LOGINساد الجناح صمتٌ مطبق بعد إغلاق الباب الخشبي الثقيل خلف إيڤان وإيلينا.
بقيت “ميلا” واقفة في منتصف الصالة الفسيحة لعدة دقائق، وعيناها العسليتان تتأملان الفراغ الذي تركه رحيلهما. كانت خفقات قلبها تضطرب في صدرها بخلط غريب من الحيرة والتوتر، تشعر بوخزات طفيفة من الغيرة والشكوك العابرة، لكن براءتها وحبها العميق الذي كبر معها طوال سنوات مراهقتها كانا يدافعان عنه بشراسة. هزّت رأسها بخفة، وكأنها تطرد تلك الأطياف المزعجة التي راودتها فور سماع مكالمته الهاتفية مع إيلينا في ليلة أمس، أو رؤية حضورها الطاغي في الصباح. فـ”إيڤان” طوال واحد وعشرين عاماً هو الأمان المكتمل في عينها، والرجل اللطيف الذي لم يخذلها يوماً. أقنعت نفسها بنقاء طفولي أن إيلينا مجرد شريكة عمل بالغة الأهمية، وأن النعومة النادرة في صوته لم تكن سوى تقدير لجهودها المضنية في ليلة زفافهما وتدبير شؤون المستثمرين. تحركت بخطوات هادئة نحو مائدة الإفطار الدائرية، وانفرجت شفتيها عن ابتسامة دافئة وحنونة وهي تتأمل أصناف الطعام الفاخرة التي طلبها خصيصاً من أجلها. فقد كانت كلها أطباقاً يدرك جيداً أنها تفضلها منذ صغرها. جلست ترتشف عصيرها بنعومة، وقررت بكبرياء أنثوي مبكر ألا تدع الهواجس والظنون السوداء تفسد أول أيام زواجهما. هي تحبه، وتحبه جداً منذ أن بدأت تستوعب الدنيا من حولها، ولن تتخلى عن أملها في أن يراها امرأة ناضجة وشريكة حقيقية لحياته مع مرور الوقت. مضت ساعات النهار الطويلة ببطء قاتل وهي تنتظر عودته بفارغ الصبر، تتنقل بين زوايا الجناح المطل على أفق المدينة الصاخب. توجهت نحو المرآة الكبيرة، وأعادت ترتيب شعرها البني الناعم، تاركةً خصلاته تنسدل برقة حول كتفيها. ثم استبدلت ملابسها بارتداء فستان منزلي بسيط وراقٍ باللون الوردي الهادئ، يبرز رقة جسدها النحيل وعنفوان أنوثتها التي لم تلتفت إليها العيون بعد. كانت ترغب بشدة في استقباله بابتسامتها اللطيفة المعتادة، لعلها تخفف عنه عناء ذلك اليوم الطويل والمرهق في عالم المال والأعمال. في تمام الساعة الرابعة عصراً، سُمع صوت بطاقة الدخول الذكية، وفُتح الباب الخشبي الثقيل ليعلن عن وصوله. دخل إيڤان بجسده الرياضي الفخم وهيبته الطاغية التي تملأ أي مكان يحل به. كان يمسك بسترته السوداء الفاخرة بيده، وعلامات الإرهاق تكسو ملامحه الحادة الحليقة بعناية، بينما انفتحت أزرار قميصه العلوية بعفوية رجولية. نهضت ميلا فوراً من مقعدها، وتقدمت نحوه بخطواتها الموسيقية الناعمة، والابتسامة الدافئة تملأ وجهها المشرق. — “حمد لله على سلامتك يا إيڤان.. لقد كان يوماً طويلاً جداً عليك، هل سارت الصفقة الكبرى بشكل جيد؟” التفت إيڤان نحوها، وكم تملكه العجب وهو يرى ملامحها النظيفة الخالية من أي كدر، وابتسامتها العفوية. فقد كان يخشى طوال طريق عودته أن تكون غاضبة أو متأثرة بوجود إيلينا المفاجئ في الصباح. ارتخت ملامحه الجادة الصارمة فوراً إلى ذات اللطف الدافئ والحنان الذي عودها عليه دائماً، ومد يده الكبيرة، ذات الأصابع القوية، ليمسح على رأسها بحنوٍ بالغ كالعادة، قائلاً بصوته الرجولي العميق: — “الله يسلمكِ يا صغيرتي.. نعم، انتهينا من مراجعة كل البنود وتوقيع العقود بنجاح ساحق. أعتذر منكِ بشدة لأنني تركتكِ بمفردكِ في أول صباح لنا تحت سقف واحد.” شجعها حنانه المعهود ودفء يده على شعرها على