Home / الرومانسية / رسائل المحو / الفصل الرابع : عيون النظام لاتنام

Share

الفصل الرابع : عيون النظام لاتنام

Author: أنومي
last update publish date: 2026-03-11 17:19:55

عيون النظام لاتنام

الظلام في المسرح المهجور كان ثقيلا كالكفن

​جلست على الأرضية الخشبية المتعفنة أراقب عروق يدي تضيء في العتمة

​ضوء أخضر شاحب يسري تحت جلدي كديدان مضيئة تتغذى على دمي

​ثمان وأربعون ساعة هذا هو كل ما تبقى لي من حياة

​كل نبضة من قلبي تضخ النظائر المشعة في جسدي لتقربني من الموت المحتوم

​زين تركني وحيدا في هذا الجحيم النفسي وذهب لجلب المعدات

​الصمت هنا قاتل يجعلك تسمع أفكارك بوضوح مرعب

​أفكاري لم تكن سوى كوابيس يقظة عن الغرفة البيضاء وعن والدي

​تذكرت اليوم الذي أخذوا فيه والدي كنت طفلا أختبئ تحت السرير

​رأيت أحذيتهم السوداء الثقيلة تسحقه على الأرض قبل أن يغرزوا إبرة في عنقه

​عندما عاد بعد أسبوع لم يكن والدي كان مجرد هيكل بشري فارغ

​لم يتعرف علي لم يبتسم ولم يبك أبدا حتى مات جوعا في صمت

​الآن أنا أواجه نفس المصير أو مصيرا أبشع يتآكل فيه جسدي من الداخل

​هل ريتا تستحق كل هذا العناء هل تستحق أن أموت من أجلها

​هي ابنة جلادي ابنة من صمم آلة غسيل الأدمغة التي دمرت حياتنا

​لكن كلماتها في تلك الرسالة كانت الشيء الوحيد الحقيقي في هذا العالم المزيف

​كانت تبحث عن إنسان وأنا كنت أبحث عن سبب لأشعر بأنني حي

​فجأة سمعت صوت صرير باب المسرح الخلفي يفتح ببطء

​تصلبت في مكاني وكتمت أنفاسي هل عاد زين أم أنها دورية للمحائين

​خطوات خفيفة ومدروسة تقترب من خشبة المسرح

​أخفيت يدي المضيئة تحت معطفي وتراجعت نحو زاوية مظلمة

​ظهر شعاع مصباح يدوي يمسح الكراسي الممزقة

​يحيى أين أنت اخرج لقد أحضرت المعدات

​كان صوت زين أخرجت زفيرا طويلا ووقفت ببطء

​تقدم نحوي وألقى حقيبة سوداء ثقيلة على الأرض

​الوقت يداهمنا دوريات النظام ضاعفت نشاطها في القطاع السابع

​فتح الحقيبة وأخرج منها بذلة غوص سوداء سميكة ومصنوعة من مادة مطاطية غريبة

​هذه بذلة حرارية عازلة صممت خصيصا لمهندسي المفاعلات النووية

​ستحافظ على حرارة جسدك في المياه المتجمدة لأطول فترة ممكنة

​أخرج أيضا قناعا زجاجيا موصولا بأسطوانة أكسجين صغيرة جدا

​هذا خزان هواء مضغوط يكفيك لعشرين دقيقة لا غير

​عشرين دقيقة هل هذا يكفي لعبور القناة المائية أسفل الجدار

​الأنبوب يمتد لثلاثة كيلومترات تحت الأرض إذا سبحت بأقصى سرعتك ستصل في ثماني عشرة دقيقة

