LOGINيراها بأحلامه، يظنها ضرب من ضروب الخيال ، لكنه في ليلة عاصفة، يتفاجأ بها أمامه، حقبقية، ليصيبه الذهول.. يلحق بها، يساعدها، يكون دليلها وملجأها ويظن أن القدر أخيرا أهداها إليه، لكنه يتفاجأ بالحقيقة المرة.. هي ليست له، ولا يمكن أن تكون.. إنها مقيدة بغلال مِلك رجل آخر.. قاسي، ظالم، وهنا تبدأ الحكاية!
View Moreتقفُ وحالُها يُغني عن السؤال، تذرع الطريق ذهابًا وإيابًا، وقد ذرفت من الدموع ما يكفي لريِّ جزيرة النباتات بأكملها.
كان لديها من التوتر ما يكفي لجعل أطرافها جميعها ترتعد، فكلُّ غادٍ وراحلٍ كان يرمقها بنظراتٍ تزيد من اضطرابها. لم تكن تدري ماذا عليها أن تفعل، ولا ممّن تطلب المساعدة، بل إنها لم تكن تعلم أين هي بالأساس.
قالت ببكاءٍ مرتجف:
— أنا منّي لله لليوم اللي قلت فيه لنفسي أزور أسوان... يا رب استرها، يا رب ماليش غيرك... معقول هافضل تايهة كده؟! مش هيلاقوني؟!
تعالى صوت نحيبها، فالتفت إليها بعض المارة.
— أي خدمة يا أستاذة؟ تؤمري بحاجة؟!
كان ذلك صوت أحد المارة الذي أفاقها من شرودها، بل وجعلها تنتفض كمن لدغه عقرب. ابتعدت عنه فورًا بعدما رمقته بخوفٍ وغضب.
فكلما همّت أن تستوقف أحدًا وتطلب منه المساعدة، تراجعت خشية أن يضايقها أو يستغل كونها تقف وحدها.
لكن انتباهها تعلّق هذه المرة برجلٍ يبدو على مشارف الأربعين، تكسو ملامحه الهيبة والوقار.
ولأول مرة شعرت أن الله ربما أرسل لها من ينقذها، وأنه على الأرجح لن يمسّها بسوء، فقررت أن تغتنم الفرصة قبل أن تتراجع.
— لو سمحت!
قالتها بغتةً، كأنها تلتهم الفرصة قبل أن تفلت من بين يديها.
●●●●●●●●●●●
كانت تنظر داخل عينيه بنظرةٍ أربكت حواسه جميعها، وهي تقول بصوتٍ متعلّق:
— متسيبنيش... إنت منقذي الأول والأخير.
تنهد بحنقٍ وقد نفد صبره، ثم قال:
— طيب إنتِ مش هتبطلي المواصلة دي عاد؟! بقالك شهور وأيام بشوفك، وفي كل مرة مبتقوليش غير الكلمتين دول! ده أنا حتى مش عارف اسمك إيه!
ابتسمت له ابتسامةً ساحرة، نجحت كعادتها في أن تُنسيه غضبه وحنقه وحتى عقله.
وكانت كل مرة تبتسم له بذلك الشكل تجعله يشعر وكأنه يراها للمرة الأولى؛ قلبه يضطرب، وأنفاسه تختل، وتلك النظرة الغامضة بعينيها كانت دائمًا تترك بداخله ألف سؤالٍ بلا إجابة.
— مستعجل ليه؟ سيب كل حاجة تيجي في وقتها، ولما ييجي وقتنا ونتقابل... هتعرف كل حاجة عايز تعرفها عني.
قال برجاءٍ متيم:
— طيب ريّحي جلبي ربنا يريح جلبك يا ست الناس، وجوليلي هشوفك تاني إزاي د...
لكن صوته انقطع على إثر صياحٍ حاد:
— جوووم! جوم يا خويا! جوم يا منحنح! جوم يا سبعي يا اللي مجضيها غراميات، ولا كأنك ابن عشرين سنة! منتاش شايب وداخل عالأربعين!
كان ذلك صوت زوجته، التي راحت توكزه بعنف حتى انتفض فزعًا وهو يهتف:
— أعوذ بالله منك عالصبح! يا بنت الناس، جلتلك مية مرة جبل كده متخرعنيش بالطريقة دي لو لجتيني بحلم! ابجي سيبيني أكمل الحلم، الهي تسيبك العافية يا بعيدة!
