مشاركة

حرف النون

مؤلف: Alaa issa
last update تاريخ النشر: 2026-06-30 05:27:50

أخذتنا أمي، في صبيحة اليوم التالي، إلى شقة صغيرة متواضعة في حي قديم من دبي، أخفته عن العالم بأكمله طوال عشرين عاماً تحت اسم مستعار، تستخدمه فقط حين تحتاج أن تختفي بين زيارة وزيارة لمتابعة شبكة الرماد من الداخل. كانت الشقة تحمل رائحة الغبار والزمن المتوقف، صناديق كرتونية مكدّسة في زاوية الغرفة الوحيدة، وخزانة خشبية قديمة تحمل آثار رطوبة سنوات طويلة من الإغلاق المتعمَّد.

"كل ما تبقّى من ماضينا قبل الحريق موجود هنا،" قالت أمي بصوت متعب، تفتح الخزانة بمفتاح صغير أخرجته من سلسلة معلّقة حول رقبتها ط
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
الفصل مغلق

أحدث فصل

  • خلف قناع الصمت   قلهُ

    جاءت إلينا في اليوم التالي مباشرة، طلبت مقابلة كرم في مكتبه الخاص دون أن تُحدد السبب. جلستُ أنا بجانبه، لم تعترض على وجودي، بل بدت كأنها تفضّله. "أريد أن أقول شيئاً قبل أن تسألاني أنتما." بدأت بصوت هادئ لكن فيه توتر واضح يحاول إخفاء نفسه. "أعرف أنكما تساءلتما منذ أسابيع إن كنتُ مصدر التسريب عن خطة دمشق." لم يقل كرم شيئاً. لم أقل شيئاً. الصمت أفضل استجابة في لحظة كهذه. "لم أكن أنا." قالتها بوضوح تام، عيناها ثابتتان. "لكنني عرفتُ من كان." "متى عرفتِ؟" سأل كرم بصوت يمنح أقل ما يمكن. "منذ ثلاثة أيام." توقفت. "ولم أُخبركما فوراً لأنني أردتُ التأكد أولاً، لا أن أتهم أحداً بناءً على شك." "ومن هو؟" أخذت نفساً عميقاً. "أحد أفراد فريق الأمن الخارجي الذي استُعين به مؤقتاً خلال أسبوع الأزمة الأولى. لم يكن موظفاً دائماً، بل طارئاً أضيف دون المرور بإجراءات الفحص المعتادة لأن الوقت كان ضيقاً. كان له وصول محدود لجداول التنقل، وكان يكفيه لمعرفة أن هناك سفراً مخططاً إلى خارج البلاد." توقفت. "اكتشفتُ ذلك حين راجعتُ سجلات الدخول كاملة بعد حادثة الممر. اسمه في السجلات لكنه غادر الفريق قبل أسبوعين."

  • خلف قناع الصمت   رسالة في الممر

    حدث ذلك في اليوم الثاني بعد اجتماع مجلس الإدارة، حين كنتُ أسير وحدي في الممر الداخلي للبرج بين مكتب كرم وجناح أمي، مسافة لا تتجاوز ثلاثين خطوة كنتُ قد قطعتُها مئات المرات دون أن أفكر فيها. كان الممر فارغاً كالمعتاد في تلك الساعة بعد الظهر، حين سمعتُ صوت خطوات خلفي، ثقيلة ومنتظمة، أسرع مما ينبغي لأي موظف يمشي بشكل طبيعي. التفتُ، فرأيتُ رجلاً لم أره من قبل في البرج، طويلاً بملابس داكنة، لا يحمل ملفاً ولا شاشة ولا أي شيء يُبرر وجوده في هذا الطابق الخاص. توقف حين رآني ألتفت، لحظة واحدة تقييم بارد، ثم واصل سيره نحوي بنفس الخطى. "سيدة شام." قالها بنبرة لا تحمل تحية بل إشعاراً. "من أنت؟" سألتُه بصوت أحاول أن يبدو ثابتاً. "رسالة فقط." أجاب ببرود مطلق. "من أناس يريدونك أن تعرفي أن الحكم في المحكمة التجارية لا يُغلق كل الأبواب. هناك أبواب أخرى لم تُفتح بعد، وهم يفضلون ألا تضطر لفتحها." "هذا تهديد." قلتُه مباشرة، لا كسؤال. "هذا تنبيه." أصلح. "هناك فرق." ثم التفت واستأنف مشيه نحو نهاية الممر، كأن ما قاله لم يكن أكثر من محادثة عابرة. ضغطتُ على جرس الطوارئ الصغير في ساعتي، الذي ركّبه رجال كر