الاقتراب منه خطوة إضافية، متجاوزة تلك الحدود الوهمية. امتدت كفاها الصغيرتان المرتجفتان لتلامسا ذراعه القوية بلطف، ورفعت عينيها العسليتين اللامعتين ببريق الحب الصادق، وقالت بنبرة ناعمة تخرج من أعماق قلبها الغض: — “لا بأس يا إيڤان، أنا أعلم كم هي حاسمة وصعبة أعمالك.. طالما أنك بجانبي الآن وفي أمانك، فلا يهمني أي شيء آخر في هذا العالم. أنا.. أنا سعيدة جداً لأننا أصبحنا معاً أخيراً، ولأنك أصبحت زوجي.” تصلب جسد إيڤان فجأة تحت لمستها الرقيقة. وتلاشت ملامح الارتياح واللطف عن وجهه كأنها لم تكن، لتحل محلها جدية صارمة وثقيلة كالصخر. اللمعة في عيني ميلا، واهتزاز نبرة صوتها، واللمسة الحانية على ذراعه… لم يكن شيءٌ منها يمثل نبرة فتاة تطمئن على شقيقها الأكبر، بل كانت مشاعر أنثى بالغة تفيض بالحب، وتنتظر وعوداً عاطفية وبداية حقيقية لزواجهما. أدرك الرجل الناضج ذو الثلاثة والثلاثين عاماً، وصاحب النفوذ والفراسة، أنه إن لم يضع حداً صارماً في هذه اللحظة بالذات، فإن وصية والدها الراحل ستتحول إلى شرخ عميق في كبريائهما. وأنه يظلم براءتها باستمرار هذا الوهم. فهو يعلم يقيناً أنه لا يملك تجاهها سوى مشاعر الرعاية الأخوية المحضة، وأن قلبه معلق بمستقبل آخر. أمسك كفيها الصغيرتين بهدوء وبرود، وأنزلهما عن ذراعه بحركة بطيئة متزنة لكنها حاسمة للغاية. تراجع خطوة كاملة إلى الخلف ليصنع مسافة فاصلة وجداراً غير مرئي بينهما. ثبت عينيه الرماديتين الحادتين بعينيها اللامعتين، وقال بنبرة وقورة، رصينة، وواضحة رسمت حدوداً خرسانية بين روحيهما: — “ميلا.. أريدكِ أن تسمعيني جيداً وتعي كل كلمة أقولها الليلة. هذا الزواج حدث لسبب واحد فقط، وهو حمايتكِ وتنفيذ وصية والدكِ “آرثر” الراحل أمام الله، وتأمين كافة أملاككِ وثروتكِ من جشع حيتان السوق الذين انتظروا سقوطكِ.” اتسعت عينا ميلا بذهول خفيف، وبدأت الابتسامة الدافئة تتجمد على شفتيها الكرزيتين. وشعرت ببرودة غريبة تسري في أطرافها. تابع إيڤان بجمود، ونبرة قاطعة نزلت على روحها كحد السيف، دون أن يرمش له جفن: — “أنا من عاصرتُ طفولتكِ يا ميلا، ورأيتكِ تكبرين وتتحركين في ردهات قصرنا خطوة بخطوة.. أنتِ مثل أختي الصغيرة تماماً، ولم ولن أنظر إليكِ بشكلٍ آخر أبداً. واجب حمايتي لكِ وصيانة اسم والدكِ لا يعني يوماً أن هناك مشاعراً تربطني بكِ كرجل.. تذكري هذه الحدود جيداً حتى لا نظلم أنفسنا.” في تلك الثواني المعدودة، انقشع الوهم تماماً كغبار تذروه الرياح. سقطت الكلمات على قلبها الغض لتشطره إلى نصفين. وتجمدت الدماء تماماً في عروقها وهي تستوعب أخيراً الحقيقة المُرّة التي رفضت تصديقها في الصباح. لم تنطق بحرف. ولم تبكِ. بل تجمدت في مكانها، وعيناها معلقتان بوجهه وكأنها تراه لأول مرة، بينما تحولت نظرتها اللطيفة ببطء إلى ذهول مكسور… سيزلزل كل الأيام القادمة.