ردّت بغيظ:
— أسيبك؟! أسيبك كيف وإنت بتتغزل في اللي مش عارفين هي مين دي اللي جالبة منامك؟! ربنا يجلب منامها مطرح ما هي راجدة!
هتف متأففًا:
— رجد عليكي جمل يا رشيدة! جومي جهزيلي الفطور، خليني أغور من وشك، ورايا مشوار مهم.
ذهبت تتمتم بغيظ لتحضر له الفطور، بينما تناوله هو على عجل، ثم خرج من غرفته متجهًا إلى غرفة والدته.
ابتسم وهو يقول:
— صباح الخير يا بركة البيت.
أجابته والدته بحنان:
— صباح النور يا نضري... وشك منور وعينيك بتضحك، شكلها حبة الجلب جاتلك الليلة دي في المنام.
ضحك بسعادةٍ واضحة وقال:
— آااه يا أما... آااه من حبة الجلب واللي بيجرالي لما بشوفها! جلبي بينشرح، وبحس روحي بترفرف من الفرحة... بس لو تجوليلي اسمها إيه، ولا حتى معنى كلامها إيه، هرتاح!
ثم أكمل بغيظٍ مكتوم:
— ولا تبطل دماغ البهيمة اللي إني متجوزها دي تصحيني من نص الحلم! كان زماني عرفت لها طريج!
ضحكت والدته قائلة:
— لا والله؟! وهتعمل إيه باسمها يعني حتى لو جالتلك؟ هتمشي تنادي وتجول: يا اللي اسمك فلانة، إنتِ فين؟!
تنهد بحرقةٍ وهو يقول:
— غريج يا أما... غريج ومتعلج بجشاية. ادعيلي أعتر فيها جبل ما أتجنن.
كانت تراقبه بنظراتٍ ممتلئة بالحيرة والشفقة، ترى ذلك التعلق الغريب الذي يزداد يومًا بعد يوم بامرأةٍ لا يعرف عنها شيئًا، وتخشى في الوقت ذاته أن يقوده قلبه ذات يوم إلى ما لا تُحمد عقباه.
فهو لم يكن يومًا رجلًا طائشًا أو متقلبًا، بل كان معروفًا برجاحة عقله واتزانه، لذلك كان ذلك التغير الواضح فيه يثير قلقها بصمت، وإن كانت تخفيه خلف مزاحها المعتاد.
لذا سألته والدته باهتمام:
— وافرِض إنك عترت فيها يا نضري... هتعمل إيه؟
اعتدل في جلسته وقال بثقة:
— هعمل إيه؟! يمين طلاج من البومة اللي جوه دي لأكون كاتب عليها في الحال!
شهقت والدته وقالت بصدمة:
— تكتب عليها؟! هتتجوز على مرتك وبت عمك يا عمدة؟! وإنت اللي بتفهم في الأصول وبتراعي ربنا؟!
قطّب حاجبيه باستغراب:
— مالِك يا ونيسة؟! كلامك مش موزون ليه النهارده؟! وهو أنا لما أتجوز أبجى مبراعيش ربنا ولا بفهمش في الأصول؟! مالِك يا أم العمدة؟!
تنهدت والدته قائلة:
— بص يا ولدي...
فقاطعها سريعًا وهو ينهض:
— يا أما بالله عليكي، أنا صاحي ومزاجي رايق، ورحمة أبويا بلاش تعكنني عليّا... كفاية اللي فيا، أبوس إيدك.
قالها ثم قبّل يديها وغادر وهو ينادي:
— يا عم صااالح!
أجابه الرجل على الفور:
— تؤمر يا حضرة العمدة.
قال وهو يتجه للخارج:
— جالي خبر امبارح إن في تجديدات وترميم في شارع المدارس، فلازم نكون هناك عشان العمال لو احتاجوا حاجة نشوف طلباتهم ونوفرها لهم. بينا يلا، عشان نرجع جبل ما الجو يسوء، بيجولوا فيه مطرة ورياح بالليل.
●●●●●●●●●●●
وبعد ساعة، وأثناء عودتهما، وبينما كانت السيارة تشق طريقها بمحاذاة الكورنيش، كان الهواء يزداد برودة شيئًا فشيئًا، والسماء تزداد قتامة.
أما النيل فكان يبدو ساكنًا على غير عادته، وكأنه يترقب شيئًا ما.
