Share

2- طيوف غامضة

Author: Hope49
last update publish date: 2026-07-07 18:09:54

أشرقت شمس الصباح لتتسلل أشعتها الدافئة عبر الستائر الحريرية للجناح الفسيح.

لم تكن تلك خيوط فجرٍ دافئ تحمل معالم بداية جديدة لعروسين، بل كانت أشبه بضوء كاشف يبرز حجم الذهول الذي استقر في روح “ميلا” طوال الليل.

لم تذق ميلا طعم النوم؛ أمضت ساعاتها وهي تتأمل سقف الغرفة، مرتديةً ثوباً قطنياً أبيض ناعماً وبسيطاً، تاركةً فستان الزفاف الفاخر ملقىً على الأريكة كجثة حلمٍ مشوه.

نهضت بخطوات مرتجفة، وغسلت وجهها لتحاول طرد الشحوب عن ملامحها، ثم فتحت باب غرفتها وتوجهت نحو الصالة الرئيسية للجناح، وعيناها تلمعان بقلة حيلة.

كان “إيڤان” هناك بالفعل.

يجلس بكامل أناقته العملية ووقاره الطاغي خلف طاولة خشبية دائرية، يرتدي قميصاً أسود فاخراً برزت منه عضلات ساعديه، وساعته الثمينة مستقرة في معصمه.

كان يرتشف قهوته المرة ويطالع بعض الأوراق الاقتصادية بتركيز حاد، ولم يكن يبدو عليه أي أثر للسهر أو التعب.

بمجرد أن أحس بحركتها، رفع عينيه الرماديتين الحادتين نحوها.

تغيرت ملامحه الجادة فوراً إلى ذلك اللطف المعهود والدفء الذي نشأت عليه، ووضع أوراقه جانباً قائلاً بصوته الرجولي العميق:

— “صباح الخير يا ميلا.. هل نمتِ جيداً؟ لقد طلبتُ لكِ وجبة الإفطار المفضلة لديكِ، يجب أن تتناوليها كاملة.”

نظرت ميلا إلى مائدة الطعام الحافلة بما تحب، وشعرت برغبة عارمة في البكاء.

تقدمت بخطوات مرتبكة وجلست في المقابل، ويداها ترتجفان وهي تحاول إمساك كوب الماء؛ كيف يمكن لهذا الرجل أن يكون بهذا الحنان وذاك الجمود في آنٍ واحد؟

قالت بصوت متقطع وخافت:

— “صباح الخير.. شكراً لك، ليس لدي رغبة في تناول الطعام الآن.”

عقد إيڤان حاجبيه بخفة، وظهرت في عينيه نظرة رعاية صارمة ومحببة.

مد يده وقرب كوب العصير منها قائلاً بنبرة آمرة مغلفة بالدلال:

— “لا وجود لأعذار كهذه يا صغيرتي.. صحتكِ هي مسؤوليتي الأولى، والآن أكثر من أي وقت مضى.”

في تلك اللحظة، رنّ جرس الباب الخارجي للجناح.

التفت إيڤان بهدوء ونهض ليفتح الباب بنفسه، بينما بقيت عينا ميلا معلقتين بظهره، وجسدها يتصلب بتوجس.

ثوانٍ معدودة، ودخلت خلفه امرأة جعلت أنفاس ميلا تتوقف تماماً، واتسعت عيناها بذهول جرح أنوثتها.

كانت “إيلينا”.

ترتدي بدلة نسائية رسمية باللون الأبيض العاجي، تنضح بالرقي والثقة، وتضع نظارتها الشمسية فوق رأسها لتبرز ملامح وجهها الحادة والجميلة.

لم تكن تبدو كغريبة تقتحم خصوصية عروسين في أول صباح لهما، بل كانت خطواتها واثقة ومتزنة للغاية.

التفتت إيلينا نحو ميلا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وعملية، ثم تقدمت نحوها وقالت بنبرة ناعمة وواضحة:

— “صباح الخير يا ميلا.. أتمنى أنني لم أزعجكما، لكن صفقة الصباح مع المستثمرين الأجانب حاسمة جداً، وكان عليّ إحضار العقود النهائية لـ إيڤان بنفسي قبل توجهنا للشركة.”

بقيت ميلا صامتة، تنظر إليها بذهول تام وصدمة ألجمت لسانها.

