LOGINتجمعت الصديقات حول سندس في حلقة دافئة، يحاولن انتشالها من تلك الحالة الهامدة التي تملكتها منذ أن جرتها قدماها إليهن.
دثرتها ريهام بين ذراعيها، واحتوتها في عناق صامت طويل علّه يرمم بعضاً من شتاتها. أما سندس، فكانت غارقة في بحر من الأسئلة المريرة.... كيف يملك الآباء هذه القدرة على تفصيل مصائرنا وفق مقاسات ظروفهم؟ لم تكن ترى في هذا الارتباط زيجة، بل صفقة تجارية متبادلة المنفعة، طرفاها والدها والعريس، بينما هي مجرد قطعة شطرنج، عامل مساعد لا قيمة له، يُضحى به لتمرير اللعبة. على الجانب الآخر، كانت سيليا تراقب المشهد بغصة خاصة؛ لم يكن لديها أب يفرض عليها خياراته، بل إن وجوده في حياتها بأكمله لم يكن سوى سطر فارغ. وفي تلك الأثناء، كانت "وتين" قد بلغت ذروة غليانها، فلم تحتمل الصمت وهتفت بحنق مكتوم - مش قادرة أستوعب إزاي الجريمة دي هتم...... فين التكافؤ في إن واحدة تتجوز واحد أكبر منها بعشرين سنة؟ داخلة عشان تخلف له عيال وتبقى مجرد ديكور يتباهى بيه قدام الناس ويرضي غروره.... وفي المقابل كام قرش يرميهم لأبوها.. إحنا رجعنا لعصر الجواري وبيع العبيد تاني ولا إيه؟ ساد الصمت للحظات صبت فيها وتين تركيزها في فكرة مباغتة، ولمعت عيناها فجأة وهي تلتفت إليهن قائلة - بقولكم إيه، إحنا مش هنقف نتفرج. إيه رأيكم لو رجالة العمارة الكبار يتجمعوا ويروحوا لوالد سندس يتكلموا معاه ويقنعوه يصرف نظر عن الجوازة دي؟ لم تنتظر وتين الجواب؛ حسمت أمرها وتحركت سريعاً تتبعها ريهام بخطوات مشدودة لتبلغا والديهما بالأمر علّهما ينقذان الموقف. بينما آثرت سيليا البقاء إلى جوار سندس، تواسيها بصمت، وتصارع في خلوتها شعوراً جارفاً باليتم والفقد تضاعف في تلك اللحظة بالذات. ✨✨✨✨✨✨✨✨ عند منير، كان الصمت الثقيل يلف الغرفة قبل أن يقطعه بنظرة استنكار حادة صوبها نحو زوجته. بدا وكأنه لا يصدق ما تفوهت به للتو؛ إذ كان الحل العبقري المعروض أمامه لمعالجة طيش ابنهما هو الزواج! وكأن تصفيد شاب غير مسؤول بمسؤولية أسرة سيخلق منه رجلاً فجأة. حرك منير رأسه يميناً وشمالاً، وهتف بقلة حيلة مستهجناً - إنتي شايفة شكله عامل إزاى وحاله الزفت ده، وتقوليلي نجوزه؟ نجوزه إزاي بس يهديكي لم تهتز فاطمة، بل اقتربت منه بملامح يكسوها اليقين الواهم، ونبرة حملت نبرة الأمهات المعتادة في تبسيط المعضلات - يا منير، إحنا ننقيله البنت الهادية اللي تاخد بإيده وتصلح له حاله، وحاله هينصلح بإذن الله.. ما كل الشباب كده طايشين ومبتعدلش حالهم غير لما يتجوزوا ويشيلوا المسؤولية تسربت كلماتها الموزونة بالعاطفة إلى رأس منير، ملامسةً رغبته الدفينة في رؤية ابنه مستقراً. تنهد ببطء، مستسلماً لتلك البروج العاجية التي شيدتها زوجته، وأقنع نفسه بأنها ربما تكون صائبة؛ ليركنا معاً في نهاية الجلسة إلى قرار واحد: البحث عن الضحية.. أقصد الزوجة المناسبة. لم تضع فاطمة وقتاً، بل تحركت بخطوات خفيفة تدفعها بهجة غامرة، ودلفت إلى غرفة ابنها لتزف إليه البشرى التي ظنتها طوق نجاة. استقبل الشاب النبأ بتهلل مفاجئ، ولمعت عيناه بفرحة طفولية التقطتها الأم بارتياح شديد، خاصة حين غلف اندفاعه بوعد براق - أوعدك يا أمي من هنا ورايح هتشوفي واحد تاني خالص، هبقى راجل