LOGINأغمضت عينيها. "على الأقل..." "...مش بالطريقة اللي حكيتها." سكتت قليلًا، ثم بدأت تتكلم وكأنها تعود سنوات إلى الوراء. "جوزي..." "في الأول كان إنسان طبيعي." "طيب." "وبيحبني." "وبيموت في ليلى." "عشنا سنين مبسوطين." "بيت كبير." "وشغل محترم." "وبنتنا في مدرسة كويسة." "مكنش ناقصنا حاجة." تنهدت. ثم قالت: "لحد اليوم اللي رجع فيه البيت." "وشه كان غريب." "وعينه..." "...عمرها ما كانت بالشكل ده." نظر إليها عمر باهتمام. أكملت: "دخل عليا وهو بيضحك." "وقاللي..." (أنا لقيت الكنز.) ابتسمت يومها واستغربت. قلتله: (كنز إيه؟) (وإحنا الحمد لله عايشين كويس.) (إيه اللي ناقصنا؟) فضل يبصلي... وبعدين قال جملة عمري ما هنساهاله. (كل حاجة.) (أنا عايز أبقى أغنى واحد.) (أقوى واحد.) (عايز العالم كله يبقى تحت رجلي.) سكتت... وشردت للحظة. ثم همست: "كانت نظرة عينه..." "...كلها جشع." "كأنه مبقاش الإنسان اللي اتجوزته." سألها عمر بهدوء: "والكنز؟" أخذت نفسًا عميقًا. "مكنش دهب." "ولا آثار." "كانت تعويذة." رفع عمر رأسه فجأة. أما هي
مر أسبوع كامل... أسبوع لم تغادر فيه ليلى غرفتها إلا نادرًا. منذ ذلك اليوم وهي ترفض العودة إلى الشركة، وأغلقت هاتفها في وجه الجميع، حتى سارة لم تستطع الوصول إليها إلا مرات قليلة كانت تنتهي بنفس الجملة. "معلش يا سارة... مش قادرة أتكلم." كانت تقضي أغلب وقتها جالسة أمام نافذة غرفتها، تحدق في الشارع بشرود، وكأنها تنتظر شيئًا لا تعرفه. أما والدتها... فكانت تراقبها يومًا بعد يوم، وقلبها يزداد قلقًا. دخلت عليها في صباح أحد الأيام وهي تحمل كوبًا من الشاي. ابتسمت بحنان وهي تضعه أمامها. "اشربي يا حبيبتي." رفعت ليلى عينيها إليها، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة. "تسلمي يا ماما." جلست الأم بجوارها، ثم أمسكت يدها. "بقالك أسبوع يا ليلى." "لا بتخرجي..." "ولا بتضحكي..." "ولا حتى بتاكلي زي الأول." "قوليلي حصل إيه." خفضت ليلى رأسها. وظلت صامتة للحظات. ثم قالت بصوت خافت: "حصلت مشاكل بيني وبين عمر." عقدت والدتها حاجبيها. "مشاكل إيه؟" تنهدت ليلى. "اتخانقنا..." "وسبت الشغل." نظرت إليها والدتها طويلًا. كانت تشعر أن ابنتها تخفي عنها الحقيقة. لكنها لم تضغط عليها أكثر. ربتت على كتفها بحنان
هنا قام عمر ليقف أمام غرفة ليلي و عقله يحاول استيعاب الذي يحدث حوله ظل عمر واقفًا مكانه، بينما كانت أنفاسه لا تزال مضطربة. لم يرفع عينيه عن باب الغرفة، وكأن عقله يرفض تصديق أن الفتاة الموجودة خلفه هي نفسها التي عرفها طوال الأشهر الماضية.قطع الشيخ الصمت وهو ينهض ببطء ليرحل "اسمعني كويس يا عمر... اللي هقوله دلوقتي لو نسيته لحظة، يبقى حكمت عليها بالموت."رفع عمر رأسه إليه، وعيناه مليئتان بالأسئلة."يعني إيه؟"اقترب الشيخ حتى أصبح يقف أمامه مباشرة، ثم قال بصوت خافت:"اللي شوفته النهارده... مش جن.""ولا روح.""دي لعنة."ساد الصمت.حتى حسام لم يجرؤ على الكلام.أكمل الشيخ:"اللعنة دي موجودة من مئات السنين... وكل مرة كانت بتختار إنسان يقدم لها قربان.""وفي المقابل...""...تديه كل اللي نفسه فيه."عقد عمر حاجبيه."فلوس؟""أكتر.""سلطة.""نفوذ.""شهرة.""وأبواب عمرها ما كانت هتتفتح لولاها."ثم تغيرت ملامحه فجأة."بس لكل عطية تمن."ابتلع عمر ريقه."إيه التمن؟"أجابه الشيخ وهو ينظر إلى باب الغرفة المغلق:"روح بريئة."اتسعت عينا عمر."يعني..."أومأ الشيخ."ليلى."شعر وكأن الكلمات صفعته."إزاي؟"