التفتت ببطء لتراقب ردة فعل زوجها.

فرأت إيڤان يتقدم ويأخذ الملفات من إيلينا، وكانت النظرة المتبادلة بينهما تفيض بتفاهم عميق ونضوج مشترك، يفوق مجرد علاقة عمل عادية.

لم يكن هناك ذرة ارتباك في عيني إيڤان، بل ثقة مطلقة وارتياح دافئ لوجود إيلينا بجانبه، وكأنها جزء لا يتجزأ من حياته، حتى في هذا الصباح.

قال إيڤان وهو يراجع الأوراق بسرعة ورصانة:

— “لقد فعلتِ خيراً بإحضارها يا إيلينا.. التوقيت ممتاز.”

ثم التفت نحو ميلا، وبذات اللطف الدافئ والأخوي أردف:

— “ميلا.. سأضطر للمغادرة الآن مع إيلينا لإنهاء هذه الصفقة المستعجلة، السائق بالأسفل تحت تصرفكِ إن أردتِ العودة إلى القصر أو زيارة والدتي ڤيكتوريا.. لن أتأخر عليكِ.”

كانت ميلا تستمع إليه، وعيناها تتنقلان بينهما بضياع كامل.

اللطف الذي يغمرها به بات يشعرها بالاختناق، والذهول شلّ قدرتها على الرد أو حتى الاعتراض.

أومأت برأسها ببطء شديد، ودون أن تنطق بكلمة واحدة، انكمشت على نفسها في مقعدها، وعيناها معلقتان بطرف الطاولة بعجز تام.

لمح إيڤان نظرة الضياع والصدمة في عينيها العسليتين، ووقع صمتها المفاجئ جعله يشعر بوخزة خفيفة في صدره.

لكنه أشاح بنظره سريعاً، مبرراً الأمر لنفسه بأنها ما زالت طفلة خائفة من الأجواء الجديدة ومتأثرة بفقدان والدها.

استدار إيڤان وغادر الجناح برفقة إيلينا، تاركاً خلفه باباً يُغلق…

وميلا واقفة في منتصف الصالة، تتلفت حولها بذهول، ودموعها تهبط بصمت وهي تستوعب الحقيقة المُرّة:

لقد تزوجت رجلاً يحميها ببدنه، بينما عقله وروحه ينتميان تماماً لامرأة أخرى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خلفَ ظل الوصي   176- ظلال القصر وسلطة التملك

    بخطوات واسعة وثقيلة، شق إيڤان طريقه خارج الغرفة، مغلقاً بابها بقوة لتتردد أصداؤها المدوية في الممر الطويل. كانت مِيلَا تسير خلفه مكرسة كل ما تبقى فيها من صمود لمجاراة خطواته السريعة والواثقة، بينما كانت عيون الحراس في الخارج مطأطأة وملتزمة بصمت تام، مهابةً من عاصفة الغضب التي تحيط بسيدهم. في الطابق الأرضي، وقف العم جاكسون على رأس البهو يتابع خروجهم بملامح هادئة خالية من أي محاولة للمواجهة، مدركاً تماماً عبثية الوقوف في طريق إيڤان وهو في هذه الحالة من التملك المطلق والبركان المكتوم. ما إن تجاوزا الباب الرئيسي حتى هجم نسيم الليل البارد على وجه مِيلَا، لتجد نفسها محاطة بكتيبة الحراس حتى استقرت داخل سيارة إيڤان السوداء الفارهة. انغلق الباب بعزل تام عن صخب الخارج، وما هي إلا لحظات حتى تحرك الموكب بكامل أبهته ليخترق بوابات القصر الموحش، ويترك خلفه أضواء المكان وأسراره معلنةً بداية فصل جديد أكثر خطورة وقرباً بينهما. انطلقت السيارة بسرعة جنونية تقطع طرقات المدينة المظلمة، وكأنها هاربة من ساحة حرب وشيكة. كان الصمت داخل المقصورة الفاخرة ثقيلاً وناطقاً بالتوتر، لا يكسره سوى صوت المحرك الخا