استقرت كلماته الأخيرة في أذنها ككَيّ بالحديد المحمى، مترافقاً مع بخار الحمام الكثيف الذي ملأ الأركان الضيقة. أمال إيڤان رأسه ببرود ظاهري وهو يتفحص انكماش جسدها المبتل داخل الماء الدافيء، ورأى محاولاتها المستميتة للتغطية على نفسها بذراعيها المرتجفتين. ارتسمت على شفتيه ابتسامة تهكمية جافة، ومرر عينيه القاسيتين على جسدها بنبرة تفيض بالاستعلاء والتقليل: — "على ماذا تخجلين وتتوارين تحديداً يا مِيلَا؟" قالها بصوت هادئ ومسموم، يتعمد غرس السكين في أضعف نقطة فيها: "انظري إلى نفسكِ.. أنتِ تملكين جسداً صغيراً كجسد طفلة، خاوياً من أي تفاصيل قد تُغري أحداً أو تستدعي كل هذا الخجل المفتعل! لا توجد أنثى تتستر بهذه الطريقة وكأنها تحمل كنزاً، فلا داعي لهذه التمثيلية السخيفة." نزلت كلماته على روحها كأنها طعنة نافذة في الصميم. شعرت بمرارة لا تطاق تخنق حنجرتها؛ كان كلامه جارحاً ومجرداً من أدنى رحمة، يهدف إلى سحق ما تبقى لها من كبرياء وهي في أوج ضعفها وعريها أمامه. لم تصرخ في وجهه، ولم تنطق بكلمة واحدة، بل ابتلعت غصتها الحارقة وشَدّت ذراعيها حول صدرها أكثر، مطرقة رأسها إلى الأسفل كي لا تلمح عينيه ا
وسط الأنفاس المتقطعة واللهاث الثقيل الذي أعقب تلك العاصفة الهوجاء من الغضب والتلاحم، تراجعت غيوم الرغبة المهلكة فجأة حين مرر **إيڤان** كفه العريضة على كتف مِيلَا العاري. لقد كانت بشرتها باردة كقطعة من الجليد الصرف! توقف تماماً عن الحركة، وانحدرت نظراته بذهول مسعور ليتفحصها؛ كان جسدها المنهك ينتفض برعشات عنيفة ومتلاحقة لا تستطيع السيطرة عليها، وخصلات شعرها المبتلة تلتصق بعنقها، بينما مالت أطراف شفتيها إلى زرقة باهتة ومرعبة تنذر بخطر انخفاض حرارتها وتغلغل الصقيع إلى عظامها. تبخرت كل ذرة من غضبه ونشوته في جزء من الثانية، ليحل محلها رعب أعمى وقلق هستيري. أدرك فجأة جنون ما فعلاه، وكيف أعمته نيران غضبه عن حقيقة أنها كانت تصارع الموت برداً. — "اللعنة.. اللعنة عليّ!" لعن نفسه بصوت مبحوح ومرتعد، ونهض عن السرير بحركة خاطفة وعنيفة. قبل أن تستوعب مِيلَا ما يحدث، انقض عليها مجدداً، لكن هذه المرة لم تكن نظراته تحمل أي رغبة أو تملك جنسي؛ كانت عيناه تشتعلان بتركيز محموم على نجاتها فقط. مدّ يديه الخشنتين وبدأ ينزع عنها ما تبقى من ثيابها المبللة والملتصقة بجلدها بقسوة مسعورة وعجلة حاسمة، يمزق القما
لم تكن برودة الماء الجاري شيئاً يذكر أمام العاصفة التي اجتاحت جوارح **إيڤان** حين رآها تهوي في عمق النهر الهادر. في تلك اللحظة، تحطم كل غروره وتجبره، ولم يتبقَ سواه وكتلة الهلع العمياء التي دفعتْه ليغوص خلفها كالمجنون. فور أن جذبها من قاع المياه وطرحها على الشاطئ الطيني البارد، انحنى عليها بفزع همجي لم يسبق أن عرفه. كان جسدها المبتل يرتجف بعنف، وشفتاها قد شحبتا وتحولتا إلى لون أزرق باهت يكاد ينطق بنذير الموت. دون أن يضيع ثانية واحدة، غرس ذراعيه القويتين تحت جسدها المرتجف، رافعاً إياها بحركة عاصفة ومحمومة لتلتصق تماماً بصدره. حملها متجاوزاً صخور النهر الزلقة بحذر مسعور، كمن يحمل أثمن وأهش شيء في الوجود. لم تكن خطواته مجرد مشي، بل كانت ركضاً متوتراً ومحسوماً، يخشى أن يتوقف قلبها بين يديه. كان يضغط عليها بكتفيه وذراعيه، محاولاً نقل دفء جسده الحارق إلى أطرافها المثلجة، بينما كان يكرر اسمها بصوت مبحوح ومتقطع يغلب عليه ذهول الخوف: — "مِيلَا.. انظري إليّ، ابقي معي.. اسمعي صوتي!" ما إن اقتحم باب المنزل الخشبي المغلق، حتى اتجه بها مباشرة نحو السرير الكبير. وضعها برفق بالغ، كمن يخشى أ
