Mag-log inفي شقة الطابق الثالث، تلاشت مساحات الأمان الضيقة كالعادة ليحل محلها صوت سمير الصارم.
وقف والد ريهام يتوسط ردهة المنزل بجسده المتصلب، يوجه إليها أوامر حاسمة مغلفة بجهلٍ وقسوة لا ترحم. كان يوبخها بعصبيته المعهودة، محملًا إياها ذنب صداقة عمرها، ناعتًا تلك العلاقة الطاهرة بالوصمة والعار. ارتجت جدران الشقة لصوته الخشن وهو يصيح في وجهها - البت دي تقطعي علاقتك بيها خالص وسيرة أيمن أو إيمان دي مسمعهاش في البيت... كفاية لحد كده العار اللي جلبتيهولنا بصحوبيتك ليها.. الواحد مبقاش عارف دي ولد ولا بنت... الناس بتاكل وشنا في الرايحة والجاية، ومش ناقص غير يقولوا بنتي بتمشي مع مسخ كالمرات السابقة، تجمد جسد ريهام النحيل أمام ثورته. لم تنطق بحرف، ولم تحاول حتى الدفاع عن رفيقة الطفولة؛ فالصوت في حضرتها محرم، والجدال تهمة عقابها وخيم. أومأت برأسها إيجابًا بحركة آلية منكسرة، وعيناها مثبتتان في الأرض تخفيان انكسارًا أعمق من كلمات والده. لكن خلف هذا الخنوع الظاهري، كان قلب ريهام يتمزق إربًا؛ اعتصرها الحزن والوجع على صديقتها التي تعيش أبشع محنة قد يمر بها إنسان. شعرت ريهام بكل نبرة خذلان عاشها أيمن، وودت لو تركض إليه، لو تخترق جدران شقته المظلمة لتخبره أنها معه ولن تتركه، لكنها كانت تقف هناك... مكتوفة الأيدي، محاصرة بقسوة والدها وجدران بيتها، لا تملك لصديق عمرها سوى دمعة حبيسة ودعاء خفي يخرج من بين حطام روحها. ✨✨✨✨✨✨✨ وفي شقة الطابق الأول، حيث يتكدس الصخب وتضيق المساحات، كان المشهد أكثر ابتذالاً وقسوة. جلس نبيل وسط عائلته المزدحمة، يتوسطهم كقائد جوقة، محولاً مأساة أيمن إلى مادة للتندر والفكاهة اليومية. تعالت الضحكات الساخرة والتهكمات الفظة في أرجاء الصالة، وهم يحللون بتفاهة ملامح الشاب الجديد، يسخرون من طريقة سيرته في الشارع، ويتهكمون على الملابس الرجالية التي يرتديها، واصفين إياه بعبارات تفتقر إلى أدنى درجات الإنسانية، متخبطين في جهلهم بهويته وحقيقة مرضه. وسط هذه الدائرة المعيبة، كانت سندس تقف منزوية، والدموع تملأ عينيها حتى كادت تحجب الرؤية عنها. كان كل تعليق ساخر يخرج من فم والدها أو إخوتها يقع على مسامعها كالسياط. اعتصر قلبها وجعًا على صديقتها المقربة؛ تذكرت غرفتهم السرية أسفل الدرج، تذكرت يدهم التي تشابكت مثل كف واحدة، وكيف أن الأيام التي دارت بهم سريعة لم ترحم ضعفهم. لم تكد سندس تبتلع غصتها، حتى التفتت إليها والدتها وعيناها تلمعان بوعيد حاد وقاطع. تقدمت منها، ورفعت إصبع السبابة في وجهها محذرة بنبرة جافة لا تقبل التراجع - بقولك إيه.. الواد ده لو عرفت إنك حتى بصيتيله من الشباك، أو رميتي عليه السلام، هقطم رقبتك... إحنا ناس على قدنا ومش ناقصين كلام الناس وقرفهم، فاهمة ولا لأ؟ نزلت الكلمات على روح سندس كالمقصلة. تطلعت إلى والدتها وعيناها تذرفان دموع الخذلان والقهر؛ دموعًا لم تكن على قسوة التحذير فحسب، بل على خيوط تلك الصداقة المتينة التي أصبحت ترى عقودها تتفلت وتتقطع أمام عينيها واحدًا تلو الآخر، بفعل جبروت الأهل وقسوة مجتمع لا يرى في الألم سوى أضحوكة. أومأت برأسها بصمت، ململمة حزنها، ومستسلمة لعجزها الذي بات يحرمها حتى من حق مواساة رفيقة عمرها. ✨✨✨✨✨✨✨✨ في شقة الجدة، لم تكن جدران البيت العتيق كافية لتمرير نسمة أمان واحدة لسيليا في ذلك اليوم؛ إذ أقبلت خالتها الكبرى، لا بدافع الاطمئنان، بل بدافع الفضول الجائع الذي ينهش في مآسي الآخرين، جالت بنظراتها في الأرجاء بعد أن راقبت صعود أيمن للدرج، ودلفت كعاصفة مسمومة ترمي بكلماتها الحادة مباشرة نحو قلب سيليا. وقفت الخالة الكبرى عاقدة ذراعيها، والتهكم يرتسم على ملامحها بوضوح، ووجهت لسيليا أسئلة مستفزة ومهينة، قائلة بنبرة تقطر خبثًا - قوليلي يا سيليا.. هو صاحبك ده كان طبيعي معاكم طول السنين اللي فاتت دي؟ ولا كان فيه حاجة غريبة وأنتوا مخبينها؟ ما أنتِ اللي كنتِ مقضية اليوم كله معاه تحت السلم وبرا البيت تلقّت سيليا الكلمات كطعنات متتالية في صدرها. تجمدت في مكانها، وعجز لسانها عن الرد؛ فالخوف القديم والوجع المكتوم منذ طفولتها شلّ أطرافها. لم تجد سلاحًا سوى الصمت، وعينين غائمتين تحبسان دموع القهر الخذلان، مستسلمة لتلك الوصلة من التقريع البارد كما اعتادت دائمًا أمام جبروت الكبار. لم تدم المواجهة الباردة طويلًا؛ إذ تدخلت الجدة بملامحها الواهنة المنهكة لتفض هذا النزاع الخفي، لكن صدمة سيليا الأكبر كانت في موقف جدتها؛ إذ التفتت إليها وأمرتها بنبرة حاسمة وصارمة بالابتعاد تمامًا عن ذلك الشاب، معتبرة أن قربه الآن بات وصمة عار تلتصق بكل من يمد إليه يده، خوفًا من ألسنة الحي التي لا ترحم. انكفأت سيليا على نفسها في زاوية الغرفة، وعقلها الصغير يدور في دوامة من التساؤلات الوجودية المريرة. لم تعد تدري مَن على حق في هذا العالم المشوه؟ هل هو والدها الذي تخلى عنها ببساطة، وألقى بها أمام باب جدتها ليعتبرها في تعداد الموتى من أجل إرضاء زوجته الأفعى وأطفالها الجدد، تاركًا إياها تنبت على هامش الحياة؟ أم خالتها الكبرى التي لا تتوقف عن قذفها بالكلمات المسمومة، وتكنّ لها كرهًا دفينًا لاعتقادها الأنانى بأن والد سيليا هو الأولى بتربيتها وتحمل نفقتها، وأن أموال الجدة وراتبها هما حق خالص لها ولأولادها بدلاً من إنفاقه على طفلة منبوذة؟ أم هذا المجتمع المريض الذي يتنمر على محنة صديق عمرها، ويحول مرضه وجراحته إلى أضحوكة، في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى يدٍ دافئة وسندٍ حقيقي ينتشله من بئر الضياع؟ وعلى النقيض تمامًا، وفي الطابق الخامس، كان المشهد يسطع بنور الإنسانية والنبل. في شقة وتين، لم يكن هناك مكان لجهل المجتمع أو خوفه من كلام الناس. كانت والدة وتين امرأة بقلبٍ وعقلٍ يزنان الأمور بميزان الرحمة؛ إذ جلست مع ابنتها واستمعت إلى تفاصيل مأساة تلك العائلة المفجوعة، وشعرت بحجم الإيذاء النفسي الذي يتعرض له أيمن خلف بابه المغلق. نهضت الأم بحسم، ونظرت إلى وتين قائلة بنبرة حانية قوية: البشر في المحنة مالهمش جنس ولا نوع يا وتين.. الإنسان إنسان، وجارنا في ضيقة ولازم نكون أول ناس نمد له إيدينا. أمسكت الأم بيد ابنتها، وتحركتا معًا نحو الأسفل، لتضربا بعرض الحائط كل حسابات الخوف والعار المزيف، متجوزتين جدران الصمت ليثبتا أن "كف اليد" التي بدأت بها وتين حكايتها، لن تنفرط أصابعها ما دام في الصدر قلب ينبض بالحق والوفاء. ✨✨✨✨✨✨✨ كانت الأيام الفائتة تمر كالجنازة الثقيلة داخل غرفته المظلمة. انزوى أيمن في ركن فراشه، مستسلمًا لظلامٍ دامس كاد يبتلعه بالكامل، حتى أشرف على الامتناع التام عن الطعام والشراب، راغبًا في التلاشي من عالمٍ لم يختر مكانه فيه. لولا وتين... لولا تلك اليد الطاهرة التي امتدت إليه عبر جدار اليأس، وظلت تتشبث به وتجبره على التنفس. كانت تزوره، تلح عليه، وتتقاسم معه مرارة الأيام بنبلٍ صلب، حتى استطاع بفضل إصرارها أن يتجاوز عنق الزجاجة، ويقنع نفسه بضرورة الخروج من شرنقة الاكتئاب القاتلة، والعودة إلى دراسته، خاصة مع اقتراب طرقات اختبارات نصف العام لطبولها. تحركت تروس الواقع؛ وبمساعدة نبيلة ومساعٍ حثيثة من والد وتين، الذي ساند والد أيمن في غمرة تشتته، تمكنوا من نقل أوراقه الرسمية وملفه الدراسي إلى مدرسة ثانوية للبنين. وفي الصباح الأول، وقف أيمن أمام بوابة مدرسته الجديدة. دلفت قدماه إلى فناء تعج فيه حياة لا يعرف عنها شيئًا. هنا، لا أحد يعلم هويته الماضية، ولا أحد يملك مفتاح سره الدفين؛ هو مجرد طالب جديد مجهول الملامح. لكن الصدمة كانت بانتظاره في الداخل. تطلع حوله بذعر مكتوم نحو هؤلاء الشباب الذين يتحركون ويمزحون بخشونة بالغة وجفافٍ غريب عليه، يستعرضون قواهم في الرايحة والجاية، ويقذفون في الهواء بألفاظ وقحة وشتائم فظة، كانت تقع على مسامع أيمن كالمطارق، فتخترق أذنه وتصيب روحه بأذى حاد لم يعتده طوال سنواته الخمس عشرة كفتاة في مدارس الفتيات. وجد نفسه فجأة في أتون مجتمع جديد تمامًا، بشفرات سلوكية مغايرة، وأشخاص يفيضون بالقسوة، وصحبة مرتقبة لا يملك تجاهها أدنى دليل معرفة. تجربة مرعبة يخوضها بجسد شاب، ولكن بقلبٍ ممزق تنبش في داخله صراعات وجودية عاتية، تكاد تحيل روحه إلى أشلاء مبعثرة. صراعات بين ما كان عليه وما يجب أن يكونه الآن، صراعات لا يملك أحد في هذا الفناء الواسع القدرة على تخيل حجم معاناتها أو لمس عمق جراحها... سوى شخص واحد يواجه الكون بمفرده، وهو أيمن.54 سيطرت المخاوف والظنون على عقيلة رقية؛ فباتت تخشى إنكشاف أمرها ووقوع عين جمال أو أحد الأطباء على غايتها الملعونة. وأمام هذا التوجس، قررت