​وماذا عن الدقيقتين المتبقيتين سألته وأنا أشعر بالاختناق من الآن

​تلك الدقيقتان هما هامش الخطأ المسموح لك به إذا واجهت أي عقبة ستموت غرقا

​ارتديت البذلة الحرارية بصعوبة كانت ضيقة جدا وتعصر جسدي

​زين ساعدني في تثبيت أسطوانة الأكسجين على ظهري وإحكام القناع حول وجهي

​تذكر يا يحيى بمجرد دخولك الأنبوب لا مجال للتراجع

​التيار المائي قوي جدا ويسحبك نحو القطاع الذهبي ولن تستطيع السباحة ضده

​إذا حاولت التراجع سيسحقك ضغط الماء ضد الشبكة الحديدية الأولى

​وإذا وصلت إلى القطاع الذهبي كيف سأجد ريتا وكيف سأسرق الشيفرة

​أخرج زين من جيبه جهازا معدنيا صغيرا يشبه الساعة وألبسني إياه في معصمي

​هذا جهاز تعقب واستقبال مشفر ريتا تعرف تردد هذا الجهاز

​بمجرد خروجك من حوض التصفية في القطاع الذهبي ستلتقط إشارتك وتأتي إليك

​وإذا لم تأت ماذا أفعل وأنا عالق في منطقة الأعداء

​إذا لم تأت خلال عشر دقائق اعتبر نفسك في عداد الموتى وتصرف على هذا الأساس

​حملنا معداتنا وغادرنا المسرح المهجور في جنح الظلام

​الجو في الخارج كان يزداد برودة والمطر الأسود تحول إلى صقيع حاد

​مشينا بخلسة بين المباني السكنية العالية التي تشبه السجون العمودية

​طائرات الدرون كانت تملأ السماء كأسراب من الحشرات الآلية المضيئة

​كان علينا التوقف والاختباء في كل مرة يمر فيها كشاف أحمر فوق رؤوسنا

​اقتربنا أخيرا من محطة تنقية المياه التي تقع في سفح الجدار الأسود العظيم

​المحطة كانت عبارة عن مجمع صناعي ضخم تحرسه قوات مدججة بالسلاح

​الأسوار مكهربة والكاميرات تغطي كل شبر من المكان

​كيف سندخل إلى هناك نصف جيش النظام يتمركز في هذه المحطة

​أنا لن أدخل أنت من سيدخل قال زين وهو ينظر إلى ساعة في معصمه

​بعد دقيقتين بالضبط سيتم تغيير وردية الحراس في البوابة الغربية

​هناك نافذة زمنية مدتها أربعون ثانية تنطفئ فيها الكاميرات لإعادة التشغيل الآلي

​في تلك الأربعين ثانية يجب أن تركض وتعبر السياج وتصل إلى حوض الضخ

​وإذا تأخرت ثانية واحدة سألته وأنا أبتلع ريقي بصعوبة

​ستتحول إلى رماد بواسطة أبراج الليزر الدفاعية الأمر بهذه البساطة

​اختبأنا خلف كومة من الأنابيب الإسمنتية الضخمة ننتظر اللحظة الحاسمة

​عيني مثبتة على البوابة الغربية حيث يقف حارسان آليان بكامل عتادهما

​الثواني تمر كالساعات وكل دقة من دقات قلبي تذكرني بالإشعاع الذي يأكلني

