ログインعيون النظام لاتنام
الظلام في المسرح المهجور كان ثقيلا كالكفن جلست على الأرضية الخشبية المتعفنة أراقب عروق يدي تضيء في العتمة ضوء أخضر شاحب يسري تحت جلدي كديدان مضيئة تتغذى على دمي ثمان وأربعون ساعة هذا هو كل ما تبقى لي من حياة كل نبضة من قلبي تضخ النظائر المشعة في جسدي لتقربني من الموت المحتوم زين تركني وحيدا في هذا الجحيم النفسي وذهب لجلب المعدات الصمت هنا قاتل يجعلك تسمع أفكارك بوضوح مرعب أفكاري لم تكن سوى كوابيس يقظة عن الغرفة البيضاء وعن والدي تذكرت اليوم الذي أخذوا فيه والدي كنت طفلا أختبئ تحت السرير رأيت أحذيتهم السوداء الثقيلة تسحقه على الأرض قبل أن يغرزوا إبرة في عنقه عندما عاد بعد أسبوع لم يكن والدي كان مجرد هيكل بشري فارغ لم يتعرف علي لم يبتسم ولم يبك أبدا حتى مات جوعا في صمت الآن أنا أواجه نفس المصير أو مصيرا أبشع يتآكل فيه جسدي من الداخل هل ريتا تستحق كل هذا العناء هل تستحق أن أموت من أجلها هي ابنة جلادي ابنة من صمم آلة غسيل الأدمغة التي دمرت حياتنا لكن كلماتها في تلك الرسالة كانت الشيء الوحيد الحقيقي في هذا العالم المزيف كانت تبحث عن إنسان وأنا كنت أبحث عن سبب لأشعر بأنني حي فجأة سمعت صوت صرير باب المسرح الخلفي يفتح ببطء تصلبت في مكاني وكتمت أنفاسي هل عاد زين أم أنها دورية للمحائين خطوات خفيفة ومدروسة تقترب من خشبة المسرح أخفيت يدي المضيئة تحت معطفي وتراجعت نحو زاوية مظلمة ظهر شعاع مصباح يدوي يمسح الكراسي الممزقة يحيى أين أنت اخرج لقد أحضرت المعدات كان صوت زين أخرجت زفيرا طويلا ووقفت ببطء تقدم نحوي وألقى حقيبة سوداء ثقيلة على الأرض الوقت يداهمنا دوريات النظام ضاعفت نشاطها في القطاع السابع فتح الحقيبة وأخرج منها بذلة غوص سوداء سميكة ومصنوعة من مادة مطاطية غريبة هذه بذلة حرارية عازلة صممت خصيصا لمهندسي المفاعلات النووية ستحافظ على حرارة جسدك في المياه المتجمدة لأطول فترة ممكنة أخرج أيضا قناعا زجاجيا موصولا بأسطوانة أكسجين صغيرة جدا هذا خزان هواء مضغوط يكفيك لعشرين دقيقة لا غير عشرين دقيقة هل هذا يكفي لعبور القناة المائية أسفل الجدار الأنبوب يمتد لثلاثة كيلومترات تحت الأرض إذا سبحت بأقصى سرعتك ستصل في ثماني عشرة دقيقة وماذا عن الدقيقتين المتبقيتين سألته وأنا أشعر بالاختناق من الآن تلك الدقيقتان هما هامش الخطأ المسموح لك به إذا واجهت أي عقبة ستموت غرقا ارتديت البذلة الحرارية بصعوبة كانت ضيقة جدا وتعصر جسدي زين ساعدني في تثبيت أسطوانة الأكسجين على ظهري وإحكام القناع حول وجهي تذكر يا يحيى بمجرد دخولك الأنبوب لا مجال للتراجع التيار المائي قوي جدا ويسحبك نحو القطاع الذهبي ولن تستطيع السباحة ضده إذا حاولت التراجع سيسحقك ضغط الماء ضد الشبكة الحديدية الأولى وإذا وصلت إلى القطاع الذهبي كيف سأجد ريتا وكيف سأسرق الشيفرة أخرج زين من جيبه جهازا معدنيا صغيرا يشبه الساعة وألبسني إياه في معصمي هذا جهاز تعقب واستقبال مشفر ريتا تعرف تردد هذا الجهاز بمجرد خروجك من حوض التصفية في القطاع الذهبي ستلتقط إشارتك وتأتي إليك وإذا