  • خلفَ ظل الوصي   175- اقتحام الأسوار وخطوات الجحيم

    ترددت كلماته الأخيرة في أذنها كحكم نهائي لا رجعة فيه، قبل أن ينقطع الخط مجدداً. بقيت مِيلَا جالسة على حافة السرير، وهاتفها يسقط من يدها المرتجفة ليستقر على الغطاء بوجه مظلم. كلمات إيڤان الباردة كانت تعصف برأسها وتزرع الرعب في مفاصلها؛ لقد قال إنه في الطريق إلينا، وهو لا يعاكس تهديداته أبداً. لم تكن تمر سوى دقائق معدودة حتى بدأ سكون الليل المطبق في القصر يتصدع. في البداية، كان مجرد صوت خافت لارتجاج أرضي بعيد يشبه هدير محركات سيارات ضخمة تقترب بسرعة جنونية من البوابة الخارجية، ثم تحول شيئاً فشيئاً إلى أصوات جلبة وبلبلة قادمة من الطابق الأرضي، وأصوات حراس القصر وهم يركضون بتوجس واضطراب. وقفت مِيلَا بسرعة مذعورة، واتجهت نحو النافذة الزجاجية لتزيح الستارة بحذر شديد وتنظر إلى الأسفل. كانت أضواء باهرة وقوية تسطع في باحة القصر الخارجية، حيث اقتحمت المكان عدة سيارات سوداء ضخمة تتوسطها سيارة إيڤان، لتتوقف بصورة حاسمة ومخيفة وسط الحديقة. انفتحت الأبواب دفعة واحدة، وترجل منها الحراس بملامح جامدة وصارمة، بينما ظهر إيڤان من بينهم بخطواته الواسعة والثقيلة التي تفرض هيبتها وسط الظلام، عيناه مشد

  • خلفَ ظل الوصي   174- عاصفة الغضب المكتوم

    تردد صدى صوت ماكسيميليان المتهكم في أرجاء الغرفة الباردة، ليخترق السماعة وينقل كل حرف بوضوح مرعب إلى إيڤان الذي كان يستمع من الطرف الآخر. ساد صمت مميت ومطبق عبر الخط لثانية واحدة، لكنه كان صمت الهدوء الذي يسبق انفجار بركان هائل. وعبر السماعة، سمعت مِيلَا صوت أنفاس إيڤان وهي تتحول إلى هدير خشن ومكتوم، قبل أن تنفجر نبرته بغضب جنوني كاد يفقده صوابه: — "من هذا الساقط الذي يقف في غرفتكِ في هذا الوقت المتأخر يا مِيلَا؟!" ارتجف جسد مِيلَا بالكامل من حدة نبرته التي كانت تنبئ بأنه على وشك الجنون، وحاولت فتح فمها للتبرير: — "إيڤان... أرجوك..." لكنها لم تلحق حتى أن تكمل حرفاً واحداً؛ فقد قاطعها بصوت صارخ ومرعب يقطر أمراً نافذاً: — "الآن سوف تجلسين وحدكِ في الغرفة، وتغلقين الباب عليكِ حالاً!" وقبل أن تستطيع رمش عينها أو ترد بكلمة واحدة، انقطع الاتصال بغتة؛ فقد أقفل الخط بوجهها بقسوة تامة، تاركاً إياها متسمرة مكانها في منتصف الغرفة، وأصداء صوته الغاضب تتردد في أذنيها كإنذار لعاصفة مدمرة لا مفر منها. بقي الهاتف في يدها مظلماً وساكناً، كأنما يحمل في جوفه بقايا شحنة كهربائية أحرقت أصاب

  • خلفَ ظل الوصي   173- صوت الاطمئنان وظلال الليل

    — "إيڤان..." جاء صوته عبر السماعة هادئاً وخالياً من أي وعيد مبالغ فيه، وكأن رغبته الوحيدة الآن هي التأكد من أنها بخير وسط تلك الأجواء الغريبة: — "مِيلَا... كيف هي الأمور هناك؟" تنهدت بعمق، وشعرت بأن بعضاً من توترها قد زال أمام نبرته المطمئنة وغير المتعسفة، فأجابت بصوت خفت منه حذر تلك اللحظات: — "العم جاكسون استقبلني والأوراق جاهزة للتوقيع الآن. أنا في المكتب." أتاها صوته المعتدل يحمل طمأنة خفية وتوجيهاً عقلانياً: — "جيد... انهي ما أتيتِ من أجله ولا تتأخري هناك بلا داعٍ. أنا فقط أردت الاطمئنان عليكِ... سأترككِ الآن لتنهي أمركِ، وتأكدي من إبقاء هاتفكِ بجانبكِ." — "حسناً..." قالتها بخفوت، فبادلها بكلمات قصيرة وهادئة قبل أن يغلق الخط، تاركاً إياها تنهي أوراق الإرث المزعجة بتركيز أكبر، بينما رافقها طوال النهار شعور بأن خلف هذا الهدوء طمأنينة حقيقية. لكن مع حلول الليل وهبوط الظلام على جنبات قصر العائلة الموحش، انقلبت الأمور. كانت مِيلَا جالسة في غرفتها الخاصة داخل الجناح العلوي، تحاول استعادة أنفاسها بعد يوم شاق وطويل، حين ترامى إلى قريحتها صوت طرقات خفيفة ومزعجة على باب الغرفة. و

