Share

الفصل الثاني: همسات في العذاب

Author: Novel_3001
last update Petsa ng paglalathala: 2026-07-16 04:16:55

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بوقتٍ طويل، والقصر غارقٌ في صمتٍ مريبٍ وموحش، لا يقطعه سوى أنين الرياح التي تصطدم بالنوافذ العتيقة كأنها تستغيث من قسوة الزمن. في غرفتها الضيقة التي تقع تحت السلم، كانت "إيلين" تحاول جاهدة أن تهدئ من روعها، لكن الخوف كان ينهش أعصابها كأنيابٍ حادة. الحاجة الملحّة لطفلتها "ليلى" كانت تضغط على صدرها، وجسدها ينتفض برغبةٍ عارمة في الانطلاق نحو ذلك الجناح الممنوع.

لم تعد قادرة على الاحتمال؛ فقد مرت ساعات طويلة منذ آخر مرة أرضعت فيها صغيرتها، وصدرها يؤلمها بشدة، وهو ألمٌ جسديٌ يذكره في كل لحظة بمسؤوليتها كأمٍ مطاردة. نهضت إيلين ببطء شديد، تحركت كظلٍ في الغرفة، وتأكدت مرة أخرى من رباط صدرها القاسي الذي يضيق أنفاسها ويخفي معالم أنوثتها. ارتدت سترتها الخشنة، وخرجت من غرفتها بحذر، خطواتها حافةٌ وناعمة كأنها لا تلامس الأرض الباردة. كان كل صريرٍ في الخشب العتيق تحت قدميها يتردد في أذنيها كأنه طلقة رصاص تدوي في المكان، وكل ظلٍ متراقص على الجدران بفعل ضوء القمر الخافت كان يبدو لها كأنه "أدريان" يترصد تحركاتها المريبة.

وصلت أخيراً إلى ممر الجناح الشرقي الموحش. كان الهواء هناك أكثر برودة، ورائحة الغبار الممزوجة برائحة النسيان تفوح في المكان كأنها تغلف القصر بوشاحٍ من الأسرار المدفونة. دفعت الباب المهجور ببطء شديد، ليفتح عن صوت صريرٍ جعل قلبها يهوي في أعماق قدميها، ودخلت لتجد صغيرتها "ليلى" في الركن المظلم تبكي بصوتٍ مكتوم ومتقطع. ركضت نحوها، احتضنتها بقوة، وبدأت في إرضاعها والدموع تنهمر على وجنتيها كأنها تفرغ كل خوفها وقلقها في تلك اللحظة؛ كانت لحظةً من الأمان المسروق التي تمنت لو يتوقف عندها الزمن إلى الأبد.

لكن الظلام في القصر لم يكن ليسمح لها بذلك الترف. فجأة، تجمّد جسدها في مكانها. شعرت ببرودةٍ قارسة تسري في أوصالها حين سمعت وقع خطواتٍ ثقيلة، واثقة، ومنتظمة تقترب من الممر؛ إنها خطوات "أدريان" التي حفظتها منذ اليوم الأول بقلبها المرتجف.

لم تجد مكاناً للهرب، فالمخرج الوحيد هو الممر الذي يسلكه الآن. سحبت "ليلى" بسرعة ووضعتها خلف كومة من الأثاث القديم المغطى بملاءات باهتة، وانكمشت هي بجانبها، تكتم أنفاسها، وتغطي فم طفلتها بيدها المرتجفة، محولةً نفسها إلى تمثالٍ من الرعب المحض.

دخل "أدريان" الغرفة، حاملاً شمعةً تتمايل نارها ببطء، كاشفةً عن ملامحه الصارمة التي زادها الظل حدةً وغموضاً. وقف في منتصف الغرفة، وبدأت عيناه الحادتان كالصقر تمسحان المكان ببطءٍ مرعب، وكأنه يشتم رائحة وجودٍ غريب في مكانه الخاص. ساد صمتٌ خانق، لدرجة أن "إيلين" سمعت صدى دقات قلبها المذعور يتردد في أرجاء المكان كأنه طبول حرب تُنذر باقتراب النهاية.

"أعلم أنك هنا،" قال "أدريان" بصوتٍ منخفض، هادئ بشكلٍ مرعب يبعث القشعريرة في العظام، مما جعل "إيلين" تشعر وكأن الوقت قد توقف تماماً، وكأن الهواء سُحب من الغرفة.

