Home / الرومانسية / رسائل المحو / الفصل الخامس: الخطأ القاتل (الرد على الرسالة)

Share

الفصل الخامس: الخطأ القاتل (الرد على الرسالة)

Author: أنومي
last update publish date: 2026-03-13 14:25:39

​الشاشة تومض ببرود في عتمة غرفتي المتهالكة، تلقي بظلال زرقاء شاحبة، مريضة، على جدران إسمنتية تقشر طلاؤها ليظهر معدن الصدأ تحتها كعروق ميتة.

​في الخارج، سماء "ديستوبية" لعام 2060 لا تمطر ماءً منذ سنوات. إنها تمطر ضجيجاً معدنياً لا ينقطع، ووميض إعلانات نيون ثلاثية الأبعاد تخترق شبكية العين حتى وأنت مغمض الجفنين. إعلانات تروج لـ "السعادة الكيميائية"، و"النسيان المريح"، و"الولاء المطلق للنظام".

​أجلس على كرسيي الدوار المكسور، وعمودي الفقري يتخذ شكل قوس الهزيمة. أصابعي ترتجف فوق لوحة المفاتيح القديمة ذات الأزرار الممسوحة. المؤشر على الشاشة ينبض كعرق مقطوع في رقبة محتضر، يطالبني باتخاذ قرار. يطالبني بخطوة نحو الهاوية.

​الرسالة المشفرة التي تركتها "ريتا" ما زالت تحرق شاشتي. كلماتها ليست مجرد حبر رقمي، بل هي حمض يذيب ما تبقى من خلايا عقلي السليمة التي برمجها النظام لتكون مطيعة.

​هل أرد؟ هل أكسر القاعدة الذهبية للبقاء في هذا العالم البلاستيكي؟ هل أضغط على هذا الزر اللعين وأعلن عن وجودي؟

​النظام لا ينام أبداً. هنا في كازا، الهواء نفسه ملغم بخوارزميات الاستماع. طائرات "الدرون" الدقيقة المتخفية في شكل حشرات ميكانيكية تطن خارج نافذتي المحطمة جزئياً كذباب إلكتروني جائع، تبحث عن أي ذبذبة عاطفية غير مصرح بها. تبحث عن ارتفاع في حرارة الجسد، عن تسارع في نبضات القلب، عن أي دليل يثبت أنك لا تزال "تشعر".

​كل نبضة قلب تتسارع هنا هي "خلل تقني" يستوجب الإصلاح. كل شعور بالحنين، أو الحب، أو حتى الحزن العميق، هو جريمة خيانة عظمى وعقوبتها معروفة ومطبقة بصرامة مرعبة: "مسح الذاكرة الفوري".

​أن يمسحوا ذاكرتك يعني أن تُفرغ من إنسانيتك. عقوبتك هي أن تعود آلة لحمية تسير في شوارع المدينة دون ماضٍ، دون ألم، ودون أمل. تصبح مجرد رقم بطاقة تعريف بيومترية في قاعدة بيانات "وزارة النقاء".

​أتذكر وجه أمي... أو بالأحرى، أحاول أن أتذكر. لا أذكر سوى اليوم الذي جاء فيه رجال يرتدون بدلات بيضاء معقمة. أخذوها لأنها بكت على صورة قديمة لأبي. عندما أعادوها بعد أسبوع، كانت تنظر إليّ بعينين زجاجيتين فارغتين. لم تكن هناك أمي، كانت هناك قشرة بشرية تردد شعارات النظام. هذا هو الرعب الحقيقي، أن تموت وأنت لا تزال تتنفس.

​لكن الشك يمزقني الآن، ينهش أطرافي ببطء كافكاوي مقيت. هل "ريتا" حقيقية؟

​هل تلك الفتاة القادمة من الجانب المحرم للمدينة، صاحبة الشفرة الحمراء، موجودة فعلاً؟ أم أنها مجرد خوارزمية خبيثة صممها النظام لاصطيادي؟ ربما هي "مصيدة عسل" رقمية، فخ متقن نُصب بعناية ليختبر ولائي للعدم؟ ليختبر ما إذا كان "يحيى" قد بدأ يتعفن بالمشاعر الإنسانية؟

​رغم كل هذا الرعب التحليلي، رغم معرفتي اليقينية بأن الرد هو انتحار، أشعر بجوع وحشي ينهش صدري. أحتاج إليها. أحتاج إلى هذا الألم الذي تسببه لي حروفها لكي أتأكد أنني ما زلت إنساناً.

