INICIAR SESIÓN"يا لورينس، انتظري، أنا لم أكن—".
قاطعتها لورينس، وصاحت بغضب، ودموعها لا تزال تنهمر: "أنتِ قصدتِ ذلك. كنتِ تريدين أن تجذبي انتباهه إليك بمظهرك المختلف، ولهذا جعلتني أرتدي ثوباً فاخراً مثل بقية الحاضرين، بينما ارتديتِ أنتِ شيئاً بسيطاً لتريه كيف أنك ناضجة وبسيطة، وأن تفكيرك وشخصيتك مختلفان عن أي فتاة أخرى. أنا الغبية التي كان ينبغي أن تفهم من تصرفاتك الغريبة أنك كنتِ تخططين لأخذ الملك. على الأقل كان ينبغي أن تقولي إنك ستنافسينني، وتنافسينني بشرف، لا أن تكذبي وتتخابثي". "يا لورينس، اسمعيني، على كل حال سيختارك الملك، صدقيني". "والذي حدث، ماذا تسمينه إذاً؟!". "لا أعرف، صدقيني لا أعرف، أنا حقاً لا أريده، صدقيني". حاولت ديانا أن تقترب منها، ومدت يدها لتلمس كتف أختها، لكن لورينس ابتعدت بحركة مفاجئة، وكأن لمسة ديانا أصبحت أشبه بلمسة عدو لا صديق. "كفى كذباً الآن". تحولت لورينس فجأة إلى ذئبة، هيئة موروثة في عائلتهما النبيلة، فروها ذهبي براق كشعرها البشري، وعيناها ما زالتا زرقاوين لكن تملؤهما نظرة حادة لم تعهدها ديانا فيها من قبل، ودفعت ديانا بعيداً، وجرت في الظلام باتجاه أبواب القصر الخلفية. وقفت ديانا وحيدة في الردهة المظلمة، صدمتها فكرة أن العائلة التي انتمت إليها فجأة تحمل قدرة على التحول، قدرة لم تذكرها الرواية بتفصيل كافٍ، وشعرت بجهل عميق تجاه هذا العالم الذي أُلقيت فيه دون تحضير، وهمست لنفسها: "كم من أسرار أخرى في هذه القصة لم يخبرنا بها الكاتب؟". مرت ليلة كاملة، ولم تظهر لورينس إلا في صباح اليوم التالي، شعرها مبعثر، وعيناها منتفختان من البكاء، وثوبها متسخ بأوراق الشجر كأنها قضت الليل كله تركض بين الغابات المحيطة بالقصر. "لورينس، أين كنتِ؟ أنا وأمي خفنا عليكِ و—". تجاهلتها لورينس، وأخذت ثيابها، ودخلت الحمام دون أن تنبس بكلمة، وأغلقت الباب بقوة خلفها. اجتمعوا جميعاً على مائدة الفطور مع الملك، جلست ديانا في صمت ثقيل، تتحاشى النظر إلى أختها التي جلست تتناول فطورها ببطء، وقد ارتسمت على وجهها ملامح تصنع بها هدوءاً مصطنعاً. وبعد أن انتهى، التفت الملك إلى اللورد، وقال بجدية: "لقد اتخذت قراري، واخترت ديانا لتكون رفيقتي وملكة قصري". "شرف لي أن أناسب سموك". صدمت ديانا، أما لورينس فتوقفت عن الأكل، وظلت تحدق في شوكتها بصمت ثقيل، أصابعها ترتجف بخفة حول مقبض الشوكة الفضية. نظرت إليها أمها بقلق، فقالت ديانا فجأة: "لا". نظر إليها الجميع باستغراب، وارتفعت حواجب الملك دهشةً، إذ لم يتوقع أن ترفض المرأة التي لمس عينيها البارحة بذلك الحماس نفسه الذي رآه فيها. "لا، ليس من المفترض أن أكون أنا. لا أليق بمكانة سموك. رغم مكانة عائلتي ومنصب والدي، فإني أفتقر إلى أشياء كثيرة. لست جميلة كلورينس، ولا عطوفة ورقيقة مثلها، ولا ناضجة بما يكفي لأشارك سموك في الحكم. أرجو أن تعيد سموك التفكير، وتختار الرفيقة الصحيحة لهذه المكانة". ابتسم الملك، وقال بثقة: "بل أنتِ الاختيار الصحيح يا ديانا، ورغم العيوب التي ذكرتها والتي لا أراها أصلاً، فأنتِ كاملة في نظري، وأنتِ الرفيقة التي اختارها