لم تأت ماذا أفعل وأنا عالق في منطقة الأعداء إذا لم تأت خلال عشر دقائق اعتبر نفسك في عداد الموتى وتصرف على هذا الأساس حملنا معداتنا وغادرنا المسرح المهجور في جنح الظلام الجو في الخارج كان يزداد برودة والمطر الأسود تحول إلى صقيع حاد مشينا بخلسة بين المباني السكنية العالية التي تشبه السجون العمودية طائرات الدرون كانت تملأ السماء كأسراب من الحشرات الآلية المضيئة كان علينا التوقف والاختباء في كل مرة يمر فيها كشاف أحمر فوق رؤوسنا اقتربنا أخيرا من محطة تنقية المياه التي تقع في سفح الجدار الأسود العظيم المحطة كانت عبارة عن مجمع صناعي ضخم تحرسه قوات مدججة بالسلاح الأسوار مكهربة والكاميرات تغطي كل شبر من المكان كيف سندخل إلى هناك نصف جيش النظام يتمركز في هذه المحطة أنا لن أدخل أنت من سيدخل قال زين وهو ينظر إلى ساعة في معصمه بعد دقيقتين بالضبط سيتم تغيير وردية الحراس في البوابة الغربية هناك نافذة زمنية مدتها أربعون ثانية تنطفئ فيها الكاميرات لإعادة التشغيل الآلي في تلك الأربعين ثانية يجب أن تركض وتعبر السياج وتصل إلى حوض الضخ وإذا تأخرت ثانية واحدة سألته وأنا أبتلع ريقي بصعوبة ستتحول إلى رماد بواسطة أبراج الليزر الدفاعية الأمر بهذه البساطة اختبأنا خلف كومة من الأنابيب الإسمنتية الضخمة ننتظر اللحظة الحاسمة عيني مثبتة على البوابة الغربية حيث يقف حارسان آليان بكامل عتادهما الثواني تمر كالساعات وكل دقة من دقات قلبي تذكرني بالإشعاع الذي يأكلني فجأة تحرك الحارسان الآليان بآلية متزامنة وابتعدا عن البوابة انطفأت الأضواء الحمراء للكاميرات المثبتة على السور المكهرب الآن اركض صرخ زين بصوت خافت ولكنه حازم انطلقت كالسهم من مخبئي لم أركض هكذا في حياتي قط قدمي تضربان الأرض الموحلة بقوة والرياح الباردة تصفع وجهي تجاوزت البوابة المفتوحة جزئيا ودخلت إلى ساحة المحطة أمامي مباشرة كان يوجد حوض الضخ العملاق الذي تتدفق منه المياه نحو الأنابيب قفزت فوق السياج الداخلي للحوض وسقطت على المنصة المعدنية الزلقة نظرت خلفي رأيت الأضواء الحمراء للكاميرات تشتعل من جديد لقد نجحت عبرت في الوقت المناسب تماما لكن فرحتي لم تدم سوى جزء من الثانية صوت طنين ميكانيكي مرعب صدر من خلفي مباشرة استدرت ببطء لأجد كلبا آليا للحراسة يقف على بعد أمتار قليلة مني عيناه تومضان باللون الأحمر وفكاه المعدنيان يقطران زيوتا سوداء الكلب الآلي فتح فكيه وأصدر صوتا يشبه زمجرة وحش حقيقي رفع رأسه نحو السماء ليطلق صفارة الإنذار التي ستجلب كل حراس المحطة لم أفكر انقضضت عليه بكل ما أوتيت من قوة ويأس أمسكت بفكيه المعدنيين بيدي العاريتين محاولا منعه من إطلاق الإنذار قوة الكلب الآلي كانت هائلة أسقطني على المنصة المعدنية وصعد فوق صدري مخالبه الحادة مزقت الجزء العلوي من بذلتي الحرارية واخترقت لحمي صرخت من الألم لكنني لم أفلت فكيه إذا أصدر صوتا واحدا سأموت برصاص المحائين قبل أن أصل للماء أدخلت يدي اليمنى بقوة في فمه المعدني متجاهلا الشفرات الحادة التي تقطع أصابعي تحسست الأسلاك الداخلية وبحثت عن وحدة