​غيابها المتخيل أكثر رعباً من غرف التعذيب البيضاء التابعة للنظام. الفراغ الذي أعيش فيه أشد قسوة من أي مقصلة إلكترونية.

​بدأت أكتب.

​حروفي تتساقط كقطرات دم سوداء ثقيلة على بياض الشاشة. لم تكن مجرد رسالة أكتبها، كانت عملية تقيؤ لسنوات من الصمت المكبوت. كتبت بأسلوب رجل يقف على حافة ناطحة سحاب، يصرخ في وجه سديم المدينة آملاً أن يرد عليه صدى صوته قبل أن يسقط.

​كتبت:

"ريتا... لا أعرف من أنتِ. لا أعرف إن كنتِ كياناً من لحم ودم يتنفس تحت هذا السخام، أم وهماً رقمياً خلقه جلادي ليعذبني قبل أن يمحوني. لا يهم. لم يعد يهم. لأنني أتضور جوعاً لوجودكِ."

​توقفت لالتقاط أنفاسي. الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً ومعدنياً. واصلت الكتابة ويدي تضرب الأزرار بعنف مكبوت:

​"أعيش في خواء مرعب يبتلع روحي كل يوم. كل صباح أستيقظ لأتأكد أنني صرت آلة أفضل من الأمس. لكن حروفكِ... كل حرف منكِ كان قطرة ماء أسيد في جحيم هذه المدينة الخرساء، أحرق زيف استقراري وأيقظ الوحش النائم في صدري. الوحش الذي يسمى 'الإنسان'."

​الكلمات تتدفق الآن، لا أستطيع إيقافها، كشريان انقطع للتو ولن يتخثر:

​"أنا خائف يا ريتا. خائف بطريقة لم يعلمونا إياها في مراكز إعادة التأهيل. خائف من هذا النظام الذي يراقب حتى أحلامنا ويصادر كوابيسنا. لكنني خائف أكثر، رعبي الأكبر، هو فقدان هذا الألم الذي يربطني بكِ الآن. التساؤل الفلسفي الذي يقتلني: هل نكون نحن حقاً... إذا سلبنا ذكريات من نحب؟ إذا جاؤوا الليلة ومسحوا وجهكِ المتخيل من رأسي، ومسحوا كلماتكِ من خلاياي، فمن سيبقى داخل هذا الجسد؟ من سيكون 'يحيى' غداً؟"

​نظرت إلى الشاشة، الكلمات تتوهج. إنها وثيقة إدانة كاملة الأركان.

​"أنا كائن محطم يا ريتا. أمشي في شوارع كازا 2050 كشبح يبحث عن قبره ولا يجده لأن الأرض كلها مفروشة بالإسمنت الذكي. لكن رسالتكِ جعلتني أتمرد على موتي اليومي. أنا مستعد للموت المادي ألف مرة، مستعد لغرفهم البيضاء، على أن أعيش يوماً واحداً بذاكرة فارغة منكِ. إذا كنتِ فخاً... فأنا أتقدم نحوكِ طواعية. ابتلعيني، فقد سئمت كوني لا شيء."

​توقفت عن الكتابة.

​صدري يعلو ويهبط بعنف وكأنني ركضت لأميال في هواء سام. أنفاسي الساخنة تصطدم ببرودة الشاشة وترتد إلى وجهي. العرق البارد يتصبب من جبهتي، يحرق عيني المتعبتين.

​هذه الكلمات هي نهاية المطاف. إنها اعتراف صريح بـ "التلوث العاطفي والفكري". بمجرد أن أرسلها، سيعرف النظام أنني استيقظت من الغيبوبة الجماعية.

​حدقت في زر "إرسال" (Enter). الزر الباهت الذي يفصل بين حياتي الكاذبة، وموتي الحقيقي.

​ضغطة واحدة وستنتهي حياتي الهادئة، الرتيبة، والمميتة. ضغطة واحدة وسأصبح "الهدف رقم 1" في هذه المقاطعة.

​ترددت لجزء من الثانية. ثانية واحدة التمعت فيها كل تحذيرات النظام في رأسي. صورة أمي بعينيها الزجاجيتين عادت لتطاردني. رائحة المستشفيات البيضاء زكمت أنفي.

​لكنني لن أسمح لهم بمسح ريتا. لن أسمح لهم بمسح الألم الذي يجعلني حياً.

​بضربة واحدة حاسمة، هوت إصبعي على زر الإرسال. كسرير عظمي يتحطم في الصمت.

