LOGINعيون النظام لاتنام
الظلام في المسرح المهجور كان ثقيلا كالكفن جلست على الأرضية الخشبية المتعفنة أراقب عروق يدي تضيء في العتمة ضوء أخضر شاحب يسري تحت جلدي كديدان مضيئة تتغذى على دمي ثمان وأربعون ساعة هذا هو كل ما تبقى لي من حياة كل نبضة من قلبي تضخ النظائر المشعة في جسدي لتقربني من الموت المحتوم زين تركني وحيدا في هذا الجحيم النفسي وذهب لجلب المعدات الصمت هنا قاتل يجعلك تسمع أفكارك بوضوح مرعب أفكاري لم تكن سوى كوابيس يقظة عن الغرفة البيضاء وعن والدي تذكرت اليوم الذي أخذوا فيه والدي كنت طفلا أختبئ تحت السرير رأيت أحذيتهم السوداء الثقيلة تسحقه على الأرض قبل أن يغرزوا إبرة في عنقه عندما عاد بعد أسبوع لم يكن والدي كان مجرد هيكل بشري فارغ لم يتعرف علي لم يبتسم ولم يبك أبدا حتى مات جوعا في صمت الآن أنا أواجه نفس المصير أو مصيرا أبشع يتآكل فيه جسدي من الداخل هل ريتا تستحق كل هذا العناء هل تستحق أن أموت من أجلها هي ابنة جلادي ابنة من صمم آلة غسيل الأدمغة التي دمرت حياتنا لكن كلماتها في تلك الرسالة كانت الشيء الوحيد الحقيقي في هذا العالم المزيف كانت تبحث عن إنسان وأنا كنت أبحث عن سبب لأشعر بأنني حي فجأة سمعت صوت صرير باب المسرح الخلفي يفتح ببطء تصلبت في مكاني وكتمت أنفاسي هل عاد زين أم أنها دورية للمحائين خطوات خفيفة ومدروسة تقترب من خشبة المسرح أخفيت يدي المضيئة تحت معطفي وتراجعت نحو زاوية مظلمة ظهر شعاع مصباح يدوي يمسح الكراسي الممزقة يحيى أين أنت اخرج لقد أحضرت المعدات كان صوت زين أخرجت زفيرا طويلا ووقفت ببطء تقدم نحوي وألقى حقيبة سوداء ثقيلة على الأرض الوقت يداهمنا دوريات النظام ضاعفت نشاطها في القطاع السابع فتح الحقيبة وأخرج منها بذلة غوص سوداء سميكة ومصنوعة من مادة مطاطية غريبة هذه بذلة حرارية عازلة صممت خصيصا لمهندسي المفاعلات النووية ستحافظ على حرارة جسدك في المياه المتجمدة لأطول فترة ممكنة أخرج أيضا قناعا زجاجيا موصولا بأسطوانة أكسجين صغيرة جدا هذا خزان هواء مضغوط يكفيك لعشرين دقيقة لا غير عشرين دقيقة هل هذا يكفي لعبور القناة المائية أسفل الجدار الأنبوب يمتد لثلاثة كيلومترات تحت الأرض إذا سبحت بأقصى سرعتك ستصل في ثماني عشرة دقيقة وماذا عن الدقيقتين المتبقيتين سألته وأنا أشعر بالاختناق من الآن تلك الدقيقتان هما هامش الخطأ المسموح لك به إذا واجهت أي عقبة ستموت غرقا ارتديت البذلة الحرارية بصعوبة كانت ضيقة جدا وتعصر جسدي زين ساعدني في تثبيت أسطوانة الأكسجين على ظهري وإحكام القناع حول وجهي تذكر يا يحيى بمجرد دخولك الأنبوب لا مجال للتراجع التيار المائي قوي جدا ويسحبك نحو القطاع الذهبي ولن تستطيع السباحة ضده إذا حاولت التراجع سيسحقك ضغط الماء ضد الشبكة الحديدية الأولى وإذا وصلت إلى القطاع الذهبي كيف سأجد ريتا وكيف سأسرق الشيفرة أخرج زين من جيبه جهازا معدنيا صغيرا يشبه الساعة وألبسني إياه في معصمي هذا جهاز تعقب واستقبال مشفر ريتا تعرف تردد هذا الجهاز بمجرد خروجك من حوض التصفية في القطاع الذهبي ستلتقط إشارتك