Share

البارت السادس

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-18 20:05:41

في صالة المنزل، كان سمير يجلس دافنًا جسده في مقعده العتيق، قبالة شقيقه الأكبر الذي كان وجهه يفيض حنقًا وغيظًا وهو ينفث تفاصيل خيبته في ابنه البكر. كان العم يصف ابنه بكلمات حارقة، ناعتًا إياه بالفساد، والعقوق، والركض الأعمى خلف شهواته ونزواته الطائشة التي باتت تزكم الأنوف.

أما سمير، فقد انبرى بكل هدوء يربت على كتف شقيقه، محاولاً إخماد ثورته بنبرة باردة ووعظية، مجتهدًا في إيجاد مبررات تسند نزق الفتى، حيث قال له محاولاً مواساته

- اهدى بس يا أخويا وماتزعلش نفسك.. مهما عمل هو في النهاية راجل، والراجل ما يعيبوش إلا جيبه.. طيش شباب وهيعدي، بكرة يتجوز ويعقل.

كان سمير يستميت في الدفاع عن ابن أخيه الفاسد، يغسل خطاياه بعباءة الرجولة المطاطة، بينما كانت ريهام تقبع خلف باب غرفتها الموارب، تستمع إلى جبال التناقض التي يلقيها والدها في الخارج.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة تهكم مريرة؛ تذكرت كيف كان منذ قليل يزلزل جدران البيت بالصراخ في وجهها، محولاً مرض جارهم النقي وعذابه إلى عار كاد يقتلها به، وكيف أن خطأ الفتاة في عرفه خطيئة لا تُغتفر، وصداقتها تهمة تستوجب السجن. بكت داخلها وهي ترى في عقلية والدها نسخة مصغرة وممسوخة من مجتمع مريض؛ مجتمع يبرع في صياغة الأعذار للرجل مهما بلغت دناءة أفعاله، فاتحًا له أبواب الغفران على مصراعيها بحجة سمجة واحدة: "أصل مفيش راجل بيتعاب". بينما تُحاصر المرأة من مهدها، وتُفتش نواياها، وتُحسب أنفاسها كخطايا وعيوب متحركة تهدد شرف العائلة.

شعرت ريهام بحبل غير مرئي يلتف حول عنقها، واجتاحها ضيق تنفس حاد بمجرد التفكير في هذا الواقع الخانق. أدركت، بيقين مرعب، أنها ستظل طيلة عمرها ترسًا يدور داخل زنزانة قضبانها تُسمى "الرجل". سجن أبدي لا مهرب منه؛ رجل يحكم قبضته عليها داخل المنزل وهو والدها، وإذا ما فكرت يومًا بالخروج أو التحرر، لن تسير سوى نحو سجان آخر ينتظرها على أعتاب باب آخر، زوج لن يختلف في قسوته وعقليته المتحجرة عن أبيها كثيرًا.

تداعت قواها أمام هذا السقف المنخفض من الأحلام. لم تجد مفرًا من هذه المأساة سوى أن تحني قوامها النحيل، وتضع رأسها المثقل بالهموم على سطح المنضدة الخشبية التي تتكدس فوقها كتب دراستها. أغمضت عينيها بقوة، هاربة من واقعها الأليم، باحثة عن رمق أمان مفقود في عتمة النوم.

✨✨✨✨✨✨✨✨

عندما يكون الأساس سليمًا، ينشأ بنيانٌ جيد، صلب، يتحدى الرياح والزمن. وعلى النقيض تمامًا، عندما يكون ذلك الأساس هشًا، مشروخًا وضعيفًا، يرتفع فوقه مبنى متداعٍ، تتأرجح جدرانه مع أول صدمة، ويكون سقوطه ومحو أثره من الأرض مسألة وقت لا أكثر.

في الطريق إلى درس المجموعة الخاصة بإحدى المواد الدراسية، كان كل من وتين وأيمن يسيران جنبًا إلى جنب. كانت وتين تمشي بخطوات هادئة، لكن حواسها كلها كانت معلقة بالاضطراب العنيف الذي يلتهم أيمن من الداخل. كانت تشعر بأنفاسه المتقطعة، وتدرك حجم الصراع الكامن في صدر شاب عاش خمسة عشر عامًا بكامل تفاصيلها كأنثى؛ فهو الآن يقف في بقعة رمادية، على الحياد القاتل، نقطة عمياء لا يملك فيها الرجوع لاستكمال حياته السابقة كفتاة، ولا تقوى روحه على التأقلم والاندماج في قالبه الجديد كذكر.