وكان العم صالح يرمق السماء بين الحين والآخر بقلق، بينما جلس العمدة شاردًا، يفكر بتلك المرأة المجهولة التي أصبحت تزوره في أحلامه أكثر مما تزوره الراحة نفسها.
فقال صالح:
— إنت ماشي من طريق الكورنيش ليه يا جنابك؟
ابتسم العمدة قائلًا:
— هواه خفيف على جلبي يا عم صالح.
رد الرجل بقلق:
— أيوة بس كده هنتأخر، والعاصفة هتلحجنا يا عمدة!
ضحك بخفةٍ وقال:
— عاصفة إيه بس! هههههه... أنا بقولك رياح ومطرة، مش لدرجة العاص...
لكن كلماته انقطعت فجأة، بعدما وصل إلى سمعه ذلك الصوت الباكي ذو البُحّة المميزة، الصوت الذي طالما أقلق مضجعه وأسر قلبه في أحلامه.
عصفت به رعشةٌ حادة اجتاحت جسده دفعةً واحدة، حتى شعر وكأن الزمن توقف حوله للحظة. خفتت الأصوات من حوله، وتلاشت ملامح الطريق والعابرين، ولم يبقَ في وعيه سوى ذلك الصوت المرتجف الذي عرفه قلبه قبل أذنيه.
شعر بقلبه يخفق بعنفٍ غريب، وكأن شيئًا بداخله يخبره أن تلك اللحظة لم تكن عابرة، وأن القدر الذي ظل يسخر منه طويلًا قد قرر أخيرًا أن يقف أمامه وجهًا لوجه.
كان شيءٌ ما بداخله يحثه ألا يلتفت إليها...
لكنها كررت نداءها المرتجف:
— لو سمحت!
يرن هاتفها فجأه فتجد المتصل والدها فتجيبه:أيوة ي بابا..عمتي اللي قالتلك..لا مش راجعه..ولا راجعه الفيوم..هو اي اللي مستخبيه دي؟!..و الناس تسأل ليه اصلا ما يسيبوني ف حالي..اللي يسألك قوللهم بتكشف علي بنتها و راجعه..يخبط دماغه ف أقرب حيطه انا مش راجعاله..أه مش راجعه الا أما يطلقني. التفت إليها مصدووم!! شعر بأن سكين قد غرس بقلبه.. لأول مره في حياته يجاهد ألا يبكي.. دموعه محتبسه بمحجريه تقاوم ألا تنهار الآن.. جميع حواسه توقفت عن العمل.. لا يسمع سوي دقات قلبه المتضاربه.. حتي هي لم يعد يستمع لما تقوله.أكملت ببكاء أودي بحياته: ي بابا انت كل مرة بتقوللي ارجعي و اخر مره.. و كل مره برجع بحاجه مكسورة فيا، مره دراعي و مره رجلي، بس المرادي اللي اتكسر ملوش علاج، أنا تعبت و قرفت و جبت أخري.. أيوة مصممه و مش هرجع و خليه يطلقني.. ع اساس اني عبيطه يعني؟! باباااااا يلا سلام دلوقتي معلش. أنهت المكالمه ثم أغلقت الهاتف.. زفرت زفره قويه أخرجت بها كل الطاقه السلبيه الكامنه بها ثم التفتت إلي الشارد بجانبها: ألا صحيح انت جاي اسكندريه لي..... _لما انتي متجوزه سايبه بيتك و جايه هنا ليه؟! =في شوية مشاكل بينا
نظرت له بثقةٍ تكاد تكون معدومة، لكنها ناولته يدها مرةً أخرى، لتتفاجأ بآخر شخصٍ كانت تود رؤيته.اتسعت عيناها بفزع، ثم قالت برعبٍ واضح:— فادي؟!!إنت جايبني هنا ليه؟!مشّيني من هنا... والنبي متسيبنيش ليه!انتفضت فجأة حين شعرت بيدٍ تهزها بعنف، ففتحت عينيها بفزع وهي تقول:— أعوذ بالله! في إيه يا نادين؟! بتصحيني ليه؟!جلست نادين بجوارها وقالت بقلق:— مانتِ نايمة من ساعة ما رجعنا، لا أكل ولا شرب، وكمان خالي قالب الدنيا، رن عليكي كتير وتليفونك لسه مقفول.إنتِ عرقانة كده ليه؟! كنتِ بتجري وإنتِ نايمة ولا بتحلمي بفادي كالعادة؟!