INICIAR SESIÓNفي ذلك المساء، أقيمت أمسية فاخرة تليق باستقبال اللورد وعائلته، امتلأت قاعة الاحتفال بالنبلاء والنبيلات في أزيائهم الفاخرة، وعزفت الفرقة الموسيقية ألحاناً هادئة تملأ الأرجاء، بينما تدلت من السقف ثريات بلورية تعكس الضوء على الأرضية الرخامية اللامعة.
أمضت لورينس النهار كله وهي تنقب في خزانتها، حائرة فيما ترتديه، تجرب فستاناً تلو الآخر أمام المرآة، وتسأل الخادمات عن رأيهن بلهفة طفلة تنتظر الموافقة. أما ديانا فقد اختارت أبسط ثوب يمكن أن يليق بالحفل، حتى لا تلفت الأنظار إليها، ثوباً كحلياً داكناً بلا زخرفة تُذكر. "ديانا، ساعديني، أنا حائرة جداً، وخائفة أن يبدو شكلي بشعاً فيكرهني الملك". "لا تتوتري يا حبيبتي، ليس هناك أجمل منك، واللون الوردي يليق بك كثيراً. ارتدي هذا الفستان مع مكياج رقيق، فستبدين كالقمر، وأسرعي الآن قبل أن تبدأ الحفلة". "حاضر، لكن، ألن ترتدي شيئاً آخر؟!". "لقد ارتديت بالفعل". "ستحضرين بهذا المظهر؟!". "أجل". "من المستحيل أن يلتفت إليك الملك بهذا المنظر". ابتسمت ديانا بخبث: "وهذا هو المطلوب بالضبط". استغربت لورينس من كلامها، لكنها لم تعره اهتماماً، وارتدت ثوبها بسرعة كي تلحق بالحفل منذ بدايته، بعد أن أضافت الخادمة لمسات أخيرة من الجواهر على شعرها المضفور بعناية. نزلت الفتاتان إلى قاعة الاحتفال، فجذبت لورينس الأنظار إليها بجمالها الآخاذ، وتحول رأسها يميناً ويساراً وهي تستقبل ابتسامات الإعجاب من كل جانب، أما ديانا فكعادتها لم يكن لها ظهور يذكر بجانب أختها، وكأنها مجرد ظل يتبعها، تمشي بخطى هادئة، تحاول أن تختفي بين أعمدة القاعة الرخامية. وقفت ديانا بعيداً، وهي مبتسمة بسعادة، لأنها لم تكن تريد أن تلفت الانتباه، وشكرت جمال لورينس الذي ساعدها في ذلك، وراحت تراقب المشهد بعين المتفرج، تتأمل النبلاء وهم يتبادلون الأحاديث المهذبة، والسيدات وهن يتنافسن بأزيائهن الفاخرة، وشعرت بغربة عميقة، فهي تعرف كل هذه الوجوه من صفحات كتاب، لكنها الآن تراها حية أمامها، تتنفس، تضحك، تتحدث بلا وعي منها بأن مصائرها كانت مرسومة بحبر شخص آخر. اقتربت منها سيدة عجوز ترتدي عباءة أرجوانية، وقالت لها بابتسامة فضولية: "أنتِ ابنة اللورد كريستوف الصغرى، أليس كذلك؟ سمعت أنكِ لا تحبين الاختلاط كثيراً بالمجتمع، هذا نادر في فتاة في مثل سنك". ابتسمت ديانا بحرج، وأجابت بلطف: "أفضل المراقبة على المشاركة أحياناً، سيدتي". ابتعدت السيدة بعد نظرة أخيرة متفحصة، تاركة ديانا وحيدة مع أفكارها من جديد. ظهر الملك في منتصف الحفل، وخطب في الحاضرين، وقد ارتدى بزة ملكية زرقاء داكنة مطرزة بخيوط الذهب، تليق بمقامه: "شكراً لكل من حضر الليلة، وأحب أن أشكر اللورد كريستوف وعائلته النبيلة على مشقة الحضور إلى العاصمة وتلبية رغبتي. أتمنى أن تستمعوا جميعاً بالحفل". كان اللورد واقفاً، وبجانبه زوجته وابنتاه. رفع الجميع رؤوسهم، أما ديانا فتعمدت أن تبقي رأسها منحنياً، والتفاتت بسرعة حتى لا ينتبه إليها الملك، لكنه لاحظ السلسلة التي ترتديها، الحجر الفيروزي الذي رآه ليلة أمس تحت ضوء القمر، فابتسم ابتسامة غامضة، وشعر بفضول يتصاعد في صدره، محاولاً أن يجمع بين الصوت الذي سمعه والوجه الذي يراه