  • خلف قناع الصمت   الحقيقة كافية

    جلستُ وحدي في الجناح بعد منتصف الليل، أمامي ورقة بيضاء وقلم، والصمت الكامل من حولي إلا من صوت المدينة البعيد الذي لا ينام أبداً. حاولتُ أن أكتب الكلمة التي سأقولها في الاجتماع غداً، فوجدتُ أن كل جملة أبدأ بها إما تبدو دفاعية أكثر مما ينبغي أو مثالية أكثر مما يصدّقه أحد. أغلقتُ القلم. فتحتُ الملف الجلدي الذي أحضرناه من بيت العتبة، الذي لا يزال بجانبي أينما ذهبتُ هذه الأيام كأنه شيء من يوميات لا أريد إغلاقها. قرأتُ من وثائق نجلاء مرة أخرى، ليس بحثاً عن معلومة جديدة، بل بحثاً عن صوت. وجدتُه في سطر واحد في آخر وثيقة كتبتها قبل هروبها بأيام قليلة: "لو استطعتُ أن أختار من جديد، لاخترتُ أن أقول الحقيقة في البداية مهما كان ثمنها، لأن الصمت لم يحمِني، بل حمى الظلم فقط." أعدتُ الورقة البيضاء أمامي، وبدأتُ أكتب من جديد. هذه المرة لم أكتب خطاباً ولا كلمة مُعدّة، كتبتُ ما كنتُ سأقوله لو كنتُ أتحدث مع نجلاء وجهاً لوجه، وقرّرتُ أن أقول ذلك غداً بالضبط، كما هو، دون تلميع. في الصباح، حين أريتُ ما كتبتُه لكرم، قرأه بصمت تام من البداية حتى النهاية، ثم وضع الورقة على الطاولة ونظر نحوي. "لا تُبدّلي في

  • خلف قناع الصمت   زوجتي قالت لي: قم

    كان العضو الخامس رجلاً في الستينيات اسمه أبو تركي، تاجر قطن قديم من الشارقة دخل في مجلس إدارة الشركة منذ عشر سنوات حين كانت الشركة في بداياتها الواعدة، قبل أن تتورط بأفعال نادر. قابلناه في مكتبه المتواضع بعيداً عن أي مكان مرتبط بكرم أو بالشركة، مكتب يحمل رائحة القهوة المرّة والورق القديم وصور عائلية على الجدران. جلس أمامنا بحذر رجل لا يعرف حتى اللحظة إن كان قراره بالتواصل معنا حكمة أو طيشاً. "جئتُ لأنني رجل عجوز يكره أن ينتهي بصمه على شيء لم يفهمه كاملاً." بدأ بصوت متعب لكنه واضح. "لم أكن أعرف ما كان يجري خلف الكواليس حين كان نادر حياً. وحين عرفتُ بعضه بعد وفاته اخترتُ الصمت كما يفعل كثيرون حين يشعرون أن الحقيقة أكبر منهم." "ولماذا الآن؟" سأل كرم مباشرة. "لأن ما شاهدتُه في تلك الجلسة القضائية، كرم، وما قرأتُه عن وثائق نجلاء." توقف، ينظر نحوي. "وما رأيتُه في عيني هذه الفتاة على الشاشة تلك الليلة التي اعترفت فيها بكل شيء." أخذ رشفة من قهوته. "قلتُ لزوجتي تلك الليلة: هذه فتاة تستحق أن يقف إلى جانبها رجال أكثر مما وقفوا إلى جانب نجلاء في وقتها. وزوجتي قالت لي: إذن قم أنت." شعرتُ بدفء