الصوت وجدتها وشددتها بكل قوتي حتى انقطعت وتناثرت الشرارات الكهربائية في وجهي الكلب الآلي اهتز بعنف ثم توقف عن الحركة تماما وانهار فوقي كقطعة خردة دفعت هيكله الثقيل عن صدري ونهضت وأنا ألهث والدم ينزف من يدي وكتفي ليس لدي وقت للألم يجب أن أنزل إلى الحوض فورا وضعت قناع الأكسجين على وجهي وأحكمت إغلاقه فتحت صمام الهواء وسمعت صوت الأكسجين يتدفق إلى القناع ببرودة نظرت إلى المياه السوداء الهائجة في الحوض العملاق الماء كان يدور في دوامة مرعبة يبتلع كل شيء نحو الأنبوب السفلي الضخم أغمضت عيني وقفزت في الجحيم السائل الصدمة الحرارية كانت قاتلة رغم البذلة العازلة شعرت وكأن آلاف الإبر تنغرز في عظامي برودة المياه شلت أطرافي للحظات وجعلتني أبتلع كمية من الهواء المضغوط بخوف قوة الشفط جذبتني بقسوة نحو الأسفل وأدخلتني في الأنبوب المظلم الظلام هنا لم يكن عاديا كان ظلاما ماديا يضغط على مقلتي عيني التيار المائي جرفني بسرعة جنونية لم أعد أتحكم في جسدي كنت أتدحرج وأصطدم بجدران الأنبوب المعدنية الزلقة حاولت تثبيت نفسي ومد ذراعي للأمام لحماية رأسي من الاصطدام كل شيء حولي كان أسود وباردا ومخيفا صوت اندفاع المياه في أذني كان يصم الآذان يشبه زئير وحش خرافي أبتلعني حيا بدأت أعد الدقائق في عقلي يجب أن أحافظ على هدوئي لتوفير الأكسجين الدقيقة الأولى مرت شعرت بأنها سنة كاملة النبض المشع في عروقي كان المصدر الوحيد للضوء في هذا القبر المائي يدي المضيئة بالأخضر المريض كانت تسبح أمامي كدليل على اقتراب أجلي تذكرت كلمات زين الأنبوب يمتد لثلاثة كيلومترات الدقيقة الخامسة البرودة بدأت تتسرب من الشق الذي أحدثه الكلب الآلي في بذلتي كتفي الأيسر تخدر بالكامل ولم أعد أشعر بيدي حاولت تحريك ساقي للسباحة مع التيار وزيادة سرعتي فجأة اصطدمت بشيء صلب ومرن في نفس الوقت تخبطت في الظلام وحاولت تحسس الشيء الذي يسد طريقي كانت شبكة معدنية ضخمة تفلتر الشوائب الكبيرة قبل وصول المياه للقطاع الذهبي زين لم يخبرني عن هذه الشبكة هل أخطأ في حساباته أم أن النظام أضافها مؤخرا التيار المائي كان يدفعني بقوة هائلة ضد الشبكة الحديدية ضاغطا صدري حتى كدت أختنق تحسست قضبان الشبكة بيدي السليمة محاولا إيجاد فجوة أو طريقة لكسرها القضبان كانت سميكة ومصنوعة من فولاذ لا يصدأ لا يمكن كسرها باليد المجردة الدقيقة العاشرة نصف كمية الأكسجين قد نفدت وأنا عالق هنا هل هذه هي النهاية هل سأموت غرقا في هذا الأنبوب اللعين شعرت باليأس يتسلل إلى قلبي بدأت أستسلم لضغط الماء وللبرودة القاتلة تخيلت وجه ريتا الذي لم أره أبدا هل ستبكي عندما لا أصل إليها تذكرت رسالتها أثبت لي أن هناك إنسانا واحدا قادرا على الحب غضب مفاجئ وعارم تفجر في داخلي لن أموت هنا كجرذ غارق لن أمنح النظام متعة محوي بصمت سأقاتل حتى آخر قطرة أكسجين بدأت أتحسس أطراف الشبكة بدقة أكبر لاحظت أن هناك مفصلا صدئا في الأسفل الماء المالح والمواد الكيميائية أكلت جزءا من الإطار المعدني في الزاوية السفلى وجهت كل قوتي المتبقية نحو ذلك المفصل الضعيف ضربته بقدمي مرارا