وتأتي إليك وإذا لم تأت ماذا أفعل وأنا عالق في منطقة الأعداء إذا لم تأت خلال عشر دقائق اعتبر نفسك في عداد الموتى وتصرف على هذا الأساس حملنا معداتنا وغادرنا المسرح المهجور في جنح الظلام الجو في الخارج كان يزداد برودة والمطر الأسود تحول إلى صقيع حاد مشينا بخلسة بين المباني السكنية العالية التي تشبه السجون العمودية طائرات الدرون كانت تملأ السماء كأسراب من الحشرات الآلية المضيئة كان علينا التوقف والاختباء في كل مرة يمر فيها كشاف أحمر فوق رؤوسنا اقتربنا أخيرا من محطة تنقية المياه التي تقع في سفح الجدار الأسود العظيم المحطة كانت عبارة عن مجمع صناعي ضخم تحرسه قوات مدججة بالسلاح الأسوار مكهربة والكاميرات تغطي كل شبر من المكان كيف سندخل إلى هناك نصف جيش النظام يتمركز في هذه المحطة أنا لن أدخل أنت من سيدخل قال زين وهو ينظر إلى ساعة في معصمه بعد دقيقتين بالضبط سيتم تغيير وردية الحراس في البوابة الغربية هناك نافذة زمنية مدتها أربعون ثانية تنطفئ فيها الكاميرات لإعادة التشغيل الآلي في تلك الأربعين ثانية يجب أن تركض وتعبر السياج وتصل إلى حوض الضخ وإذا تأخرت ثانية واحدة سألته وأنا أبتلع ريقي بصعوبة ستتحول إلى رماد بواسطة أبراج الليزر الدفاعية الأمر بهذه البساطة اختبأنا خلف كومة من الأنابيب الإسمنتية الضخمة ننتظر اللحظة الحاسمة عيني مثبتة على البوابة الغربية حيث يقف حارسان آليان بكامل عتادهما الثواني تمر كالساعات وكل دقة من دقات قلبي تذكرني بالإشعاع الذي يأكلني فجأة تحرك الحارسان الآليان بآلية متزامنة وابتعدا عن البوابة انطفأت الأضواء الحمراء للكاميرات المثبتة على السور المكهرب الآن اركض صرخ زين بصوت خافت ولكنه حازم انطلقت كالسهم من مخبئي لم أركض هكذا في حياتي قط قدمي تضربان الأرض الموحلة بقوة والرياح الباردة تصفع وجهي تجاوزت البوابة المفتوحة جزئيا ودخلت إلى ساحة المحطة أمامي مباشرة كان يوجد حوض الضخ العملاق الذي تتدفق منه المياه نحو الأنابيب قفزت فوق السياج الداخلي للحوض وسقطت على المنصة المعدنية الزلقة نظرت خلفي رأيت الأضواء الحمراء للكاميرات تشتعل من جديد لقد نجحت عبرت في الوقت المناسب تماما لكن فرحتي لم تدم سوى جزء من الثانية صوت طنين ميكانيكي مرعب صدر من خلفي مباشرة استدرت ببطء لأجد كلبا آليا للحراسة يقف على بعد أمتار قليلة مني عيناه تومضان باللون الأحمر وفكاه المعدنيان يقطران زيوتا سوداء الكلب الآلي فتح فكيه وأصدر صوتا يشبه زمجرة وحش حقيقي رفع رأسه نحو السماء ليطلق صفارة الإنذار التي ستجلب كل حراس المحطة لم أفكر انقضضت عليه بكل ما أوتيت من قوة ويأس أمسكت بفكيه المعدنيين بيدي العاريتين محاولا منعه من إطلاق الإنذار قوة الكلب الآلي كانت هائلة أسقطني على المنصة المعدنية وصعد فوق صدري مخالبه الحادة مزقت الجزء العلوي من بذلتي الحرارية واخترقت لحمي صرخت من الألم لكنني لم أفلت فكيه إذا أصدر صوتا واحدا سأموت برصاص المحائين قبل أن أصل للماء أدخلت يدي اليمنى بقوة في فمه المعدني متجاهلا الشفرات الحادة التي تقطع أصابعي