​انطلقت الرسالة. تحولت إلى نبضات ضوئية، شفرة معقدة تسبح عبر الشبكة المظلمة، تخترق جدران الحماية، وتبحث عن جهازها في الجانب الآخر من المدينة المحرمة.

​لقد فعلتها. ارتكبت الخطأ القاتل.

​تراجعت يدي عن لوحة المفاتيح وكأنها لمست جمراً. ابتلعت الغرفة لحظة صمت مرعبة.

​لم يكن صمتاً عادياً، بل صمت ثقيل، لزج، ينذر بكارثة كونية. توقف طنين الدرون في الخارج فجأة وكأن حشرة عملاقة ابتلعته. انطفأت إعلانات النيون في الشارع المقابل دفعة واحدة. كأن المدينة بأكملها، كازا العملاقة، حبست أنفاسها ووجهت ملايين العيون الميكانيكية نحو نافذتي.

​مرت ثانية... ثانيتان... ثلاث.

​ثم، بلمح البصر، ومضت شاشتي باللون الأحمر القاني. ليس أحمراً عادياً، بل لون الدم الطازج. امتلأت الغرفة بضوء تحذيري دوار يخطف الأبصار ويصيب بالدوار.

​انبعث صوت آلي بارد، خالي من أي ذرة شعور، لا جنس له ولا روح، شق سكون الليل وانطلق من جميع مكبرات الصوت المخبأة بذكاء داخل جدران غرفتي، والتي لم أكن أعلم بوجودها أصلاً:

​"تحذير عالي الخطورة. تم رصد انحراف عاطفي وفكري من الدرجة الأولى (مستوى ألفا). الهدف: المواطن يحيى - كود 774-B. جاري تفعيل بروتوكول العزل الفوري. جاري تحديد الموقع الهندسي... تم التحديد. يُمنع التحرك. المقاومة تعني التصفية الجسدية المباشرة."

​تراجعت إلى الخلف، أتعثر في أسلاك الشاحن الملقاة على الأرض، حتى التصق ظهري بالجدار الإسمنتي البارد. أراقب شاشتي التي تحولت الآن إلى عداد تنازلي سريع يتجه نحو الصفر.

​عقلي يتسابق لإيجاد مخرج، للبحث عن خطة هرب في غرفة مساحتها أربعة أمتار مربعة في الطابق الأربعين. مستحيل.

​وقبل أن أستوعب حتمية نهايتي، وقبل أن يصل العداد إلى الصفر...

​سُمع دوي انفجار معدني عنيف جداً من أسفل المبنى، اهتزت له جدران غرفتي وتناثر الغبار من السقف. تلاه صوت تحطم بوابة العمارة الرئيسية الفولاذية كأنها مصنوعة من الورق.

​أصوات أحذية عسكرية ثقيلة جداً، منظمة، وسريعة، بدأت تصعد السلالم وتتردد أصداؤها في الممرات...

​لقد وصلوا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل المحو    الفصل الأربعون: فجر الأحرار وسقوط إمبراطورية المحو

    كانت الكرة الطاقية المتشكلة من اصطدام النور الأعظم بشعاع المحو الأزرق تتضخم في كبد السماء كشمس وليدة تتخبط في رحم العاصفة وكان الضجيج الناتج عن هذا التلاحم الكوني يتجاوز قدرة حواسنا البشرية على الاستيعاب فلم نعد نسمع أصوات الانفجارات بل كنا نشعر بها كتمزقات في نسيج الواقع نفسه وقفت على قمة برج القيادة المركزي وأنا أضغط بكل ما أوتيت من قوة وإرادة على قلب المدفع الأبيض وكنت أضخ فيه آخر قطرات طاقتي الأرجوانية التي كانت تغلي في عروقي كحمم بركانية ترفض الانطفاء كانت الرياح العاتية الناتجة عن التصادم تعصف بنا وتكاد تقتلعنا من مكاننا وكان جسد أخي زين الملقى بجانبي يرتجف بشدة بعد أن احترقت كل أنظمته الميكانيكية وبقي يتنفس بصعوبة بالغة معتمدا على قلبه البشري الصغير الذي أبى أن يستسلم للموت في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ الأراضي المنسية ​نظرت إلى الأعلى فرأيت أن الشعاع الأزرق البارد والمنظم الذي أطلقته سفينة ديستوبية العملاقة بدأ يضغط بقوة هائلة على نورنا الأبيض والأرجواني محاولا دفعه نحو الأسفل وسحقنا كانت تكنولوجيا الإمبراطورية تعتمد على حسابات رياضية دقيقة وطاقة مستمدة من استعباد الكوكب بأك