وتكرارا وأنا أستند بظهري على تيار الماء القوي الأكسجين يتناقص الدقيقة الثانية عشرة تنفسي أصبح سريعا ومتقطعا مؤشر الضغط في القناع بدأ يصدر وميضا أحمر خافتا ينذر باقتراب النهاية مع الركلة الخامسة سمعت صوت طقطقة معدنية مكتومة تحت الماء المفصل انكسر والشبكة انزاحت قليلا تاركة فجوة ضيقة جدا في الأسفل حشرت رأسي وكتفي في الفجوة وحاولت سحب جسدي بالقوة المعدن الحاد مزق ما تبقى من بذلتي وخدش بطني وظهري بقسوة صرخت ألما في صمت الماء المالح يحرق جروحي المفتوحة كالنار دفعت نفسي بكل ما أملك من قوة وتمكنت أخيرا من العبور إلى الجانب الآخر التيار عاد ليجرفني بسرعة أكبر هذه المرة الأنبوب بدأ يضيق وينحدر نحو الأسفل الدقيقة الخامسة عشرة لم يتبق سوى خمس دقائق من الهواء رئتاي تحترقان وكل نفس أسحبه يبدو جافا ومؤلما البرودة وصلت إلى قلبي أطرافي كلها تشنجت ولم أعد قادرا على تحريكها أنا الآن مجرد جثة حية تطفو في مجرى مائي أسود بدأت أرى هلوسات بصرية ألوانا تتراقص في الظلام ووجوها تهمس باسمي رأيت والدي يبتسم لي ويمد يده لانتشالي من الماء ورأيت زين ينظر إلي بخيبة أمل ورأيت آلاف المحائين ينتظرونني في النهاية هلوسات نقص الأكسجين بدأت تفتك بعقلي يجب أن أبقى مستيقظا ضربت رأسي بيدي المضيئة لأستعيد وعيي الألم هو الشيء الوحيد الذي يبقيني حيا الدقيقة الثامنة عشرة الهواء يكاد ينعدم أصبحت أتنفس بصعوبة بالغة جدا فجأة رأيت ضوءا خافتا يلوح في نهاية الأنبوب المظلم ضوء أبيض نقي يشبه هالة ملائكية في نهاية نفق الموت هذه هي النهاية محطة التصفية في القطاع الذهبي أنا قريب جدا جمعت كل ما تبقى في جسدي المحطم من إرادة وحاولت السباحة نحو الضوء الأنبوب انتهى فجأة وقذفني التيار بعنف داخل حوض مائي مضاء بشدة فتحت عيني بصعوبة تحت الماء النقي والصافي كان المكان يبدو كحمام سباحة عملاق من الرخام الأبيض طفوت نحو السطح وكسرت حاجز الماء برأسي سحبت قناع الأكسجين الفارغ من وجهي ورميته بعيدا أخذت شهيقا عميقا وطويلا ملأت به رئتي المشتعلتين الهواء هنا كان مختلفا لم تكن فيه رائحة المصانع ولا دخان كازا 2050 كان هواء نقيا ومعطرا برائحة الزهور سحبت جسدي المنهك نحو حافة الحوض الرخامية وتمددت على الأرض ألهث بشدة أنا في القطاع الذهبي عالم الأسياد عالم من سلبونا إنسانيتنا المكان كان واسعا ومضاء بمصابيح ساطعة لا تكاد العين تتحملها الجدران بيضاء ناصعة خالية من أي بقعة وكل شيء يبدو معقما ومثاليا بشكل مخيف لا يوجد صوت للآلات ولا أزيز لطائرات الدرون فقط صمت وهدوء تام نظرت إلى جسدي البذلة ممزقة والدم يختلط بالماء على الأرضية الرخامية البيضاء يدي ما زالت تتوهج باللون الأخضرเตةเตة الإشعاع لم يتوقف رفعت معصمي ونظرت إلى جهاز التعقب الذي أعطاني إياه زين الجهاز كان يبعث نبضات حمراء صامتة يبحث عن إشارة ريتا يجب أن أختبئ أثار الدماء والماء ستفضح أمري في أي لحظة حاولت النهوض لكن ساقي خذلتاني وسقطت على ركبتي قواي انهارت بالكامل لم أعد أستطيع تحريك إصبع واحد فجأة سمعت صوت خطوات خفيفة تقترب من الممر المجاور