分享

رسالة في الممر

作者: Alaa issa
last update publish date: 2026-07-07 01:21:03

حدث ذلك في اليوم الثاني بعد اجتماع مجلس الإدارة، حين كنتُ أسير وحدي في الممر الداخلي للبرج بين مكتب كرم وجناح أمي، مسافة لا تتجاوز ثلاثين خطوة كنتُ قد قطعتُها مئات المرات دون أن أفكر فيها.

كان الممر فارغاً كالمعتاد في تلك الساعة بعد الظهر، حين سمعتُ صوت خطوات خلفي، ثقيلة ومنتظمة، أسرع مما ينبغي لأي موظف يمشي بشكل طبيعي. التفتُ، فرأيتُ رجلاً لم أره من قبل في البرج، طويلاً بملابس داكنة، لا يحمل ملفاً ولا شاشة ولا أي شيء يُبرر وجوده في هذا الطابق الخاص.

توقف حين رآني ألتفت، لحظة واحدة تقييم بارد
在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP
已鎖定章節

最新章節

  • خلف قناع الصمت   التعلّم حين يكون اختياراً

    جاء قبول الجامعة بعد أسبوعَين من تقديم الطلب. رسالة إلكترونية هادئة في صباح اعتيادي لا يختلف ظاهره عن أي صباح آخر في تلك الأيام. لا إعلانات ولا أضواء، مجرد كلمات على شاشة تقول إن الطلب قُبل وإن المقررات الأولى تبدأ بعد ثلاثة أسابيع. قرأتُ الرسالة مرتَين. أغلقتُ الجهاز. وجلستُ أمام القهوة التي بردت نصفها. ولم أُخبر أحداً في ذلك اليوم. ليس كتماناً ولا خوفاً من ردود الفعل. بل لأن بعض اللحظات تحتاج أن تجلس معك وحدها قبل أن تدخل إلى الكلام ويبدأ الآخرون في تسميتها ووضعها في صناديق من المعنى التي يختارونها هم. وهذه اللحظة كانت لي أنا أولاً. في الليل فقط، وبعد العشاء وحين جلسنا كرم وأنا في الشرفة الصغيرة، قلتُ له: "القبول جاء." نظر إليّ دون أن يُحرّك كثيراً. "متى؟" "في الصباح." "وانتظرتِ حتى الليل." "أردتُ أن أجلس معه وحدي أولاً." فهم. ولم يُضف كلمةً واحدة لا تستدعيها اللحظة. وكان هذا الفهم الهادئ الذي لا يحتاج إلى تفسير من المُخبِر ولا إلى إكمال من الطرف الآخر، أصبح في هذه الحياة الجديدة من أكثر الأشياء التي أُقدّرها. أن يعرف الشخص المجاور متى يتكلم ومتى يكتفي بالوجود. قال أخيراً بهدوء:

  • خلف قناع الصمت   نحو الأمام

    في اليوم الأول بعد العودة إلى دبي استيقظتُ في الساعة السادسة والنصف كعادتي قبل كل هذه الرحلة. وكان ذلك الاستيقاظ المبكر نفسه مختلفاً: لم يكن مدفوعاً بملف ينتظر أو اجتماع يُقلقني. استيقظتُ لأنني أريد الاستيقاظ. ولأن قهوة الصباح المبكر في ذلك الهدوء الخاص أصبحت شيئاً أُحبّه لذاته لا لما تُمهّد له. كتبتُ في الدفتر في الصباح الأول: اليوم أول يوم من الحياة التي أعرف الآن أنني أختارها. في الصباح ذاته قبل أن يستيقظ كرم فتحتُ موقع الجامعة على جهازي. سجّلتُ طلب الالتحاق في الساعة السابعة وعشرين دقيقة. وأغلقتُ الجهاز قبل أن يستيقظ كرم لأن بعض الأشياء تستحق أن تُفعَل بهدوء قبل أن تُعلَن. حين جاء كرم إلى الشرفة بفنجانه قلتُ له: "قدّمتُ طلب التسجيل في الجامعة." وضع فنجانه ببطء. "متى؟" "الساعة السابعة وعشرين دقيقة." "وكنتُ نائماً." "كنتَ نائماً." نظر إليّ. ثم قال: "جيد. بعض الأشياء تُفعَل وحدها أولاً." في اليوم الثالث بعد العودة اتصلتُ بنور. قالت حين سمعت صوتي: "الصوت مختلف." "مختلف كيف؟" "أقل حذراً." ضحكتُ. "ربما." قالت: "الحذر ضروري في وقته وثقيل حين يصبح عادةً بعد انتهاء وقته. كيف يمكنني أن