  • خلف قناع الصمت   كلمة في الاجتماع

    بدأت المرحلة الجديدة في مكتب كرم صباح اليوم الذي تلا الحكم مباشرة، وكأن المدينة لا تمنح أحداً وقتاً كافياً للاحتفال قبل أن تضع أمامه الملف التالي. وصل فراس في الثامنة والنصف حاملاً طلباً رسمياً من الهيئة التنظيمية للأسواق المالية، مصحوباً بجدول أعمال عاجل لاجتماع مجلس الإدارة يُحدد موعده بعد يومين. "الهيئة رفعت التجميد عن الحسابات بعد حكم المحكمة،" قال فراس وهو يضع الملف على الطاولة. "لكنها طلبت في المقابل اجتماعاً علنياً لمجلس الإدارة يُقدَّم فيه خطة إعادة هيكلة واضحة تُطمئن المستثمرين وتُثبت أن الشركة قادرة على العمل باستقلالية حقيقية بعيداً عن أي نزاعات ملكية." توقف. "هذا ليس طلباً، سيدي. هو شرط لاستمرار رفع التجميد." نظر كرم نحو الملف بعينين تقرآن كل سطر فيه بسرعة لا تفوت شيئاً. "كم عضواً في المجلس لا يزال موالياً بعد كل الاستقالات التي تلت الفضيحة؟" "أربعة من أصل تسعة،" أجاب فراس بحذر. "والعضو الخامس، الذي اتصل بنا يوم تقديم المذكرة، أرسل رسالة أمس يؤكد حضوره. لكن الأغلبية لا تزال تحتاج مقعدين إضافيين على الأقل لاتخاذ أي قرار ملزم." التفتُ نحو كرم، أدرك قبل أن يقول شيئاً أن ه

  • خلف قناع الصمت   نجلاء كانت تعرف

    في اليوم الرابع والأخير، جاءت حياة المنصوري إلى مكتب فراس قبل الجلسة بساعتين، ملتزمةً بوعدها بدقة لم أتوقعها منها. جلست أمام أبو وليد وفراس بهدوء من قرّر ولن يتراجع، تُعطي شهادتها كاملةً دون نقصان ودون زيادة، تاريخ التحويلات المالية ومصادرها وأسماء الوسطاء الذين استخدمهم زياد لإخفاء الصلة بين أمواله وبين فروع الشبكة في القاهرة. كنتُ جالسة في الزاوية أستمع، لم أتدخل في أي لحظة. شعرتُ أن حضوري الصامت هو الشيء الوحيد الذي طلبتُه من هذا اللقاء دون أن أطلبه صراحةً. في القاعة، حين وقف أبو وليد أمام القاضي لأخر مرة في هذه القضية، كان صوته أهدأ من أي وقت مضى، هدوء من لا يشك في ما سيقوله ولا فيما سيُنتج. قدّم شهادة حياة مرفقةً بالتحويلات الموثّقة، وضمّها إلى وثائق نجلاء وتقرير والدها الموثّق، وأمام القاضي الذي بدا أكثر صرامةً من جلسات سابقة، رسم خطاً واضحاً من نقطة البدء إلى النهاية: عقد وُقّع بالإكراه، واستُخدم ثلاثين عاماً كورقة ابتزاز، وها هو اليوم ينتهي أخيراً. لم يستطع محامي زياد في تلك الجلسة أن يرد بأكثر من اعتراضات إجرائية فارغة، وحين طلب القاضي من زياد نفسه إن أراد الإدلاء بأي تعلي

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status