تحسست الأسلاك الداخلية وبحثت عن وحدة الصوت وجدتها وشددتها بكل قوتي حتى انقطعت وتناثرت الشرارات الكهربائية في وجهي الكلب الآلي اهتز بعنف ثم توقف عن الحركة تماما وانهار فوقي كقطعة خردة دفعت هيكله الثقيل عن صدري ونهضت وأنا ألهث والدم ينزف من يدي وكتفي ليس لدي وقت للألم يجب أن أنزل إلى الحوض فورا وضعت قناع الأكسجين على وجهي وأحكمت إغلاقه فتحت صمام الهواء وسمعت صوت الأكسجين يتدفق إلى القناع ببرودة نظرت إلى المياه السوداء الهائجة في الحوض العملاق الماء كان يدور في دوامة مرعبة يبتلع كل شيء نحو الأنبوب السفلي الضخم أغمضت عيني وقفزت في الجحيم السائل الصدمة الحرارية كانت قاتلة رغم البذلة العازلة شعرت وكأن آلاف الإبر تنغرز في عظامي برودة المياه شلت أطرافي للحظات وجعلتني أبتلع كمية من الهواء المضغوط بخوف قوة الشفط جذبتني بقسوة نحو الأسفل وأدخلتني في الأنبوب المظلم الظلام هنا لم يكن عاديا كان ظلاما ماديا يضغط على مقلتي عيني التيار المائي جرفني بسرعة جنونية لم أعد أتحكم في جسدي كنت أتدحرج وأصطدم بجدران الأنبوب المعدنية الزلقة حاولت تثبيت نفسي ومد ذراعي للأمام لحماية رأسي من الاصطدام كل شيء حولي كان أسود وباردا ومخيفا صوت اندفاع المياه في أذني كان يصم الآذان يشبه زئير وحش خرافي أبتلعني حيا بدأت أعد الدقائق في عقلي يجب أن أحافظ على هدوئي لتوفير الأكسجين الدقيقة الأولى مرت شعرت بأنها سنة كاملة النبض المشع في عروقي كان المصدر الوحيد للضوء في هذا القبر المائي يدي المضيئة بالأخضر المريض كانت تسبح أمامي كدليل على اقتراب أجلي تذكرت كلمات زين الأنبوب يمتد لثلاثة كيلومترات الدقيقة الخامسة البرودة بدأت تتسرب من الشق الذي أحدثه الكلب الآلي في بذلتي كتفي الأيسر تخدر بالكامل ولم أعد أشعر بيدي حاولت تحريك ساقي للسباحة مع التيار وزيادة سرعتي فجأة اصطدمت بشيء صلب ومرن في نفس الوقت تخبطت في الظلام وحاولت تحسس الشيء الذي يسد طريقي كانت شبكة معدنية ضخمة تفلتر الشوائب الكبيرة قبل وصول المياه للقطاع الذهبي زين لم يخبرني عن هذه الشبكة هل أخطأ في حساباته أم أن النظام أضافها مؤخرا التيار المائي كان يدفعني بقوة هائلة ضد الشبكة الحديدية ضاغطا صدري حتى كدت أختنق تحسست قضبان الشبكة بيدي السليمة محاولا إيجاد فجوة أو طريقة لكسرها القضبان كانت سميكة ومصنوعة من فولاذ لا يصدأ لا يمكن كسرها باليد المجردة الدقيقة العاشرة نصف كمية الأكسجين قد نفدت وأنا عالق هنا هل هذه هي النهاية هل سأموت غرقا في هذا الأنبوب اللعين شعرت باليأس يتسلل إلى قلبي بدأت أستسلم لضغط الماء وللبرودة القاتلة تخيلت وجه ريتا الذي لم أره أبدا هل ستبكي عندما لا أصل إليها تذكرت رسالتها أثبت لي أن هناك إنسانا واحدا قادرا على الحب غضب مفاجئ وعارم تفجر في داخلي لن أموت هنا كجرذ غارق لن أمنح النظام متعة محوي بصمت سأقاتل حتى آخر قطرة أكسجين بدأت أتحسس أطراف الشبكة بدقة أكبر لاحظت أن هناك مفصلا صدئا في الأسفل الماء المالح والمواد الكيميائية أكلت جزءا من الإطار المعدني في الزاوية السفلى وجهت