قلبي. وطبعاً أنتِ تعرفين أن رابطة الرفيق لا تنكسر إلا حين يفارق أحدنا الحياة". همست ديانا لنفسها وهي تشعر بثقل الموقف: "لم يكن من المفترض أن يكون هذا الكلام موجهًا إليَّ. لورينس هي البطلة. كيف يحدث هذا؟!". قامت لورينس ببرود: "اعذروني، تذكرت أمراً نسيت أن أفعله". "لورينس، انتظري—". تجاهلتها لورينس، ومشت، وأغلقت على نفسها باب غرفتها. جرت ديانا وراء أختها، لكن الباب كان مغلقاً: "لورينس، أرجوك اسمعيني، صدقيني، أنا لا أريد الملك، ولم أفكر في خطفه منك. لورينس، الملك رفيقكِ أنتِ، وأنتِ رفيقته المقدَّرة، صدقيني". "كفى كذباً الآن". صرخت لورينس بغضب من خلف الباب، وأكملت: "كفى كذباً، ألا تتعبين من الكذب وتمثيل دور البريئة، بينما أنتِ حية تلتفت بنعومة حول ضحيتها حتى تحكم قبضتها عليها؟ تماماً كما التفتِ حولي، وأكلتِ عقلي، أوهمتني أنك معي، وفي ظهري، وأنك لست طامعة في الملك، لكنكِ كاذبة". بكت ديانا بحزن، وجلست بظهرها ملاصقاً للباب الخشبي: "أنا لا أكذب، أنا أحبكِ يا لورينس، أنتِ أختي". "كفى كذباً يا ديانا. أنتِ تعرفين جيداً أني لست أختك. أنتِ تحقدين عليَّ، وتكرهين أني أجمل منك، وأن الناس كلها تلتفت حولي، وأنتِ تبقين منبوذة على جانب وحيدة، لأنك بشعة، وبشاعتك من بشاعة قلبك. حتى أمك ماتت بعد أن رأتك. لا أحد يحبك يا ديانا، وأنتِ تعرفين هذا جيداً، ولهذا ترغبين في الوصول إلى ما تريدين بالحيل والكذب". انهارت ديانا، وجلست على الأرض تبكي بقهر: "أنا لا أكرهك يا لورينس، أنا أحبك، لكنك انشغلتِ بحب الناس لشكلك، ونسيتِ أن الحب الحقيقي للداخل لا للخارج. خطفكِ الكلام الحلو والنظرات الكاذبة. أنا حقيقة لست طامعة في الملك، وكما قلت لك يا لورينس، أنتِ رفيقته، لا أنا". بعد لحظات من الصمت الثقيل، سُمع صوت الباب يُفتح ببطء، فوقفت ديانا بسرعة، تمسح دموعها بكم ثوبها، وظنت للحظة أن أختها ستعانقها، لكن لورينس مرت بجانبها دون أن تنظر إليها، وعيناها محمرتان لكن ملامحها متجمدة كقناع بارد. قامت لورينس بحزن ومشت. خرجت، وقابلت والدتها في الطريق، لكنها لأول مرة فهمت كلام ديانا، وأنها فقدت أمها حقاً، مهما حاولت أن تقترب منها، فأم لورينس عمرها ما ستحبها أكثر من ابنتهاكانت لورينس جالسة مع الحارس الذي أرسله الملك معها، رجل طاعن في الأربعين، صارم الملامح لكن عينيه تحملان نظرة صبر عجيبة، وهو يقدم لها الفاكهة على طاولة خشبية بسيطة أمام الكوخ:"تفضلي، أنتِ لم تأكلي شيئاً منذ أن تركنا القصر".نظرت إليه لورينس من فوق إلى تحت، بنظرة ازدراء اعتادت أن تستخدمها مع من هم أدنى مكانة منها، ولفت وجهها، فقال لها ببرود لا يخلو من حزم: "كما تريدين. حياتكِ لم تعد كما كانت يا آنسة لورينس كريستوف. وفي الريف إما أن تزرعي وتأكلي من صنع يديك، وإما أن تموتي من الجوع".نظرت لورينس إلى الفاكهة بنظرة جانبية، وشعرت بشيء غريب يتحرك في داخلها، ليس حقداً كما اعتادت أن تشعر، بل شيئاً أقرب إلى اليقظة، إلى إدراك مفاجئ بأن كل الامتيازات التي عاشت في ظلها طوال حياتها قد تلاشت في لحظة واحدة. كانت الأيام الأولى في الريف قاسية عليها؛ فهي التي عاشت عمرها محاطة بالحرير والذهب، لم تعرف يوماً كيف تحضر الماء من البئر، أو كيف تشعل ناراً لتدفئ كوخها الصغير، ولا حتى كيف تغسل ثوبها بيديها دون مساعدة خادمة تقف خلفها منذ الصغر.في الليالي الأولى، كانت تبكي وحيدة في ظلام كوخها البارد، تتذكر صوت المل