أخذ يخطو خطوات بطيئة وواثقة باتجاه كومة الأثاث التي تختبئ خلفها. اقترب أكثر.. وأكثر، حتى أصبحت أطراف حذائه الجلدية اللامعة تظهر أمام عينيها مباشرة في ضوء الشمعة الخافت. انحنى "أدريان" قليلاً، وكأنه يتفحص شيئاً ما على الأرضية الخشبية الغارقة في الظلام، ثم توقف عن الحركة تماماً.

"لا أحب الألعاب يا آرثر،" تابع بصوتٍ يحمل وعيداً خفياً، "فإذا كنتَ تظن أن ظلال هذا القصر ستحميك، فأنت واهمٌ جداً. لا شيء يغيب عن عيني، تذكر ذلك جيداً."

في تلك اللحظة، توقفت "ليلى" عن البكاء فجأة، وكأنها هي أيضاً شعرت بوجوب الصمت المطلق. حبست "إيلين" أنفاسها لدرجة أنها شعرت برئتيها تحترقان وتطالبان بالأكسجين بشدة. بقيت يد "أدريان" معلقة في الهواء لثانيةٍ بدت كأنها دهر، قبل أن يستدير ببطءٍ شديد ويخرج من الغرفة، تاركاً إياها في حالةٍ من الرعب الذي لم تعرفه من قبل.

بينما كانت تقبع في الظلام، أدركت "إيلين" أن "أدريان" لا يترك شيئاً للصدفة، وأن القادم لن يكون رحيماً على الإطلاق. كان هذا القصر يضيق عليها وعليها أن تجد مخرجاً قبل أن تتحول لعبتها الخطرة إلى كارثة.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • خلف قناع الخدمة: أسرار القصر الغامض"   الفصل الحادي والثلاثون: وصية الأجداد وعهد الأبدية

    استيقظت "إيلين" على وقع خيوط الفجر الأولى التي تغلغلت عبر الزجاج المقوس لغرفة النوم الكبرى، ملقية بأطيافها الذهبية على أثاث القصر الفاخر. كانت تمسك بطرف الستار الحريري، ناظرة بعينين تملؤهما السكينة نحو الحديقة الخارجية حيث تتمايل أزهار الياسمين وأشجار الليمون بسلام، متذكرةً كل خطوة عبرتها للوصول إلى هذه اللحظة المضيئة من الاستقرار المطلق.لم تكن طريقهم مفروشة بالورود منذ البداية، بل كانت مرصوفة بالتحديات والدموع وذكريات القصور المعتمة التي كادت تبتلع أحلامهم. لكن إصرار أدريان وعزيمتها الصلبة، إلى جانب وقوف سيباستيان الحكيم بحكمته المعهودة إلى جانبهما، صنع المستحيل وحول الرماد إلى صرح عظيم يفيض بالعز والثراء والكرامة.في تلك اللحظة، فتح باب الغرفة بهدوء، وأطل أدريان بملامحه الهادئة وابتسامته الدافئة التي تطرد أي ظل للقلق. اقترب منها بخطوات خفيفة، وأحاط خصرها بذراعيه القويتين، مستنداً برأسه قرب كتفها، وهمس بصوت هادئ يلامس الروح: "أرى أن أميرتي مستغرفة في أفكارها منذ الصباح الباكر.. هل تشغل بالكِ شيئاً يا حب عمري؟"التفتت إيلين إليه، ووضعت كفها الناعم على وجهه بحنان متبادل، وقفت في حضنه

  • خلف قناع الخدمة: أسرار القصر الغامض"   الفصل الثلاثون: مجد العائلات وعطر الياسمين في القصر العالي