أمامه الآن. انتهت الحفلة، وجاء موعد الرقصة الأخيرة، فقام الملك ليختار شريكته في الرقص، وساد صمت مترقب في القاعة، إذ يعلم الجميع أن هذه اللحظة قد تحدد مستقبل المملكة بأكملها. كانت ديانا في الركن نفسه الذي اتخذته طوال الحفل، وكانت لورينس تحدق في الملك وتنتظره بثقة، تصفف شعرها بيد مرتجفة من الترقب، لكنه مر من جانبها، وتوجه نحو ديانا التي وقفت تحدق فيه بصدمة، وقد شعرت بأن كل الأنظار في القاعة قد تحولت فجأة نحوها. "أتسمحين لي يا آنستي الجميلة أن أتشرف بالرقصة الأخيرة معك؟". "ماذا! كيف! لا، لست أنا، أنت بلا شك تقصد—". قاطعها الملك، وأمسك يدها، وأحاط خصرها بذراعه: "أخيراً وجدتك". بدأت الموسيقى، وأخذها الملك إلى ساحة الرقص، وسط همهمات الحاضرين المندهشين، وتبادل النبلاء نظرات حائرة، إذ لم يتوقع أحد أن يختار الملك الأخت الصغرى الأقل بروزاً. "أتعرفين أني بحثت وسط كل الخدم، حتى بدأت أشك أنك جنية؟". توترت ديانا، ونظرت حولها بارتباك: "الجميع ينظر إلينا". "طبعاً، الملك نفسه لا يرقص مع فتاة كل يوم، من الطبيعي أن تتركز الأنظار علينا". "لكن لورينس... من المفترض أنها هي الـ... أنا لا يمكن—". قاطعها الملك، وشدها نحوه أكثر: "رغم أني لا أفهم شيئاً من كلامك، ولا أفهم سبب توترك أو هروبك مني بالأمس، فإني لست مستعداً أن أضيع هذه اللحظات في كلام فارغ". رقص معها برشاقة، تحركت خطواتهما بانسجام غريب، وكأنهما تدربا على هذا الرقص طويلاً رغم أنه اللقاء الأول بينهما، وللحظة نسيت ديانا نفسها واندمجت معه، نسيت أنها غريبة عن هذا العالم، نسيت أنها جاءت لتصحح قصة، لا لتعيش لحظة. كانت في الأصل معجبة بشخصية الملك في عالمها حين كانت تقرأ الرواية، فكيف لها أن تقاوم سحر جاذبيته وهو أمامها يختارها هي بعينها؟ لكنها توقفت فجأة حين رأت لورينس تحدق فيهما وتبكي بحزن عميق، دموعها تنساب على خديها أمام الجميع دون أن تحاول إخفاءها. جرت لورينس خارج قاعة الحفل، وجرت ديانا وراءها، تاركة الملك واقفاً في وسط القاعة، محاطاً بنظرات النبلاء المستغربة. "أنا آسف جداً يا سموك، يبدو أن ابنتيَّ ما زالتا غير ناضجتين، أتمنى أن تسامحهما على خطئهما غير المقصود". "لا بأس، الحفل قد انتهى على كل حال، اذهب واسترح يا لورد، ولنا لقاء غداً على الفطور". انحنى اللورد وزوجته، وغادرا بعد أن ترك الملك الحفل، وخرج الجميع وراءه، بينما بقيت أصوات الهمس تتردد في القاعة الفارغة، وتساؤلات النبلاء عن هوية تلك الفتاة التي لم يعرفها أحد من قبل.كانت لورينس جالسة مع الحارس الذي أرسله الملك معها، رجل طاعن في الأربعين، صارم الملامح لكن عينيه تحملان نظرة صبر عجيبة، وهو يقدم لها الفاكهة على طاولة خشبية بسيطة أمام الكوخ:"تفضلي، أنتِ لم تأكلي شيئاً منذ أن تركنا القصر".نظرت إليه لورينس من فوق إلى تحت، بنظرة ازدراء اعتادت أن تستخدمها مع من هم أدنى مكانة منها، ولفت وجهها، فقال لها ببرود لا يخلو من حزم: "كما تريدين. حياتكِ لم تعد كما كانت يا آنسة لورينس كريستوف. وفي الريف إما أن تزرعي وتأكلي من صنع يديك، وإما أن تموتي من الجوع".نظرت لورينس إلى الفاكهة بنظرة جانبية، وشعرت بشيء غريب يتحرك في داخلها، ليس حقداً كما اعتادت أن تشعر، بل شيئاً أقرب إلى اليقظة، إلى إدراك مفاجئ بأن كل الامتيازات التي عاشت في ظلها طوال حياتها قد تلاشت في لحظة واحدة. كانت الأيام الأولى في الريف قاسية عليها؛ فهي التي عاشت عمرها محاطة بالحرير والذهب، لم تعرف يوماً كيف تحضر الماء من البئر، أو كيف تشعل ناراً لتدفئ كوخها الصغير، ولا حتى كيف تغسل ثوبها بيديها دون مساعدة خادمة تقف خلفها منذ الصغر.في الليالي الأولى، كانت تبكي وحيدة في ظلام كوخها البارد، تتذكر صوت المل