للحوض خطوات لا تشبه وقع أحذية الحراس العسكرية بل خطوات ناعمة وهادئة رفعت رأسي بصعوبة وأنا أرتجف من البرد والإعياء ظهر ظل شخص يقف في نهاية الممر وضوء المصابيح القوي يخفي ملامحه حاولت التركيز لعلها ريتا لعلها جاءت لإنقاذي بالشيفرة والترياق اقترب الظل ببطء نحوي وتضحت معالمه تدريجيا لم تكن فتاة كان رجلا يرتدي بزة بيضاء ناصعة وربطة عنق فضية شعر أشيب مصفف بعناية ووجه خال من أي تجاعيد كأنه قناع من الشمع توقف أمامي ونظر إلي بازدراء كما ينظر إنسان إلى حشرة ميتة أخرج من جيبه منديلا حريريا أبيض ومسح به قطرة ماء تناثرت على حذائه اللامع مرحبا بك في القطاع الذهبي يا يحيى قال الرجل بصوت ناعم ومخيف اتسعت عيناي من الرعب كيف يعرف اسمي وكيف كان ينتظرني هنا حاولت التراجع إلى الخلف لكنني كنت عاجزا عن الحركة لقد تأخرت دقيقتين كاملتين عن الموعد الذي حدده نظام التنبؤ الخاص بي نظام التنبؤ عن ماذا تتحدث من أنت سألته بصوت مبحوح وضعيف ابتسم الرجل ابتسامة جليدية جعلت الدماء تتجمد في عروقي مرة أخرى أنا المهندس الأول للماسح العاطفي أنا من يقرأ عقولكم قبل أن تفكروا فيها وأنا أيضا أكون والد ريتا الفتاة الغبية التي ظننت أنك تستطيع خداعها وخداعي الكلمات وقعت علي كصاعقة دمرت كل أمل تبقى في قلبي لقد كان فخا منذ البداية لم تكن هناك مقاومة ولم تكن هناك رسائل سرية النظام كان يراقبني يخطط لكل خطوة قمت بها يتلاعب بمشاعري لاختبار آلاته رفع المهندس يده وأشار بإصبعه نحو الممر المظلم تقدم حارسان آليان ضخمان يختلفان عن كل ما رأيته في القطاع السابع كانا مصنوعين من معدن فضي لامع ومسلحين بعصي كهربائية متطورة خذوا هذا الخطأ صفر إلى مختبري السري قال المهندس وهو يستدير ليغادر أريد أن أدرس دماغه وهو حي قبل أن نمحو كل خلية فيه تقدم الحارسان الآليان نحوي ورفعا عصيهما المكهربة لم أملك حتى القوة لأصرخ عندما ضربتني الصعقة الكهربائية الأولى غاب وعيي تدريجيا وآخر ما رأيته كان دمي يلطخ الرخام الأبيض المثاليكانت الكرة الطاقية المتشكلة من اصطدام النور الأعظم بشعاع المحو الأزرق تتضخم في كبد السماء كشمس وليدة تتخبط في رحم العاصفة وكان الضجيج الناتج عن هذا التلاحم الكوني يتجاوز قدرة حواسنا البشرية على الاستيعاب فلم نعد نسمع أصوات الانفجارات بل كنا نشعر بها كتمزقات في نسيج الواقع نفسه وقفت على قمة برج القيادة المركزي وأنا أضغط بكل ما أوتيت من قوة وإرادة على قلب المدفع الأبيض وكنت أضخ فيه آخر قطرات طاقتي الأرجوانية التي كانت تغلي في عروقي كحمم بركانية ترفض الانطفاء كانت الرياح العاتية الناتجة عن التصادم تعصف بنا وتكاد تقتلعنا من مكاننا وكان جسد أخي زين الملقى بجانبي يرتجف بشدة بعد أن احترقت كل أنظمته الميكانيكية وبقي يتنفس بصعوبة بالغة معتمدا على قلبه البشري الصغير الذي أبى أن يستسلم للموت في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ الأراضي المنسية نظرت إلى الأعلى فرأيت أن الشعاع الأزرق البارد والمنظم الذي أطلقته سفينة ديستوبية العملاقة بدأ يضغط بقوة هائلة على نورنا الأبيض والأرجواني محاولا دفعه نحو الأسفل وسحقنا كانت تكنولوجيا الإمبراطورية تعتمد على حسابات رياضية دقيقة وطاقة مستمدة من استعباد الكوكب بأك
