت الأشياء التي لمسها ذات يوم أثقل مما تحتمل يداي.

— هل قال ماذا بداخله؟

— لا.

تردد المحامي، ثم قال:

— لكنه بدا خائفًا يومها.

رفعت رأسي.

— أبي؟

— أعرف أنه لم يكن رجلًا سريع القلق. لكنني لم أره بهذه الحالة طوال معرفتي به.

أعدت النظر إلى الظرف.

سألته:

— هل كان يعتقد أنه سيموت؟

أجاب بعد لحظة:

— لم يقل ذلك يا ليان.

ثم خفض صوته.

— قال فقط إنه تأخر كثيرًا.

فتحت الظرف داخل سيارتي.

كانت بداخله ورقة واحدة ومفتاح نحاسي قديم.

قرأت ما كُتب على الورقة:

«ليان،

أعرف أنك لا تحبين منزل اللويبدة، وأعرف أنك ستفكرين في بيعه بعد رحيلي.

لا أملك الحق في مطالبتك بالاحتفاظ به.

لكن قبل أن توقعي أي ورقة، أريدك أن تدخليه مرة أخيرة.

هذه المرة، لا تنظري إليه بعيني ابنتي.

انظري إليه بعيني المهندسة التي أصبحتِها.

ستفهمين لماذا لم أستطع مغادرته تمامًا، حتى بعدما تركناه جميعًا.

سامحيني إن استطعتِ.

أبوكِ، فارس».

بقيت أحدق في العبارة الأخيرة.

سامحيني إن استطعتِ.

لم أفهم لماذا احتاج أبي إلى الاعتذار.

كان رجلًا صعب المراس، قليل الكلام، يميل إلى اتخاذ القرارات بدلًا من مناقشتها.

لكنه لم يكن قاسيًا معي.

على العكس.

كانت حمايته لي تصل أحيانًا إلى حد الاختناق.

لم يسمح لي بالمبيت خارج المنزل طوال سنوات المدرسة، وكان يقلق إذا تأخرت عن الرد على اتصالاته، ويرفض الحديث عن بعض تفاصيل طفولتي بحجة أنه لا يتذكر.

كنت أظن أن هذه طباع أب يخاف على ابنته الوحيدة.

والآن، بعد موته، بدت أشياء كثيرة مختلفة.

وضعت المفتاح في راحة يدي.

كان ثقيلًا وباردًا.

ثم أدرت محرك السيارة واتجهت نحو جبل اللويبدة.

لم أزر المنزل منذ سبع سنوات.

ومع ذلك، ما إن وقفت أمام بوابته الحديدية حتى شعرت بأنني لم أغادره قط.

كان المطر الخفيف يغسل الحجارة الصفراء، وأغصان الياسمين اليابسة تتدلى فوق السور.

خلف البوابة وقف البيت بطابقيه وشرفاته القديمة، كشيخ متعب يرفض أن يستلقي.

عشت سنوات طفولتي الأولى هنا.

هنا تعلمت المشي على البلاط المزخرف.

وهنا كنت أختبئ من أبي خلف الستائر الثقيلة.

وهنا أيضًا رأيت أمي تبكي للمرة الأخيرة.

لم أفهم بكاءها يومها.

كنت في الحادية عشرة عندما ماتت بعد مرض قصير، وظننت طوال السنوات التالية أن حزنها كان بسبب اقتراب نهايتها.

الآن لم أعد واثقة من شيء.

رن هاتفي قبل أن أصل إلى الباب.

خالتي هند.

— مرحبًا، خالتي.

— ليان، أين أنت؟

— في بيت اللويبدة.

ساد صمت طويل.

ثم سمعت صوتها يتغير.

— لماذا؟

— أريد أن أفحص المنزل قبل بيعه.

— كان بإمكانك إرسال مهندس.

ابتسمت رغم تعبي.

— أنا مهندسة، هل نسيتِ؟

— لم أنسَ.

قالتها بسرعة.

ثم أضافت:

— لا داعي لأن تبقي هناك طويلًا.

توقفت أمام الباب.

— ما الذي يخيفك في هذا البيت؟

— لا شيء يخيفني.

— إذن لماذا تتحدثين وكأنني دخلت مكانًا محظورًا؟

تنهدت.

— لأن والدك مات هناك يا ليان، ولأنني لا أريد أن تتأذي.

نظرت إلى النوافذ المعتمة.