كل قوتي المتبقية نحو ذلك المفصل الضعيف ضربته بقدمي مرارا وتكرارا وأنا أستند بظهري على تيار الماء القوي الأكسجين يتناقص الدقيقة الثانية عشرة تنفسي أصبح سريعا ومتقطعا مؤشر الضغط في القناع بدأ يصدر وميضا أحمر خافتا ينذر باقتراب النهاية مع الركلة الخامسة سمعت صوت طقطقة معدنية مكتومة تحت الماء المفصل انكسر والشبكة انزاحت قليلا تاركة فجوة ضيقة جدا في الأسفل حشرت رأسي وكتفي في الفجوة وحاولت سحب جسدي بالقوة المعدن الحاد مزق ما تبقى من بذلتي وخدش بطني وظهري بقسوة صرخت ألما في صمت الماء المالح يحرق جروحي المفتوحة كالنار دفعت نفسي بكل ما أملك من قوة وتمكنت أخيرا من العبور إلى الجانب الآخر التيار عاد ليجرفني بسرعة أكبر هذه المرة الأنبوب بدأ يضيق وينحدر نحو الأسفل الدقيقة الخامسة عشرة لم يتبق سوى خمس دقائق من الهواء رئتاي تحترقان وكل نفس أسحبه يبدو جافا ومؤلما البرودة وصلت إلى قلبي أطرافي كلها تشنجت ولم أعد قادرا على تحريكها أنا الآن مجرد جثة حية تطفو في مجرى مائي أسود بدأت أرى هلوسات بصرية ألوانا تتراقص في الظلام ووجوها تهمس باسمي رأيت والدي يبتسم لي ويمد يده لانتشالي من الماء ورأيت زين ينظر إلي بخيبة أمل ورأيت آلاف المحائين ينتظرونني في النهاية هلوسات نقص الأكسجين بدأت تفتك بعقلي يجب أن أبقى مستيقظا ضربت رأسي بيدي المضيئة لأستعيد وعيي الألم هو الشيء الوحيد الذي يبقيني حيا الدقيقة الثامنة عشرة الهواء يكاد ينعدم أصبحت أتنفس بصعوبة بالغة جدا فجأة رأيت ضوءا خافتا يلوح في نهاية الأنبوب المظلم ضوء أبيض نقي يشبه هالة ملائكية في نهاية نفق الموت هذه هي النهاية محطة التصفية في القطاع الذهبي أنا قريب جدا جمعت كل ما تبقى في جسدي المحطم من إرادة وحاولت السباحة نحو الضوء الأنبوب انتهى فجأة وقذفني التيار بعنف داخل حوض مائي مضاء بشدة فتحت عيني بصعوبة تحت الماء النقي والصافي كان المكان يبدو كحمام سباحة عملاق من الرخام الأبيض طفوت نحو السطح وكسرت حاجز الماء برأسي سحبت قناع الأكسجين الفارغ من وجهي ورميته بعيدا أخذت شهيقا عميقا وطويلا ملأت به رئتي المشتعلتين الهواء هنا كان مختلفا لم تكن فيه رائحة المصانع ولا دخان كازا 2050 كان هواء نقيا ومعطرا برائحة الزهور سحبت جسدي المنهك نحو حافة الحوض الرخامية وتمددت على الأرض ألهث بشدة أنا في القطاع الذهبي عالم الأسياد عالم من سلبونا إنسانيتنا المكان كان واسعا ومضاء بمصابيح ساطعة لا تكاد العين تتحملها الجدران بيضاء ناصعة خالية من أي بقعة وكل شيء يبدو معقما ومثاليا بشكل مخيف لا يوجد صوت للآلات ولا أزيز لطائرات الدرون فقط صمت وهدوء تام نظرت إلى جسدي البذلة ممزقة والدم يختلط بالماء على الأرضية الرخامية البيضاء يدي ما زالت تتوهج باللون الأخضرเตةเตة الإشعاع لم يتوقف رفعت معصمي ونظرت إلى جهاز التعقب الذي أعطاني إياه زين الجهاز كان يبعث نبضات حمراء صامتة يبحث عن إشارة ريتا يجب أن أختبئ أثار الدماء والماء ستفضح أمري في أي لحظة حاولت النهوض لكن ساقي خذلتاني وسقطت على ركبتي قواي انهارت بالكامل لم أعد