​فجأة تحرك الحارسان الآليان بآلية متزامنة وابتعدا عن البوابة

​انطفأت الأضواء الحمراء للكاميرات المثبتة على السور المكهرب

​الآن اركض صرخ زين بصوت خافت ولكنه حازم

​انطلقت كالسهم من مخبئي لم أركض هكذا في حياتي قط

​قدمي تضربان الأرض الموحلة بقوة والرياح الباردة تصفع وجهي

​تجاوزت البوابة المفتوحة جزئيا ودخلت إلى ساحة المحطة

​أمامي مباشرة كان يوجد حوض الضخ العملاق الذي تتدفق منه المياه نحو الأنابيب

​قفزت فوق السياج الداخلي للحوض وسقطت على المنصة المعدنية الزلقة

​نظرت خلفي رأيت الأضواء الحمراء للكاميرات تشتعل من جديد

​لقد نجحت عبرت في الوقت المناسب تماما

​لكن فرحتي لم تدم سوى جزء من الثانية

​صوت طنين ميكانيكي مرعب صدر من خلفي مباشرة

​استدرت ببطء لأجد كلبا آليا للحراسة يقف على بعد أمتار قليلة مني

​عيناه تومضان باللون الأحمر وفكاه المعدنيان يقطران زيوتا سوداء

​الكلب الآلي فتح فكيه وأصدر صوتا يشبه زمجرة وحش حقيقي

​رفع رأسه نحو السماء ليطلق صفارة الإنذار التي ستجلب كل حراس المحطة

​لم أفكر انقضضت عليه بكل ما أوتيت من قوة ويأس

​أمسكت بفكيه المعدنيين بيدي العاريتين محاولا منعه من إطلاق الإنذار

​قوة الكلب الآلي كانت هائلة أسقطني على المنصة المعدنية وصعد فوق صدري

​مخالبه الحادة مزقت الجزء العلوي من بذلتي الحرارية واخترقت لحمي

​صرخت من الألم لكنني لم أفلت فكيه

​إذا أصدر صوتا واحدا سأموت برصاص المحائين قبل أن أصل للماء

​أدخلت يدي اليمنى بقوة في فمه المعدني متجاهلا الشفرات الحادة التي تقطع أصابعي

​تحسست الأسلاك الداخلية وبحثت عن وحدة الصوت

​وجدتها وشددتها بكل قوتي حتى انقطعت وتناثرت الشرارات الكهربائية في وجهي

​الكلب الآلي اهتز بعنف ثم توقف عن الحركة تماما وانهار فوقي كقطعة خردة

​دفعت هيكله الثقيل عن صدري ونهضت وأنا ألهث والدم ينزف من يدي وكتفي

​ليس لدي وقت للألم يجب أن أنزل إلى الحوض فورا

​وضعت قناع الأكسجين على وجهي وأحكمت إغلاقه

​فتحت صمام الهواء وسمعت صوت الأكسجين يتدفق إلى القناع ببرودة

​نظرت إلى المياه السوداء الهائجة في الحوض العملاق

​الماء كان يدور في دوامة مرعبة يبتلع كل شيء نحو الأنبوب السفلي الضخم

​أغمضت عيني وقفزت في الجحيم السائل

​الصدمة الحرارية كانت قاتلة رغم البذلة العازلة شعرت وكأن آلاف الإبر تنغرز في عظامي