بمرونة الأفاعي أن تؤجل نيتها في التخلص من جنين سندس قليلاً، حتى تهدأ الأجواء وتنسج خيوط مكرها بإحكام أشد. تطلّب مخططها الجديد أن تصلح أمرها مع الطبيبة المتابعة لحالة سندس، لتبعد عن نفسها أي شبهة قد تحوم حولها في المستقبل. بالفعل، توجهت رقية لزيارة الطبيبة في عيادتها، وجلست معها متقمصة دور الخالة الحريصة والقلب النابض بالرحمة. بدأت تسرد عليها بقالب من الأسى المصطنع قصصًا مزعومة، وروايات معقدة وحكايات واهية عن فتاة وهمية من صنع خيالها الخصب؛ ادعت أنها قريبة لها تعاني أزمات صحية وظروفًا معيشية قاسية تشبه حالة سندس. كانت تلك الروايات في الحقيقة مجرد غطاء خبيث، واستدراج ذكي ومدروس لجر لسان الطبيبة، بهدف انتزاع أكبر كمية ممكنة من المعلومات الدقيقة حول ماهية تلك الحبوب المجهضة، وطريقة استخدامها، وجرعاتها الفتاكة، وآثارها على الرحم دون ترك أي دليل طبي يشير لفعل فاعل. ببراعة شديدة، نالت رقية بغيتها واستقت من الطبيبة كل التفاصيل التي تحتاجها لطبخ جريمتها.
53 تتمدد سندس على الفراش بجسدها المنهك، تقلب في هاتفها بآلية وعيناها تائهتان بين السطور، حين دلفت إليها والدتها منال وهي تجفف كفيها بمنديل قطني، لتردد بنبرة يغلفها التعب والحرص - أنا كدة خلصت كل حاجة ورايا يا سندس، وعملتلك كام أكلة حطيتهم في الثلاجة عشان مش هعرف أجيلك كل يوم الفترة الجاية.. أنتِ عارفة المدارس والدراسة بدأت والبيت هناك محتاجني. أومأت لها سندس برأسها بقلة حيلة تفهمًا لظروفها، لتستأنف منال حديثها وهي تقترب من الفراش وتدثر أطرافها بحنان - خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وخلي بالك بقى من اللي في بطنك.. أنتِ خلاص هتبدئي في الشهر الخامس أهو، يا مسهل الحال يا رب.. نفسي أشوف عيالك كدة ستة حواليكي يملوا عليكي الدنيا يا سوسو. أطلقت سندس ضحكات مكتومة متألمة خرجت من بين شفتيها كآهات مجروحة على حديث والدتها، ورددت بتهكم مرير - ياه يا ماما.. ستة؟ إحنا كدة هنعيد المأساة من تاني بقى تطلعت إليها منال بدهشة واستنكار ارتسما على ملامحها، وطالبتها بتفسير لجمتها الصادمة تلك، لكن سندس آثرت الصمت لثوانٍ؛ فهي تعلم يقينًا أنه لا فائدة من الحديث مع والدتها التي تتبنى الفكر القديم، ومقتنعة تما
52 دلف الأستاذ الجامعي وقور الهيئة بخطوات ثابتة وئيدة نحو المنصة في مقدمة المدرج، وما إن استقر في موضعه حتى خيّم صمت مطبق على الأرجاء، وتلاشت همهمات الطلاب تمامًا. تنحنح بوقار وبدأ حديثه بجدية حازمة مغلفة بنبرة ترحيبية - أهلاً بيكم جميعاً في سنة دراسية جديدة، أتمنى التوفيق والتميز فيها للجميع بإذن الله. أنا دكتور صفوت، اللي هكون معاكم ومسؤول عن المادة السنة دي، وأتمنى نكون متعاونين ولينين مع بعض لأقصى درجة. أول حاجة مطلوبة منكم عشان تقييم العملى هي عمل بحث علمي وافٍ في موضوع معين؛ المساعد