LOGINاستيقظتُ، أو هكذا خُيّل لي. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان انبعاثاً قسرياً في عالمٍ خالٍ من الظلال. البياض.. كان أول ما واجهني هو ذلك البياض الوحشي الذي لا يكتفي بكونه لوناً، بل هو سلاح يهاجم شبكية العين، يمزق الأجفان ويحرق الأمل في رؤية أي شيء آخر. بياضٌ معقم، مثالي، وخالٍ من أي عيب بشرِي، لدرجة تجعلك تشتاق لقطرة واحدة من ذلك الوحل الأسود الذي يغطي أزقة القطاع السابع. كنتُ ممدداً على طاولة معدنية باردة، باردة لدرجة أنني شعرت بمعدنها يمتص حرارة جسدي، يحول دمي إلى بلورات ثلجية. أطرافي كانت مقيدة بأصفاد كهرومغناطيسية تنبض بضوء أزرق خافت؛ كلما حاولتُ تحريك إصبع واحد، كانت الأصفاد تضيق، تذكرني بأنني لم أعد أملك حتى حق الارتجاف. هنا، في "الغرفة البيضاء"، الصمت له وزن. إنه صمتٌ ثقيل، لزج، طنين مستمر يخرج من الجدران وكأنه صوت ملايين العقول التي تم إفراغها هنا قبلي. الصمت في كازا 2060 كان دائماً ملغماً بضجيج المصانع وأزيز الدرون، لكن الصمت هنا.. الصمت هنا هو صوت "العدم". "المواطن يحيى، كود 774-B، مرحباً بك في منزلك الجديد.. منزلك الأخير"، انبعث الصوت من كل مكان ولا مكان في آن واحد. ل
كانت الشاشة تومض بضوء أحمر شاحب، يختلج كنبضات قلب يحتضر. كلمة "تم الإرسال" بقيت معلقة في الفراغ الرقمي، كحكم إعدام وقعته بيدي منذ ثوانٍ. في "ديستوبية 2060"، مجرد الضغط على زر الإرسال نحو الجانب المحرم من المدينة هو إعلان حرب مفتوحة على النظام. جلست في شقتي المعتمة، أستمع لقطرات المطر الحمضي وهي تضرب النافذة الذكية. هل فعلتها حقاً؟ هل رددت عليها؟ البرودة تسري في أطرافي، ليس من طقس كازا المصطنع، بل من رعب ما اقترفته للتو. الشك بدأ ينهش جمجمتي كدودة معدنية. من تكون "ريتا"؟ هل هي حقيقة تتنفس وتتألم خلف هذا الجدار الإسمنتي العازل، أم مجرد خوارزمية ذكية؟ هل هي طعم رقمي صُمم بعناية لاصطياد "الخلايا المريضة" والمتمردة مثلي؟ تذكرت رسالتها الأخيرة. كانت كلماتها تنزف وجعاً حقيقياً، كأنها نُسجت من رسائل كافكا إلى ميلينا. "أنا أختنق في هذا الكمال المبرمج يا يحيى... ألا تشعر بالبرد مثلي؟". كلماتها لم تكن مجرد نص، كانت استغاثة غريق. كنت أحتاجها. كان ألمي يحتاج إلى ألمها ليتأكد أنه لا يزال حياً. "أنا قذر ومريض يا ريتا، والنظام يطاردني ليعالجني من إنسانيتي"، همست في داخلي. جسدي يرتجف من فك
الشاشة تومض ببرود في عتمة غرفتي المتهالكة، تلقي بظلال زرقاء شاحبة، مريضة، على جدران إسمنتية تقشر طلاؤها ليظهر معدن الصدأ تحتها كعروق ميتة. في الخارج، سماء "ديستوبية" لعام 2060 لا تمطر ماءً منذ سنوات. إنها تمطر ضجيجاً معدنياً لا ينقطع، ووميض إعلانات نيون ثلاثية الأبعاد تخترق شبكية العين حتى وأنت مغمض الجفنين. إعلانات تروج لـ "السعادة الكيميائية"، و"النسيان المريح"، و"الولاء المطلق للنظام". أجلس على كرسيي الدوار المكسور، وعمودي الفقري يتخذ شكل قوس الهزيمة. أصابعي ترتجف فوق لوحة المفاتيح القديمة ذات الأزرار الممسوحة. المؤشر على الشاشة ينبض كعرق مقطوع في رقبة محتضر، يطالبني باتخاذ قرار. يطالبني بخطوة نحو الهاوية. الرسالة المشفرة التي تركتها "ريتا" ما زالت تحرق شاشتي. كلماتها ليست مجرد حبر رقمي، بل هي حمض يذيب ما تبقى من خلايا عقلي السليمة التي برمجها النظام لتكون مطيعة. هل أرد؟ هل أكسر القاعدة الذهبية للبقاء في هذا العالم البلاستيكي؟ هل أضغط على هذا الزر اللعين وأعلن عن وجودي؟ النظام لا ينام أبداً. هنا في كازا، الهواء نفسه ملغم بخوارزميات الاستماع. طائرات "الدرون" الدقيقة المت
