Home / مافيا / رجال الظل / الفصل الثالث: أول شرارة

Share

الفصل الثالث: أول شرارة

Author: الصياد
last update publish date: 2026-06-17 08:01:59

في الوقت الذي كانت فيه قاعة الطعام تتحول إلى ساحة حرب، كان العنبر الشرقي يعيش فوضى أخرى لا تقل خطورة.

وقف ياسين في منتصف الممر الطويل.

وحوله ستة رجال من عصابة الذئاب.

أخطر عصابة في ذلك الجناح.

المشكلة لم تكن جديدة.

فمنذ أسبوعين وأفراد العصابة يحاولون إخضاعه.

مرة بالترهيب.

مرة بالإغراء.

مرة بالضرب.

لكن في كل مرة كانوا يفشلون.

لم يكن ياسين الأقوى بينهم.

ولا الأضخم.

لكن فيه شيئًا جعل الجميع يكرهه.

شيئًا اسمه اللامبالاة.

كلما ضربوه ضحك.

كلما هددوه سخر منهم.

كلما حاولوا إذلاله أهانهم أكثر.

وهذا النوع من الرجال أخطر من أصحاب العضلات.

لأنك لا تستطيع التنبؤ بما سيفعله.

تقدم زعيم المجموعة.

رجل يدعى مراد الأشقر.

كان طويلًا وعريض الكتفين وله ندبة طويلة تمتد من أذنه إلى رقبته.

وقف أمام ياسين مباشرة.

وقال:

“هذه آخر مرة أسألك.”

“هل ستعمل معنا أم لا؟”

ابتسم ياسين.

نظر حوله.

ثم قال:

“كنت أظن أنكم ستقدمون عرضًا أفضل.”

قطب مراد حاجبيه.

“ماذا تقصد؟”

أجاب ياسين:

“العمل معكم يعني أن أصبح غبيًا مثلكم.”

ساد الصمت.

ثم انفجر بعض السجناء بالضحك.

وهنا انتهى كل شيء.

في لحظة واحدة اندفع مراد ولكمه بقوة.

ارتطم رأس ياسين بالحائط.

وسال الدم من حاجبه.

لكن بدلًا من أن يتراجع…

ابتسم.

ابتسامة أوسع.

وقال:

“هكذا أفضل.”

في الجهة الأخرى من السجن.

كان حمزة لا يزال يقاتل.

سقط اثنان من الرجال الخمسة.

وأصيب الثالث بكسر واضح في ذراعه.

لكن الاثنين المتبقين استمرا في الهجوم.

كأن حياتهما تعتمد على قتل حمزة.

وكأن هناك من وعدهما بشيء أكبر من المال.

راقب الرائد شريف المشهد من الأعلى.

وبدا عليه الضيق.

قال العقيد فؤاد:

“رجالك يفشلون.”

رد شريف بغضب:

“هؤلاء ليسوا رجالي.”

نظر إليه العقيد.

ثم قال:

“إذن رجال من؟”

لكن شريف لم يجب.

لأنه هو نفسه لم يكن يعرف.

وهذا ما أخافه.

في مكتبة السجن.

أغلق يوسف كتابه أخيرًا.

ونهض من مكانه.

بدأ يمشي نحو النافذة.

نظر إلى ساحة السجن.

ثم إلى برج المراقبة.

ثم إلى الكاميرات.

ثم إلى حركة الحراس.

كانت عيناه تتحركان بطريقة غريبة.

كأنه يحل معادلة معقدة.

همس لنفسه:

“شيء ما ليس طبيعيًا.”

منذ الصباح حدثت ثلاث وقائع غريبة.

محاولة قتل.

استنفار للحراس.

وتحركات غير معتادة للضباط.

كلها في يوم واحد.

ويوسف لم يؤمن أبدًا بالصدف.

أما يونس…

فكان يجلس داخل زنزانة الحبس الانفرادي.

يراقب الحارس من خلف الباب الحديدي.

ثم فجأة قال:

“بعد عشر دقائق سيحدث شجار في الممر.”

نظر الحارس إليه باستغراب.

“من أخبرك؟”

ابتسم يونس.

“لا أحد.”

ضحك الحارس بسخرية.

لكن بعد عشر دقائق بالضبط…

سمع صراخًا.

ثم أصوات عراك.

ثم ركض حراس آخرين.

تجمد الحارس في مكانه.

أما يونس فظل يبتسم.

وكأنه يعرف أشياء لا ينبغي أن يعرفها.

في الخارج…

بعيدًا عن السجن.

داخل القصر نفسه.

كان الرجل الغامض يجلس أمام الشاشة.

إلى جواره وقف مساعده.