— لن أتأذى من الجدران.

لم تجب فورًا.

ثم قالت:

— انتبهي للسلالم، ولا تنزلي إلى القبو. لم يدخل أحد لصيانته منذ سنوات.

— حسنًا.

— ليان، هل تسمعينني؟

— أسمعك.

— لا تدخلي القبو.

أعدت الوعد، ثم أغلقت الهاتف.

لكن شيئًا في إصرارها ظل يزعجني.

خالتي لم تكن امرأة تخاف من البيوت المهجورة.

كانت تخاف من أشياء تعرفها.

فتحت الباب بالمفتاح النحاسي.

صدر صوت احتكاك طويل، ثم انفرج الباب ببطء.

استقبلتني رائحة الخشب والغبار والرطوبة.

مددت يدي إلى مفتاح الكهرباء.

أضاءت مصابيح الردهة بعد تردد قصير.

كان كل شيء تقريبًا في مكانه.

المرآة المستطيلة.

المقعد الخشبي بجوار المدخل.

ساعة الحائط الكبيرة التي توقفت عقاربها منذ سنوات.

والصورة العائلية التي تجمعني بأبي وأمي، معلقة فوق طاولة صغيرة.

اقتربت منها.

كنت في السادسة تقريبًا.

أمي تضع يدها على كتفي، وأبي يقف خلفنا مبتسمًا ابتسامة خجولة.

لم أعرف يومًا لماذا كان يكره الصور.

كلما وجهت نحوه كاميرا، أشاح بوجهه أو طلب مني تأجيل التصوير.

ابتسمت وأنا أتذكر تذمره.

ثم مسحت الغبار عن إطار الصورة.

— اشتقت إليك يا أبي.

خرجت الكلمات بصوت أضعف مما توقعت.

لم أبكِ في جنازته.

ولا في الأيام التي تلتها.

كانت هناك أوراق، واتصالات، وأشخاص يريدون أشياء، ومواعيد يجب الالتزام بها.

لم أجد وقتًا للحزن.

وربما لم أسمح لنفسي به.

لكن الوقوف داخل ذلك البيت، أمام صورته القديمة، جعل غيابه حقيقيًا للمرة الأولى.

أدرت وجهي بسرعة.

كان عليّ أن أبدأ العمل.

فتحت حقيبتي وأخرجت جهاز القياس الليزري ونسخة من المخططات الأصلية التي عثرت عليها بين أوراق أبي.

كنت قد فكرت في إعداد تقرير مبدئي عن حالة المنزل قبل عرضه للبيع.

وهذا، على الأقل، شيء أفهمه.

الجدران لا تكذب.

الأبعاد لا تخفي نواياها.

أو هكذا كنت أعتقد.

بدأت بالردهة، ثم غرفة الجلوس، ثم الممر الغربي.

بعد نصف ساعة، ظهرت أول مشكلة.

أعدت القياس.

نظرت إلى المخطط.

ثم قست من جديد.

الفارق نفسه.

تحققت من أبعاد الغرف المجاورة وسماكات الجدران الموضحة في الرسم.

لم يتطابق مجموعها مع البعد الخارجي للمبنى.

كان هناك فراغ يزيد قليلًا على مترين، يمتد بمحاذاة غرفة الجلوس حتى نهاية الممر.

راجعت الرسم بعناية.

لم تكن هناك غرفة بهذا الموقع.

ولا مخزن.

ولا حتى خزانة مدمجة.

تمتمت:

— أين ذهب المتران؟

رفعت جهازي وكررت القياس من زاوية أخرى.

لم أكن مخطئة.

والأغرب أن الخط الذي يمثل الجدار الغربي في المخطط بدا مختلفًا قليلًا.

كان مرسومًا فوق خط أقدم مُحي جزئيًا.

قربت الورقة من الضوء.

هناك تعديل.

وأسفل الرسم وجدت تاريخًا صغيرًا:

تعديل إنشائي — تشرين الثاني 1995.

تجمدت للحظة.

1995.

السنة التي وقع فيها الحريق.

كنت أعرف أن حريقًا اندلع في جزء من المنزل قبل سنوات طويلة، عندما كنت رضيعة.

كان أبي يقول إنه مجرد تماس كهربائي، وإن الأضرار أصلحت بالكامل قبل أن أكبر.

لكن لم يخطر لي أن الترميم قد غيّر تقسيم البيت.

طرقت الجدار بقبضتي.

