كان القصر يقف شامخاً فوق التلة، كوحشٍ حجري يترصد بفرائسه، بارداً وقاسياً كصاحبه الذي يسكن في أعلاه. وقفت "إيلين" -التي اختارت لنفسها اسم "آرثر" كدرعٍ من الزيف- أمام البوابة الحديدية الضخمة، أنفاسها متقطعة كأنها تتنفس من ثقب إبرة، وشعرها القصير الذي قصته بيدها المرتجفة ليلة البارحة يغطي جزءاً من وجهها الشاحب، محاولاً إخفاء رقتها الفطرية. لم يكن أمامها أي خيار؛ فالبحث عن الأمان لطفلتها "ليلى" كان يستحق التضحية بكل ذرة كبرياء، حتى بانوثتها.في حقيبتها الجلدية القديمة التي تآكلت أطرافها، كانت تحمل القليل من الحليب المخزن وزجاجة دافئة وملابس قطنية لـ "ليلى"، وقلبها يرتجف خوفاً من أن يصدر صوتٌ بكاءٍ خافت من تلك الحقيبة داخل هذا القصر الذي يلفه صمتٌ مريب. تسللت عبر البوابة الخلفية المصدئة، ومرت من الممرات الضيقة المليئة بالأتربة ورائحة العفن حتى وصلت إلى الملحق المهجور، حيث وضعت طفلتها في سرير خشبي متهالك مغطى بأقمشة داكنة لتمويه وجودها تماماً عن الأعين الفضولية. قبلت جبينها الصغيرة هامسةً بدموعٍ محبوسة كالجمر في عينيها: "تحملي يا صغيرتي.. فقط تحملي، فمن أجلكِ سأخوض الجحيم وسأفعل المستحيل."
Huling Na-update : 2026-07-16 Magbasa pa