كانت السماء التي انشقت فوق رؤوسنا لا تشبه أي سماء قرأنا عنها في الكتب القديمة أو حلمنا بها في ليالي الكهوف المظلمة لم تكن زرقاء صافية ولا مرصعة بالنجوم بل كانت لوحة فوضوية من الغيوم السوداء الكثيفة التي تتلوى كأفاعي عملاقة في محيط من البرق الأحمر الدموي ومن قلب هذا الجحيم السماوي كانت سفينة القيادة الكبرى لديستوبية تهبط ببطء شديد وبشكل يتحدى كل قوانين الجاذبية والفيزياء كانت تبدو وكأنها قارة معدنية طائرة مقلوبة رأسا على عقب مليئة بالأبراج الفولاذية المدببة والمفاعلات الضخمة التي تنفث نيرانا زرقاء شاحبة وتصدر هديرا منخفضا يزلزل الأرض من تحتنا ويجعل الهواء نفسه ثقيلا وصعبا على التنفس كان حجم السفينة مرعبا لدرجة أن ظلها ابتلع الأراضي المنسية بأكملها وحول نهارنا المكتشف للتو إلى ليل دامس ومخيف ينذر بنهاية كل شيء وقفنا جميعا في ساحة المحطة البيضاء المحطمة نراقب هذا الكيان الأسطوري وعقولنا عاجزة تماما عن استيعاب حجم الكارثة التي حلت بنا لقد ظننا أن تدمير آلة المحو الكبرى كان الانتصار النهائي الذي سيمنحنا حريتنا لكننا أدركنا الآن أن ديستوبية لم تكن مجرد جيش من الآلات والجنود بل كانت نظاما
كانت جدران قاعة المفاعل المركزي تذوب حرفيا من شدة الحرارة المنبعثة من الأسطوانة الزجاجية المتصدعة التي لم تعد قادرة على احتواء طاقة البلازما الهائجة بداخلها وكان الضوء الأبيض الساطع يعمي الأبصار ويحيل الظلام إلى نهار حارق يلتهم كل ما يحيط به سندت جسد زين الثقيل جدا على كتفي الأيمن ووضعت ذراعه السليمة حول عنقي محاولا تجاهل الوزن الهائل للدروع المعدنية والقطع الميكانيكية التي تشكل نصف جسده لم تكن هذه مجرد عملية إنقاذ عادية بل كانت سباقا مجنونا ضد أجزاء الثواني قبل أن يتحول هذا الوحش الفولاذي بأكمله إلى قنبلة نووية تمسح المحطة القديمة وكل من يقف على أرضها من الوجود بدأنا نتحرك بصعوبة بالغة نحو المخرج الذي دخلت منه وكانت الأرضية المعدنية تحت أقدامنا تهتز بعنف شديد وتتشقق لتخرج منها ألسنة اللهب الأزرق والأحمر وكان زين يجر قدميه جرا ويسعل باستمرار ليخرج قطرات من الدم الممزوج بالزيت الأسود من فمه ولكنه رغم ذلك كان يحاول دفع نفسه لمساعدتي في المشي وعدم تشكيل عبء كامل علي صرخت فيه بصوت عال لأتغلب على هدير المفاعل الذي يصم الآذان وطلبت منه أن يتماسك وأن يبقي عينه البشرية مفتوحة وأن لا يستسلم
وقفت متسمرا في مكاني وقطرات العرق البارد تتساقط من جبيني لتختلط بالدماء التي تغطي وجهي وعيناي مفتوحتان بأقصى اتساعهما من هول الصدمة التي شلت تفكيري للحظات لم أكن أصدق ما تراه عيناي في قلب هذه الغرفة الجهنمية التي تضاء بوهج البلازما الحمراء المتلاطمة داخل المفاعل المركزي لآلة المحو الكبرى الشخص الذي كان يقف أمامي ببرود قاتل مرتديا ذلك الدرع الميكانيكي الأسود والمزود بأسلحة متطورة لم يكن مجرد جندي آلي آخر من جنود ديستوبية بل كان زين نعم