LOGINفي صباح اليوم التالي، كان الهواء في دبي يتسم بنقاء شفاف يسبق حرارة الظهيرة، والمدينة الممتدة تحت زجاج البرج تبدو وكأنها تستعيد ترتيب إيقاعها الهادئ بعد أسابيع طويلة من الصخب. جلستُ عند الطاولة الخشبية الكبيرة في الصالة الرئيسية، والورق الأزرق للدفتر المفتوح أمامي يتلقى ضوء الصباح الشاحب بصفاء يبعث على الطمأنينة. دخلت أمي وهي تحمل صينية القهوة، وعيناها تحملان ذلك الهدوء النادر الذي استقر فيهما منذ عودتنا الأخيرة من دمشق وإغلاق كل الملفات القديمة المعلقة. وضعت الفنجان أمامي ثم جلست على الكرسي المجاور، تتأمل الصفحة المفتوحة في الدفتر بابتسامة خفيفة. "تكتبين مجدداً يا شام؟" سألتني بنبرة حنونة. "أكتب عن مرحلتنا الجديدة يا أمي،" أجبتُ وأنا أسند ظهري إلى المقعد. "أكتب كيف أصبحنا نعيش اليوم دون أن نخشى ما سيحمله الغد، وكيف يتسع الوقف ليدخل عمّان بعد دمشق وبيروت." تنهدت أمي ببطء، وتطلعت نحو النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف. "طوال عشرين عاماً كنتُ أظن أن غايتي الوحيدة في هذه الحياة هي إبقاء يوسف وحمايتكِ بعيداً عن أيدي الشبكة ونادر. كنتُ أعيش كل يوم كأنه مواجهة حذرة. واليوم، وأنا
في منتصف الأسبوع التالي، كان الصباح يحمل ذلك النوع من الصفاء الخفيف الذي يسبق عادةً ازدحام المواعيد والقرارات المعلقة. جلستُ في مكتبة البرج أراجع الجزء الأول من الورقة البحثية التي اتفقنا أنا ويوسف على تقديمها كمسودة أولية لبرنامج الفصل الدراسي. كانت الأوراق بين يدي تغطي تسلسلاً واضحاً: بدءاً من الفكرة الأولى التي صاغتها نجلاء في دمشق عبر الإكراه، وصولاً إلى النموذج الذي أدخلته سارة في لبنان والمرأة الأردنية التي تبنت المنهجية نفسها في عمّان. دخل كرم إلى الغرفة بخطى هادئة، وفي يده كوبان من القهوة. وضع أحدهما أمامي ثم جلس في المقعد المائل نحو النافذة، ينظر إلى المباني الممتدة بالأسفل. "تحدثتُ مع طارق المصري قبل ساعة،" قال كرم بصوت خافت لكنه يحمل نبرة تركيز حاسمة. رفعتُ نظري عن الأوراق. "هل هناك جديد بشأن المجموعة؟" "ليس بجديد بمعنى الخطر أو المواجهة،" أجاب كرم وهو يرتشف من فنجانه. "طارق أخبرني أن الرجل الذي لا يُرى أرسل إشارة غير مباشرة لمكتبه بالقاهرة. يبدو أنه ينوي اتخاذ خطوة للتنحي الكامل عن إدارة الملفات القديمة التي بقيت عالقة في ظل الشبكة. قال إن الاتصال الذي أجراه معي
في الأسبوع الثاني من استخدام الدفتر الأزرق، عدتُ إلى قاعة المحاضرات مع بداية الفصل الدراسي الثاني. كانت دبي تتنفس برطوبة خفيفة في الصباح الباكر، والشمس تشرق فوق المباني الزجاجية بضوء شاحب يمنح الأفق طابعاً من الهدوء المؤقت. جلستُ في مقعـدي المعتاد بالقرب من النافذة. لم أعد أشعر بالارتباك الذي صاحب خطواتي الأولى في هذا المكان خلال الأسبوع الأول من الفصل السابق. لم يعد وجودي بين طلاب في بداية العشرينات يُشكّل حاجزاً أو يحتاج إلى تبرير ضمني؛ فقد تحوّلت التجربة بالكامل، كما وصفتها نور في إحدى جلساتنا الأخيرة قبل أن تنهي دورها الرسمي، من موقف دفاعي إلى موقع بنائي يترجم كل ما عشته إلى لغة مفهومة. دخل الأستاذ القاعة وحيّانا باختصار، ثم أعلن عن مشروع الفصل الجديد: "أريد من كل اثنين منكم أن يختارا دراسة حالة لمؤسسة مجتمعية أو مبادرة غير ربحية تمكنت من الاستمرار والتوسع عبر شبكات الثقة غير الرسمية، بدلاً من الاعتماد المطلق على رأس المال المالي أو الحملات الإعلامية." عندما قال هذه الجملة، التفتّ إرادياً نحو الباب المفتوح، حيث كان يوسف يعبر الممر الخارجي يحمل حقيبته وكتابه الأكاديمي الك