وتشوفي كانت فرحته بالزواج تشبه تماماً فرحة طفل هُرع إليه بثياب العيد الجديدة؛ يرى الألوان الزاهية والمظهر البراق، دون أن يدرك ثقل القطن أو مشقة الحفاظ عليه نظيفاً. فرحة عابثة خالية من أي وعي بتبعات المسؤولية التي تنتظره خلف الباب. ومع غلق باب الغرفة، انطلقت شارة البدء، ليصبح الهم الشاغل والوحيد للأسرة هو البحث والتنقيب عن تلك الزوجة الصالحة التي ستتحمل عبء إصلاح ما أفسدته سنوات الدلال. ✨✨✨✨✨✨✨ عند سيليا، كان الهدوء في الغرفة خانقاً، لا يقطعه سوى أنفاس الجدة المتهدجة. جلست سيليا بجوار الفراش، تراقب الملامح التي حفر فيها المرض مجاريه، وتستشعر بقلبها المنقبض ذلك التدهور المتسارع في صحتها. لم تقو خطوط دفاعها على الصمود أكثر، فانفجرت بالبكاء، وتشبثت بيد جدتها الواهنة وهي تترجاها بنبرة مخنوقة بالدموع - تيته.. عشان خاطري خليكي كويسة وقومي. أنتي الوحيدة اللي ليا في الدنيا دي، أنا مقدرش أعيش من غيرك ثانية واحدة. تحاملت الجدة على ضعفها، ورفعت كفها المرتعش لتمسد على ظهر حفيدتها بحنان دافئ، بينما شردت عيناها في سقف الغرفة. كانت تخوض حرباً صامتة مع إحساس يلح عليها بقوة؛ إحساس يدق في صدرها مخبراً إياها بأن الأجل قد اقترب، وأن شمسها أوشكت على المغيب. ولم يكن الموت هو ما يرعبها، بل المصير الضبابي الذي ينتظر سيليا من بعدها. داهمها قلق نهش ما تبقى من طاقتها؛ فالفكرة الثابتة في رأسها هي أنها لن تسمح أبداً بعودة الفتاة إلى قسوة أبيها، خاصة بعد موقفه الجاحد الأخير منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام. من يومها، أغلق الأب ذلك الكتاب تماماً، لم يسأل عن ابنته، ولم تلمحه عيناها ولو لمرة واحدة، وكأنه استأصلها من شجرة عائلته ومحاها من ذاكرته بلا رجعة. أغمضت الجدة عينيها وهي تستمع لنشيج سيليا، وطردت الشتات من عقلها لتبدأ في التفكير بتأنٍ وحسم.. تفكير من يكتب سطور وصيته الأخيرة. قلّبت الخيارات المتاحة في رأسها يميناً ويساراً، حتى استقرت في النهاية على حل واحد لا بديل له، الحل الوحيد الذي سيضمن لسيليا الحماية، حتى وإن كان ثمنه غالياً. ✨✨✨✨✨✨✨✨ عند سمير، كان الأمل المخادع قد بدأ يلوح كطيف دافئ في قلب "سندس" المرتجف، مغذياً إياها بجرعة شجاعة مؤقتة عقب مكالمة وتين منذ قليل. كانت كلماتها الواثقة وهي تخبرها بأن والدها توجه بالفعل ليتوسط لدى والدها كفيلة بأن تجعلها تتنفس الصعداء لأول مرة، وتحاول لملمة شتات نفسها والعودة إلى طبيعتها. لكن الزمن لم يمهلها حتى لتلتقط أنفاسها. انفتح الباب بعنف، وتفاجأت بوالدها يهجم عليها كوحش كاسر عقب لقائه بوالد وتين. انقض عليها يبرحها ضرباً مبرحاً، صاباً جام غضبه الذي أُهين في مجلس الرجال فوق جسدها النحيل. سقطت سندس أرضاً، وانكفأت على وجهها لا تقوى على الحركة بعد أن خارت قواها تماماً، ولم يعد يصل إلى مسامعها سوى صوت والدها الفظ وهو يلهث قسوة وفوق رأسها - فرحك بعد أسبوعين.. ومن هنا لحد ما تغوري من وشي مش عاوز رجلك تخطي برا العتبة دي، ولا تشوفي الأشكال اللي كنتي بتنزلي معاهم..... مش على آخر الزمن حتة عيل ييجي يعلمني أمشى بيتي إزاي ويمشيني على مزاجه في تلك اللحظة، تحولت سندس إلى جسد منزوع الروح؛ كأن روحها قد انفصلت عنها