إنه زين أخي الصغير ورفيق دربي الذي رأيته يسقط أمام عيني في معركة تهريب الأطفال القديمة والذي حفرت له قبرا وهميا في قلبي وبكيت عليه حتى جفت دموعي ظننت أن تضحيته في ذلك اليوم المشؤوم كانت النهاية لكن ديستوبية البشعة لم تكتف بسرقة حياته بل سرقت موته أيضا وحولته إلى سلاح فتاك بلا عقل ولا رحمة ليكون الحارس الأخير لآلة الدمار التي ستسحقنا جميعا كان جسد زين قد خضع لتعديلات ميكانيكية مرعبة ومقززة حيث تم استبدال ذراعه اليمنى بالكامل بمدفع طاقة مدمج ينبض بضوء أحمر خبيث وتم تغطية نصف وجهه الأيسر بصفيحة معدنية سوداء تتوسطها عدسة إلكترونية تتحرك بآلية وتصدر طنينا خ
كانت آلة المحو الكبرى تقف أمامنا كجبل من الفولاذ الأسود يتحرك على عجلات مجنزرة بحجم بنايات سكنية وتطحن تحت ثقلها المرعب كل شيء يعترض طريقها لم تكن مجرد دبابة عملاقة بل كانت مصنعا متحركا للموت والدمار الشامل واجهتها الأمامية مزودة بمثاقب هائلة تدور بسرعة جنونية وتنفث ألسنة من اللهب الأزرق الحارق بينما كانت جوانبها مدججة بمدافع ليزرية تطلق أشعتها الحمراء بشكل عشوائي ومكثف لتمسح كل أثر للحياة من على وجه الأرض كان هدير محركاتها الداخلية يصم الآذان ويجعل الهواء نفسه يرتجف وكأن الكوكب بأسره يئن تحت وطأة هذا الكيان الميكانيكي الشيطاني الذي أرسلته ديستوبية لإنهاء وجودنا إلى الأبد وسط هذا الجحيم المستعر والضجيج الذي يمزق الطبلة تبادلت نظرة سريعة وحاسمة مع ريتا وعمار لم نكن بحاجة إلى كلمات لتبادل الخطط فالوقت كان أضيق من أن نضيعه في الشرح أومأ عمار برأسه إيماءة المقاتل الذي يعرف أن تضحيته هي الثمن الوحيد للنجاة واستدار نحو رجاله الذين كانوا يحتمون خلف المتاريس البيضاء المتصدعة ورفع بندقيته الضوئية عاليا وصرخ بأعلى صوته آمرا إياهم بتركيز كل نيرانهم على العدسات البصرية والمستشعرات الحرارية المو
تسمرت أعيننا جميعا أمام الشاشة الثلاثية الأبعاد التي كانت تطفو في وسط قاعة القيادة البيضاء وتلقي بظلالها الحمراء المرعبة على وجوهنا المنهكة كانت النقاط الحمراء الضخمة التي ظهرت على الخريطة لا تمثل مجرد جنود أو آلات عادية بل كانت تشير إلى كيانات ميكانيكية هائلة الحجم تتحرك بتناسق مرعب نحو موقعنا وكأنها وحوش أسطورية استيقظت من سباتها لتبتلع آخر بصيص من النور في هذا العالم السفلي كان الصمت الذي ساد القاعة ثقيلا جدا ومميزا لا يقطعه سوى طنين النواة المركزية التي بدأت تندمج فيها طاقتي الأرجوانية مع النور الأبيض النقي لتخلق هالة من الطاقة الهادئة التي تتناقض تماما مع الخطر الداهم الذي يزحف نحونا من كل الجهات ليغلق علينا كل منافذ النجاة الممكنة ويحول هذه المحطة الأسطورية إلى مقبرة جماعية لنا جميعا التفتت نحو الحكيمة العجوز التي كانت تراقب الشاشة بتركيز شديد وتتحرك أصابعها المرتجفة بسرعة على لوحات التحكم الزجاجية الشفافة في محاولة لفك تشفير البيانات القديمة للمحطة ومعرفة طبيعة التهديد الذي نواجهه سألتها بصوت خافت يحمل في طياته مزيجا من القلق والتحدي عن ماهية هذه النقاط الحمراء الضخمة التي تق