بتاعي بيوزع عليكم أرقام دلوقتي، وبناءً عليها هختار رقمين عشوائيين، ودول اللي هيبقوا مشتركين مع بعض كفريق في إعداد البحث. تحرك المساعد بهدوء بين الصفوف يوزع قصاصات الأرقام، وما إن انتهى وعاد مكانه، حتى بدأ الدكتور في سحب الأرقام وإعلانها بصوته الجهوري. في تلك الأثناء، كانت وتين تجلس في مقعدها في حالة ترقب وتوتر، وتدعو الله في سرها باهتياج أن تكون صاحبة الرقم الآخر فتاة، وتمنت أكثر أن تكون صديقة تعرفها جيدًا لتبتعد عن حرج التعامل مع الغرباء. تطلعت إلى القصاصة التي بين يديها لتجد الرقم ثلاثة وثلاثون،
51 بينما كان خالد يجلس وسط دائرة من أصدقائه في مقهى يضج بصخب الأحاديث وضحكات الرجال، كان عقله كالعادة غائبًا، هائمًا في وادٍ آخر من الهموم والظنون التي تنهش رجولته وكبرياءه. فجأة، اخترق مسامعه صوت أحد الأصدقاء الجالسين وهو يرتشف من كوب شايّه، ويبدأ في سرد قصة شخصية بنبرة يملؤها الزهو - أنا يوم فرحي، البت اللي كنت مصاحبها وبحبها زمان قبل ما أتجوز، عملتلي عمل وربطتني؛ عشان تثبت لمراتي ليلة الدخلة إني مش راجل وأتفضّح قدام أهلها بس على مين؟.. تاني يوم الصبح أمي الله يكرمها قفشت الفولة، وجابتلي شيخ من بتوع ربنا، وفي قعدة واحدة فك العمل والربط، وتسع شهور بالتمام والكمال وكنت شايل ابني الكبير على إيدي والحمد لله نزلت الكلمات على مسامع خالد كالصاعقة، واهتزت لها أركان روحه الوجلة. انشدّ انتباهه بالكامل، وتسمرت عيناه على فم صديقه؛ وفي تلك اللحظة بالذات، ومضت في عقله صورة خالته نجلاء.... تذكر نظراتها الخبيثة، وكلماتها المسمومة التي لا تتوقف عن ترديدها في كل محفل، وتذكر كيف دبت المشاكل في حياته فجأة بعد زواجه. اندفع خالد يطرق الحديد وهو ساخن، وبدأ يطرح على صديقه أسئلة متلاحقة بلهفة وتوتر مفض
50 استيقظ أشرف في الصباح الباكر وثقل غريب يكبّل رأسه؛ جاهد طويلاً لفتح عينيه المنتفختين اللتين غزتهما حمرة التعاطي، وشعر بجفاف شديد في حلقه كأنه يتنفس رمادًا. حرك يده بآلية فوق الفراش ليمط جسده، فارتطمت كفه بجسد يرقد الغرفة إلى جواره. تطلع حوله بتعجب وذهول، والحطام المتبقي من ذاكرة الليلة الماضية لا يسعفه، ليتساءل بملامح متصلبة وهو يهتف باسمها بنبرة حادة - ريهام؟ انتفضت ريهام مفزوعة من نومها، وجلس بجسد يرتعش كعصفور بلله المطر. تطلعت إليه برعب حقيقي، متأملة هيئته الغاضبة العابثة وعينيه اللتين تطاير منهما الشرر، وأجابته بصوت متقطع وخوف لجم حنجرتها - نـ.. نعم يا أشرف؟ لم تلبث أن تستوعب ملامحه حتى تفاجأت به يزجرها بغضب وتشنج، ملقيًا بكلماته كالسياط - أنتِ مش كنتِ غُرتي وسبتِ البيت إمبارح؟ إيه اللي رجعك هنا تاني؟ ومين جابك؟ صمتت ريهام لثوانٍ ثقيلة، وتفرست في ملامحه المتبلدة لتعلم بيقين يمزق أمعاءها أنه في اليوم السابق لم يكن يعي من أمره شيئًا؛ كان مجرد جثة تحركها السموم والخمور التي تجرعها، ولا يتذكر من تنازله وهمجيته أو ضربه لها حرفًا واحدًا. ابتلعت ريقتها في ارتباك وخوف من نوبات ج