أستطيع تحريك إصبع واحد فجأة سمعت صوت خطوات خفيفة تقترب من الممر المجاور للحوض خطوات لا تشبه وقع أحذية الحراس العسكرية بل خطوات ناعمة وهادئة رفعت رأسي بصعوبة وأنا أرتجف من البرد والإعياء ظهر ظل شخص يقف في نهاية الممر وضوء المصابيح القوي يخفي ملامحه حاولت التركيز لعلها ريتا لعلها جاءت لإنقاذي بالشيفرة والترياق اقترب الظل ببطء نحوي وتضحت معالمه تدريجيا لم تكن فتاة كان رجلا يرتدي بزة بيضاء ناصعة وربطة عنق فضية شعر أشيب مصفف بعناية ووجه خال من أي تجاعيد كأنه قناع من الشمع توقف أمامي ونظر إلي بازدراء كما ينظر إنسان إلى حشرة ميتة أخرج من جيبه منديلا حريريا أبيض ومسح به قطرة ماء تناثرت على حذائه اللامع مرحبا بك في القطاع الذهبي يا يحيى قال الرجل بصوت ناعم ومخيف اتسعت عيناي من الرعب كيف يعرف اسمي وكيف كان ينتظرني هنا حاولت التراجع إلى الخلف لكنني كنت عاجزا عن الحركة لقد تأخرت دقيقتين كاملتين عن الموعد الذي حدده نظام التنبؤ الخاص بي نظام التنبؤ عن ماذا تتحدث من أنت سألته بصوت مبحوح وضعيف ابتسم الرجل ابتسامة جليدية جعلت الدماء تتجمد في عروقي مرة أخرى أنا المهندس الأول للماسح العاطفي أنا من يقرأ عقولكم قبل أن تفكروا فيها وأنا أيضا أكون والد ريتا الفتاة الغبية التي ظننت أنك تستطيع خداعها وخداعي الكلمات وقعت علي كصاعقة دمرت كل أمل تبقى في قلبي لقد كان فخا منذ البداية لم تكن هناك مقاومة ولم تكن هناك رسائل سرية النظام كان يراقبني يخطط لكل خطوة قمت بها يتلاعب بمشاعري لاختبار آلاته رفع المهندس يده وأشار بإصبعه نحو الممر المظلم تقدم حارسان آليان ضخمان يختلفان عن كل ما رأيته في القطاع السابع كانا مصنوعين من معدن فضي لامع ومسلحين بعصي كهربائية متطورة خذوا هذا الخطأ صفر إلى مختبري السري قال المهندس وهو يستدير ليغادر أريد أن أدرس دماغه وهو حي قبل أن نمحو كل خلية فيه تقدم الحارسان الآليان نحوي ورفعا عصيهما المكهربة لم أملك حتى القوة لأصرخ عندما ضربتني الصعقة الكهربائية الأولى غاب وعيي تدريجيا وآخر ما رأيته كان دمي يلطخ الرخام الأبيض المثالياستيقظتُ، أو هكذا خُيّل لي. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان انبعاثاً قسرياً في عالمٍ خالٍ من الظلال. البياض.. كان أول ما واجهني هو ذلك البياض الوحشي الذي لا يكتفي بكونه لوناً، بل هو سلاح يهاجم شبكية العين، يمزق الأجفان ويحرق الأمل في رؤية أي شيء آخر. بياضٌ معقم، مثالي، وخالٍ من أي عيب بشرِي، لدرجة تجعلك تشتاق لقطرة واحدة من ذلك الوحل الأسود الذي يغطي أزقة القطاع السابع. كنتُ ممدداً على طاولة معدنية باردة، باردة لدرجة أنني شعرت بمعدنها يمتص حرارة جسدي، يحول دمي إلى بلورات ثلجية. أطرافي كانت مقيدة بأصفاد كهرومغناطيسية تنبض بضوء أزرق خافت؛ كلما حاولتُ تحريك إصبع واحد، كانت الأصفاد تضيق، تذكرني بأنني لم أعد أملك حتى حق الارتجاف. هنا، في "الغرفة البيضاء"، الصمت له وزن. إنه صمتٌ ثقيل، لزج، طنين مستمر يخرج من الجدران وكأنه صوت ملايين العقول التي تم إفراغها هنا قبلي. الصمت في كازا 2060 كان دائماً ملغماً بضجيج المصانع وأزيز الدرون، لكن الصمت هنا.. الصمت هنا هو صوت "العدم". "المواطن يحيى، كود 774-B، مرحباً بك في منزلك الجديد.. منزلك الأخير"، انبعث الصوت من كل مكان ولا مكان في آن واحد. ل
