FAZER LOGINتوقفت رهف عن التنفس.صوت أبيها.نفس النبرة.نفس الهدوء الذي كانت تتذكره من طفولتها.لكن عقلها رفض أن يصدق.قالت:"بابا؟"جاء الصوت من أعلى السلم:"رهف."انهمرت دموعها.اندفعت ناحية الباب، لكن يوسف أمسك ذراعها."استني."صرخت:"سيبني!"قال كامل:"مش أحمد."نظرت إليه."إنت عرفت منين؟"أجاب:"لأن أحمد لو كان عايش، كان نزل لك بنفسه."ثم أشار إلى عادل."وهو الوحيد اللي يعرف صوته بعد آخر تسجيل."قال عادل:"ده مش صوت أحمد."سألت رهف:"أمال مين؟"قال:"حد بيقلد صوته."***من أعلى السلم، جاء صوت المرأة:"رهف! اسمعيني!"كانت أمها.ثم جاء صوت الرجل:"افتحي الباب يا رهف."اقترب يوسف من الباب.ووضع أذنه عليه.قال:"في شخصين."قال كامل:"واحد منهم معاها."سألته رهف:"مين؟"لم يجب.وفجأة...سمعوا صوت ارتطام قوي.ثم صرخة أمها."اهربي يا رهف!"انطلق يوسف ناحية السلم.لكن كامل أمسكه."لو طلعت، هيقتلها."صرخ يوسف:"ولو ما طلعتش، هيقتلها برضه!"***قالت رهف:"في مخرج تاني؟"أشار كامل إلى الجدار."وراء الرف."حركه.ظهر ممر ضيق.قال:"الممر ده بيوصل للشارع الخلفي."لكن رهف لم تتحرك.قالت:"وأمي؟"أجاب كامل:
ظلّت رهف تحدق في آخر كلمة بالرسالة."أمها."لكن كامل انتزع الورقة من يدها بسرعة.قال:"قلت لك ما تكمليش."صرخت فيه:"إنت عايزني أفهم إيه؟! أمي ظهرت بعد سنين، وبعدين الرسالة تقول إنها قتلت أبويا، وإنت بتقول الجملة مش زي ما أنا فاهمة!"وضع كامل الرسالة على الطاولة."لأن أحمد كان بيكتب بطريقة تخلي اللي يقرأ بعده يشك في كل حاجة."قالت:"يعني إيه؟"أجاب:"كان بيستخدم كلمة واحدة بمعنيين."اقتربت رهف."أنهي كلمة؟"أشار إلى السطر."القاتل."ثم قال:"أحمد ما كانش يقصد الشخص اللي أنهى حياته.""كان يقصد الشخص اللي قتل حياته القديمة."تجمدت رهف."أمي؟"أومأ."أمك هي اللي خلت أحمد يختفي.""لكن علشان تحميه وتحميكي."ثم أضاف:"وده اللي أحمد سماه قتل."***في الخارج، جاء صوت عادل مرة أخرى:"كامل! افتح الباب."لم يتحرك كامل.قالت رهف:"هو عارف إننا هنا.""أيوه.""وإنت مش هتفتح؟"ابتسم كامل."لأ.""ليه؟""لأن عادل مش جاي علشان يخرجنا."تغير وجهها."أمال؟""جاي علشان يتأكد إن الرسالة وصلت."اقترب صوت الخطوات.ثم سمعوا المفتاح يدور في الباب.قال كامل:"اتأخّرنا."وفجأة انفتح الباب.ظهر عادل.كان وجهه هاد
ظل نبيل صامتًا.كانت رهف تحدق فيه، وكأنها تنتظر منه أن ينفي ما فهمته من صمته.قالت:"إنت كنت بتخاف من أبويا."رفع نبيل عينيه إليها."مش من أحمد."سكت لحظة."من اللي أحمد كان عارفه."اقترب كريم."قول."لكن نبيل لم يرد.أخرجت رهف هاتفها، وفتحت آخر رسالة.> "الرسالة العاشرة مخبأة داخل شخص."قالت:"أمي ما كانتش بتتكلم عن كامل."نظر نبيل إليها."لا.""كانت بتتكلم عنك."---ارتجفت ملامح نبيل.قال سامر:"إنت معاك الرسالة العاشرة؟"هز نبيل رأسه."مش بالطريقة اللي فاكرينها."قال كريم:"أمال إزاي؟"أجاب نبيل:"أحمد ما سلمنيش رسالة.""سلمني ذاكرة."سألته رهف:"يعني إيه؟"جلس نبيل على المقعد.ولأول مرة بدا عليه الإرهاق.وقال:"في ليلة 17 مارس، أحمد طلب مني أحفظ كلامه.""