قطع أيمن حبل الصمت الممتد بينهما، وبدأ يقص عليها بمرارة تلك الاختلافات الحادة بين عالم الذكور والإناث، مستعرضًا العوائق النفسية والاجتماعية التي تلاحقه كظله في تفاصيل يومه الجديد، ثم قال بنبرة يغلفها الإحباط والملل من المحاولة

- مش عارف أوصفلك شعوري يا وتين.. بس في فرق مرعب وكبير جدًا بين حياة البنت وحياة الولد. حاسس إني تايه في النص.. مش عارف أتأقلم مع شكلي الجديد ولا اسمي، مش عارف أكون صداقات في المدرسة، ولا فاهم الطريقة اللي الولاد بيتعاملوا بيها مع بعض.. أنا حاسس إني بغرق، بغرق بجد ومفيش قشّة أتعلق بيها.

استرسل في حديثه يفرغ شحن الوجع، ووتين تستمع بنبل وعينيها تفيضان بالأسى، حتى وصلا معًا إلى مقر "المجموعة". تراجع صوت أيمن، لكن الكلمات ظلت تدوي في رأس وتين التي جلست شاردة، غارقة في تفاصيل معاناته الوجودية تلك. كانت تفكر بحزن في أن أيمن بحاجة ماسة إلى يدٍ حقيقية، يدٍ صلبة ودافئة تعينه على العبور وتجاوز تلك المحنة التي تفوق طاقة بشر.

ولكن، من أين ستأتي تلك اليد؟ فأسرته التي من المفترض أن تكون الدرع والأساس، لا تزال حتى هذه اللحظة تنظر إليه بنفور، وتصفه خلف الأبواب المغلقة بأنه "عار" تمنوا لو لم يولد، وفي الشارع والدروب لا يملك ذلك الصديق الصدوق الذي يأتمنه على سره الكبير، ويستند عليه دون خوف من لوم أو فضيحة.

✨✨✨✨✨✨✨

عند سيليا، كانت الأيام تمر ثقيلة، بطيئة، كأنها تسحب خلفها جبالاً من الانتظار، حتى جاء اليوم المشهود وعادت جدتها أخيرًا إلى منزلها العتيق. ما إن وطأت قدم الجدة عتبة البيت، حتى ارتمت سيليا بين أحضانها بلهفة طفل أُعيد إلى أمه، دافنةً رأسها في صدرها الدافئ، كأنها تستمد من رائحتها رمق الحياة؛ هناك فقط، في هذا الحضن، تيقنت سيليا أن هذه العجوز الطيبة هي سندها الحقيقي والوحيد في هذا العالم، بجانب خالتها الصغرى رانيا التي كانت بمثابة بلسم لجراحها.

تمددت سيليا على الفراش بجوار جدتها، متشبثة بطرف ثوبها، وكأنها تخشى أن تفلتها الأيام وتفقدها مرة أخرى إن هي ابتعدت عنها شبرًا واحدًا. لكن مساحات الطمأنينة في حياة سيليا كانت دائمًا مستهدفة؛ إذ لم يتحمل قلب خالتها الكبرى رؤية هذا المشهد الدافئ، فتطلعت إليهما بنظرات يملؤها الغيظ والغضب، ونهرت سيليا بقسوة بالغة قائلة بعصبية تقطر حقدًا

- ما تبعدي عنها بقى وارحميها شوية.... الست لسه خارجة من المستشفى وتعبانة، مش حمل خنقتك دي

نزلت الكلمات كالسوط على روح سيليا، لكنها هذه المرة لم تمر بسلام؛ إذ لم تتحمل الجدة الواهنة قسوة ابنتها الكبرى على الطفلة المنبوذة، فانتفضت تدافع عنها، لتنشب من هنا مشادة حادة وعنيفة بين الجدة وابنتها. وفي فوران الغضب وثورته، انفجرت الخالة الكبرى لتزيح القناع عن وجهها تمامًا، وتفصح علانية عن كرهها الدفين وغيرتها القاتلة من سيليا، معتبرة إياها عالة تلتهم اهتمام الجدة وأموالها التي ترى أنها حق خالص لها ولأولادها.

أمام هذا الفجور في الخصومة والجحود، ضاقت الجدة ذرعًا بابنتها، وأشارت لها بحسم زلزل الغرفة، طاردة إياها خارج البيت دون رجعة.