  • خلفَ ظل الوصي   172- ظلال الماضي ووجوه الغرباء في القصر

    ما إن اجتازت مِيلَا البوابة الحديدية الضخمة وخطت إلى داخل البهو الواسع للقصر، حتى استقبلتها رائحة الخشب القديم والعطور الثقيلة التي طالما ارتبطت بذاكرتها العائلية الموحشة. لم تكن سويعات الغياب الطويلة كفيلة بنسيان طابع هذا المكان؛ جدرانه المرتفعة، ولوحات الأجداد العبوسة التي تتابع خطواتها بتوجس، والوجوه التي بدأت تخرج من الغرف الجانبية وكأنها كانت ترقب وصولها منذ ساعات. لم تكن مِيلَا تهاب القصر بذاته بقدر ما كانت تهاب ثقل لم شملهم المفاجئ؛ وما هي إلا لحظات حتى وجدته تحاط بحلقة من أبناء عمومتها وأقاربها الشباب الذين لم ترهَم منذ سنوات طويلة. تفاجأ بعضهم بمدى تغيرها وتحولها إلى امرأة شابة تفيض رقة، فبدؤوا يغدقون عليها عبارات الترحيب المبالغ فيها، ومحاولات التقرب والحديث بنبرات ودودة تحاول استرجاع أيام الطفولة البريئة. — "يا الهي! هل هذه حقاً مِيلَا الصغيرة؟" هتف أحدهم بابتسامة واسعة وهو يقترب منها بخطوات متطفلة: "أكاد ألا أصدق! لقد كنتِ ترتعدين خوفاً خلف أثاث هذا القصر، والآن تنظرين إلينا بهذه الثقة!" تراجع قلب مِيلَا خطوة إلى الوراء، وحاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها لتتجنب الدخول

  • خلفَ ظل الوصي   171- طريق القصر وظل الهاتف المنتظر

    رافق رنين محرك السيارة طنينٌ مستمر في رأس مِيلَا طوال الساعات الأولى من الطريق الطويل. كانت المناظر الطبيعية تتبدل خارج النافذة ببطء، وتتحول المباني والشارع المزدحم إلى مساحات شاسعة من التلال والأشجار الموحشة التي تقرّبها تدريجياً نحو قصر العائلة؛ ذلك المكان الذي لم تكن تحمل منه سوى ذكريات مغبرة وثقيلة. وضعت يدها المرتجفة على حقيبتها، وأخرجت الهاتف لتتأكد من شحنه مجددًا. كانت تعرف أن كل دقيقة تتأخر فيها عن الرد ستكون بمثابة صاعقة توقظ جنون إيڤان وتهديداته. أضاءت الشاشة لثانية، فبدت خالية من أي رسالة، لكنها أدركت يقيناً أن عينيه المعلقتين على شاشته الخاصة في الشقة البعيدة لا تنامان، وأنه ينتظر أول نبضة اتصال أو إشارة وصول لتتحقق رغبتها في الهيمنة. أغلق السائق زجاج السيارة قليلاً ليحجب هواء الطريق البارد، بينما غرقت هي في أفكارها؛ كانت تتأرجح بين قهر قسوته وطغيانه، وبين شعور غريب بالخوف من اللحظة التي سيلتقي فيها هاتفها باتصاله الحتمي. بعد أكثر من ساعتين ونصف من القيادة المستمرة، بدت معالم القصر القديم تلوح في الأفق بأسواره العالية وبوابته الحديدية الضخمة التي تحمل طابع العائلات القد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status