  • خلف قناع الصمت   البحر يحمل البحر فقط

    البحر في ذلك الصباح كان رمادياً وهادئاً، لا زرقاء التصوير ولا خضراء الوصف. كان بحراً حقيقياً في يوم اعتيادي قبل أن يُعلن الشمس كامل تألّقه. وقفتُ عند الحافة الرملية. الموج يأتي ويذهب بإيقاعه الذي لا يسأل أحداً عن إذن. والرمل تحت قدميّ بارد بعد ليلة طويلة. وقف كرم بجانبي. لم يقل شيئاً. ولم أقل أنا شيئاً. وكانت هذه هي المرة الأولى منذ بدأ كل شيء التي أقف فيها أمام شيء لا يحمل ذاكرةً مرتبطة بما مررنا به. البحر لا يحمل نجلاء ولا وثائق ولا طارق المصري ولا مجموعة القاهرة. البحر يحمل البحر فقط. قلتُ لكرم: "هذا أول مكان أقف فيه منذ أشهر لا يذكّرني بشيء." "وكيف يشعرك ذلك؟" "يشعرني بأنني أنا." قضينا ثلاثة أيام في ذلك المكان. ثلاثة أيام بلا جدول أعمال ولا رسائل مهمة ولا قرارات تنتظر. في اليوم الأول نمتُ حتى الساعة العاشرة لأول مرة منذ لا أذكر. وحين استيقظتُ وجدتُ كرم يقرأ كتاباً على الشرفة وفنجان القهوة بجانبه. جلستُ بجانبه ولم يرفع رأسه عن الكتاب. وكان في هذا الصمت المشترك الذي لا يحتاج كلاماً لكي يكون كافياً شيء أحببتُه أكثر من كثير من المحادثات الطويلة التي خضناها. في اليوم الثاني مشينا

  • خلف قناع الصمت   في بيتك

    وصلنا إلى دمشق في الصباح الباكر، كرم وأنا في رحلتنا الأولى معاً بعد الزفاف. كانت دمشق في ذلك الصباح تحمل من الهواء شيئاً لا تحمله دبي، رطوبةً خفيفة تجعل التنفس أثقل بقليل وأعمق بكثير. وقفتُ في المطار لحظة وأخذتُ نفساً عميقاً. قال كرم: "مرحباً بك في مدينة نجلاء." قلتُ: "مرحباً بنا." ريم كانت تنتظرنا في بيت العتبة. وحين دخلنا الزقاق الضيق المُؤدّي إلى البيت وجدتُ أن شيئاً تغيّر في طريقة رؤيتي له. في المرة الأولى كنتُ أنظر إليه بعيون من يدخل مكاناً يحمل تاريخاً لا يعرفه كاملاً. هذه المرة نظرتُ إليه بعيون من تعرف. فتحت ريم الباب قبل أن نطرق. نظرتُ إليها ونظرت إليّ ولم نقل شيئاً لحظةً. ثم قالت: "أهلاً بك في بيتك." لم تقل في بيت نجلاء. قالت في بيتك. دخلنا. الفناء كما هو، النافورة الصغيرة، شجرة الياسمين في الزاوية، والجدران الحجرية التي تمتصّ الحرارة. جلسنا وجاءت ريم بالقهوة. قلتُ لريم: "كيف هي الحياة هنا؟" فكّرت لحظة. "أهدأ مما كانت في أيام المعارك القانونية. لكنها أعمق بطريقة لم أتوقعها. لأنه كل يوم تأتي إليّ امرأة وتجلس في هذا الفناء، وأنا أنظر إلى الفناء وأتذكر نجلاء وكيف أنها بنت ه