وقال:

“محاولة حمزة فشلت.”

رد الرجل بهدوء:

“كنت أعلم.”

“والثاني؟”

أجاب المساعد:

“بدأت مشكلته أيضًا.”

ابتسم الرجل.

ثم ضغط زرًا صغيرًا.

فظهرت أربع صور أمامه.

حمزة.

ياسين.

يوسف.

يونس.

ظل يحدق فيها طويلًا.

ثم قال:

“افصلوهم عن بعض.”

“أي شيء إلا أن يلتقوا.”

سأل المساعد:

“إلى هذه الدرجة؟”

رفع الرجل عينيه.

ولأول مرة ظهر القلق في وجهه.

وقال:

“أنت لا تعرف من كانوا.”

“ولا ما قد يصبحون عليه.”

عاد المشهد إلى العنبر الشرقي.

كان ياسين محاصرًا الآن.

ستة رجال يهاجمونه.

والسجناء يراقبون.

والحراس لا يتدخلون.

ضربة في البطن.

لكمة في الوجه.

ركلة في الساق.

بدأ جسده ينهار تدريجيًا.

لكن عينيه ظلتا متحديتين.

تراجع خطوة.

ثم أخرى.

حتى اصطدم ظهره بالحائط.

ابتسم مراد الأشقر.

وقال:

“انتهى الأمر.”

لكن فجأة…

جاء صوت من خلفه.

صوت هادئ جدًا.

صوت لم يسمعه أحد يقترب.

التفت الجميع.

وكان هناك سجين يقف في آخر الممر.

شاب هادئ يحمل كتابًا بين يديه.

يوسف.

نظر إلى مراد.

ثم قال جملة واحدة:

“لو كنت مكانك…”

“لما وقفت في هذا المكان.”

ضحك أفراد العصابة.

أما مراد فقال:

“ولماذا؟”

رفع يوسف إصبعه بهدوء.

وأشار إلى الأعلى.

رفع الجميع رؤوسهم.

وفي اللحظة التالية…

سقط جزء معدني ضخم من السقف مباشرة فوق المكان الذي كان يقف فيه مراد قبل ثانية واحدة فقط.

قفز مراد مبتعدًا.

ودوى صوت الارتطام في الممر.

ساد الصمت.

حتى ياسين نفسه نظر إلى يوسف باستغراب.

كيف عرف؟

كيف توقع ذلك؟

أما يوسف…

فاكتفى بإغلاق كتابه.

واستدار ليرحل.

لكن قبل أن يخطو خطوته الأولى…

دوى إنذار أحمر في جميع أنحاء السجن.

إنذار لم يُسمع منذ سنوات.

وتعالت أصوات الحراس في كل مكان.

“إغلاق كامل للسجن!”

“إغلاق كامل للسجن!”

وتغيرت وجوه الضباط فورًا.

لأن هذا النوع من الإنذارات لا يُفعل إلا في حالة واحدة فقط…

عندما يهرب سجين.

لكن المفاجأة كانت أن السجين الهارب…

لم يكن موجودًا أصلًا في سجلات السجن.

نهاية الفصل الثالث.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الظل   الفصل الثالث والستون - بين الحقيقة والفخ

    لم يرفع حمزة عينيه عن شاشة الهاتف. الصورة… الإحداثيات… وهاتف حازم. كل شيء بدا حقيقيًا، لكنه في الوقت نفسه كان مثاليًا أكثر من اللازم. قطع يوسف الصمت. “أنا مش مطمن.” سأله ياسين: “ليه؟” أشار يوسف إلى الهاتف. “لو حازم فعلًا بعت الرسالة… يبقى دي فرصة.” ثم تنهد. “ولو حد استخدم موبايله… تبقى مصيدة.” ظل حمزة صامتًا. كان يفكر في شيء واحد. حازم يعرفه جيدًا. ولو أُجبر على إرسال رسالة، فسيحاول أن يترك فيها علامة لا يفهمها إلا هو. أعاد فتح الصورة. كبرها ببطء. توقف فجأة. “استنوا.” اقترب الجميع. في زاوية الصورة، أسفل البوابة الحجرية، كانت توجد علامة صغيرة بالكاد تُرى. ثلاثة خطوط متقاطعة. ابتسم حمزة لأول مرة منذ أيام. قال بهدوء: “دي علامة حازم.” نظر إليه يونس باستغراب. “إزاي متأكد؟” أجاب حمزة: “وإحنا صغيرين… كنا بنعلم ألعابنا بالعلامة دي علشان محدش ياخدها.” ساد الصمت. ثم أكمل: “حازم بيقولنا إن الصورة حقيقية.” ⸻ في الوقت نفسه… داخل المبنى القديم الذي يحمل اسم الظلال. جلس حازم في غرفة مختلفة هذه المرة. لم تكن زنزانة ضيقة. بل غرفة قديمة، جدرانها مليئة بخزائن حديد