كانت الشاشة تومض بضوء أحمر شاحب، يختلج كنبضات قلب يحتضر. كلمة "تم الإرسال" بقيت معلقة في الفراغ الرقمي، كحكم إعدام وقعته بيدي منذ ثوانٍ. في "ديستوبية 2060"، مجرد الضغط على زر الإرسال نحو الجانب المحرم من المدينة هو إعلان حرب مفتوحة على النظام. جلست في شقتي المعتمة، أستمع لقطرات المطر الحمضي وهي تضرب النافذة الذكية. هل فعلتها حقاً؟ هل رددت عليها؟ البرودة تسري في أطرافي، ليس من طقس كازا المصطنع، بل من رعب ما اقترفته للتو. الشك بدأ ينهش جمجمتي كدودة معدنية. من تكون "ريتا"؟ هل هي حقيقة تتنفس وتتألم خلف هذا الجدار الإسمنتي العازل، أم مجرد خوارزمية ذكية؟ هل هي طعم رقمي صُمم بعناية لاصطياد "الخلايا المريضة" والمتمردة مثلي؟ تذكرت رسالتها الأخيرة. كانت كلماتها تنزف وجعاً حقيقياً، كأنها نُسجت من رسائل كافكا إلى ميلينا. "أنا أختنق في هذا الكمال المبرمج يا يحيى... ألا تشعر بالبرد مثلي؟". كلماتها لم تكن مجرد نص، كانت استغاثة غريق. كنت أحتاجها. كان ألمي يحتاج إلى ألمها ليتأكد أنه لا يزال حياً. "أنا قذر ومريض يا ريتا، والنظام يطاردني ليعالجني من إنسانيتي"، همست في داخلي. جسدي يرتجف من فك
الشاشة تومض ببرود في عتمة غرفتي المتهالكة، تلقي بظلال زرقاء شاحبة، مريضة، على جدران إسمنتية تقشر طلاؤها ليظهر معدن الصدأ تحتها كعروق ميتة. في الخارج، سماء "ديستوبية" لعام 2060 لا تمطر ماءً منذ سنوات. إنها تمطر ضجيجاً معدنياً لا ينقطع، ووميض إعلانات نيون ثلاثية الأبعاد تخترق شبكية العين حتى وأنت مغمض الجفنين. إعلانات تروج لـ "السعادة الكيميائية"، و"النسيان المريح"، و"الولاء المطلق للنظام". أجلس على كرسيي الدوار المكسور، وعمودي الفقري يتخذ شكل قوس الهزيمة. أصابعي ترتجف فوق لوحة المفاتيح القديمة ذات الأزرار الممسوحة. المؤشر على الشاشة ينبض كعرق مقطوع في رقبة محتضر، يطالبني باتخاذ قرار. يطالبني بخطوة نحو الهاوية. الرسالة المشفرة التي تركتها "ريتا" ما زالت تحرق شاشتي. كلماتها ليست مجرد حبر رقمي، بل هي حمض يذيب ما تبقى من خلايا عقلي السليمة التي برمجها النظام لتكون مطيعة. هل أرد؟ هل أكسر القاعدة الذهبية للبقاء في هذا العالم البلاستيكي؟ هل أضغط على هذا الزر اللعين وأعلن عن وجودي؟ النظام لا ينام أبداً. هنا في كازا، الهواء نفسه ملغم بخوارزميات الاستماع. طائرات "الدرون" الدقيقة المت