​برودة المياه شلت أطرافي للحظات وجعلتني أبتلع كمية من الهواء المضغوط بخوف

​قوة الشفط جذبتني بقسوة نحو الأسفل وأدخلتني في الأنبوب المظلم

​الظلام هنا لم يكن عاديا كان ظلاما ماديا يضغط على مقلتي عيني

​التيار المائي جرفني بسرعة جنونية لم أعد أتحكم في جسدي

​كنت أتدحرج وأصطدم بجدران الأنبوب المعدنية الزلقة

​حاولت تثبيت نفسي ومد ذراعي للأمام لحماية رأسي من الاصطدام

​كل شيء حولي كان أسود وباردا ومخيفا

​صوت اندفاع المياه في أذني كان يصم الآذان يشبه زئير وحش خرافي أبتلعني حيا

​بدأت أعد الدقائق في عقلي يجب أن أحافظ على هدوئي لتوفير الأكسجين

​الدقيقة الأولى مرت شعرت بأنها سنة كاملة

​النبض المشع في عروقي كان المصدر الوحيد للضوء في هذا القبر المائي

​يدي المضيئة بالأخضر المريض كانت تسبح أمامي كدليل على اقتراب أجلي

​تذكرت كلمات زين الأنبوب يمتد لثلاثة كيلومترات

​الدقيقة الخامسة البرودة بدأت تتسرب من الشق الذي أحدثه الكلب الآلي في بذلتي

​كتفي الأيسر تخدر بالكامل ولم أعد أشعر بيدي

​حاولت تحريك ساقي للسباحة مع التيار وزيادة سرعتي

​فجأة اصطدمت بشيء صلب ومرن في نفس الوقت

​تخبطت في الظلام وحاولت تحسس الشيء الذي يسد طريقي

​كانت شبكة معدنية ضخمة تفلتر الشوائب الكبيرة قبل وصول المياه للقطاع الذهبي

​زين لم يخبرني عن هذه الشبكة هل أخطأ في حساباته أم أن النظام أضافها مؤخرا

​التيار المائي كان يدفعني بقوة هائلة ضد الشبكة الحديدية ضاغطا صدري حتى كدت أختنق

​تحسست قضبان الشبكة بيدي السليمة محاولا إيجاد فجوة أو طريقة لكسرها

​القضبان كانت سميكة ومصنوعة من فولاذ لا يصدأ لا يمكن كسرها باليد المجردة

​الدقيقة العاشرة نصف كمية الأكسجين قد نفدت وأنا عالق هنا

​هل هذه هي النهاية هل سأموت غرقا في هذا الأنبوب اللعين

​شعرت باليأس يتسلل إلى قلبي بدأت أستسلم لضغط الماء وللبرودة القاتلة

​تخيلت وجه ريتا الذي لم أره أبدا هل ستبكي عندما لا أصل إليها

​تذكرت رسالتها أثبت لي أن هناك إنسانا واحدا قادرا على الحب

​غضب مفاجئ وعارم تفجر في داخلي لن أموت هنا كجرذ غارق

​لن أمنح النظام متعة محوي بصمت سأقاتل حتى آخر قطرة أكسجين

​بدأت أتحسس أطراف الشبكة بدقة أكبر لاحظت أن هناك مفصلا صدئا في الأسفل

​الماء المالح والمواد الكيميائية أكلت جزءا من الإطار المعدني في الزاوية السفلى

​وجهت كل قوتي المتبقية نحو ذلك المفصل الضعيف

​ضربته بقدمي مرارا وتكرارا وأنا أستند بظهري على تيار الماء القوي

​الأكسجين يتناقص الدقيقة الثانية عشرة تنفسي أصبح سريعا ومتقطعا

​مؤشر الضغط في القناع بدأ يصدر وميضا أحمر خافتا ينذر باقتراب النهاية

​مع الركلة الخامسة سمعت صوت طقطقة معدنية مكتومة تحت الماء

​المفصل انكسر والشبكة انزاحت قليلا تاركة فجوة ضيقة جدا في الأسفل

​حشرت رأسي وكتفي في الفجوة وحاولت سحب جسدي بالقوة

​المعدن الحاد مزق ما تبقى من بذلتي وخدش بطني وظهري بقسوة

​صرخت ألما في صمت الماء المالح يحرق جروحي المفتوحة كالنار

​دفعت نفسي بكل ما أملك من قوة وتمكنت أخيرا من العبور إلى الجانب الآخر

​التيار عاد ليجرفني بسرعة أكبر هذه المرة الأنبوب بدأ يضيق وينحدر نحو الأسفل

​الدقيقة الخامسة عشرة لم يتبق سوى خمس دقائق من الهواء

​رئتاي تحترقان وكل نفس أسحبه يبدو جافا ومؤلما

​البرودة وصلت إلى قلبي أطرافي كلها تشنجت ولم أعد قادرا على تحريكها

​أنا الآن مجرد جثة حية تطفو في مجرى مائي أسود

​بدأت أرى هلوسات بصرية ألوانا تتراقص في الظلام ووجوها تهمس باسمي

​رأيت والدي يبتسم لي ويمد يده لانتشالي من الماء

​ورأيت زين ينظر إلي بخيبة أمل ورأيت آلاف المحائين ينتظرونني في النهاية

​هلوسات نقص الأكسجين بدأت تفتك بعقلي يجب أن أبقى مستيقظا

​ضربت رأسي بيدي المضيئة لأستعيد وعيي الألم هو الشيء الوحيد الذي يبقيني حيا

​الدقيقة الثامنة عشرة الهواء يكاد ينعدم أصبحت أتنفس بصعوبة بالغة جدا

​فجأة رأيت ضوءا خافتا يلوح في نهاية الأنبوب المظلم

​ضوء أبيض نقي يشبه هالة ملائكية في نهاية نفق الموت

​هذه هي النهاية محطة التصفية في القطاع الذهبي أنا قريب جدا

​جمعت كل ما تبقى في جسدي المحطم من إرادة وحاولت السباحة نحو الضوء

​الأنبوب انتهى فجأة وقذفني التيار بعنف داخل حوض مائي مضاء بشدة

​فتحت عيني بصعوبة تحت الماء النقي والصافي كان المكان يبدو كحمام سباحة عملاق من الرخام الأبيض