  • رسائل المحو    الفصل التاسع والثلاثون: ظل الإمبراطورية وصحوة فجر الإنسانية

    كانت السماء التي انشقت فوق رؤوسنا لا تشبه أي سماء قرأنا عنها في الكتب القديمة أو حلمنا بها في ليالي الكهوف المظلمة لم تكن زرقاء صافية ولا مرصعة بالنجوم بل كانت لوحة فوضوية من الغيوم السوداء الكثيفة التي تتلوى كأفاعي عملاقة في محيط من البرق الأحمر الدموي ومن قلب هذا الجحيم السماوي كانت سفينة القيادة الكبرى لديستوبية تهبط ببطء شديد وبشكل يتحدى كل قوانين الجاذبية والفيزياء كانت تبدو وكأنها قارة معدنية طائرة مقلوبة رأسا على عقب مليئة بالأبراج الفولاذية المدببة والمفاعلات الضخمة التي تنفث نيرانا زرقاء شاحبة وتصدر هديرا منخفضا يزلزل الأرض من تحتنا ويجعل الهواء نفسه ثقيلا وصعبا على التنفس كان حجم السفينة مرعبا لدرجة أن ظلها ابتلع الأراضي المنسية بأكملها وحول نهارنا المكتشف للتو إلى ليل دامس ومخيف ينذر بنهاية كل شيء ​وقفنا جميعا في ساحة المحطة البيضاء المحطمة نراقب هذا الكيان الأسطوري وعقولنا عاجزة تماما عن استيعاب حجم الكارثة التي حلت بنا لقد ظننا أن تدمير آلة المحو الكبرى كان الانتصار النهائي الذي سيمنحنا حريتنا لكننا أدركنا الآن أن ديستوبية لم تكن مجرد جيش من الآلات والجنود بل كانت نظاما

  • رسائل المحو    الفصل الثامن والثلاثون : الهروب من جحيم الفولاذ وسقوط آلة المحو

    ​كانت جدران قاعة المفاعل المركزي تذوب حرفيا من شدة الحرارة المنبعثة من الأسطوانة الزجاجية المتصدعة التي لم تعد قادرة على احتواء طاقة البلازما الهائجة بداخلها وكان الضوء الأبيض الساطع يعمي الأبصار ويحيل الظلام إلى نهار حارق يلتهم كل ما يحيط به سندت جسد زين الثقيل جدا على كتفي الأيمن ووضعت ذراعه السليمة حول عنقي محاولا تجاهل الوزن الهائل للدروع المعدنية والقطع الميكانيكية التي تشكل نصف جسده لم تكن هذه مجرد عملية إنقاذ عادية بل كانت سباقا مجنونا ضد أجزاء الثواني قبل أن يتحول هذا الوحش الفولاذي بأكمله إلى قنبلة نووية تمسح المحطة القديمة وكل من يقف على أرضها من الوجود ​بدأنا نتحرك بصعوبة بالغة نحو المخرج الذي دخلت منه وكانت الأرضية المعدنية تحت أقدامنا تهتز بعنف شديد وتتشقق لتخرج منها ألسنة اللهب الأزرق والأحمر وكان زين يجر قدميه جرا ويسعل باستمرار ليخرج قطرات من الدم الممزوج بالزيت الأسود من فمه ولكنه رغم ذلك كان يحاول دفع نفسه لمساعدتي في المشي وعدم تشكيل عبء كامل علي صرخت فيه بصوت عال لأتغلب على هدير المفاعل الذي يصم الآذان وطلبت منه أن يتماسك وأن يبقي عينه البشرية مفتوحة وأن لا يستسلم