صوت مكتوم.

انتقلت خطوة إلى اليسار.

طرقت مرة أخرى.

صوت أجوف.

رفعت رأسي.

هذا ليس جدارًا عاديًا.

كان خلفه فراغ.

وضعت يدي على سطحه البارد، وشعرت بشيء غريب.

ليس خوفًا.

بل تلك الإثارة التي تسبق اكتشاف خطأ قديم في مخطط يظن الجميع أنه صحيح.

سحبت هاتفي والتقطت صورًا.

ثم انحنيت لأتفحص الحافة السفلية.

كانت هناك قطعة خشبية صغيرة تختلف عن بقية ألواح الحماية الممتدة عند قاعدة الجدار.

أحد مساميرها أحدث من الآخر.

وقد وُضعت فوق فتحة مستطيلة لا يزيد ارتفاعها على خمسة عشر سنتيمترًا.

بحثت في حقيبتي عن مفك صغير.

حررت المسمار الأول.

ثم الثاني.

سقط اللوح في يدي.

خلفه تجويف ضيق.

وفي داخله...

صندوق معدني.

جلست على الأرض.

أخرجت الصندوق بحذر.

كان بحجم كتاب متوسط، مغطى بالغبار، ومغلقًا بقفل صغير.

قلبته بين يديّ.

لا اسم.

لا تاريخ.

لا علامة تدل على صاحبه.

بحثت في حقيبتي عن المفتاح النحاسي الذي سلمني إياه المحامي.

نظرت إلى رأسه.

ثم إلى القفل.

لم يكن مناسبًا.

ترددت.

كان بإمكاني استدعاء مختص، لكن الفضول غلبني.

استغرق الأمر عدة محاولات حتى تمكنت من تحرير آلية القفل الصدئة باستخدام أداة صغيرة.

فتح الصندوق أخيرًا.

في داخله ثلاثة أشياء.

صورة فوتوغرافية قديمة احترقت إحدى زواياها.

شريط تسجيل صغير.

ورسالة مطوية داخل ظرف أبيض.

لمست الصورة أولًا.

كانت تظهر امرأتين تقفان أمام المنزل نفسه.

عرفت الأولى فورًا.

أمي.

سلمى.

كانت أصغر مما أتذكرها، ترتدي فستانًا أزرق داكنًا، وشعرها مربوط خلف رأسها.

أما المرأة الثانية، فقد التهم الحريق جزءًا كبيرًا من صورتها.

لم يبقَ واضحًا منها إلا عين واحدة، وكتف، ويد تستند إلى عربة أطفال.

أدرت الصورة.

على ظهرها كلمات باهتة بخط لم أعرفه:

قبل الحريق بثلاث ساعات.

حدقت فيها طويلًا.

من المرأة الأخرى؟

ولماذا احتفظ أبي بصورة محترقة داخل الجدار؟

أمسكت الظرف.

كان مكتوبًا عليه:

إلى ليان... عندما يصبح الصمت أخطر من الحقيقة.

عرفت خط أبي.

فتحته بيدين بدأتا ترتجفان.

«ابنتي،

لا أعرف كم مرة بدأت كتابة هذه الرسالة ثم مزقتها.

كنت أقول لنفسي إن الوقت غير مناسب، وإنك ما زلت صغيرة، وإن هناك أشياء لن تفهميها.

ثم كبرتِ.

وبقيت أنا أختبئ خلف الأعذار نفسها.

أعرف أنك ستغضبين مني.

وأعرف أن ما سأقوله سيغير صورتك عن أمك وعني.

لكنني لم أعد أملك رفاهية الانتظار.

في هذا البيت حدث شيء لم أخبرك به.

شيء بدأ بحريق، وانتهى بكذبة عشنا داخلها جميعًا.

لم أكن بريئًا كما ظننتِ.

ولم تكن أمك تعرف الحقيقة كلها منذ البداية.

ستجدين جزءًا مما أخفيناه في التسجيل.

أما الباقي، فقد تركته في المكان الذي يعرفه الجدار.

تذكري شيئًا واحدًا يا ليان:

ليس كل من أنقذ طفلًا بريئًا.

وأنا لم أكن كذلك.

أبوكِ، فارس».

قرأت الرسالة مرة.

ثم ثانية.

توقفت عند الجملة الأخيرة.

وأنا لم أكن كذلك.

شعرت بانقباض في صدري.

أبي الذي كان يخاف أن أعبر الشارع وحدي.