الطفل الذي كبرلم تتحرك رهف.ظلّت عيناها معلقتين بالظل في آخر الرصيف.الرجل لم يقترب.فقط وقف هناك، والمفتاح في يده.نظرت إلى نبيل.كان وجهه قد فقد كل ملامح الثبات التي ظهر بها منذ لحظات.قالت رهف:"إنت تعرفه؟"لم يجب.كرر كريم:"نبيل."رفع نبيل عينيه إلى الرجل.وقال بصوت خافت:"أيوه."تقدم الرجل خطوة واحدة إلى الضوء.توقفت رهف عن التنفس.كان وجهه مألوفًا بطريقة أربكتها.ليس لأنها رأته مؤخرًا...بل لأنها رأته في مكان آخر.في صورة.في رسالة.وفي ذكرى قديمة لم تكن تفهمها.قال الرجل:"أنا اللي كنت بدور عليكم."سأله سامر:"إنت مين؟"ابتسم."الاسم مش مهم دلوقتي."رد سامر بحدة:"بالعكس. مهم جدًا."نظر الرجل إلى رهف."هي تعرفني."هزت رهف رأسها."لا."قال:"يمكن مش فاكرة."
لم يتحرك أحد.كان الرجل واقفًا عند مدخل المحطة، والملف البني في يده.قال سامر:"ارفع إيديك."رفع الرجل يديه ببطء.ثم قال:"أنا مش جاي أؤذيكم."عرفت رهف صوته.لم تكن تعرف من أين.لكن شيئًا في نبرته أعاد إليها ذكرى قديمة.قالت:"إنت..."تقدم الرجل خطوة نحو الضوء.ظهر وجهه.تجمد كريم."نبيل."---لم يتكلم أحد.كان نبيل ينظر إلى رهف مباشرة.لم يحاول الهرب.قال:"كنت عارف إنكم هتوصلوا للمحطة."قال سامر:"إنت اللي بعت الرسائل؟"هز نبيل رأسه."مش كلها.""مين بعتها؟"أجاب:"ناس كتير."ثم ابتسم بمرارة."ودي كانت المشكلة من البداية."اقترب كريم."إنت كنت مع أحمد ليلة 17 مارس."قال نبيل:"أيوه.""والطفل كان معاك."تغير وجه نبيل."أيوه."قالت رهف:"م
آخر من رآهلم تستطع رهف أن تبعد عينيها عن شاشة الهاتف.كانت الرسالة ما تزال أمامها:«"وأنا كنت آخر شخص شافه حي."»أعادت قراءتها مرة ثانية.ثم ثالثة.وكأنها كانت تنتظر أن تتغير الكلمات.لكنها لم تتغير.قال كريم بصوت منخفض:"رهف..."رفعت يدها."استنى."ثم كتبت بسرعة:"ماما... إنتِ فين؟"ظهرت علامة الإرسال.مرت ثانية.ثانيتان.ثم ظهرت كلمة:تمت القراءة.شهقت رهف."قريتها."قال سامر:"اكتبي لها."كتبت:"أحمد فين؟"انتظرت.لم يأتِ رد.ثم ظهرت رسالة جديدة.«"مش كل سؤال له إجابة في رسالة."»تجمدت رهف.قال كريم:"دي مش طريقة أمك."نظرت إليه."إنت متأكد؟""أيوه."أخذ الهاتف.قرأ الرسائل.ثم قال:"أمك كانت بتكتب لك باسمك دايمًا.""ما كانتش بتقول ره
"حين أصبحت الرسائل أكبر من أصحابها"لم يكن الصباح في دار النشر عاديًا.من الخارج، المبنى يبدو كما هو: زجاج لامع، موظفون يدخلون و يخرجون، أوراق تتنقل بين الأيدي، و أصوات هواتف لا تتوقف.لكن من الداخل… كان هناك شيء مختلف تمامًا.شيء يشبه التوتر غير المعلن.كأن الجميع ينتظرون شيئًا لا يعرفون شكله *ال
"حين خرجت الرسالة من الدفتر"لم يكن الليل في مدينة آدم مختلفًا عن أي ليلة أخرى، لكن الشعور داخله كان مختلفًا تمامًا.كل شيء حوله ثابت: شقته الواسعة، الإضاءة الباردة، الزجاج الذي يعكس المدينة كلوحة بلا روح.و مع ذلك… كان هناك شيء غير ثابت داخله.شيء يتحرك ببطء مزعج، كأنه يحاول أن يوقظه من سكون طويل.
"حين خرجت الكلمات من الدفتر"لم تكن رهف تحب الصباحات التي تُجبرها على مواجهة الواقع بسرعة.كانت تفضّل اللحظات الهادئة بين النوم و اليقظة… تلك اللحظات التي لا تكون فيها مضطرة لأن تكون أي شخص.لكن هذا الصباح كان مختلفًا.الهواء في غرفتها بدا أثقل من المعتاد، و الضوء المتسلل من النافذة لم يكن دافئًا ك
الرسالة الاولى"بعض الأشخاص يرحلون من حياتنا، لكنهم يتركون خلفهم فوضى لا ترحل أبدًا."كانت تلك الجملة آخر ما كتبته رهف قبل أن تضع القلم جانبًا و تغلق دفترها الأسود ببطء.تأملت الغلاف للحظات طويلة.ذلك الدفتر لم يكن مجرد أوراق و حبر، بل كان صندوق أسرارها، المكان الوحيد الذي تستطيع أن تكون فيه على طب