  • رسائل المحو    الفصل السابع والثلاثون شبح الماضي وعناق الطفرة

    وقفت متسمرا في مكاني وقطرات العرق البارد تتساقط من جبيني لتختلط بالدماء التي تغطي وجهي وعيناي مفتوحتان بأقصى اتساعهما من هول الصدمة التي شلت تفكيري للحظات لم أكن أصدق ما تراه عيناي في قلب هذه الغرفة الجهنمية التي تضاء بوهج البلازما الحمراء المتلاطمة داخل المفاعل المركزي لآلة المحو الكبرى الشخص الذي كان يقف أمامي ببرود قاتل مرتديا ذلك الدرع الميكانيكي الأسود والمزود بأسلحة متطورة لم يكن مجرد جندي آلي آخر من جنود ديستوبية بل كان زين نعم إنه زين أخي الصغير ورفيق دربي الذي رأيته يسقط أمام عيني في معركة تهريب الأطفال القديمة والذي حفرت له قبرا وهميا في قلبي وبكيت عليه حتى جفت دموعي ظننت أن تضحيته في ذلك اليوم المشؤوم كانت النهاية لكن ديستوبية البشعة لم تكتف بسرقة حياته بل سرقت موته أيضا وحولته إلى سلاح فتاك بلا عقل ولا رحمة ليكون الحارس الأخير لآلة الدمار التي ستسحقنا جميعا ​كان جسد زين قد خضع لتعديلات ميكانيكية مرعبة ومقززة حيث تم استبدال ذراعه اليمنى بالكامل بمدفع طاقة مدمج ينبض بضوء أحمر خبيث وتم تغطية نصف وجهه الأيسر بصفيحة معدنية سوداء تتوسطها عدسة إلكترونية تتحرك بآلية وتصدر طنينا خ

  • رسائل المحو    الفصل السادس والثلاثون اختراق بطن الوحش الفولاذي ومعركة التروس الدامية

    كانت آلة المحو الكبرى تقف أمامنا كجبل من الفولاذ الأسود يتحرك على عجلات مجنزرة بحجم بنايات سكنية وتطحن تحت ثقلها المرعب كل شيء يعترض طريقها لم تكن مجرد دبابة عملاقة بل كانت مصنعا متحركا للموت والدمار الشامل واجهتها الأمامية مزودة بمثاقب هائلة تدور بسرعة جنونية وتنفث ألسنة من اللهب الأزرق الحارق بينما كانت جوانبها مدججة بمدافع ليزرية تطلق أشعتها الحمراء بشكل عشوائي ومكثف لتمسح كل أثر للحياة من على وجه الأرض كان هدير محركاتها الداخلية يصم الآذان ويجعل الهواء نفسه يرتجف وكأن الكوكب بأسره يئن تحت وطأة هذا الكيان الميكانيكي الشيطاني الذي أرسلته ديستوبية لإنهاء وجودنا إلى الأبد ​وسط هذا الجحيم المستعر والضجيج الذي يمزق الطبلة تبادلت نظرة سريعة وحاسمة مع ريتا وعمار لم نكن بحاجة إلى كلمات لتبادل الخطط فالوقت كان أضيق من أن نضيعه في الشرح أومأ عمار برأسه إيماءة المقاتل الذي يعرف أن تضحيته هي الثمن الوحيد للنجاة واستدار نحو رجاله الذين كانوا يحتمون خلف المتاريس البيضاء المتصدعة ورفع بندقيته الضوئية عاليا وصرخ بأعلى صوته آمرا إياهم بتركيز كل نيرانهم على العدسات البصرية والمستشعرات الحرارية المو

  • رسائل المحو    الفصل الخامس والثلاثون حصار النور واستيقاظ آلة المحو الكبرى

    تسمرت أعيننا جميعا أمام الشاشة الثلاثية الأبعاد التي كانت تطفو في وسط قاعة القيادة البيضاء وتلقي بظلالها الحمراء المرعبة على وجوهنا المنهكة كانت النقاط الحمراء الضخمة التي ظهرت على الخريطة لا تمثل مجرد جنود أو آلات عادية بل كانت تشير إلى كيانات ميكانيكية هائلة الحجم تتحرك بتناسق مرعب نحو موقعنا وكأنها وحوش أسطورية استيقظت من سباتها لتبتلع آخر بصيص من النور في هذا العالم السفلي كان الصمت الذي ساد القاعة ثقيلا جدا ومميزا لا يقطعه سوى طنين النواة المركزية التي بدأت تندمج فيها طاقتي الأرجوانية مع النور الأبيض النقي لتخلق هالة من الطاقة الهادئة التي تتناقض تماما مع الخطر الداهم الذي يزحف نحونا من كل الجهات ليغلق علينا كل منافذ النجاة الممكنة ويحول هذه المحطة الأسطورية إلى مقبرة جماعية لنا جميعا ​التفتت نحو الحكيمة العجوز التي كانت تراقب الشاشة بتركيز شديد وتتحرك أصابعها المرتجفة بسرعة على لوحات التحكم الزجاجية الشفافة في محاولة لفك تشفير البيانات القديمة للمحطة ومعرفة طبيعة التهديد الذي نواجهه سألتها بصوت خافت يحمل في طياته مزيجا من القلق والتحدي عن ماهية هذه النقاط الحمراء الضخمة التي تق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status