رجعت كل واحدة إلى شكلها الحقيقي، عادت خصلات ديانا البنية إلى مكانها، وعادت ملامح وجهها التي عرفتها طوال حياتها القديمة، ونظرت ديانا إلى الملك بفرح غامر: "صوتي، أنا قادرة على الكلام، أنا عدت أتحدث من جديد".فرح الملك، واحتضنها بقوة أمام الجميع، غير آبه بنظرات الحراس المتفاجئة، أما لورينس فقد خسرت صوتها بعد أن كسر الساحر التعويذة التي كانت تربطها بالعجوز، وفاءً بشرط العهد الذي خالفته حين حاولت قتل ديانا بدلاً من الاكتفاء بأخذ مكانها. جلست في ركنها، تحاول أن تصرخ أو تبكي، لكن لا شيء يخرج من فمها سوى صمت ثقيل يشبه صمت القبور.نظرت إليها ديانا بحزن ممزوج بشيء من الرأفة رغم كل ما فعلته: "الملك قرر نفيَكِ إلى الريف. هناك تستطيعين أن تبدئي حياتك من جديد يا لورينس، بعيداً عن كل هذا الحقد الذي زرعه فيك ذلك الساحر اللعين".ابتسمت لورينس بسخرية مريرة، ولفت وجهها بعيداً، رافضة أن تنظر إلى أختها ولو للمرة الأخيرة، فخرج الجميع من الزنزانة تاركين إياها في ظلامها، وقال الساحر لديانا وهو يقف عند المدخل، بنبرة غامضة تحمل حكمة عصور: "أنا أعرف أنكِ لستِ من هنا، لكن هذا قدرك".صدمت ديانا، وقبل أن تسأله كيف
نظر اللورد إلى ديانا، ثم رجع ينظر إلى لورينس بحزن عميق، وقد بدا كأن عالمه بأكمله ينهار أمام عينيه في لحظة واحدة. تهجمت لورينس على ديانا حتى تقتلها، أخرجت من كم ثوبها خنجراً صغيراً كانت قد أخفته منذ البداية احتياطاً، وهجمت بسرعة لا تصدق نحو أختها التي وقفت مذهولة، لكن الملك تدخل، ودفع ديانا الحقيقية بعيداً بحركة انعكاسية سريعة، ووقف بينهما، وأخذ الطعنة مكان ديانا، فاخترق النصل الحاد جانبه، وانتشر الدم بسرعة على قميصه الأبيض المطرز بالذهب.ارتعبَت لورينس، وتراجعت خطوات، ونظرت إلى الملك بخوف حقيقي بدد كل الغضب الذي غمرها لحظات، وسقط الخنجر من يدها على الرخام بصوت معدني حاد: "ثيو، لا، أرجوك، أنا لم أقصد، لم يكن من المفترض أن تكون أنت، ثيو، انهض، أرجوك". انهارت باكية بجانبه، محاولة أن تمسك جرحه بيدين مرتجفتين، وكأن كل الحقد الذي زرعه الساحر فيها قد تلاشى فجأة أمام مشهد الدم.دخل الحرس بسرعة، وأمسكوا لورينس التي في شكل ديانا، وهي تصرخ وتقاوم بضعف، وأخذوها إلى السجن، أما الملك فتم نقله إلى غرفته على محفة سريعة، وذهب إليه الطبيب على وجه السرعة، بينما وقفت ديانا الحقيقية في وسط القاعة الفارغة