ووقفت تتفرج على هذا الهوان. لم تعد تشعر بألم الضربات بقدر ما شعرت بتمزقها الداخلي وإنهزامها الكامل أمام مصيرها الأسود. دارت الأسئلة في رأسها بمرارة لا تطاق؛ لطالما ملأ والدها البيت صراخاً وشكوى من ضيق الحال والغلاء، متذمراً من أنه غير قادر على مجاراة مصروفات العائلة، بالرغم من أنه هو الذي اختار بكامل إرادته إنجاب هذا الجيش من الأطفال، متذرعاً دائماً بكلمته الجوفاءالعزوة والأولاد سند. لتكون النتيجة الآن هي تقديمها كقربان لتلك العزوة.. ضاعت أحلامها أولاً في استكمال دراستها، والآن يتبخر حلمها في التخطيط لمستقبل تشبه فيه البشر. انطفأت جذوة المقاومة داخلها، وتسلل الخدر إلى أطرافها لتعلن الاستسلام التام للأمر الواقع.. ستتزوج، ليس حباً في الحياة، بل هرباً من هذا الجحيم، لعلها تجد خلف أبواب ذلك الكهل الغريب أي مساحة أمان تعوضها عما قاسته، حتى وإن كان ثمناً مقتطعاً من شبابها.54 سيطرت المخاوف والظنون على عقيلة رقية؛ فباتت تخشى إنكشاف أمرها ووقوع عين جمال أو أحد الأطباء على غايتها الملعونة. وأمام هذا التوجس، قررت بمرونة الأفاعي أن تؤجل نيتها في التخلص من جنين سندس قليلاً، حتى تهدأ الأجواء وتنسج خيوط مكرها بإحكام أشد. تطلّب مخططها الجديد أن تصلح أمرها مع الطبيبة المتابعة لحالة سندس، لتبعد عن نفسها أي شبهة قد تحوم حولها في المستقبل. بالفعل، توجهت رقية لزيارة الطبيبة في عيادتها، وجلست معها متقمصة دور الخالة الحريصة والقلب النابض بالرحمة. بدأت تسرد عليها بقالب من الأسى المصطنع قصصًا مزعومة، وروايات معقدة وحكايات واهية عن فتاة وهمية من صنع خيالها الخصب؛ ادعت أنها قريبة لها تعاني أزمات صحية وظروفًا معيشية قاسية تشبه حالة سندس. كانت تلك الروايات في الحقيقة مجرد غطاء خبيث، واستدراج ذكي ومدروس لجر لسان الطبيبة، بهدف انتزاع أكبر كمية ممكنة من المعلومات الدقيقة حول ماهية تلك الحبوب المجهضة، وطريقة استخدامها، وجرعاتها الفتاكة، وآثارها على الرحم دون ترك أي دليل طبي يشير لفعل فاعل. ببراعة شديدة، نالت رقية بغيتها واستقت من الطبيبة كل التفاصيل التي تحتاجها لطبخ جريمتها.
53 تتمدد سندس على الفراش بجسدها المنهك، تقلب في هاتفها بآلية وعيناها تائهتان بين السطور، حين دلفت إليها والدتها منال وهي تجفف كفيها بمنديل قطني، لتردد بنبرة يغلفها التعب والحرص - أنا كدة خلصت كل حاجة ورايا يا سندس، وعملتلك كام أكلة حطيتهم في الثلاجة عشان مش هعرف أجيلك كل يوم الفترة الجاية.. أنتِ عارفة المدارس والدراسة بدأت والبيت هناك محتاجني. أومأت لها سندس برأسها بقلة حيلة تفهمًا لظروفها، لتستأنف منال حديثها وهي تقترب من الفراش وتدثر أطرافها بحنان - خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وخلي بالك بقى من اللي في بطنك.. أنتِ خلاص هتبدئي في الشهر الخامس أهو، يا مسهل الحال يا رب.. نفسي أشوف عيالك كدة ستة حواليكي يملوا عليكي الدنيا يا سوسو. أطلقت سندس ضحكات مكتومة متألمة خرجت من بين شفتيها كآهات مجروحة على حديث والدتها، ورددت بتهكم مرير - ياه يا ماما.. ستة؟ إحنا كدة هنعيد المأساة من تاني بقى تطلعت إليها منال بدهشة واستنكار ارتسما على ملامحها، وطالبتها بتفسير لجمتها الصادمة تلك، لكن سندس آثرت الصمت لثوانٍ؛ فهي تعلم يقينًا أنه لا فائدة من الحديث مع والدتها التي تتبنى الفكر القديم، ومقتنعة تما