  • خلف قناع الصمت   الجهد أن تتعلّم كيف تعيش

    في الأيام الثلاثة التي تلت الزفاف لم يحدث شيء استثنائي. وكان هذا بحد ذاته استثنائياً. في صباح اليوم الأول استيقظتُ متأخرةً لأول مرة منذ أشهر. لم يكن هناك اجتماع مُبكّر ولا ملف ينتظر ولا نور تنتظر اتصالاً. كان هناك صوت كرم في المطبخ يُعدّ القهوة ورائحة الخبز المحمّص التي أدركتُ أنني لم أشمّها منذ وقت طويل. دخلتُ المطبخ. قال كرم دون أن يلتفت: "الخبز جاهز." جلستُ على كرسي المطبخ. أكلنا الخبز المحمّص مع قطعة من الجبن وشربنا القهوة. لم نتحدث في شيء مهم. ولم يكن هناك شيء مهم يحتاج أن يُقال في ذلك الصباح. وكان هذا كافياً تماماً. في اليوم الثالث بدأ كرم يُحدّثني عن أمه. قال: "أمي كانت تُحبّ الزهور البرية. ليس زهور البيوت التي تُزرع في أصص وتُعطى أسماء. كانت تُحبّ ما ينبت وحده. حين كنّا صغاراً كانت تأخذنا في نزهات خارج المدينة وتُريّنا الزهور التي نبتت في الشقوق بين الصخور. وتقول إن الزهرة التي تنبت في الشق لا تنتظر من يزرعها. تجد طريقها لأن هذا ما تعرف أن تفعله." "ولماذا تُخبرني بهذا الآن؟" "لأنني رأيتُ ريم حين كانت تضع ضمة الياسمين على الطاولة. وفكّرتُ في أمي وفي الزهور البرية. ونجلاء ك

  • خلف قناع الصمت   يوم الزفاف

    وصلت ريم في الصباح الباكر قبل أن تتحرك الشرفة بأي نشاط. كانت تحمل حقيبة صغيرة وفي يدها شيء ملفوف بقماش أبيض بسيط. حين رأيتُها في الردهة بكينا معاً قبل أن نقول كلمة واحدة. ليس بكاء حزن ولا بكاء فرح بل بكاء الأشياء الكثيرة التي لا تستطيع تسميتها دفعةً واحدة. قالت حين هدأنا: "أحضرتُ شيئاً من بيت العتبة." فتحت الملفوف بهدوء. كانت ضمة صغيرة من زهور يابسة من حديقة البيت، مربوطة بخيط بني قديم. "نجلاء كانت تُحبّ الحديقة. وهذه من شجرة الياسمين التي كانت تجلس بجانبها." أمسكتُ الزهور اليابسة بيدي. كانت خفيفة جداً. وكان في هذه الخفة شيء لا يُوصَف. بدأ الضيوف يصلون في ساعة المساء. جاء أبو وليد أولاً، بثيابه الرسمية وعيون تحمل الرضا الهادئ لرجل أتمّ ما بدأه في حياته. ثم نور، التي دخلت بثياب بسيطة وابتسامة خفيفة ونظرت نحوي بطريقة لا تحتاج كلاماً. ثم أبو تركي مع زوجته، وبعضٌ من فريق الشركة والوقف ممن كانوا جزءاً من هذا الطريق. كانت الشرفة حين اكتمل الجمع تحمل شيئاً لا تستطيع الإضاءة أو الزهور أو أي تزيين آخر أن يُصنعه: حضور أناس يعرف كل منهم لماذا هو هنا. على الطاولة الصغيرة في الزاوية وُضع شيئا

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status