​طفوت نحو السطح وكسرت حاجز الماء برأسي

​سحبت قناع الأكسجين الفارغ من وجهي ورميته بعيدا

​أخذت شهيقا عميقا وطويلا ملأت به رئتي المشتعلتين الهواء هنا كان مختلفا

​لم تكن فيه رائحة المصانع ولا دخان كازا 2050 كان هواء نقيا ومعطرا برائحة الزهور

​سحبت جسدي المنهك نحو حافة الحوض الرخامية وتمددت على الأرض ألهث بشدة

​أنا في القطاع الذهبي عالم الأسياد عالم من سلبونا إنسانيتنا

​المكان كان واسعا ومضاء بمصابيح ساطعة لا تكاد العين تتحملها

​الجدران بيضاء ناصعة خالية من أي بقعة وكل شيء يبدو معقما ومثاليا بشكل مخيف

​لا يوجد صوت للآلات ولا أزيز لطائرات الدرون فقط صمت وهدوء تام

​نظرت إلى جسدي البذلة ممزقة والدم يختلط بالماء على الأرضية الرخامية البيضاء

​يدي ما زالت تتوهج باللون الأخضرเตةเตة الإشعاع لم يتوقف

​رفعت معصمي ونظرت إلى جهاز التعقب الذي أعطاني إياه زين

​الجهاز كان يبعث نبضات حمراء صامتة يبحث عن إشارة ريتا

​يجب أن أختبئ أثار الدماء والماء ستفضح أمري في أي لحظة

​حاولت النهوض لكن ساقي خذلتاني وسقطت على ركبتي

​قواي انهارت بالكامل لم أعد أستطيع تحريك إصبع واحد

​فجأة سمعت صوت خطوات خفيفة تقترب من الممر المجاور للحوض

​خطوات لا تشبه وقع أحذية الحراس العسكرية بل خطوات ناعمة وهادئة

​رفعت رأسي بصعوبة وأنا أرتجف من البرد والإعياء

​ظهر ظل شخص يقف في نهاية الممر وضوء المصابيح القوي يخفي ملامحه

​حاولت التركيز لعلها ريتا لعلها جاءت لإنقاذي بالشيفرة والترياق

​اقترب الظل ببطء نحوي وتضحت معالمه تدريجيا

​لم تكن فتاة كان رجلا يرتدي بزة بيضاء ناصعة وربطة عنق فضية

​شعر أشيب مصفف بعناية ووجه خال من أي تجاعيد كأنه قناع من الشمع

​توقف أمامي ونظر إلي بازدراء كما ينظر إنسان إلى حشرة ميتة

​أخرج من جيبه منديلا حريريا أبيض ومسح به قطرة ماء تناثرت على حذائه اللامع

​مرحبا بك في القطاع الذهبي يا يحيى قال الرجل بصوت ناعم ومخيف

​اتسعت عيناي من الرعب كيف يعرف اسمي وكيف كان ينتظرني هنا

​حاولت التراجع إلى الخلف لكنني كنت عاجزا عن الحركة

​لقد تأخرت دقيقتين كاملتين عن الموعد الذي حدده نظام التنبؤ الخاص بي

​نظام التنبؤ عن ماذا تتحدث من أنت سألته بصوت مبحوح وضعيف

​ابتسم الرجل ابتسامة جليدية جعلت الدماء تتجمد في عروقي مرة أخرى

​أنا المهندس الأول للماسح العاطفي أنا من يقرأ عقولكم قبل أن تفكروا فيها

​وأنا أيضا أكون والد ريتا الفتاة الغبية التي ظننت أنك تستطيع خداعها وخداعي

​الكلمات وقعت علي كصاعقة دمرت كل أمل تبقى في قلبي

​لقد كان فخا منذ البداية لم تكن هناك مقاومة ولم تكن هناك رسائل سرية

​النظام كان يراقبني يخطط لكل خطوة قمت بها يتلاعب بمشاعري لاختبار آلاته

​رفع المهندس يده وأشار بإصبعه نحو الممر المظلم

​تقدم حارسان آليان ضخمان يختلفان عن كل ما رأيته في القطاع السابع

​كانا مصنوعين من معدن فضي لامع ومسلحين بعصي كهربائية متطورة