في تلك الأثناء، كانت سيليا قد دخلت في حالة من الانهيار التام؛ جثت على ركبتيها وجسدها النحيل يتنافض من شدة البكاء، والدموع تحرق وجنتيها في نوبة هلع مريرة. ولم ينقذها من بئر هذا الانهيار سوى اندفاع خالتها الصغرى "رانيا" التي دنت منها كطوق نجاة، وضمتها إلى صدرها بلهفة، محاولةً تهدئتها بكلمات حانية وتمسح على رأسها بارتعاش.

لكن رانيا لم تكن تعلم أن الجرح هذه المرة كان أعمق بكثير مما تظن؛ لم يكن جرحًا عابرًا تداويه الكلمات، بل كان شرخًا غائرًا ومخفيًا في أعمق نقطة من كيان سيليا، شرخًا ترك وراءه روحًا ممزقة بالكامل، وقلبًا داميًا ينزف بصمت أمام قسوة أقرب الناس إليها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • دموع تطفئ العشق    54

    54 سيطرت المخاوف والظنون على عقيلة رقية؛ فباتت تخشى إنكشاف أمرها ووقوع عين جمال أو أحد الأطباء على غايتها الملعونة. وأمام هذا التوجس، قررت بمرونة الأفاعي أن تؤجل نيتها في التخلص من جنين سندس قليلاً، حتى تهدأ الأجواء وتنسج خيوط مكرها بإحكام أشد. تطلّب مخططها الجديد أن تصلح أمرها مع الطبيبة المتابعة لحالة سندس، لتبعد عن نفسها أي شبهة قد تحوم حولها في المستقبل. بالفعل، توجهت رقية لزيارة الطبيبة في عيادتها، وجلست معها متقمصة دور الخالة الحريصة والقلب النابض بالرحمة. بدأت تسرد عليها بقالب من الأسى المصطنع قصصًا مزعومة، وروايات معقدة وحكايات واهية عن فتاة وهمية من صنع خيالها الخصب؛ ادعت أنها قريبة لها تعاني أزمات صحية وظروفًا معيشية قاسية تشبه حالة سندس. كانت تلك الروايات في الحقيقة مجرد غطاء خبيث، واستدراج ذكي ومدروس لجر لسان الطبيبة، بهدف انتزاع أكبر كمية ممكنة من المعلومات الدقيقة حول ماهية تلك الحبوب المجهضة، وطريقة استخدامها، وجرعاتها الفتاكة، وآثارها على الرحم دون ترك أي دليل طبي يشير لفعل فاعل. ببراعة شديدة، نالت رقية بغيتها واستقت من الطبيبة كل التفاصيل التي تحتاجها لطبخ جريمتها.

  • دموع تطفئ العشق    53

    53 تتمدد سندس على الفراش بجسدها المنهك، تقلب في هاتفها بآلية وعيناها تائهتان بين السطور، حين دلفت إليها والدتها منال وهي تجفف كفيها بمنديل قطني، لتردد بنبرة يغلفها التعب والحرص - أنا كدة خلصت كل حاجة ورايا يا سندس، وعملتلك كام أكلة حطيتهم في الثلاجة عشان مش هعرف أجيلك كل يوم الفترة الجاية.. أنتِ عارفة المدارس والدراسة بدأت والبيت هناك محتاجني. أومأت لها سندس برأسها بقلة حيلة تفهمًا لظروفها، لتستأنف منال حديثها وهي تقترب من الفراش وتدثر أطرافها بحنان - خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وخلي بالك بقى من اللي في بطنك.. أنتِ خلاص هتبدئي في الشهر الخامس أهو، يا مسهل الحال يا رب.. نفسي أشوف عيالك كدة ستة حواليكي يملوا عليكي الدنيا يا سوسو. أطلقت سندس ضحكات مكتومة متألمة خرجت من بين شفتيها كآهات مجروحة على حديث والدتها، ورددت بتهكم مرير - ياه يا ماما.. ستة؟ إحنا كدة هنعيد المأساة من تاني بقى تطلعت إليها منال بدهشة واستنكار ارتسما على ملامحها، وطالبتها بتفسير لجمتها الصادمة تلك، لكن سندس آثرت الصمت لثوانٍ؛ فهي تعلم يقينًا أنه لا فائدة من الحديث مع والدتها التي تتبنى الفكر القديم، ومقتنعة تما