  • رجال الظل   الفصل الثاني والستون - الطريق الذي لا يعود منه أحد

    لم يتحرك أحد لعدة ثوانٍ. كانت كلمات ليلى ما تزال تتردد في أذن حازم: “المكان الجديد… محدش بيرجع منه.” رفع رأسه بصعوبة. نظر إلى ليلى، ثم قال بصوت خافت: “ليه بتخاطري بنفسك؟” نظرت إليه طويلًا، وكأنها تتردد بين الصمت والكلام. ثم همست: “لأني شفت ناس كتير دخلوا المكان ده… ومحدش خرج.” ساد الصمت. وأضافت: “وأنا مش مستعدة أشوف واحد كمان يختفي.” وقبل أن تتمكن من قول المزيد، سُمع صوت خطوات في الممر. ابتعدت بسرعة، وعادت إلى ملامحها الجامدة قبل أن يُفتح الباب. دخل اثنان من الحراس. أحدهما قال بلهجة حادة: “استعد.” نظر حازم إليه دون أن يجيب. اقترب الحارس وفك القيد من الحائط، لكنه أبقى القيود في يديه. “يلا.” وقف حازم بصعوبة. كان جسده متعبًا، لكن عينيه بقيتا ثابتتين. ⸻ في الوقت نفسه… عاد حمزة ورفاقه إلى مقرهم المؤقت. وُضع المفتاح النحاسي على الطاولة. ظل الأربعة ينظرون إليه وكأنه يحمل إجابة لكل الأسئلة. قال ياسين: “هو مجرد مفتاح.” ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة. “لا…” ثم أشار إلى الرقم المنقوش عليه. 17 “الرقم ده مقصود.” اقترب يونس. “إزاي؟” فتح يوسف أحد الملفات القديمة التي ا

  • رجال الظل   الفصل الحادي والستون - الرجل الذي لم يره أحد

    ساد الصمت. توقفت الأنفاس للحظة، بينما ظل صدى الكلمات الأخيرة يتردد داخل القاعة القديمة. “لقد عاد الملك.” لم يتحرك حمزة. ولم يتكلم راشد. أما ياسين فقد شد قبضته وهو ينظر نحو الباب الذي بدأت تقترب منه خطوات ثقيلة، منتظمة، لا تحمل أي استعجال. خطوة… ثم أخرى… ثم ثالثة… حتى توقفت تمامًا أمام المدخل. لكن أحدًا لم يدخل. كان الضوء الخافت القادم من الخارج يرسم ظلًا طويلًا على أرض القاعة، دون أن يكشف ملامح صاحبه. قال الصوت بهدوء: “مر وقت طويل يا راشد.” أغمض راشد عينيه لثانية واحدة. ثم قال: “أطول مما توقعت.” نظر حمزة بينهما. كان واضحًا أن الرجلين يعرفان بعضهما منذ سنوات. لكن العلاقة بينهما لم تكن علاقة صديقين… ولا علاقة عدوين فقط. بل شيء أكثر تعقيدًا. قال الصوت مرة أخرى: “إذن… هذا هو ابن سالم.” رفع حمزة رأسه. “من أنت؟” ساد الصمت. ثم جاء الرد: “الاسم ليس مهمًا الآن.” ابتسم ياسين بسخرية. “إحنا زهقنا من الألغاز.” لكن الرجل تجاهل حديثه تمامًا. وقال مخاطبًا حمزة: “قبل أن تبحث عن قاتل أبيك… اسأل أولًا لماذا مات.” تقدم حمزة خطوة. “أنا بسأل من زمان.” “وأخطأت في السؤال.”