عيون النظام لاتنام الظلام في المسرح المهجور كان ثقيلا كالكفنجلست على الأرضية الخشبية المتعفنة أراقب عروق يدي تضيء في العتمةضوء أخضر شاحب يسري تحت جلدي كديدان مضيئة تتغذى على دميثمان وأربعون ساعة هذا هو كل ما تبقى لي من حياةكل نبضة من قلبي تضخ النظائر المشعة في جسدي لتقربني من الموت المحتومزين تركني وحيدا في هذا الجحيم النفسي وذهب لجلب المعداتالصمت هنا قاتل يجعلك تسمع أفكارك بوضوح مرعبأفكاري لم تكن سوى كوابيس يقظة عن الغرفة البيضاء وعن والديتذكرت اليوم الذي أخذوا فيه والدي كنت طفلا أختبئ تحت السريررأيت أحذيتهم السوداء الثقيلة تسحقه على الأرض قبل أن يغرزوا إبرة في عنقهعندما عاد بعد أسبوع لم يكن والدي كان مجرد هيكل بشري فارغلم يتعرف علي لم يبتسم ولم يبك أبدا حتى مات جوعا في صمتالآن أنا أواجه نفس المصير أو مصيرا أبشع يتآكل فيه جسدي من الداخلهل ريتا تستحق كل هذا العناء هل تستحق أن أموت من أجلهاهي ابنة جلادي ابنة من صمم آلة غسيل الأدمغة التي دمرت حياتنالكن كلماتها في تلك الرسالة كانت الشيء الوحيد الحقيقي في هذا العالم المزيفكانت تبحث عن إنسان وأنا كنت أبحث ع
الشيفرة الحمراء من تكون ريتاالسيف الأزرق يخترق قطرات المطر الأسود ويهوي نحو عنقيتراجعت إلى الخلف بحركة غريزية وسقطت على ظهري في الوحلنصل السيف ضرب الجدار الإسمنتي فأصدر شرارة زرقاء أعمت بصريمن أنت صرخت وأنا أزحف إلى الوراء محاولا الهروب من الموتالرجل ذو المعطف الأسود لم يجب بل رفع سيفه لضربة أخرىنهضت بصعوبة وركضت نحو حاوية نفايات لأحتمي بهاالسيف شطر الحاوية المعدنية إلى نصفين كأنها قطعة ورقالسائل الأزرق المقطر من النصل أذاب المعدن في ثوانلم ترسلك ريتا لقتلي قلت وأنا ألهث هذا فخ من النظامتوقف الرجل فجأة وأنزل سيفه المشتعل قليلاعيناه الباردتان تأملتاني من تحت قبعة معطفه المبلللو كنت من النظام لكنت الآن مجرد كومة من الرماد يا يحيىتقدم نحوي بخطوات بطيئة وأعاد السيف إلى غمد في ظهرهقال إنه سيمحوني ماذا كان يقصد بذلكأقصد محو هويتك الرقمية قال الرجل بصوت خافتأخرج جهازا صغيرا من جيبه ووجهه نحويالجهاز أطلق شعاعا غير مرئي جعل رقبتي تحترق بشدةوضعت يدي على مؤخرة عنقي حيث توجد شريحة الهوية الإجباريةالشريحة كانت تذوب تحت الجلد وتصدر أزيزا خافتالقد أتلفت شريحتك
مطاردة في الزقاق الميتجلست في العتمة التامة أراقب الورقة البيضاءيدي ترتجف والقلم يبدو ثقيلا جدا في أصابعيكيف أكتب رسالة وأنا لم أتعلم سوى لغة الطاعة والخضوعالوقت يمر بسرعة وحقنة تثبيت المشاعر تنتظرني عند الفجريجب أن أترك لها دليلا على أنني كنت هنا أنني كنت إنسانا يوما ماوضعت سن القلم على الورق وبدأت أكتب بلا وعيأنا يحيى قرأت رسالتك وسمعت صوتك يتردد في عقلي المحطمأنا لست من القطاع الذهبي أنا مجرد عامل في مصانع الفولاذلكن كلماتك أيقظت في داخلي شيئا ظننت أن النظام قتله منذ زمنغدا سيحقنونني بمادة تمحو كل شعور لكنني سأقاومسأحاول أن أحتفظ باسمك في زاوية مظلمة من ذاكرتي لا يصل إليها الماسحسأقاوم من أجل أن ألتقي بك يوما ما حتى لو كلفني ذلك حياتيطويت الورقة بعناية فائقة كأنني أطوي روحي بداخلهاأخفيت الورقة في جيب معطفي الداخلي وتوجهت نحو الباب المكسورنظرت إلى غرفتي للمرة الأخيرة ربما لن أعود إليها أبداتسللت إلى الممر الطويل الرائحة هنا دائما تشبه رائحة المستشفيات المهجورةمصابيح الفلورسنت المكسورة تصدر طنينا مزعجا وتومض بضوء شاحبيجب أن أتجنب كاميرات المراقبة ال