49 نهضت سيليا سريعًا من على الفراش، وكأن روحًا جديدة دُبّت في جسدها المنهك عقب سماعها تلك الجملة المباغتة من خالد. امتدت كفها المرتعشة تمسح بقايا الدموع عن وجنتيها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لكنها حقيقية؛ لقد استجاب الله لدعائها، وبعث لها بوالدها في أحلك لحظات انكسارها ليكون طوق النجاة. التفتت إلى خالد وأخبرته بنبرة متلهفة تحاول تجميع شتات نفسها أنها تحتاج دقائق معدودة وستكون جاهزة، فأومأ لها خالد برأسه في صمت كئيب، ثم خرج من الغرفة دون أي تعليق. توجهت سيليا نحو الحمام بخطى حثيثة، غسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ لهيب وجعها، ثم أسرعت تبدل ملابسها وتصفف شعرها المبعثر. وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها، وبأنامل مرتعشة وضعت بعض مساحيق التجميل، محاولةً باستماتة أن تواري بها الآثار الزرقاء والانتفاخ الشاحب الذي خلفه ضرب خالد الوحشي ليلة أمس؛ حتى لا يرى والدها انكسارها من اللحظة الأولى. بعد قليل، خرجت سيليا إلى الصالة والنبض يتسارع في صدرها، تقدمت لتلقي التحية على والدها واشتهت روحه ارتماءة كاملة بين أحضانه تعوضها عن جحيمها. لكنها ما إن اقتربت منه، حتى تجمدت أطرافها؛ إذ مدّ يد
عند وتين، كان الصمت يلف أرجاء الغرفة، خرقته نبرة صوت أيمن القادمة عبر مكبر الصوت في الهاتف، بينما جلست وتين بجوار شقيقها الأصغر تيم تتابع الحوار بملامح يكسوها الإحباط.كانوا يتناقشون حول المصير البائس الذي انتهت إليه سندس مؤخراً، وجاء رأي أيمن قاطعاً ومفعماً بالمرارة- سندس مجرد ضحية تانية لعائلتها
تجمعت الصديقات حول سندس في حلقة دافئة، يحاولن انتشالها من تلك الحالة الهامدة التي تملكتها منذ أن جرتها قدماها إليهن.دثرتها ريهام بين ذراعيها، واحتوتها في عناق صامت طويل علّه يرمم بعضاً من شتاتها. أما سندس، فكانت غارقة في بحر من الأسئلة المريرة.... كيف يملك الآباء هذه القدرة على تفصيل مصائرنا وفق م
عند أيمن، كانت الأسرة تجتمع في الصالة بالخارج، يتقاسمون الضحكات والأحاديث والأطباق الدافئة، ولكن بدون أيمن.. كعادتهم المقيتة التي استمرت طوال السنوات الثلاث الماضية. حتى وجبات الطعام غدت طقسًا يمارسه وحيدًا خلف بابه المغلق؛ فقد رسخ في أعماقه يقين مرير بأنه كائن منبوذ، غريب عن نسلهم، ومطرود من جنة ق
كانت الجدران العتيقة لحي الأميرية تحمل في طياتها دفء زمنٍ مضى، لكنها في تلك الليلة لم تفلح في حماية براءة سيليا. في غرفتها الصغيرة، انكمشت الطفلة ذات السنوات الخمس، واحتضنت دميتها القماشية المهترئة كأنها تلوذ بها من إعصار الكلمات القادمة من ردهة المنزل.كان صوت زوجة أبيها يخترق الأبواب الخشبية، حاد