52 دلف الأستاذ الجامعي وقور الهيئة بخطوات ثابتة وئيدة نحو المنصة في مقدمة المدرج، وما إن استقر في موضعه حتى خيّم صمت مطبق على الأرجاء، وتلاشت همهمات الطلاب تمامًا. تنحنح بوقار وبدأ حديثه بجدية حازمة مغلفة بنبرة ترحيبية - أهلاً بيكم جميعاً في سنة دراسية جديدة، أتمنى التوفيق والتميز فيها للجميع بإذن الله. أنا دكتور صفوت، اللي هكون معاكم ومسؤول عن المادة السنة دي، وأتمنى نكون متعاونين ولينين مع بعض لأقصى درجة. أول حاجة مطلوبة منكم عشان تقييم العملى هي عمل بحث علمي وافٍ في موضوع معين؛ المساعد بتاعي بيوزع عليكم أرقام دلوقتي، وبناءً عليها هختار رقمين عشوائيين، ودول اللي هيبقوا مشتركين مع بعض كفريق في إعداد البحث. تحرك المساعد بهدوء بين الصفوف يوزع قصاصات الأرقام، وما إن انتهى وعاد مكانه، حتى بدأ الدكتور في سحب الأرقام وإعلانها بصوته الجهوري. في تلك الأثناء، كانت وتين تجلس في مقعدها في حالة ترقب وتوتر، وتدعو الله في سرها باهتياج أن تكون صاحبة الرقم الآخر فتاة، وتمنت أكثر أن تكون صديقة تعرفها جيدًا لتبتعد عن حرج التعامل مع الغرباء. تطلعت إلى القصاصة التي بين يديها لتجد الرقم ثلاثة وثلاثون،
51 بينما كان خالد يجلس وسط دائرة من أصدقائه في مقهى يضج بصخب الأحاديث وضحكات الرجال، كان عقله كالعادة غائبًا، هائمًا في وادٍ آخر من الهموم والظنون التي تنهش رجولته وكبرياءه. فجأة، اخترق مسامعه صوت أحد الأصدقاء الجالسين وهو يرتشف من كوب شايّه، ويبدأ في سرد قصة شخصية بنبرة يملؤها الزهو - أنا يوم فرحي، البت اللي كنت مصاحبها وبحبها زمان قبل ما أتجوز، عملتلي عمل وربطتني؛ عشان تثبت لمراتي ليلة الدخلة إني مش راجل وأتفضّح قدام أهلها بس على مين؟.. تاني يوم الصبح أمي الله يكرمها قفشت الفولة، وجابتلي شيخ من بتوع ربنا، وفي قعدة واحدة فك العمل والربط، وتسع شهور بالتمام والكمال وكنت شايل ابني الكبير على إيدي والحمد لله نزلت الكلمات على مسامع خالد كالصاعقة، واهتزت لها أركان روحه الوجلة. انشدّ انتباهه بالكامل، وتسمرت عيناه على فم صديقه؛ وفي تلك اللحظة بالذات، ومضت في عقله صورة خالته نجلاء.... تذكر نظراتها الخبيثة، وكلماتها المسمومة التي لا تتوقف عن ترديدها في كل محفل، وتذكر كيف دبت المشاكل في حياته فجأة بعد زواجه. اندفع خالد يطرق الحديد وهو ساخن، وبدأ يطرح على صديقه أسئلة متلاحقة بلهفة وتوتر مفض
50 استيقظ أشرف في الصباح الباكر وثقل غريب يكبّل رأسه؛ جاهد طويلاً لفتح عينيه المنتفختين اللتين غزتهما حمرة التعاطي، وشعر بجفاف شديد في حلقه كأنه يتنفس رمادًا. حرك يده بآلية فوق الفراش ليمط جسده، فارتطمت كفه بجسد يرقد الغرفة إلى جواره. تطلع حوله بتعجب وذهول، والحطام المتبقي من ذاكرة الليلة الماضية لا يسعفه، ليتساءل بملامح متصلبة وهو يهتف باسمها بنبرة حادة - ريهام؟ انتفضت ريهام مفزوعة من نومها، وجلس بجسد يرتعش كعصفور بلله المطر. تطلعت إليه برعب حقيقي، متأملة هيئته الغاضبة العابثة وعينيه اللتين تطاير منهما الشرر، وأجابته بصوت متقطع وخوف لجم حنجرتها - نـ.. نعم يا أشرف؟ لم تلبث أن تستوعب ملامحه حتى تفاجأت به يزجرها بغضب وتشنج، ملقيًا بكلماته كالسياط - أنتِ مش كنتِ غُرتي وسبتِ البيت إمبارح؟ إيه اللي رجعك هنا تاني؟ ومين جابك؟ صمتت ريهام لثوانٍ ثقيلة، وتفرست في ملامحه المتبلدة لتعلم بيقين يمزق أمعاءها أنه في اليوم السابق لم يكن يعي من أمره شيئًا؛ كان مجرد جثة تحركها السموم والخمور التي تجرعها، ولا يتذكر من تنازله وهمجيته أو ضربه لها حرفًا واحدًا. ابتلعت ريقتها في ارتباك وخوف من نوبات ج
49 نهضت سيليا سريعًا من على الفراش، وكأن روحًا جديدة دُبّت في جسدها المنهك عقب سماعها تلك الجملة المباغتة من خالد. امتدت كفها المرتعشة تمسح بقايا الدموع عن وجنتيها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لكنها حقيقية؛ لقد استجاب الله لدعائها، وبعث لها بوالدها في أحلك لحظات انكسارها ليكون طوق النجاة. التفتت إلى خالد وأخبرته بنبرة متلهفة تحاول تجميع شتات نفسها أنها تحتاج دقائق معدودة وستكون جاهزة، فأومأ لها خالد برأسه في صمت كئيب، ثم خرج من الغرفة دون أي تعليق. توجهت سيليا نحو الحمام بخطى حثيثة، غسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ لهيب وجعها، ثم أسرعت تبدل ملابسها وتصفف شعرها المبعثر. وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها، وبأنامل مرتعشة وضعت بعض مساحيق التجميل، محاولةً باستماتة أن تواري بها الآثار الزرقاء والانتفاخ الشاحب الذي خلفه ضرب خالد الوحشي ليلة أمس؛ حتى لا يرى والدها انكسارها من اللحظة الأولى. بعد قليل، خرجت سيليا إلى الصالة والنبض يتسارع في صدرها، تقدمت لتلقي التحية على والدها واشتهت روحه ارتماءة كاملة بين أحضانه تعوضها عن جحيمها. لكنها ما إن اقتربت منه، حتى تجمدت أطرافها؛ إذ مدّ يد
عند وتين، كان الصمت يلف أرجاء الغرفة، خرقته نبرة صوت أيمن القادمة عبر مكبر الصوت في الهاتف، بينما جلست وتين بجوار شقيقها الأصغر تيم تتابع الحوار بملامح يكسوها الإحباط.كانوا يتناقشون حول المصير البائس الذي انتهت إليه سندس مؤخراً، وجاء رأي أيمن قاطعاً ومفعماً بالمرارة- سندس مجرد ضحية تانية لعائلتها
تمر السنوات سريعة كخطى الغرباء، تتبدل ملامح الوجوه، وتتسع الفجوات بين البيوت، لكنها لم تزد تلك الرابطة التي جمعت الفتيات الأربع إلا رسوخًا ومتانة؛ بقين كفًا واحدة تأبى أن تنفرط أصابعها رغم تبدل الفصول وقسوة الظروف.أما عن أيمن، فقد كان يواجه معركته الخاصة ليرمم أنقاض روحه، ولم تنقطع طوال تلك السنين
عند أيمن، كانت الأسرة تجتمع في الصالة بالخارج، يتقاسمون الضحكات والأحاديث والأطباق الدافئة، ولكن بدون أيمن.. كعادتهم المقيتة التي استمرت طوال السنوات الثلاث الماضية. حتى وجبات الطعام غدت طقسًا يمارسه وحيدًا خلف بابه المغلق؛ فقد رسخ في أعماقه يقين مرير بأنه كائن منبوذ، غريب عن نسلهم، ومطرود من جنة ق
كانت الجدران العتيقة لحي الأميرية تحمل في طياتها دفء زمنٍ مضى، لكنها في تلك الليلة لم تفلح في حماية براءة سيليا. في غرفتها الصغيرة، انكمشت الطفلة ذات السنوات الخمس، واحتضنت دميتها القماشية المهترئة كأنها تلوذ بها من إعصار الكلمات القادمة من ردهة المنزل.كان صوت زوجة أبيها يخترق الأبواب الخشبية، حاد