أبي الذي بقي بجوار سريري ثلاث ليال عندما أصابتني الحمى.

أبي الذي رفض الزواج بعد وفاة أمي، وكان يقول دائمًا إننا لا نحتاج إلى أحد.

عمّ يتحدث؟

وأي طفل أنقذ؟

وضعت الرسالة على ركبتي.

أخرجت الشريط.

كان من النوع الصغير الذي يُستخدم في أجهزة التسجيل المحمولة.

على الملصق الباهت حرفان مكتوبان بالقلم الأزرق:

ل. ف.

لم أعرف إن كانا يشيران إلى اسمي واسم أبي.

لكنني تذكرت شيئًا.

في غرفة مكتبه بالطابق العلوي، كان يحتفظ بجهاز تسجيل قديم.

رأيته يستخدمه في تدوين ملاحظاته الهندسية عندما كنت طفلة.

أعدت الأشياء إلى الصندوق، باستثناء الشريط، وصعدت السلالم.

كانت غرفة أبي في نهاية الممر العلوي.

دفعت بابها.

رائحة الورق القديم استقبلتني قبل أن أصل إلى المكتب.

كتب هندسية تراكمت على الرفوف.

علب أقلام.

مساطر معدنية.

مخططات ملفوفة ومربوطة بخيوط.

ومصباح أخضر صغير بجوار كرسيه الجلدي.

بقيت لحظة أنظر إلى المكان.

ثم بدأت أفتح الأدراج.

وجدت الجهاز في الدرج الثالث.

مسجل أسود قديم، له أزرار فضية صغيرة.

كان سلك الكهرباء ملفوفًا حوله بعناية.

وصلته بالمقبس.

أضاء مؤشر أحمر.

جلست خلف المكتب.

وضعت الشريط في مكانه.

ترددت قبل الضغط على زر التشغيل.

لا أعرف لماذا.

ربما لأن الرسالة جعلتني أشعر بأنني على وشك سماع شيء لا يمكن محوه من ذاكرتي.

ضغطت الزر.

صدر تشويش خافت.

ثم صوت حركة.

واحتكاك معدن بمعدن.

وبعد ثوانٍ...

سمعت صوت امرأة.

— فارس... هل يعمل الآن؟

توقفت أنفاسي.

أمي.

كان صوت أمي.

لم أسمعه منذ عشرين عامًا، لكنني عرفته فورًا.

هناك أصوات لا ينساها الإنسان مهما طال الغياب.

جاء صوت أبي بعيدًا:

— نعم. تكلمي.

— لا أعرف من أين أبدأ.

— من البداية يا سلمى.

ساد صمت قصير.

ثم قالت أمي:

— مريم لم تكن تكذب.

عقدت حاجبيّ.

مريم؟

لم أسمع هذا الاسم من قبل.

تابعت أمي:

— لقد رأيت الأوراق بنفسي. وكل ما قالته عن الشركة صحيح.

قال أبي بحدة:

— ليس هذا ما يهمنا الآن.

— بل يهمنا! لو أننا صدقناها من البداية، لما حدث كل هذا!

سمعت بكاء طفل في الخلفية.

صوتًا رقيقًا ومتقطعًا.

ثم حركة سريعة، كأن أحدهما حمله.

قال أبي:

— اخفضي صوتك. ستوقظينها.

ردت أمي بصوت مرتجف:

— وماذا سنفعل بها؟

لم يجب.

— فارس، لا يمكننا الاستمرار هكذا.

— ليس لدينا خيار.

— لديها أم.

ساد صمت طويل.

ثم جاء صوت أبي:

— أمها تظن أنها ماتت.

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

قالت أمي:

— وهذا ما يرعبني.

— سلمى...

قاطعته:

— لقد أخذناها من أمها يا فارس! تلك المرأة لا تعرف أن ابنتها ما زالت حية!

توقفت يدي فوق المكتب.

حدقت في الجهاز.

كان التسجيل مستمرًا.

لكنني شعرت بأن الغرفة من حولي بدأت تبتعد.

قال أبي:

— أنقذناها من الحريق.

— نعم، أنقذناها. لكن لماذا لم نعدها؟ لماذا سمحنا لهم بإعلان موتها؟

لم يجب.

ارتفع صوت أمي:

— أنت تعرف أنها تبحث عنها!

— إذا عرفوا أنها حية، فقد يصلون إليها.