  • دموع تطفئ العشق    52

    52 دلف الأستاذ الجامعي وقور الهيئة بخطوات ثابتة وئيدة نحو المنصة في مقدمة المدرج، وما إن استقر في موضعه حتى خيّم صمت مطبق على الأرجاء، وتلاشت همهمات الطلاب تمامًا. تنحنح بوقار وبدأ حديثه بجدية حازمة مغلفة بنبرة ترحيبية - أهلاً بيكم جميعاً في سنة دراسية جديدة، أتمنى التوفيق والتميز فيها للجميع بإذن الله. أنا دكتور صفوت، اللي هكون معاكم ومسؤول عن المادة السنة دي، وأتمنى نكون متعاونين ولينين مع بعض لأقصى درجة. أول حاجة مطلوبة منكم عشان تقييم العملى هي عمل بحث علمي وافٍ في موضوع معين؛ المساعد بتاعي بيوزع عليكم أرقام دلوقتي، وبناءً عليها هختار رقمين عشوائيين، ودول اللي هيبقوا مشتركين مع بعض كفريق في إعداد البحث. تحرك المساعد بهدوء بين الصفوف يوزع قصاصات الأرقام، وما إن انتهى وعاد مكانه، حتى بدأ الدكتور في سحب الأرقام وإعلانها بصوته الجهوري. في تلك الأثناء، كانت وتين تجلس في مقعدها في حالة ترقب وتوتر، وتدعو الله في سرها باهتياج أن تكون صاحبة الرقم الآخر فتاة، وتمنت أكثر أن تكون صديقة تعرفها جيدًا لتبتعد عن حرج التعامل مع الغرباء. تطلعت إلى القصاصة التي بين يديها لتجد الرقم ثلاثة وثلاثون،

  • دموع تطفئ العشق    51

    51 بينما كان خالد يجلس وسط دائرة من أصدقائه في مقهى يضج بصخب الأحاديث وضحكات الرجال، كان عقله كالعادة غائبًا، هائمًا في وادٍ آخر من الهموم والظنون التي تنهش رجولته وكبرياءه. فجأة، اخترق مسامعه صوت أحد الأصدقاء الجالسين وهو يرتشف من كوب شايّه، ويبدأ في سرد قصة شخصية بنبرة يملؤها الزهو - أنا يوم فرحي، البت اللي كنت مصاحبها وبحبها زمان قبل ما أتجوز، عملتلي عمل وربطتني؛ عشان تثبت لمراتي ليلة الدخلة إني مش راجل وأتفضّح قدام أهلها بس على مين؟.. تاني يوم الصبح أمي الله يكرمها قفشت الفولة، وجابتلي شيخ من بتوع ربنا، وفي قعدة واحدة فك العمل والربط، وتسع شهور بالتمام والكمال وكنت شايل ابني الكبير على إيدي والحمد لله نزلت الكلمات على مسامع خالد كالصاعقة، واهتزت لها أركان روحه الوجلة. انشدّ انتباهه بالكامل، وتسمرت عيناه على فم صديقه؛ وفي تلك اللحظة بالذات، ومضت في عقله صورة خالته نجلاء.... تذكر نظراتها الخبيثة، وكلماتها المسمومة التي لا تتوقف عن ترديدها في كل محفل، وتذكر كيف دبت المشاكل في حياته فجأة بعد زواجه. اندفع خالد يطرق الحديد وهو ساخن، وبدأ يطرح على صديقه أسئلة متلاحقة بلهفة وتوتر مفض

  • دموع تطفئ العشق    50

    50 استيقظ أشرف في الصباح الباكر وثقل غريب يكبّل رأسه؛ جاهد طويلاً لفتح عينيه المنتفختين اللتين غزتهما حمرة التعاطي، وشعر بجفاف شديد في حلقه كأنه يتنفس رمادًا. حرك يده بآلية فوق الفراش ليمط جسده، فارتطمت كفه بجسد يرقد الغرفة إلى جواره. تطلع حوله بتعجب وذهول، والحطام المتبقي من ذاكرة الليلة الماضية لا يسعفه، ليتساءل بملامح متصلبة وهو يهتف باسمها بنبرة حادة - ريهام؟ انتفضت ريهام مفزوعة من نومها، وجلس بجسد يرتعش كعصفور بلله المطر. تطلعت إليه برعب حقيقي، متأملة هيئته الغاضبة العابثة وعينيه اللتين تطاير منهما الشرر، وأجابته بصوت متقطع وخوف لجم حنجرتها - نـ.. نعم يا أشرف؟ لم تلبث أن تستوعب ملامحه حتى تفاجأت به يزجرها بغضب وتشنج، ملقيًا بكلماته كالسياط - أنتِ مش كنتِ غُرتي وسبتِ البيت إمبارح؟ إيه اللي رجعك هنا تاني؟ ومين جابك؟ صمتت ريهام لثوانٍ ثقيلة، وتفرست في ملامحه المتبلدة لتعلم بيقين يمزق أمعاءها أنه في اليوم السابق لم يكن يعي من أمره شيئًا؛ كان مجرد جثة تحركها السموم والخمور التي تجرعها، ولا يتذكر من تنازله وهمجيته أو ضربه لها حرفًا واحدًا. ابتلعت ريقتها في ارتباك وخوف من نوبات ج