أغمضت حسناء عينيها بضيق ثم قالت بإرهاق:— حلم؟! هو ده بييجي في حلم؟! ده بييجي في كوابيس...هفتح موبايلي أهو وأكلم بابا حاضر.— طيب قومي عشان تاكلي وتأكلي "صِبا".— لا، مليش نفس... معلش، لو صِبا هتاكل أكّليها معاكي.ربتت نادين على كتفها بحنان:— طيب يا حبيبتي، على راحتك.نهضت حسناء ببطء، ثم أوصلت هاتفها بالشاحن وفتحته، وما إن انتهى من العمل حتى سارعت بالاتصال بوالدها.— أيوة يا بابا... الحمد لله...كويسة، بتلعب أهي.إيه؟!لا، مش هاجي!وإنت قولتله إيه؟!لا والله يا بابا، ك
انتهى اليوم، وعاد هو إلى المنزل، لكنّه لم يكن كما خرج منه صباحًا.كان شيءٌ ما بداخله قد تبدّل، وكأن قلبه تُرك هناك على كورنيش أسوان بجوار تلك الفتاة التي اقتحمت حياته صدفةً وأربكت كل شيءٍ فيه.وما إن دلف إلى المنزل حتى هرول مباشرةً نحو غرفة والدته دون أن يطرق الباب، وهو يناديها بصوتٍ ممتلئ بالحياة:— ونوووس!ابتسمت والدته فور أن رأته وقالت بحنان:— إنت جيت يا ريحة المسك يا أسمر؟!ضحك بخفة وهو يقترب منها:— ياااه يا أما، أديلِك زمان مجولتليش كده.— وإنت كمان ليك زمن مجولتليش يا ونوس، وطالما جولتها تبجى فرحان!جلس بجوارها وقال بسعادةٍ تكاد تفيض من عينيه:— فرحان بس؟! جولي الفرحه مش سيعاني... طااااير من الفرحه! أنا لازم أصلي ركعتين شكر لله.ابتسمت وهي تراقب ملامحه المشرقة قائلة:— ربنا يزيدك يا نضري... بس مش تجولي إيه اللي جرى كده وخلاك فرحان وتفرحني معاك؟!تنهد بعشقٍ واضح وقال ببشاشة:— شوفتها يا أما...عقدت حاجبيها باستغراب:— هي مين دي يا حبيبي؟!— حبة الجلب.— أيوة أيوة، منتا جولتلي الصبح جبل ما تنزل.هز رأسه سريعًا وقال بحماس:— لا يا أما، شوفتها بجد... حجيجة كده، زي ما أنا شايفك دل
— "واحد ذوق"؟!!أديلِك ساعة بتجولي: يا محمد يا محمد، وجيتي عندي وبجيت "واحد ذوق"؟!وبنت الأبالسة طالعة منها "محمد" كيف الشهد! ماشي يا ست الناس، إن ما بطلتك تجولي "محمد" دي لحد غيري، مبجاش أنا العمدة "داود"!!أفاق من شروده على صوتها وهي تقول:— اتفضل الموبايل يا حضرتك... آه، وبالمناسبة، اسم حضرتك إيه؟ثم أضافت بضحكةٍ خجلة:— أصل أنا فضولية شوية، معلش.— العمدة داود.— محمد.— أفندم؟؟؟؟!!!!كانت الأولى من نصيب عم صالح، والثانية للعمدة، أما الثالثة فخرجت مذهولة من حسناء.همّ داود أن يوضح لها ما يقصده، لكنها قاطعته فجأةً وهي تهب واقفة، وقد اتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، بينما فمها يكاد يلامس الأرض من شدة الدهشة، ثم صاحت بانبهار:— هشام الجخ؟!!!!! ❤❤استغرق الأمر من داود بضع لحظات حتى استوعب ما حدث.التفت إلى حيث تنظر، فوجدها تقف بالفعل أمام هشام الجخ، تتحدث إليه بابتسامة تكاد تصل إلى أذنيها.قالت بحماسٍ طفولي:— حضرتك أنا مش مصدقة نفسي إني شايفاك دلوقتي! حضرتك متعرفش أنا بحبك قد إيه... ده أنا حافظة كل القصايد بتاعتك بلا استثناء!في المقابل، كان الشاعر يقف مبتسمًا بسعادةٍ واضحة