— ومن قال إننا وحدنا نستطيع حمايتها؟

— أنت لا تفهمين ما حدث تلك الليلة.

— إذن أخبرني!

صمت.

ثم قال أبي بصوت لم أسمعه منه يومًا:

— هناك أشياء فعلتها لا أستطيع التراجع عنها.

سمعت أمي تبكي.

بكاءً مكتومًا حاولت السيطرة عليه.

ثم قالت:

— أريدك أن تعدني بشيء واحد.

— ماذا؟

— أن تخبرها عندما تكبر.

لم يجب.

— فارس، أقسم لي.

ارتفع صوت احتكاك على الشريط، ثم جاء صوته:

— أعدك.

سكتت أمي قليلًا.

وحين تكلمت مجددًا، كان صوتها أضعف.

— لا أريد أن تقضي حياتها وهي تظن أنني أنجبتها.

انتهى التسجيل بصوت حاد.

ثم صمت.

لم أتحرك.

بقيت أحدق في المسجل.

ثانية.

اثنتين.

ربما دقيقة كاملة.

لم أكن أعرف.

أعدت تشغيل الجملة الأخيرة.

«لا أريد أن تقضي حياتها وهي تظن أنني أنجبتها.»

ثم الجملة التي سبقتها.

«لقد أخذناها من أمها يا فارس.»

أوقفت الجهاز.

نظرت إلى صورة أمي الموضوعة بجوار المصباح.

امرأة كنت أظن أنني أعرفها أكثر من أي شخص.

كانت تقبل جبيني قبل النوم، وتمشط شعري، وتضحك عندما أرفض تناول الخضراوات.

هل كانت تتذكر امرأة أخرى كلما نظرت إليّ؟

هل كان وجهي يذكرها بطفلة أُخذت من أمها؟

وضعت يدي على فمي.

لم أبكِ.

كنت أبعد من البكاء.

أحسست بأن الأرض ثابتة تحت قدمي، لكن كل شيء آخر فقد معناه.

اسمي.

تاريخ ميلادي.

صوري الأولى.

القصص التي رواها أبي عن يوم ولادتي.

حتى الملامح التي كنت أبحث عنها في وجه أمي.

من أكون؟

وأين المرأة التي ولدتني؟

أهي حية؟

هل بحثت عني؟

وهل كانت تعرف أنني أعيش على بعد شوارع قليلة منها، أنادي امرأة أخرى أمي؟

ثم خطر لي سؤال أشد رعبًا.

إذا كان أبي قد وعد بإخباري بالحقيقة...

فلماذا مات دون أن يفعل؟

أخرجني صوت هاتفي من أفكاري.

كان يرن داخل حقيبتي.

بحثت عنه بأصابع مرتجفة.

رقم مجهول.

نظرت إلى الشاشة حتى انقطع الاتصال.

بعد ثوانٍ، عاد الرقم نفسه.

أجبت.

— نعم؟

لم يأتِ رد فورًا.

سمعت صوت تنفس، ثم صوت رجل منخفض:

— ليان فارس الخطيب؟

شعرت بانقباض في معدتي.

— من المتحدث؟

— هل أنت داخل المنزل الآن؟

اعتدلت في جلستي.

— من أنت؟

تجاهل سؤالي.

— هل وجدتِ الشريط؟

تجمد الدم في عروقي.

نظرت تلقائيًا إلى المسجل.

— ماذا تريد؟

قال الرجل بسرعة:

— اسمعيني جيدًا. لا وقت لدينا.

— كيف عرفت بأمر الشريط؟

— والدك ترك أشياء أكثر مما تتخيلين.

— هل كنت تعرفه؟

— نعم.

وقفت.

— ما اسمك؟

لكن الرجل لم يجب.

قال بدلًا من ذلك:

— هل استمعتِ إلى التسجيل؟

نظرت نحو باب الغرفة المفتوح.

لم يكن هناك أحد.

— من الذي أرسلك؟

سمعت حركة في الطرف الآخر، وصوت محرك سيارة.

ثم قال:

— الشخص الذي يريد شراء البيت لا يريد المنزل يا ليان.

حبست أنفاسي.

— ماذا يريد إذن؟

— ما يعتقد أن والدك أخفاه داخله.

نظرت إلى الشريط في يدي.

— ولماذا تخبرني بهذا؟

جاء صوته أكثر حدة:

— لأن والدك حاول الوصول إليّ قبل موته، ولأنني لا أريد أن يتكرر ما حدث معه.