​خذوا هذا الخطأ صفر إلى مختبري السري قال المهندس وهو يستدير ليغادر

​أريد أن أدرس دماغه وهو حي قبل أن نمحو كل خلية فيه

​تقدم الحارسان الآليان نحوي ورفعا عصيهما المكهربة

​لم أملك حتى القوة لأصرخ عندما ضربتني الصعقة الكهربائية الأولى

​غاب وعيي تدريجيا وآخر ما رأيته كان دمي يلطخ الرخام الأبيض المثالي

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل المحو    الفصل السابع: الغرفة البيضاء (بداية التعذيب)

    ​استيقظتُ، أو هكذا خُيّل لي. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان انبعاثاً قسرياً في عالمٍ خالٍ من الظلال. البياض.. كان أول ما واجهني هو ذلك البياض الوحشي الذي لا يكتفي بكونه لوناً، بل هو سلاح يهاجم شبكية العين، يمزق الأجفان ويحرق الأمل في رؤية أي شيء آخر. بياضٌ معقم، مثالي، وخالٍ من أي عيب بشرِي، لدرجة تجعلك تشتاق لقطرة واحدة من ذلك الوحل الأسود الذي يغطي أزقة القطاع السابع. ​كنتُ ممدداً على طاولة معدنية باردة، باردة لدرجة أنني شعرت بمعدنها يمتص حرارة جسدي، يحول دمي إلى بلورات ثلجية. أطرافي كانت مقيدة بأصفاد كهرومغناطيسية تنبض بضوء أزرق خافت؛ كلما حاولتُ تحريك إصبع واحد، كانت الأصفاد تضيق، تذكرني بأنني لم أعد أملك حتى حق الارتجاف. ​هنا، في "الغرفة البيضاء"، الصمت له وزن. إنه صمتٌ ثقيل، لزج، طنين مستمر يخرج من الجدران وكأنه صوت ملايين العقول التي تم إفراغها هنا قبلي. الصمت في كازا 2060 كان دائماً ملغماً بضجيج المصانع وأزيز الدرون، لكن الصمت هنا.. الصمت هنا هو صوت "العدم". ​"المواطن يحيى، كود 774-B، مرحباً بك في منزلك الجديد.. منزلك الأخير"، انبعث الصوت من كل مكان ولا مكان في آن واحد. ل

  • رسائل المحو    الفصل السادس : اقتحام مفاجئ (رائحة الخيانة)

    كانت الشاشة تومض بضوء أحمر شاحب، يختلج كنبضات قلب يحتضر. كلمة "تم الإرسال" بقيت معلقة في الفراغ الرقمي، كحكم إعدام وقعته بيدي منذ ثوانٍ. في "ديستوبية 2060"، مجرد الضغط على زر الإرسال نحو الجانب المحرم من المدينة هو إعلان حرب مفتوحة على النظام. ​جلست في شقتي المعتمة، أستمع لقطرات المطر الحمضي وهي تضرب النافذة الذكية. هل فعلتها حقاً؟ هل رددت عليها؟ البرودة تسري في أطرافي، ليس من طقس كازا المصطنع، بل من رعب ما اقترفته للتو. ​الشك بدأ ينهش جمجمتي كدودة معدنية. من تكون "ريتا"؟ هل هي حقيقة تتنفس وتتألم خلف هذا الجدار الإسمنتي العازل، أم مجرد خوارزمية ذكية؟ هل هي طعم رقمي صُمم بعناية لاصطياد "الخلايا المريضة" والمتمردة مثلي؟ ​تذكرت رسالتها الأخيرة. كانت كلماتها تنزف وجعاً حقيقياً، كأنها نُسجت من رسائل كافكا إلى ميلينا. "أنا أختنق في هذا الكمال المبرمج يا يحيى... ألا تشعر بالبرد مثلي؟". كلماتها لم تكن مجرد نص، كانت استغاثة غريق. ​كنت أحتاجها. كان ألمي يحتاج إلى ألمها ليتأكد أنه لا يزال حياً. "أنا قذر ومريض يا ريتا، والنظام يطاردني ليعالجني من إنسانيتي"، همست في داخلي. جسدي يرتجف من فك