ظل الهاتف ملتصقًا بأذن ، بينما كانت عيناه لا تفارقان تلك التي تقف أمامه داخل جسد ليلى .ولأول مرة...اختفت ابتسامتها.اتسعت عيناها قليلًا، ثم همست بنبرة خرج منها شيء من الغضب:"رديت..."و هنا بنظرة فقط جعلت صوت الهاتف يرتفع لتسمع الحديثجاءه صوت مازن متقطعًا من الطرف الآخر، وكأنه يلهث وهو يركض."عمر... اسمعني كويس... معنديش وقت."قبض عمر على الهاتف بقوة."إنت فين؟!""متسألش...""اسمع وبس."كان صوته ضعيفًا، لكنه كان صوته فعلًا... لا يمكن أن يخطئه.شهق حسام وهو يقترب من عمر."ده... ده مازن!"أما الشيخ...فاتسعت عيناه وهو يردد آيات بصوت منخفض، بينما كانت عيناه لا تفارقان ليلى.على الجانب الآخر...خرج ضحك خافت من بين شفتيها."لسه عايش..."قالتها وكأنها لم تكن تتوقع ذلك.ابتسمت بعدها ابتسامة باردة."بس مش هيعيش كتير."ضغط عمر على أسنانه."مازن... المستشفى أعلنت إنك مت."ساد صمت لثوانٍ.ثم جاءه صوت مازن وهو يضحك ضحكة مريرة."وده... اللي أنا كنت عايزه."تجمد عمر."إيه؟"تنفس مازن ببطء ثم قال:"قبل ما أعلنوا وفاتي بدقائق... كنت عارف إنهم جايين يخلصوا عليا.""اتفقت مع دكتور كان بيثق فيا.""حقن
ظل عمر واقفًا مكانه، لا يتحرك.رغم أن عقله كان يصرخ فيه أن يهرب...إلا أن قدميه رفضتا.كان ينظر إليها...أو إلى الشيء الذي يسكن جسد ليلى.ابتسمت وهي تميل برأسها قليلًا."إيه؟""مش هتجري؟"أجابها بصوت خرج ثابتًا بصورة أدهشته هو نفسه:"أنا طول عمري بجري..."ثم ابتسم ابتسامة جانبية."بس المرة دي... الدور عليكي."اختفت الابتسامة من على وجهها للحظة.ثم انفجرت ضاحكة.ضحكة جعلت زجاج النوافذ يهتز بعنف.قالت وهي تقترب ببطء:"إنت مختلف.""عشان كده اخترناك."عقد عمر حاجبيه."اخترتوني؟"توقفت أمامه مباشرة.حتى إنه أصبح يشعر ببرودة أنفاسها."إنت فاكر إن كل اللي حصل صدفة؟""إنك اشتريت الشركة صدفة؟""إنك قابلت ليلى صدفة؟""إن أبوك اختفى صدفة؟"اتسعت عينا عمر."إنتِ... تعرفي أبويا؟"ابتسمت."أعرفه؟"ضحكت مرة أخرى."أبوك كان أول واحد قال نفس الجملة اللي قولتها دلوقتي."شعر وكأن الأرض اهتزت تحت قدميه."يعني هو عايش؟!"اقتربت حتى أصبحت على بعد سنتيمترات منه.ثم همست:"كان عايش...""لحد ما فتح الباب اللي مكانش لازم يفتحه."صرخ عمر:"هو فين؟!"لكنها لم تجب.بل مدت يدها ولمست صدره بإصبع واحد فقط.وفجأة...
انطلق صوت تصفيق بطيء من خلفهم. ...تصفيق... تصفيق... تصفيق... تجمد الثلاثة في أماكنهم. استدار عمر ببطء. وكان أول من وقعت عيناه عليها. كانت تقف عند مدخل الصالة. لكن... لم تكن ليلى. كان شعرها منسدلًا فوق كتفيها، إلا أن ملامحها بدت شاحبة بصورة مخيفة، وعيناها تحولتا إلى سواد كامل، حتى اختفى البياض تمامًا، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة لم يعرف لها تفسيرًا. قالت بصوت أجش، عميق، لا يمت بصلة إلى صوتها الحقيقي: "أخيرًا..." "حد افتكر الحكاية." نهض الشيخ من مكانه ببطء، وقبض بقوة على سبحته. أما حسام فتراجع خطوة إلى الخلف وهو يهمس بخوف: "دي... دي مش البنت." ضحكت ضحكة قصيرة، ثم مالت برأسها جانبًا وهي تنظر إلى الشيخ. "لسه عايش؟" "افتكرت إن آخر واحد منكم مات من زمان." لم يرد الشيخ. كان يقرأ آيات بصوت خافت، بينما لم يحول عينيه عنها. ابتسمت ابتسامة ساخرة. "لسه فاكر إن الكلام ده هيخوفني؟" ثم حولت نظرها إلى عمر. ابتسامتها اتسعت أكثر. "وأنت..." "شكلك عرفت الحقيقة أخيرًا." ظل عمر يحدق فيها، وقلبه يخفق بعنف، ثم قال بصوت ثابت رغم اضطرابه: "سيبيها."