رجعت كل واحدة إلى شكلها الحقيقي، عادت خصلات ديانا البنية إلى مكانها، وعادت ملامح وجهها التي عرفتها طوال حياتها القديمة، ونظرت ديانا إلى الملك بفرح غامر: "صوتي، أنا قادرة على الكلام، أنا عدت أتحدث من جديد".فرح الملك، واحتضنها بقوة أمام الجميع، غير آبه بنظرات الحراس المتفاجئة، أما لورينس فقد خسرت صوتها بعد أن كسر الساحر التعويذة التي كانت تربطها بالعجوز، وفاءً بشرط العهد الذي خالفته حين حاولت قتل ديانا بدلاً من الاكتفاء بأخذ مكانها. جلست في ركنها، تحاول أن تصرخ أو تبكي، لكن لا شيء يخرج من فمها سوى صمت ثقيل يشبه صمت القبور.نظرت إليها ديانا بحزن ممزوج بشيء من الرأفة رغم كل ما فعلته: "الملك قرر نفيَكِ إلى الريف. هناك تستطيعين أن تبدئي حياتك من جديد يا لورينس، بعيداً عن كل هذا الحقد الذي زرعه فيك ذلك الساحر اللعين".ابتسمت لورينس بسخرية مريرة، ولفت وجهها بعيداً، رافضة أن تنظر إلى أختها ولو للمرة الأخيرة، فخرج الجميع من الزنزانة تاركين إياها في ظلامها، وقال الساحر لديانا وهو يقف عند المدخل، بنبرة غامضة تحمل حكمة عصور: "أنا أعرف أنكِ لستِ من هنا، لكن هذا قدرك".صدمت ديانا، وقبل أن تسأله كيف
نظر اللورد إلى ديانا، ثم رجع ينظر إلى لورينس بحزن عميق، وقد بدا كأن عالمه بأكمله ينهار أمام عينيه في لحظة واحدة. تهجمت لورينس على ديانا حتى تقتلها، أخرجت من كم ثوبها خنجراً صغيراً كانت قد أخفته منذ البداية احتياطاً، وهجمت بسرعة لا تصدق نحو أختها التي وقفت مذهولة، لكن الملك تدخل، ودفع ديانا الحقيقية بعيداً بحركة انعكاسية سريعة، ووقف بينهما، وأخذ الطعنة مكان ديانا، فاخترق النصل الحاد جانبه، وانتشر الدم بسرعة على قميصه الأبيض المطرز بالذهب.ارتعبَت لورينس، وتراجعت خطوات، ونظرت إلى الملك بخوف حقيقي بدد كل الغضب الذي غمرها لحظات، وسقط الخنجر من يدها على الرخام بصوت معدني حاد: "ثيو، لا، أرجوك، أنا لم أقصد، لم يكن من المفترض أن تكون أنت، ثيو، انهض، أرجوك". انهارت باكية بجانبه، محاولة أن تمسك جرحه بيدين مرتجفتين، وكأن كل الحقد الذي زرعه الساحر فيها قد تلاشى فجأة أمام مشهد الدم.دخل الحرس بسرعة، وأمسكوا لورينس التي في شكل ديانا، وهي تصرخ وتقاوم بضعف، وأخذوها إلى السجن، أما الملك فتم نقله إلى غرفته على محفة سريعة، وذهب إليه الطبيب على وجه السرعة، بينما وقفت ديانا الحقيقية في وسط القاعة الفارغة