    بعد أيام قليلة من العودة إلى التخطيط، قررت الحياة في أروقة "قصر النور" واسع بنمطٍ جديد يجمع بين روعة الفخامة الملكية والدفء العائلي الصغير الذي لم توافقه إيلين وأدريان ديسمبر. لم تكن ثروتهم العارمة وسلطانهم سبباً جديداً في التكبر أو الجفاء، بل يتواضعون وييماناً القوة حيث تكمن القدرة على الحماية الضعيفة ولكن مجتمع يسوده العدل.في صباح ذلك اليوم، كانت أشعة الشمس الذهبية ت تطبيق من بين زجاج النافذة المقوسة الجديدة، لتضيء قاعة الاستقبال الرئيسية المرصعة بالرخام الأبيض. كانت إيلين تجلس على أريكة فاخرة بلون العقيق، وترتدي ملابس منزلية من المطر الحرير بخيوط فضية خفيفة، بينما يلعب كان لين ليون بمهاراته الصغيرة على البساط الفارسي، ويستفيد بألعابه الخشبية التي صنعها له سيباستيان بنفسه.أما ليلى، فقد أصبحت تتابع دروسها الخاصة في مكتبة القصر الكبير تحت حكم معلم خاص، ولكن لم تنتهي كل ظهر لترکض نحو لماذا شارحة بحماس تفاصيل الكتب التاريخية التي تعلمها.دخلان إلى القاعة بخطوات واثقة وهادئة، ارتديا قميصاً أبيض فاخراً بلا، وقد بدت على ملامحه بارد بعد اجتماعيه الصباحي الناجح مع الشركات الاستشارية الاستش

  • خلف قناع الخدمة: أسرار القصر الغامض"   الفصل التاسع والعشرون: انبعاث الحق وحياة العز والكرامة

    لم تكن السنوات السابقة مجرد استراحة محارب في أروقة الكوخ الهادئ، بل كانت أواناً لاختمار العدالة واستعادة سُلم مالب غصباً وظلماً. وفي صباح يومٍ ربيعيّّ ساحر، شقت عربة المدينة السوداء فخمة تحمل شعار العائلة العريق الذي طالما حاول أسطورة محوه من ذاكرة التاريخ. لم تكن العودة هذه المرة مجرد وهمٍ أو حلمٍ بعيد، بل كانت الحقيقة ساطعة لديها الوثائق الرسمية والأحكام النهائية التي انتهت فقط لأدريان وإيلين كل أملاكهما، وقصورهما، وثروة وجدهما التي نهبها الخونة في زمن العتمة.ترجلان من العربة أمام بوابات "قصر النور" العظيم، القصر الأثري الفاخر الذي رُمّم بالكامل ليعود أبهى مما كان عليه في الماضي. كانت ترتدي بذلة رفيعة المستوى تُبرز هيبته ووقاره الكلاسيكية، وبجانبه إيلين التي أطلت كملكة حقيقية بفستان من الحرير الجبهي الملكي، يترصع بلمسات ذهبية سريعة الإيمان بثقتها وثباتها. لم تعد هناك إيلين الخائفة أو المطاردة، بل أصبحت امرأة قوية تهابها المشجعة ويحترمها الجميع، امرأة قالت الصعاب روحها فزادتها تزايداً كبيرة.استُقبل العروسان ومعهما أطفالهما بحفاوة؛ ووقف الخدم والحراس على المدخل العمودي الفسيح في اتج

  • خلف قناع الخدمة: أسرار القصر الغامض"   الفصل الثامن والعشرين: خطوات أولى تحت سماء دافئة

    مرت الأعوام الأربعة التالية سريعةً وكأنها أطياف أمل، لتنسج في أروقة المنزل قصصاً جديدة ملونة بالبهجة والمرح. لم يعد الكوخ ولا المنزل الجديد مجرد مكان للسكن، بل تحول إلى حديقة غنّاء تفوح منها رائحة الضحكات والأمان الأبدي.كان الصغير "ليون" قد بلغ عامه الرابع، وبات يملأ البيت حركة ونشاطاً لا ينتهيان؛ بشعره الأشقر الثائر وعينيه اللتين أخذتا صفاء اللون وشدة الذكاء من والده أدريان. بينما أصبحت ليلى فتاة صغيرة متألقة في عامها العاشر، تتحمل مسؤولية أختها الكبرى بكل فخر، وترافقه في كل خطواته الشقية بين أحواض الزهور.في صباح يوم خريفي دافئ، كانت إيلين تجلس على المقعد الخشبي المفضل لها في الحديقة الخلفية، تراقب ابنتها ليلى وهي تعلم ليون كيف يمسك القلم ويرسم أولى حروف اسمه على دفتر صغير. كانت تبتسم في صمت، وهي تشعر بلمسات الهواء العليل ينعش روحها، متذكرةً كيف كانت الأيام تبدو مظلمة ومستحيلة، وكيف أصبحت الآن تفيض بالنور والرضا.اقترب أدريان بخطوات هادئة من الخلف، حاملاً بين يديه رداءً دافئاً وضعه برفق على كتفيها، ثم انحنى ليطبع قبلة حانية على رأسها قبل أن يجلس بجانبها."بمَ تفكر أميرتي اليوم؟" سأ