  • دموع تطفئ العشق    49

    49 نهضت سيليا سريعًا من على الفراش، وكأن روحًا جديدة دُبّت في جسدها المنهك عقب سماعها تلك الجملة المباغتة من خالد. امتدت كفها المرتعشة تمسح بقايا الدموع عن وجنتيها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لكنها حقيقية؛ لقد استجاب الله لدعائها، وبعث لها بوالدها في أحلك لحظات انكسارها ليكون طوق النجاة. التفتت إلى خالد وأخبرته بنبرة متلهفة تحاول تجميع شتات نفسها أنها تحتاج دقائق معدودة وستكون جاهزة، فأومأ لها خالد برأسه في صمت كئيب، ثم خرج من الغرفة دون أي تعليق. توجهت سيليا نحو الحمام بخطى حثيثة، غسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ لهيب وجعها، ثم أسرعت تبدل ملابسها وتصفف شعرها المبعثر. وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها، وبأنامل مرتعشة وضعت بعض مساحيق التجميل، محاولةً باستماتة أن تواري بها الآثار الزرقاء والانتفاخ الشاحب الذي خلفه ضرب خالد الوحشي ليلة أمس؛ حتى لا يرى والدها انكسارها من اللحظة الأولى. بعد قليل، خرجت سيليا إلى الصالة والنبض يتسارع في صدرها، تقدمت لتلقي التحية على والدها واشتهت روحه ارتماءة كاملة بين أحضانه تعوضها عن جحيمها. لكنها ما إن اقتربت منه، حتى تجمدت أطرافها؛ إذ مدّ يد

  • دموع تطفئ العشق    البارت السابع

    تمر السنوات سريعة كخطى الغرباء، تتبدل ملامح الوجوه، وتتسع الفجوات بين البيوت، لكنها لم تزد تلك الرابطة التي جمعت الفتيات الأربع إلا رسوخًا ومتانة؛ بقين كفًا واحدة تأبى أن تنفرط أصابعها رغم تبدل الفصول وقسوة الظروف.أما عن أيمن، فقد كان يواجه معركته الخاصة ليرمم أنقاض روحه، ولم تنقطع طوال تلك السنين

  • دموع تطفئ العشق    البارت الخامس

    في شقة الطابق الثالث، تلاشت مساحات الأمان الضيقة كالعادة ليحل محلها صوت سمير الصارم.وقف والد ريهام يتوسط ردهة المنزل بجسده المتصلب، يوجه إليها أوامر حاسمة مغلفة بجهلٍ وقسوة لا ترحم. كان يوبخها بعصبيته المعهودة، محملًا إياها ذنب صداقة عمرها، ناعتًا تلك العلاقة الطاهرة بالوصمة والعار. ارتجت جدران ال

  • دموع تطفئ العشق    البارت الرابع

    داخل جدران الفصل الدراسي، كانت الهمهمات والضحكات المكتومة تتصاعد من المقاعد الخلفية، بينما تجلس إيمان في المقعد الأوسط، تتوسط سيليا ووتين كمن يحتمي بجدارين من الأمان. كان صوت المعلمة يتردد في أرجاء القاعة وهي تشرح تفاصيل "الجهاز التناسلي للأنثى"، لكن الكلمات لم تكن لتمر على مسامع إيمان كدرس عادي. ك

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثالث

    فتحت إيمان باب الشقة بهدوء، يسبقها أمل ضئيل في أن تجد صدرًا رحبًا يستمع إليها في نهاية هذا العام الدراسي الشاق. رأت والدتها تقف في الردهة، فألقت عليها التحية بنبرة حانية محبة، لكن الأم التفتت إليها بوجه متجهم وملامح جامدة لم تحمل أي دفء، وردت بتحية مقتضبة وجافة قبل أن توليها ظهرها وتدلف إلى المطبخ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status