نزلت لورينس بخطى قوية إلى قاعة الزفاف، وثوبها الأبيض يتموج خلفها كسحابة، وقد استعادت هدوءها المصطنع كأن شيئاً لم يحدث. حاولت ديانا أن تتبعها، لكن الحارس منعها، واقفاً بجسده الضخم أمام الباب كجدار لا يُخترق:"اعذريني يا آنسة ديانا، لكن ممنوع عليكِ أن تغادري الغرفة حتى ينتهي الزفاف".عادت ديانا إلى الغرفة، قلبها يخفق بعنف، ونظرت إلى النافذة بعزم مفاجئ. بسرعة، شدت ملاءة السرير، وربطت بها أي قماش رأته، ستائر، وشرشفاً إضافياً من الخزانة، فصنعت حبلاً متيناً بقدر استطاعتها، ونزلت من النافذة بعزيمة لا تعرف التردد، رغم الخطر الذي كان يحيط بها من كل جانب، ورغم ارتفاع النافذة الذي جعل يديها ترتجفان من الخوف، لكن إصرارها كان أقوى من كل خوف.في قاعة الزفاف، حيث امتلأت المقاعد بالنبلاء في أبهى حللهم، وزُينت الأعمدة بأكاليل الياسمين الأبيض، سلم اللورد كريستوف ابنته ديانا (المزيفة) ليد الملك، وقال له بصوت يحمل ثقل الأبوة:"هذه ابنتي الأولى، وأول عهدي بالأبوة، كونك ملكاً لن يثنيني أبداً عن أن أحاسبك لو جرحت ابنتي في يوم من الأيام".ابتسم الملك، وأمسك يد ديانا المزيفة بحب: "مستحيل أن أسمح لنفسي أن أزعج
ظلت ديانا جالسة عدة أيام في غرفتها، ترفض الخروج، تكتفي بمراقبة الاستعدادات المحمومة للزفاف من خلف النافذة، وتشعر بيأس متزايد كلما رأت أخرى العمال وهم يزينون القصر بالورود والأشرطة الحريرية. جلست بجانبها أمها، واحتضنتها بحنان مفرط:"حرام عليك يا ابنتي، لم كل هذا الحزن؟ ارضي بقدرك يا لورينس، وباركي لأختك".قامت ديانا، وأحضرت دفتراً وقلمًا من الدرج، بحركة يائسة، وكتبت بغضب، والقلم يرتجف بين أصابعها:"أنا لست لورينس، أنا ديانا. لورينس استخدمت السحر، وختمت قلادتي التي ورثتها عن أمي، وأوهمت الجميع أنها هي ديانا. أنا حتى—".بكت، وأكملت الكتابة تحت صدمة الأم مما تعرفه، خطوطها متعرجة من شدة الارتجاف:"حتى صوتي. سقتني سحراً، وختمت صوتي حتى لا أتكلم. انظري في عينيَّ جيداً، أنا لست ابنتك لورينس".توقفت عن الكتابة، ونظرت في عيني أم لورينس التي كانت تحدق فيها بذهول متزايد، ووضعت يدها على فمها بصدمة:"مستحيل، ابنتي، ابنتي لورينس استخدمت السحر! كيف؟ إنها بريئة ونقية، كيف تفعل هذا؟!". تراجعت خطوة إلى الوراء، وكأنها تحاول الهروب من حقيقة لا تريد تصديقها، لكن نظرة ديانا الصادقة كانت أقوى من كل إنكار.جل
استيقظت ديانا في اليوم التالي على صوت والدتهما: "لورينس، حبيبتي، قومي يا حبيبتي، كفاك نوماً، لا تخيفيني عليك". كان صوت الأم مليئاً بالحنان الذي لم تسمعه ديانا موجهاً إليها من قبل.نظرت ديانا إلى أمهما باستغراب، وحاولت الكلام، لكن صوتها لم يخرج، فقط أنين خافت بالكاد يُسمع."لورينس، هل أنت بخير يا ابنتي؟".تخضت ديانا، وجرت لتنظر في المرآة، فتفاجأت أنها أصبحت بشكل لورينس، الشعر الذهبي، والعينان الزرقاوان، والوجه الذي طالما رأته في المرآة أختها لا هي. صدمت، وبقيت واقفة تبكي بحزن صامت، دموعها تنساب بلا صوت على خدين لم تعرفهما.اقتربت منها أمها، واحتضنتها بحنان غريب لم تألفه ديانا منها: "لا تحزني يا حبيبتي، الملك من نصيب أختك، وحتماً ستجدين رفيقاً مناسباً يحبك ويهتم بك. لا تظهري حزنك هذا في حفل زفاف أختك، لا نريد أن يتسلّى النبلاء بسيرة عائلتنا".نظرت إليها ديانا بصدمة، وقالت في نفسها: "زفاف! كيف؟! يعني لورينس—". شعرت بالأرض تدور من تحتها، وحاولت أن تتماسك، لكن الرعب كان أقوى من قدرتها على الوقوف بثبات.جرت بخوف، وهي تفكر: "يعني النهاية كانت هكذا! هذا ما حدث فعلاً. لورينس أخذت شكل ديانا، وح