تسللت أشعة الشمس الباهتة والباردة عبر زجاج النافذة المغبر، لتكشف عن تفاصيل الغرفة الخشبية المعزولة. كانت **مِيلَا** تتحرك بخطوات بطيئة وهادئة، مرتدية ذلك الثوب الخفيف والحريري الذي تركه ليلة أمس مبعثراً بلا قيود. لم تكن تحاول إغراءه، بل كانت تقف قرب الموقد القديم تحاول بث الدفء في أطرافها، وحين انحنت ببطء لتعديل الحطب، كانت تفاصيل جسدها الواضحة ترسم أمام عينيه لوحة محرقة توقظ تحت جلده براكين الرغبة المكبوتة. تسمّر **إيڤان** في زاويته، كانت عيناه المظلمتان تتبعان كل انحناءة من جسدها بتركيز مفترس ومهووس. اشتعلت الرغبة بوحشية صامتة في صدره، لكنه بدلاً من أن يقترب، شدّ قبضته حول حافة الطاولة حتى واجه غضبه الدفين؛ فهو يذكر جيداً أنها من خدعته وأخفت عنه السر الأكبر. تحولت رغبته الفورية إلى غضب مسعور وقاسي. اقترب بخطوات ثقيلة ومتجبرة حتى وقف خلفها مباشرة، وأحاط خصرها بيده بخشونة متعمدة، هامساً بصوت خشن وبارد يقطر قسوة: — "أهكذا تتحركين أمامي بكل هذه الحرية يا مِيلَا؟ وكأنك في قصرك لا في منفى عقابك؟ ارتدي معطفكِ وفوقي معي فوراً.. حان الوقت لنخرج." لم تنطق بكلمة واحدة. لم ترفض ولم تتذمر؛ ف
تسللت أشعة الشمس الباهتة والباردة عبر زجاج النافذة المغبر للمنزل الخشبي المنسي، لترسم خطوطاً شاحبة على الأرضيات الخشبية العتيقة. لم يكن هناك ما يقطع سكون الغابة الموحش سوى صوت الرياح الصهريجية وهي تهز أخشاب البيت المتداعية. على السرير الخشبي الكبير، استيقظت **مِيلَا** ببطء، ووجع خفي يسري في أطرافها كبقايا تيار كهربائي خامد. فتحت عينيها لتتأمل السقف الخشبي المنخفض، ثم خفضت نظرها ببطء لترتجف بداخلها رجفة متناقضة. لم تكن تصدق بعد؛ الكلمات التي رددها إيڤان ليلة أمس كانت تتردد في رأسها كصدى أبدي: *«ستكونين زوجتي حقاً..»*. لقد تحققت رغبتها الدفينة والمحرمة، وأصبحت قيد ملكيته رسمياً وفي قلب العزلة المطلقة، لكنها لم تكن زوجة في قصر من عقيق، بل في قاع جحيم صنعه غضبه وكسره. ومع ذلك، وسط هذا الخراب كله، سرت في صدرها رعشة دفء غريبة ومؤلمة؛ هي تعرف أنها امتلكته تماماً، وأنها المرأة الوحيدة التي استطاعت اختراق جدران قلبه المهشم. على الطرف الآخر من الغرفة، كان **إيڤان** واقفاً قرب النافذة ببنطاله الأسود فقط، وعضلات صدره الواسع تعلو وتهبط ببطء على وقع أنفاس مشدودة. لم يكن يلتفت إليها، لكن حواسه كل
بقي صدى كلماته يتردد في أرجاء الجناح كأنه طلقات نارية متتالية، تترك خلفها فراغاً محرقاً لا يجرؤ أحد على اختراقه. ظلت مِيلَا متسمرة مكانها، محاصرة بين ذراعيه اللتين تشكلان سوراً منيعاً من القسوة والتملك. في داخلها، كان قلبها ينبض بجنون وطوفان من المشاعر المتاخمة للانهيار؛ فمن جهة، كانت رغبة دفينة وموجعة تناديها بأن تستسلم لهذا القرب الذي طالما حلمت به، ومن جهة أخرى، كان عقلها يصرخ محذراً من أن هذا السجن العاطفي لن يلبث أن يحرقهما معاً. أما إيڤان، فكان غارقاً في صراع داخلي أشد ضراوة. لم يكن ما يفعله نابعاً من رغبة صافية بالانتقام، بقدر ما كان هروباً يائساً ومجنوناً من فراغ هائل أسقطه فيه انهيار كل شيء آمن به. لم يتحمل بقاءهما دقيقة واحدة إضافية في ذلك القصر الذي تحولت جدرانه إلى شواهد قبور لأكاذيب العائلة. وبحركة حاسمة وعنيفة لم تترك لها مجالاً لالتقاط أنفاسها أو الاعتراض، أحاط معصمها بيده الخشنة وجذبها خلفه بقسوة متجبرة. — "إلى أين؟" همست مِيلَا بصوت مرجف وهي تحاول مجاراة خطواته الواسعة والعاصفة على رخام القصر. "إيڤان، ماذا تفعل؟" لم يلتفت إليها؛ كان وجهه شاحباً وجمود ملامحه ين