في نهاية ذلك الشهر، في مساء هادئ من مساءات الخميس، جلستُ في الشرفة الصغيرة مع دفتر نجلاء في يدي ونظرتُ نحو البحر البعيد الذي يُلمَح خلف المباني في أيام الصحو. قلتُ لكرم الذي كان يقرأ بجانبي: "انتهيتُ." رفع رأسه. "انتهيتِ من ماذا؟" "من دفتر نجلاء. من الكتابة عنها. وصلتُ إلى نهاية." "وكيف تعرفين أنها النهاية؟" "أعرف لأن آخر ما كتبتُه شعر وكأنه وصل إلى المكان الذي كان يسير نحوه منذ الجملة الأولى. وهذا هو الإحساس الذي يُخبرك بأن شيئاً ما اكتمل: ليس أنك لا تعرف ماذا تكتب بعد ذلك، بل أنك تعرف أن ما كتبتَه يكفي وحده." "هل تُريدين أن تقرئيه عليّ؟" "نعم. لكن الفقرة الأخيرة فقط." فتحتُ الدفتر على الصفحة الأخيرة وقرأتُ: "نجلاء لم تكن تُريد أن يُتذكَّر صمتها. كانت تُريد أن يُفهَم. والفهم والتذكّر شيئان مختلفان: التذكّر يُبقي الماضي حاضراً دون أن يُغيّره. والفهم يأخذ الماضي ويجعله جزءاً من المعرفة التي تُغيّر المستقبل. ونحن، من جلسنا في فنائها وقرأنا وثائقها وحاولنا أن نفهم، اخترنا الفهم على التذكّر. وهذا بالضبط ما أرادت." أغلقتُ الدفتر. قال كرم ببطء: "هذا جيّد جداً. لأنه يصف شيئاً حقيقيا
في صباح من أوائل ذلك الشهر طلبت مني نور لقاءً. ليس جلسةً كالجلسات المعتادة التي كانت تُحدد لها غرضاً واضحاً، بل مجرد جلسة قهوة في مكتبها دون أجندة. قالت: "قرّرتُ أن أُنهي دوري كمستشارة رسمية لكِ ولكرم." توقفتُ. قلتُ: "لماذا؟" قالت بهدوء ووضوح لم يشبه فيهما أي اعتذار: "لأن ما كنتُ أُقدّمه في البداية كان ضرورياً في تلك الأيام. كنتُما بحاجة لمن يُساعدكما على رؤية الأشياء التي كان الضغط يمنعكما من رؤيتها. لكنني أُلاحظ منذ أشهر أن ما كنتُ أُقدّمه أصبح يأتيكما من داخلكما. كرم يُقيّم القرارات بنفس الأسئلة التي علّمتُه إياها. وأنتِ تقرئين الناس وتقرئين المواقف بنضج لم يأتِ مني بل نما فيكِ. والمستشار الجيد هو من يعرف متى ينتهي دوره." "وهل تُقطعين التواصل بالكامل؟" "لا. ما أُنهيه هو العلاقة الرسمية: الجلسات المُحدّدة والتقارير والتحليلات المنهجية. ما يبقى هو شيء مختلف: أكون متاحةً حين تحتاجانني وأُشاركانكما قراءتي حين تطلبانها. لكن كصديقة لا كمستشارة." أخبرتُ كرم في المساء. قال: "المستشار الذي يُقرّر إنهاء دوره حين لم يعد ضرورياً، لا حين انتهى التعاقد أو حين طُلب منه، هذا مستشار يعمل من إ
في ذلك الأسبوع قرّر كرم شيئاً لم يُخبرني به مسبقاً بل أخبرني به بعد أن قرّره وبدأ تنفيذه. جاءني في المساء بعد يوم طويل وجلس أمامي بطريقة من انتهى من شيء لم يكن سهلاً. قال: "أخبرتُ فراساً اليوم بشيء. أخبرته بأنني أُريد إعادة صياغة بيان مهمة الشركة." "فجر؟" "فجر. البيان الحالي يتحدث عن النمو المستدام وخلق القيمة للمساهمين وتطوير الأعمال في المنطقة. كلام صحيح لكنه لا يقول شيئاً عن لماذا نفعل ما نفعله. أُريد بياناً يقول إن الشركة تُؤمن بأن الأعمال الناجحة هي تلك التي تُنشئ قيمةً حقيقيةً لمن تتعامل معهم لا فقط لمن يملكونها." "وما رأي فراس؟" "فراس قال إن هذا لن يُغيّر شيئاً في العمليات اليومية. وأنا قلتُ له إنه سيُغيّر طريقة اتخاذ القرارات حين نقف أمام خيارَين أحدهما أكثر ربحاً والآخر أكثر أثراً." "ولماذا الآن تحديداً؟" فكّر كرم لحظة حقيقية. "لأن برنامج الإرشاد الذي بدأتُه جعلني أُفكّر في كيف يتخذ الشباب قراراتهم المهنية. وكثيرٌ منهم يبحث عن شركات تعمل بمبادئ واضحة لا مجرد أرقام. وأنا أُريد أن تكون فجر مكاناً يستطيع فيه من يُؤمن بما نُؤمن به أن يجد بيئةً تُتيح له أن يكون صادقاً مع هذ



![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)