  • رسائل المحو    الفصل الخامس: الخطأ القاتل (الرد على الرسالة)

    ​الشاشة تومض ببرود في عتمة غرفتي المتهالكة، تلقي بظلال زرقاء شاحبة، مريضة، على جدران إسمنتية تقشر طلاؤها ليظهر معدن الصدأ تحتها كعروق ميتة. ​في الخارج، سماء "ديستوبية" لعام 2060 لا تمطر ماءً منذ سنوات. إنها تمطر ضجيجاً معدنياً لا ينقطع، ووميض إعلانات نيون ثلاثية الأبعاد تخترق شبكية العين حتى وأنت مغمض الجفنين. إعلانات تروج لـ "السعادة الكيميائية"، و"النسيان المريح"، و"الولاء المطلق للنظام". ​أجلس على كرسيي الدوار المكسور، وعمودي الفقري يتخذ شكل قوس الهزيمة. أصابعي ترتجف فوق لوحة المفاتيح القديمة ذات الأزرار الممسوحة. المؤشر على الشاشة ينبض كعرق مقطوع في رقبة محتضر، يطالبني باتخاذ قرار. يطالبني بخطوة نحو الهاوية. ​الرسالة المشفرة التي تركتها "ريتا" ما زالت تحرق شاشتي. كلماتها ليست مجرد حبر رقمي، بل هي حمض يذيب ما تبقى من خلايا عقلي السليمة التي برمجها النظام لتكون مطيعة. ​هل أرد؟ هل أكسر القاعدة الذهبية للبقاء في هذا العالم البلاستيكي؟ هل أضغط على هذا الزر اللعين وأعلن عن وجودي؟ ​النظام لا ينام أبداً. هنا في كازا، الهواء نفسه ملغم بخوارزميات الاستماع. طائرات "الدرون" الدقيقة المت

  • رسائل المحو    الفصل الرابع : عيون النظام لاتنام

    عيون النظام لاتنام الظلام في المسرح المهجور كان ثقيلا كالكفن​جلست على الأرضية الخشبية المتعفنة أراقب عروق يدي تضيء في العتمة​ضوء أخضر شاحب يسري تحت جلدي كديدان مضيئة تتغذى على دمي​ثمان وأربعون ساعة هذا هو كل ما تبقى لي من حياة​كل نبضة من قلبي تضخ النظائر المشعة في جسدي لتقربني من الموت المحتوم​زين تركني وحيدا في هذا الجحيم النفسي وذهب لجلب المعدات​الصمت هنا قاتل يجعلك تسمع أفكارك بوضوح مرعب​أفكاري لم تكن سوى كوابيس يقظة عن الغرفة البيضاء وعن والدي​تذكرت اليوم الذي أخذوا فيه والدي كنت طفلا أختبئ تحت السرير​رأيت أحذيتهم السوداء الثقيلة تسحقه على الأرض قبل أن يغرزوا إبرة في عنقه​عندما عاد بعد أسبوع لم يكن والدي كان مجرد هيكل بشري فارغ​لم يتعرف علي لم يبتسم ولم يبك أبدا حتى مات جوعا في صمت​الآن أنا أواجه نفس المصير أو مصيرا أبشع يتآكل فيه جسدي من الداخل​هل ريتا تستحق كل هذا العناء هل تستحق أن أموت من أجلها​هي ابنة جلادي ابنة من صمم آلة غسيل الأدمغة التي دمرت حياتنا​لكن كلماتها في تلك الرسالة كانت الشيء الوحيد الحقيقي في هذا العالم المزيف​كانت تبحث عن إنسان وأنا كنت أبحث ع