  • رجال الظل   الفصل الستون - الخيانة التي لم تبدأ اليوم

    ساد الظلام. لم يعد أحد يرى الآخر. لكن الجميع سمع الصوت. صوت راشد خلف الباب. هادئًا… باردًا… وكأنه لم يأتِ للقتال، بل جاء لاستعادة شيء يملكه. قال ياسين بصوت منخفض: “راشد…” لم يرد حمزة. كان واقفًا في مكانه، وعيناه على الملف الذي ما زال مفتوحًا بين يديه. صورة والده. وصورة راشد. وكلمات والده التي قلبت كل شيء: “أثق به أكثر من نفسي… ولذلك أخشى أن يكون هو من يدمّر كل شيء.” لم يكن السؤال الآن: هل راشد عدو؟ بل: متى أصبح كذلك؟ ⸻ أُضيء المصباح فجأة. ظهر راشد عند مدخل القاعة. لم يكن معه عدد كبير من الرجال. ولم يحمل سلاحًا ظاهرًا. وهذا كان أكثر ما أثار قلق يوسف. قال بهدوء: “كنت أعرف إنك هتوصل هنا يا حمزة.” نظر إليه حمزة. “كنت مستنيني؟” ابتسم راشد. “من يوم ما خرجت من السجن.” ساد الصمت. اقترب يونس خطوة. لكن حمزة أوقفه بإشارة بسيطة. كان يريد أن يسمع. لأول مرة… كان راشد أمامه ليس كعدو مجهول. بل كجزء من الماضي. ⸻ قال حمزة: “أنت كنت تعرف أبويا.” أجاب راشد: “أكثر مما تتخيل.” “وكنت شريكه؟” تغيرت ملامح راشد قليلًا. “كنت أخوه.” كانت الكلمة ثقيلة. نظر حمزة إليه

  • رجال الظل   الفصل التاسع والخمسون - مقر الظلال الأول

    لم يكن العنوان مجرد مكان. كان اسمًا من الماضي. مكانًا لم يسمع عنه حمزة منذ كان طفلًا. ظل ينظر إلى الرسالة على الهاتف، ثم رفع عينيه إلى رفاقه. قال يونس: “مقر الظلال الأول؟” هز يوسف رأسه ببطء. “واضح إن الاسم مش صدفة.” أما ياسين فكان ينظر إلى حمزة. “إنت هتروح؟” لم يحتج حمزة إلى التفكير. “أيوه.” رد ياسين فورًا: “يبقى هنروح معاك.” نظر إليه حمزة. “الموضوع ممكن يكون متعلق بعيلتي.” ابتسم ياسين. “وحنا بقينا عيلتك.” ساد الصمت للحظة. كانت جملة بسيطة… لكنها كانت أثقل من أي وعد. ⸻ قبل التحرك… جلس الأربعة يراجعون كل ما يعرفونه. لم يكن الأمر مجرد مقابلة مع شخص مجهول. كانوا يدخلون منطقة مليئة بالأسرار. قال يوسف: “الشخص اللي اتصل بيك يعرف اسمك ورقمك… ويعرف إنك وصلت للدفتر.” سأله حمزة: “يعني ممكن يكون بيراقبنا؟” “ممكن.” وأضاف يوسف: “لكن فيه حاجة غريبة.” “إيه؟” “لو كان من طرف راشد… كان عنده فرص كثيرة يؤذينا. لكنه اختار إنه يكشف لنا معلومة.” فكر حمزة قليلًا. “يعني ممكن يكون عايز يساعد.” رد يوسف: “أو عايزنا نعتقد كده.” ⸻ في مكان آخر… كان حازم يجلس في غرفته الضيقة.

  • رجال الظل   الفصل الثامن والخمسون - الرسالة التي سبقت الزمن

    ظل حمزة واقفًا في منتصف البيت القديم. الدفتر بين يديه. والرسالة الأخيرة أمام عينيه. لم يكن أكثر ما أخافه هو وجود اسم راشد في مذكرات والده… بل السؤال الذي لم يجد له إجابة: كيف عرف والده أن راشد سيعود؟ وكيف كتب رسالة موجهة إليه بعد سنوات، وكأنه كان يعلم أن حمزة سيصل إلى هذه اللحظة؟ جلس على الأرض، وأعاد قراءة السطور مرة أخرى. “يا حمزة… إذا وصلت إلى هنا، فهذا يعني أن الظلال عادت.” أغلق الدفتر. كان يعرف أن والده لم يكن رجلًا عاديًا. كان يعرف أن خلف هدوئه أسرارًا كثيرة. لكن طوال حياته حاول أن يبتعد عن ذلك العالم. حاول أن يبني حياته بعيدًا عن الماضي. إلا أن الماضي… كان ينتظره. ⸻ في نفس الوقت… كان ياسين ويوسف ويونس يبحثون عن حمزة. اختفاؤه لساعات دون إخبارهم جعل القلق يتسلل إليهم. قال ياسين بعصبية: “حمزة عمره ما عمل كده.” رد يوسف: “إلا لو لقى حاجة مهمة.” نظر إليه يونس. “تقصد إيه؟” أجاب: “أعتقد إنه راح يدور على الإجابات لوحده.” لم تعجب الجملة ياسين. “هو مش لوحده من زمان.” ثم أخذ سترته. “هنجيبه.” ⸻ وصل الثلاثة إلى البيت القديم. وجدوا الباب مفتوحًا. دخلوا بحذر.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status