شعرت بأن قلبي توقف لحظة.

— ماذا تقصد بما حدث معه؟

لم يجب مباشرة.

ثم سأل:

— هل أنت وحدك؟

— نعم.

— هل الباب الخارجي مغلق؟

التفت إلى الممر.

— نعم.

سمعت صوتًا بعيدًا خارج المنزل.

سيارة تتوقف.

اقتربت من النافذة المطلة على الحديقة الأمامية.

لكن الرجل قال فجأة:

— لا تقتربي من النافذة.

توقفت.

— كيف عرفت أنني...

قاطعني:

— هناك سيارة أمام البوابة، أليس كذلك؟

لم أجب.

كنت أرى من بين الستائر ضوء مصباحين ينعكس على الحجارة المبللة.

ثم انطفأ الضوء.

قال الرجل:

— ابتعدي عن الواجهة الأمامية. لا تفتحي الباب لأي شخص.

تراجعت خطوة.

— لماذا؟

— لأنهم قد يخبرونك أن والدك طلب منهم الحضور.

شعرت بوخزة باردة في ظهري.

— ومن يضمن أنك لست واحدًا منهم؟

ساد صمت قصير.

ثم أجاب:

— لا شيء.

كانت إجابته أبعد ما توقعت.

تابع:

— ولهذا لا أطلب منك أن تثقي بي. فقط لا تفتحي الباب حتى تتأكدي ممن يقف خلفه.

سمعت خطوات خارج المنزل.

ثم صرير البوابة الحديدية.

أحدهم دخل الحديقة.

خفض الرجل صوته:

— هل يوجد مخرج خلفي ما زال صالحًا للاستخدام؟

لم أكن قد فكرت في ذلك الباب منذ سنوات.

— نعم، لكن...

وقبل أن أكمل، دوّت ثلاث طرقات على الباب الرئيسي.

تجمدت.

قال الرجل:

— لا تجيبي.

تكررت الطرقات.

ثم جاء صوت رجل من الأسفل:

— آنسة ليان؟

كان الصوت مألوفًا.

احتجت إلى ثوانٍ لأتذكر أين سمعته.

في مكتب المحامي.

الرجل صاحب البدلة الرمادية.

رفع صوته:

— آنسة ليان، أنا من شركة الدروبي. أعتذر عن الإزعاج، لكن هناك أمرًا مهمًا بشأن المنزل.

نظرت إلى الهاتف في يدي.

كان المتصل المجهول لا يزال صامتًا على الطرف الآخر.

ثم سمعت صوت الرجل عند الباب يقول:

— نعرف أنك في الداخل. سيارتك أمام المنزل.

شعرت بالخوف للمرة الأولى منذ دخولي البيت.

لا بسبب الرسالة.

ولا التسجيل.

بل لأن الرجل الذي عرض عليّ شراء المنزل قبل ساعات، وقال إن شركته لا تحتاج إلى معاينته...

كان يقف الآن عند باب بيت مهجور، في ساعة متأخرة، ويعرف أنني بداخله.

ومن الجهة الأخرى، همس المتصل بكلمات جعلتني أشد قبضتي على الهاتف:

— ليان... أبوك لم يسقط على الدرج كما أخبروك.

شهقت بصمت.

— ماذا؟

قال:

— لقد كان يبحث عن الشيء نفسه الذي وجدته اليوم.

ثم أضاف:

— وإذا فتحـتِ الباب، فقد لا تحصلي على فرصة لمعرفة لماذا مات.

انقطع الاتصال.

وبقي صوت الرجل خارج المنزل.

— آنسة ليان؟ افتحي الباب من فضلك.

نظرت إلى الشريط.

إلى صورة أمي.

إلى رسالة أبي.

ثم سمعت صوتًا معدنيًا خافتًا يأتي من الطابق السفلي.

صوت شيء يُدفع داخل قفل.

كان أحدهم يحاول فتح الباب.

وفي تلك اللحظة أدركت حقيقة واحدة:

أبي لم يترك لي منزلًا قديمًا لأبيعه.