عيون النظام لاتنام الظلام في المسرح المهجور كان ثقيلا كالكفنجلست على الأرضية الخشبية المتعفنة أراقب عروق يدي تضيء في العتمةضوء أخضر شاحب يسري تحت جلدي كديدان مضيئة تتغذى على دميثمان وأربعون ساعة هذا هو كل ما تبقى لي من حياةكل نبضة من قلبي تضخ النظائر المشعة في جسدي لتقربني من الموت المحتومزين تركني وحيدا في هذا الجحيم النفسي وذهب لجلب المعداتالصمت هنا قاتل يجعلك تسمع أفكارك بوضوح مرعبأفكاري لم تكن سوى كوابيس يقظة عن الغرفة البيضاء وعن والديتذكرت اليوم الذي أخذوا فيه والدي كنت طفلا أختبئ تحت السريررأيت أحذيتهم السوداء الثقيلة تسحقه على الأرض قبل أن يغرزوا إبرة في عنقهعندما عاد بعد أسبوع لم يكن والدي كان مجرد هيكل بشري فارغلم يتعرف علي لم يبتسم ولم يبك أبدا حتى مات جوعا في صمتالآن أنا أواجه نفس المصير أو مصيرا أبشع يتآكل فيه جسدي من الداخلهل ريتا تستحق كل هذا العناء هل تستحق أن أموت من أجلهاهي ابنة جلادي ابنة من صمم آلة غسيل الأدمغة التي دمرت حياتنالكن كلماتها في تلك الرسالة كانت الشيء الوحيد الحقيقي في هذا العالم المزيفكانت تبحث عن إنسان وأنا كنت أبحث ع
الشيفرة الحمراء من تكون ريتاالسيف الأزرق يخترق قطرات المطر الأسود ويهوي نحو عنقيتراجعت إلى الخلف بحركة غريزية وسقطت على ظهري في الوحلنصل السيف ضرب الجدار الإسمنتي فأصدر شرارة زرقاء أعمت بصريمن أنت صرخت وأنا أزحف إلى الوراء محاولا الهروب من الموتالرجل ذو المعطف الأسود لم يجب بل رفع سيفه لضربة أخرىنهضت بصعوبة وركضت نحو حاوية نفايات لأحتمي بهاالسيف شطر الحاوية المعدنية إلى نصفين كأنها قطعة ورقالسائل الأزرق المقطر من النصل أذاب المعدن في ثوانلم ترسلك ريتا لقتلي قلت وأنا ألهث هذا فخ من النظامتوقف الرجل فجأة وأنزل سيفه المشتعل قليلاعيناه الباردتان تأملتاني من تحت قبعة معطفه المبلللو كنت من النظام لكنت الآن مجرد كومة من الرماد يا يحيىتقدم نحوي بخطوات بطيئة وأعاد السيف إلى غمد في ظهرهقال إنه سيمحوني ماذا كان يقصد بذلكأقصد محو هويتك الرقمية قال الرجل بصوت خافتأخرج جهازا صغيرا من جيبه ووجهه نحويالجهاز أطلق شعاعا غير مرئي جعل رقبتي تحترق بشدةوضعت يدي على مؤخرة عنقي حيث توجد شريحة الهوية الإجباريةالشريحة كانت تذوب تحت الجلد وتصدر أزيزا خافتالقد أتلفت شريحتك
مطاردة في الزقاق الميتجلست في العتمة التامة أراقب الورقة البيضاءيدي ترتجف والقلم يبدو ثقيلا جدا في أصابعيكيف أكتب رسالة وأنا لم أتعلم سوى لغة الطاعة والخضوعالوقت يمر بسرعة وحقنة تثبيت المشاعر تنتظرني عند الفجريجب أن أترك لها دليلا على أنني كنت هنا أنني كنت إنسانا يوما ماوضعت سن القلم على الورق وبدأت أكتب بلا وعيأنا يحيى قرأت رسالتك وسمعت صوتك يتردد في عقلي المحطمأنا لست من القطاع الذهبي أنا مجرد عامل في مصانع الفولاذلكن كلماتك أيقظت في داخلي شيئا ظننت أن النظام قتله منذ زمنغدا سيحقنونني بمادة تمحو كل شعور لكنني سأقاومسأحاول أن أحتفظ باسمك في زاوية مظلمة من ذاكرتي لا يصل إليها الماسحسأقاوم من أجل أن ألتقي بك يوما ما حتى لو كلفني ذلك حياتيطويت الورقة بعناية فائقة كأنني أطوي روحي بداخلهاأخفيت الورقة في جيب معطفي الداخلي وتوجهت نحو الباب المكسورنظرت إلى غرفتي للمرة الأخيرة ربما لن أعود إليها أبداتسللت إلى الممر الطويل الرائحة هنا دائما تشبه رائحة المستشفيات المهجورةمصابيح الفلورسنت المكسورة تصدر طنينا مزعجا وتومض بضوء شاحبيجب أن أتجنب كاميرات المراقبة ال

![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://acfs1.goodnovel.com/dist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)