  • خلف قناع الخدمة: أسرار القصر الغامض"   الفصل السابع والعشرون: مخاض النور وصراخ البدايات

    مرت المدة المتبقية من الحمل كحلم دافئ ي ي القادمين إلى أرجاء المنزل الجديد. تفتقت أزهار الياسمين في الحديقة مرتين، وازدادت ثمار الليمون ثقلاً ونضجاً على أغصانها، كما كانت إيلين تنمو داخلها تلك الحياة الجديدة التي ربطت أفئدتهم جميعاً برباطٍ أصلي من الفولاذ. لم يعد في هذا البيت مكان للذكريات؛ لقد غُسلت كل نجومه بضحكات طفلة ليلى، واهتمامان بكل تخصص صغير تخص إيلين، ورعاية سيباستيان الدؤوبة التي تشبه حنان الآب الرؤوف.ليلة خريف هادئة، حين كانت السماء ترصّعها نجوم البراقة كحبات المرجان، وتهمس ريح العليلة بين أغصان الشجر، والثالثة إيلين على ألمٍ حاد ومباغت يساب في جسدها كالموج المتلاطم. أطلقت زفرة متألمة وهي تتمسك بطرف الغطاء الوصلي، محاولة ألا تتفزعان النائم بجوارها. ولكنني معًا، الذي كان نومه خفيفًا ومستنفزًا لحمايتها دائمًا، تفتح القدرة في نفسها.الجليدين ايلين بيده الدافئة وهي تجتمع مع يدها المرتجفة، ورأت لها عاطفة القلق العارم تصارع نومه في مفاجئة معدودة. "إيلين؟ هل حانت اللحظة؟" سألها بنبرة متقطعة يبرز فيها الحنان بالمركب، بينما كانت تومئ برأسها بصعوبة، والابتسامة ترتسم على شفتيها رغم

  • خلف قناع الخدمة: أسرار القصر الغامض"   الفصل السادس والعشرون: أزهار الليمون وبشائر الحياة الجديدة

    مرت الأشهر التالية كنسيم ربيعي عليل،حيث اكتست أركان البيت الصغير بمزيد من البهجة والسكينة.كانت حديقة المنزل الخلفية قد أصبحت زاهرة بأشجار الليمون والياسمين،لكنها اليوم تشهد على أثمن وأجمل سرّ طال انتظار مشاركته.في صباح صيفي دافئ،كانت إيلين تقف أمام نافذة المطبخ الواسعة،تضع بيديها المرتجفتين قليلاً من شدة التأثر كفيها على بطنها الذي بدأ يبرز بوضوح،حاملًا معه نبضات حياة جديدة ستكتمل بها سعادتهم.على الرغم من أن مشاعر القلق والخوف كانت تتسلل أحيانًا إلى قلبها بسبب ذكريات الماضي البعيد،إلا أن اليقين المطلق بأنها في أمان تام مع أدريان كان يطرد كل ظل داكن.دخل أدريان المطبخ بهدوء،وعيناه تلمعان بقلق حانٍ ومحبب وهو يرى إيلين مستغرقة في أفكارها.اقترب منها بخطوات خفيفة،وأحاط خصرها بذراعيه الدافئتين برفق شديد،مستنداً برأسه قرب كتفها،ثم همس بنبرة تمتلئ بالعشق والامتنان: "إلى ما تخطط أميرتي الصغيرة اليوم؟ ولماذا تبدو هذه العيون الغارقة في الجمال شاخصة نحو الأفق هكذا؟"استندت إيلين برأسها إلى صدره،وابتسمت بابتسامة واسعة تضيء وجهها،ثم أمسكت بيده ووضعتها برفق على بطنها،وقالت بصوت خفيض يغمره الفرح: "

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status