لقد ترك لي سرًا... وهناك من جاء ليستعيده قبل أن أعرف ما هو.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
5 Chapters
الفصل الأول: وصية الجدار
في اليوم الأربعين لوفاة أبي، عرض عليّ رجل غريب ثلاثة أضعاف قيمة منزلنا القديم.لم يطلب رؤية المنزل.لم يسأل عن حالته.ولم يحاول حتى التفاوض.وحدها عيناه كانتا تتحركان بقلق بين وجهي والملف الموضوع أمامه، كأنه لا ينتظر موافقتي على البيع، بل يخشى أن أطرح سؤالًا لا يريد الإجابة عنه.قال وهو يدفع العقد نحوي:— أعتقد أن العرض أكثر من مناسب، آنسة ليان.نظرت إلى المبلغ المطبوع أسفل الصفحة، ثم رفعت عينيّ إليه.— مناسب جدًا، لدرجة تثير الشك.ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.— الموقع ممتاز. الشركة لديها خطط استثمارية للمنطقة.كنا نجلس في مكتب المحامي سامر، الذي تولى إجراءات تركة أبي. كان الرجل المقابل لي في أواخر الأربعينيات، يرتدي بدلة رمادية فاخرة، ويحمل حقيبة جلدية سوداء لم يفتحها منذ دخوله.قال المحامي محاولًا تلطيف الأجواء:— القرار يعود لك بالكامل يا ليان. المنزل أصبح مسجلًا باسمك بموجب الوصية، ولا يوجد ما يجبرك على بيعه.أعدت النظر إلى العقد.— لماذا هذا المنزل تحديدًا؟أجاب الرجل:— لأنه يناسب المشروع.— هل اطلعت على مخططاته؟— لدينا المعلومات اللازمة.— وهل تعلم أنه لم يُرمم منذ س
last updateLast Updated : 2026-10-09
Read more
الفصل الثاني: متران مفقودان
لم أكن أخاف الظلام.كنت أخاف الأشياء التي لا أستطيع تفسيرها.لكنني، في تلك اللحظة، كنت أقف في الطابق العلوي من منزل عائلتي، وأسمع رجلًا يحاول فتح الباب بمفتاح لا أعرف كيف حصل عليه.وللمرة الأولى في حياتي، لم أعد متأكدة من أن المعرفة ستجعلني أكثر أمانًا.تراجع صوت الخطوات خارج المنزل، ثم عاد صوت المعدن يحتك بالقفل.مرة.مرتين.ثم صوت الرجل نفسه:— آنسة ليان، أعرف أنك في الداخل. لا داعي لتعقيد الأمر.أمسكت هاتفي بقوة.كان المتصل المجهول قد أغلق الخط، ولم أكن أعرف إن كان عليّ تصديقه أم الخوف منه هو الآخر.نظرت إلى شاشة الهاتف.الساعة الثامنة وسبع وأربعون دقيقة.لم يكن الوقت متأخرًا إلى درجة تبرر شعوري بأن المدينة كلها نامت وتركتني وحدي.لكن البيت كان صامتًا على نحو مخيف.حتى صوت المطر بدا بعيدًا.ضغطت على رقم الطوارئ.أجابتني موظفة بصوت هادئ، فأخبرتها بعنوان المنزل، وبأن رجلًا لا أسمح له بالدخول يحاول فتح الباب من الخارج.سألتني:— هل دخل المنزل؟— لا، ليس بعد.— هل أنت في مكان آمن؟نظرت إلى باب المكتب المفتوح.— أنا في الطابق العلوي. هناك مخرج خلفي، لكنني لا أعرف إن كان أحد ينتظر عنده.
last updateLast Updated : 2026-10-09
Read more
الفصل الثالث: شريط بلا تاريخ
لم تكن المشكلة أنني سمعت صوت أمي بعد عشرين عامًا من موتها.المشكلة أنني لم أعد أعرف أي جزء من حياتي كان حقيقيًا.جلست في سيارتي أمام منزل اللويبدة، أحدق في حقيبتي الموضوعة على المقعد المجاور. كان الشريط داخل جيبها الصغير، ملفوفًا بمنديل ورقي، كأن قطعة البلاستيك البالية تحمل شيئًا هشًا قد يتحطم إذا لمسته بقوة.قبل يومين، كنت أعتقد أن أكبر قرار ينتظرني هو بيع منزل قديم.أما الآن، فقد أصبحت أخشى أن أفتح حقيبتي.رن هاتفي.ظهر اسم المحامي سامر.أجبت.— هل وصلتِ إلى البيت؟