  • رسائل المحو    الفصل الثالث : الشيفرة الحمراء من تكون ريتا

    الشيفرة الحمراء من تكون ريتاالسيف الأزرق يخترق قطرات المطر الأسود ويهوي نحو عنقي​تراجعت إلى الخلف بحركة غريزية وسقطت على ظهري في الوحل​نصل السيف ضرب الجدار الإسمنتي فأصدر شرارة زرقاء أعمت بصري​من أنت صرخت وأنا أزحف إلى الوراء محاولا الهروب من الموت​الرجل ذو المعطف الأسود لم يجب بل رفع سيفه لضربة أخرى​نهضت بصعوبة وركضت نحو حاوية نفايات لأحتمي بها​السيف شطر الحاوية المعدنية إلى نصفين كأنها قطعة ورق​السائل الأزرق المقطر من النصل أذاب المعدن في ثوان​لم ترسلك ريتا لقتلي قلت وأنا ألهث هذا فخ من النظام​توقف الرجل فجأة وأنزل سيفه المشتعل قليلا​عيناه الباردتان تأملتاني من تحت قبعة معطفه المبلل​لو كنت من النظام لكنت الآن مجرد كومة من الرماد يا يحيى​تقدم نحوي بخطوات بطيئة وأعاد السيف إلى غمد في ظهره​قال إنه سيمحوني ماذا كان يقصد بذلك​أقصد محو هويتك الرقمية قال الرجل بصوت خافت​أخرج جهازا صغيرا من جيبه ووجهه نحوي​الجهاز أطلق شعاعا غير مرئي جعل رقبتي تحترق بشدة​وضعت يدي على مؤخرة عنقي حيث توجد شريحة الهوية الإجبارية​الشريحة كانت تذوب تحت الجلد وتصدر أزيزا خافتا​لقد أتلفت شريحتك

  • رسائل المحو    الفصل الثاني : مطاردة في الزقاق الميت

    مطاردة في الزقاق الميتجلست في العتمة التامة أراقب الورقة البيضاء​يدي ترتجف والقلم يبدو ثقيلا جدا في أصابعي​كيف أكتب رسالة وأنا لم أتعلم سوى لغة الطاعة والخضوع​الوقت يمر بسرعة وحقنة تثبيت المشاعر تنتظرني عند الفجر​يجب أن أترك لها دليلا على أنني كنت هنا أنني كنت إنسانا يوما ما​وضعت سن القلم على الورق وبدأت أكتب بلا وعي​أنا يحيى قرأت رسالتك وسمعت صوتك يتردد في عقلي المحطم​أنا لست من القطاع الذهبي أنا مجرد عامل في مصانع الفولاذ​لكن كلماتك أيقظت في داخلي شيئا ظننت أن النظام قتله منذ زمن​غدا سيحقنونني بمادة تمحو كل شعور لكنني سأقاوم​سأحاول أن أحتفظ باسمك في زاوية مظلمة من ذاكرتي لا يصل إليها الماسح​سأقاوم من أجل أن ألتقي بك يوما ما حتى لو كلفني ذلك حياتي​طويت الورقة بعناية فائقة كأنني أطوي روحي بداخلها​أخفيت الورقة في جيب معطفي الداخلي وتوجهت نحو الباب المكسور​نظرت إلى غرفتي للمرة الأخيرة ربما لن أعود إليها أبدا​تسللت إلى الممر الطويل الرائحة هنا دائما تشبه رائحة المستشفيات المهجورة​مصابيح الفلورسنت المكسورة تصدر طنينا مزعجا وتومض بضوء شاحب​يجب أن أتجنب كاميرات المراقبة ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status