نزلت لورينس بخطى قوية إلى قاعة الزفاف، وثوبها الأبيض يتموج خلفها كسحابة، وقد استعادت هدوءها المصطنع كأن شيئاً لم يحدث. حاولت ديانا أن تتبعها، لكن الحارس منعها، واقفاً بجسده الضخم أمام الباب كجدار لا يُخترق:"اعذريني يا آنسة ديانا، لكن ممنوع عليكِ أن تغادري الغرفة حتى ينتهي الزفاف".عادت ديانا إلى الغرفة، قلبها يخفق بعنف، ونظرت إلى النافذة بعزم مفاجئ. بسرعة، شدت ملاءة السرير، وربطت بها أي قماش رأته، ستائر، وشرشفاً إضافياً من الخزانة، فصنعت حبلاً متيناً بقدر استطاعتها، ونزلت من النافذة بعزيمة لا تعرف التردد، رغم الخطر الذي كان يحيط بها من كل جانب، ورغم ارتفاع النافذة الذي جعل يديها ترتجفان من الخوف، لكن إصرارها كان أقوى من كل خوف.في قاعة الزفاف، حيث امتلأت المقاعد بالنبلاء في أبهى حللهم، وزُينت الأعمدة بأكاليل الياسمين الأبيض، سلم اللورد كريستوف ابنته ديانا (المزيفة) ليد الملك، وقال له بصوت يحمل ثقل الأبوة:"هذه ابنتي الأولى، وأول عهدي بالأبوة، كونك ملكاً لن يثنيني أبداً عن أن أحاسبك لو جرحت ابنتي في يوم من الأيام".ابتسم الملك، وأمسك يد ديانا المزيفة بحب: "مستحيل أن أسمح لنفسي أن أزعج
ظلت ديانا جالسة عدة أيام في غرفتها، ترفض الخروج، تكتفي بمراقبة الاستعدادات المحمومة للزفاف من خلف النافذة، وتشعر بيأس متزايد كلما رأت أخرى العمال وهم يزينون القصر بالورود والأشرطة الحريرية. جلست بجانبها أمها، واحتضنتها بحنان مفرط:"حرام عليك يا ابنتي، لم كل هذا الحزن؟ ارضي بقدرك يا لورينس، وباركي لأختك".قامت ديانا، وأحضرت دفتراً وقلمًا من الدرج، بحركة يائسة، وكتبت بغضب، والقلم يرتجف بين أصابعها:"أنا لست لورينس، أنا ديانا. لورينس استخدمت السحر، وختمت قلادتي التي ورثتها عن أمي، وأوهمت الجميع أنها هي ديانا. أنا حتى—".بكت، وأكملت الكتابة تحت صدمة الأم مما تعرفه، خطوطها متعرجة من شدة الارتجاف:"حتى صوتي. سقتني سحراً، وختمت صوتي حتى لا أتكلم. انظري في عينيَّ جيداً، أنا لست ابنتك لورينس".توقفت عن الكتابة، ونظرت في عيني أم لورينس التي كانت تحدق فيها بذهول متزايد، ووضعت يدها على فمها بصدمة:"مستحيل، ابنتي، ابنتي لورينس استخدمت السحر! كيف؟ إنها بريئة ونقية، كيف تفعل هذا؟!". تراجعت خطوة إلى الوراء، وكأنها تحاول الهروب من حقيقة لا تريد تصديقها، لكن نظرة ديانا الصادقة كانت أقوى من كل إنكار.جل
استيقظت ديانا في اليوم التالي على صوت والدتهما: "لورينس، حبيبتي، قومي يا حبيبتي، كفاك نوماً، لا تخيفيني عليك". كان صوت الأم مليئاً بالحنان الذي لم تسمعه ديانا موجهاً إليها من قبل.نظرت ديانا إلى أمهما باستغراب، وحاولت الكلام، لكن صوتها لم يخرج، فقط أنين خافت بالكاد يُسمع."لورينس، هل أنت بخير يا ابنتي؟".تخضت ديانا، وجرت لتنظر في المرآة، فتفاجأت أنها أصبحت بشكل لورينس، الشعر الذهبي، والعينان الزرقاوان، والوجه الذي طالما رأته في المرآة أختها لا هي. صدمت، وبقيت واقفة تبكي بحزن صامت، دموعها تنساب بلا صوت على خدين لم تعرفهما.اقتربت منها أمها، واحتضنتها بحنان غريب لم تألفه ديانا منها: "لا تحزني يا حبيبتي، الملك من نصيب أختك، وحتماً ستجدين رفيقاً مناسباً يحبك ويهتم بك. لا تظهري حزنك هذا في حفل زفاف أختك، لا نريد أن يتسلّى النبلاء بسيرة عائلتنا".نظرت إليها ديانا بصدمة، وقالت في نفسها: "زفاف! كيف؟! يعني لورينس—". شعرت بالأرض تدور من تحتها، وحاولت أن تتماسك، لكن الرعب كان أقوى من قدرتها على الوقوف بثبات.جرت بخوف، وهي تفكر: "يعني النهاية كانت هكذا! هذا ما حدث فعلاً. لورينس أخذت شكل ديانا، وح