— لم أغادر الشارع بعد.— ليان، لا تعودي إلى الداخل وحدك. لقد اتفقنا على ذلك.— أعرف.صمت لحظة، ثم سأل:— هل أنت بخير؟نظرت إلى البوابة الحديدية التي خرجنا منها قبل دقائق.— لا أعرف.لم تكن إجابة مناسبة لسؤال بسيط، لكنها كانت الحقيقة.قال:— أريدك أن ترسلي إليّ صور المخططات التي وجدناها. سأراجع تاريخ الترميم، وربما أستطيع الوصول إلى بعض المستندات المرتبطة به.— وماذا عن تقرير وفاة أبي؟— سأتابع إجراءات الحصول على نسخة من الملف والمستندات التي يحق لك الاطلاع عليها. لكن لا تتوقعي أن نحصل عليها اليوم.ترددت قبل أن أقول:— سام
last updateLast Updated : 2026-10-09
Read more
الفصل الرابع: الرجل عند الدرج
في صباح اليوم الذي قررت فيه فتح الجدار، اكتشفت أن أصعب ما في البحث عن الحقيقة ليس العثور على الأبواب المغلقة.بل معرفة من ينتظر خلفها.استيقظت قبل المنبه بعشرين دقيقة.لم أنم سوى ثلاث ساعات، قضيت معظمها أتقلب بين سؤالين: هل كانت المرأة التي تحدثت عنها أمي في التسجيل هي أمي الحقيقية؟ وهل مات أبي لأنه حاول إخبارها بأن ابنتها ما زالت حية؟لم أكن أملك دليلًا يربط السؤالين.ومع ذلك، كان عقلي يصر على جمعهما في قصة واحدة.وهذا أكثر ما أخافني.لقد أمضيت سنوات في دراسة الهندسة، وتعلمت أن وجود شرخ في جدار لا يعني بالضرورة أن المبنى سينهار. يجب معرفة السبب، والاتجاه، والعمق، وتاريخ ظهوره.لكنني الآن كنت مستعدة لتفسير حياتي كلها اعتمادًا على تسجيل ناقص ورسائل غامضة.وقفت أمام المرآة.وجهي شاحب.عيناي محمرتان من قلة النوم.أما المرأة التي تنظر إليّ من الزجاج، فلم أعد أعرف إلى من تشبه.أخرجت هاتفي واتصلت بالمحامي سامر.أجاب بعد الرنة الثالثة.— صباح الخير، ليان.— هل أكدت موعد المهندس؟— نعم. المهندسة دانا ستصل في العاشرة. ستفحص الجدار والمنطقة المحيطة به قبل أن نقرر الخطوة التالية.— أريد فتحه الي
last updateLast Updated : 2026-10-09
Read more
الفصل الخامس: ملف الحريق
هناك فرق بين أن يخبئ الإنسان سرًا، وأن يترك وراءه أدلة تثبت أنه تعمد إخفاءه.كنت أظن أن أبي فعل الأمر الأول.لكنني، عندما بدأت قراءة ملف الحريق، أدركت أنه ربما فعل الأمرين معًا.***وصلت إلى مكتب المحامي سامر في التاسعة صباحًا، قبل الموعد بعشر دقائق.لم أكن قد نمت جيدًا منذ ثلاثة أيام.كلما أغمضت عينيّ، سمعت صوت أمي يخرج من جهاز التسجيل القديم:«لقد أخذناها من أمها يا فارس».وكان السؤال نفسه يعود إليّ كل ليلة.إذا كنت أنا تلك الطفلة، فكيف استطاع أبي أن ينظر إليّ طوال واحد وثلاثين عامًا دون أن يخبرني؟جلست في غرفة الانتظار، وأخرجت دفتري الصغير.كانت صفحاته قد امتلأت بأسماء وتواريخ وأسئلة.فارس الخطيب.سلمى.مريم.رشيد محمود العبد.يونس العطار.وآدم.ستة أسماء، لا أعرف حتى الآن كيف اجتمعت حول حريق واحد.رفعت رأسي عندما فُتح باب المكتب.كان سامر يحمل ملفًا أزرق سميكًا، وإلى جانبه ظرف بني كبير.لم يبتسم كعادته.قال:— تفضلي يا ليان.دخلت خلفه.أغلق الباب، ووضع الملف أمامي.— وصلتنا نسخ من بعض أوراق القضية القديمة، وهناك مستندات أخرى ما زالت تحتاج إلى إجراءات للحصول عليها. كما أرسل آدم مجم
last updateLast Updated : 2026-10-09
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status