LOGIN7
لم تتحرك نور. ظل الهاتف في يدها، والشاشة مضيئة أمام عينيها، بينما كانت الجملة الأخيرة التي سمعتها من أبيها تدور داخل رأسها بلا توقف. الشخص اللي لازم تخافي منه... هو الشخص اللي واقف جنبك دلوقتي. رفعت عينيها ببطء. آدم كان يقف أمامها. وسلمى كانت خلفها. لم يعد هناك أي صوت في المقبرة سوى حفيف الأشجار وصوت الريح وهي تمر بين شواهد القبور. قال آدم: — نور... رفعت يدها. — متقربش. توقف. كانت عيناها تبحثان في وجهه عن شيء. كذبة. خوف. ارتباك. أي شيء. لكنه لم يتحرك. قال بهدوء: — إنتِ مصدقة التسجيل؟ — ده صوت أبويا. — عارف. — قال إن الشخص اللي لازم أخاف منه واقف جنبي. — أيوه. — وإنت واقف جنبي. — أيوه. — يبقى ممكن تكون أنت. لم يجب. اقتربت سلمى. — نور، اسمعيني... التفتت إليها بسرعة. — وإنتِ كمان متقربيش. توقفت سلمى. — أبويا قال لي ما أصدقكيش. — قال لك كده؟ — بنفسه. — لكنك ما تعرفيش إذا كان التسجيل حقيقيًا. — صوته. — ممكن يكون تسجيلًا قديمًا. — كان بيتكلم عني. — ده مش دليل إنه سجله دلوقتي. دخل آدم في الحديث: — سلمى عندها حق. نظرت إليه نور. — إنت بتدافع عنها؟ — بدافع عن الحقيقة. — الحقيقة؟ ضحكت بسخرية. — أنت آخر شخص ممكن يتكلم عن الحقيقة. صمت. أراد أن يقول شيئًا، لكنه تراجع. قالت: — عايزة أسألك سؤال واحد. — اسألي. — هل أبويا كان يعرف إنك هتكون معايا هنا النهارده؟ — لا. — هل كان يعرف إنك هتكون أول شخص يدخل حياتي من جديد؟ — لا. — هل كان يعرف إنك هتحميني؟ — أيوه. — من إمتى؟ — من أول يوم قابلتك فيه. — وأنا كنت كام سنة؟ — ثمانية عشر. تجمدت. — إيه؟ — أول مرة شفتك بعد اختفاء أبوكي كانت وإنتِ عندك تمنتاشر سنة. — لكني مش فاكرة. — لأنه كان لازم تنسي. — مين خلاّني أنسى؟ خفض آدم عينيه. — أنا. شعرت نور بصدمة أكبر. — إنت؟ — أيوه. — إزاي؟ — كان عندك نوبة خوف شديدة بعد ما شفتِ شخصًا في الشارع. — مين؟ — رجل كان يشبه أبوكي. — وإنت عملت إيه؟ — خليت الطبيب يهدّيكي. — الطبيب؟ — دكتور كان شغال مع أبوكي. — وخلاني أنسى؟ — مش بالمعنى اللي في بالك. — أمال؟ — الذعر نفسه عمل كده. صمتت نور. ثم قالت: — إنت كنت بتراقبني؟ — أيوه. — كل السنين؟ — من بعيد. — ليه؟ — علشان أحميكي. — أو علشان تراقبني لحد ما الوقت المناسب ييجي؟ لم يجب. قالت: — أنا مش عارفة أصدقك. — ما تصدقينيش. رفعت رأسها. — إيه؟ — متصدقيش أي حد. ثم نظر إلى سلمى. — حتى أمك. --- كانت سلمى تبكي بصمت. قالت: — أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي. نور لم تنظر إليها. — اليوم اللي هعرف فيه إنك كذبتي؟ — اليوم اللي هتعرفي فيه إن أبوكي نفسه ما قالش لكِ الحقيقة. — ليه؟ — لأنه كان بيحاول يحميكي. — من مين؟ — من الحقيقة. — كل مرة نفس الإجابة! صرخت نور: — أنا مش طفلة! ارتد صوتها بين القبور. — أنا عندي ثمانية وعشرين سنة! حياتي ضاعت وأنا بسمع إن كل اللي حواليا بيحموني! محدش سألني إذا كنت عايزة الحماية دي أصلًا! قالت سلمى: — عندك حق. — لا، مش كفاية إنك تقولي عندي حق. اقتربت سلمى. — طيب قوليلي أعمل إيه؟ — قولي الحقيقة. — الحقيقة كاملة؟ — أيوه. سكتت سلمى. ثم قالت: — أبوكي لم يختفِ وحده. — مين كان معاه؟ — أنا. نور حدقت فيها. — إنتِ كنتِ معاه ليلة اختفائه؟ — أيوه. — وإنتِ قلتي إنك ما كنتيش تعرفي! — قلت لكِ إني عرفت قبلها بيوم. — لكنك كنتِ معاه! — كنت. — وبعدها؟ أغمضت سلمى عينيها. — حصل إطلاق نار. نور شعرت بأن قلبها توقف. — مين أطلق النار؟ — مش عارفة. — سليم؟ — لا. — مراد؟ — لا. — جدي؟ سكتت. — ماما؟ رفعت سلمى عينيها. — جدك كان هناك. — كان معكم؟ — أيوه. — وآدم؟ سلمى لم تجب. نور التفتت إلى آدم. — كنت هناك؟ قال: — أيوه. — كل الناس كانوا هناك إلا أنا. — كنتِ هناك. — إيه؟ — كنتِ في السيارة. — أنا كنت في السيارة؟ — أيوه. — مع مين؟ — مع جدك. بدأت الذكريات تضرب عقلها. المطر. المحطة. ضوء أصفر. صوت سيارة. جدها يمسك يدها. ثم رجل يركض. صوت والدها. "خدها يا عبد الرحمن." ثم صوت امرأة تصرخ. ثم طلقة. وضعت نور يدها على رأسها. — أنا فاكرة... اقترب آدم. — إيه اللي فاكرته؟ — العربية. — كملي. — كنت قاعدة في العربية. — أيوه. — وجدي كان معايا. — أيوه. — وكان فيه حد بيجري ناحية العربية. — مين؟ أغمضت عينيها. صورة مشوشة. رجل. معطف داكن. وجه غير واضح. لكن يده... خاتم. فتحت عينيها. — كان لابس خاتم. قال آدم: — أي خاتم؟ — خاتم جدي. تبادل آدم وسلمى نظرة. قالت نور: — إيه؟ قال آدم: — ده مستحيل. — ليه؟ — لأن جدك كان في العربية. — أنا شفته. — يبقى الشخص اللي شوفتيه كان حد تاني. قالت سلمى: — نسخة. نور حدقت فيها. — نسخة من جدي؟ — أيوه. — يعني إيه نسخة؟ قالت سلمى: — شخص كان متخفيًا بهويته. --- عادوا إلى منزل عارف قبل شروق الشمس. لم يتحدث أحد في الطريق. نور كانت تجلس بجوار النافذة. آدم يقود. وسلمى في المقعد الخلفي. كان الصمت بينهم أثقل من أي حوار. عندما وصلوا، دخلت نور مباشرة إلى المكتبة. أغلقت الباب. وضعت جميع الصور أمامها. الصورة القديمة. الصورة الجديدة. صورة فؤاد. صورة والدها. صورة جدها. بدأت تقارن. شيئًا فشيئًا، لاحظت شيئًا. في كل الصور التي ظهر فيها جدها، كان خاتمه في اليد اليمنى. لكن في الصورة التي التقطت ليلة ولادتها... كان الخاتم في اليد اليسرى. نور حدقت في الصورة. — ده مش جدي. دخل آدم. — إيه؟ رفعت الصورة. — الرجل ده مش جدي. اقترب. — متأكدة؟ — أيوه. — إزاي؟ — جدي كان أعسر. — وإيه علاقة ده؟ — كان يكتب ويمسك كل حاجة بإيده الشمال. — والخاتم؟ — كان بيلبسه في إيده اليمين. أشارت إلى الصورة. — الرجل ده لابس الخاتم في الشمال. توقف آدم. ثم أخذ الصورة. — عندك حق. قالت نور: — يعني الشخص اللي كان في الصورة متخفي على شكل جدي. — أيوه. — لكن مين؟ لم يجب. قالت: — عندك فكرة. — عندي احتمالات. — قول. — فؤاد. نور رفعت رأسها. — فؤاد؟ — كان يعرف تفاصيل حياة جدك. — لكنه كان موجودًا في الصورة القديمة. — ممكن. — مين كمان؟ — سليم. — سامح؟ — أيوه. — مراد؟ — عادل. — ومين غيرهم؟ صمت. ثم قال: — ياسر. نور شعرت بقشعريرة. — أبويا؟ — كان يعرف جدك أكثر من أي شخص. — يعني ممكن يكون هو؟ — ممكن. — يبقى حتى أبويا... — ما نعرفش الحقيقة لسه. وضعت الصورة. — أنا محتاجة أعرف مين كان واقف جنب أمي ليلة ولادتي. قال آدم: — وأنا هساعدك. نظرت إليه. — ليه؟ — لأن ده كان وعدي لأبوكي. — ولو أبويا هو الشخص اللي المفروض أخاف منه؟ توقف. ثم قال: — ساعتها هكون أول واحد يحميكي منه. --- في الظهر، ظهر عارف ومعه صندوق خشبي. قال: — لقيته في المخزن. فتح الصندوق. كان بداخله عدد من الملفات القديمة. قالت نور: — بتاعة مين؟ — جدك. بدأوا البحث. ملف بعد آخر. حتى وجدوا ملفًا يحمل عنوانًا: "الوجوه البديلة." فتحته نور. وجدت صورًا لأشخاص. كل شخص له صورتان. صورته الأصلية. وصورة الشخص الذي انتحل هويته. ثم وجدت اسمًا: عبد الرحمن فارس. وبجانبه: البديل: مراد. تجمدت. — مراد كان بديل جدي؟ قال عارف: — يبدو كده. قلبت الصفحة. فؤاد حمدي. البديل: سليم. ثم: يونس عبد الرحمن. نور توقفت. — يونس هو أبويا. قلبت الصفحة. الصورة الثانية... كانت لرجل آخر. تحتها اسم: البديل: كريم. نور رفعت عينيها نحو آدم. لم يتكلم. — أنت كنت بديل أبويا؟ — لفترة. — إيه معنى بديل؟ — الشخص اللي يستخدم نفس الهوية عند الضرورة. — يعني ممكن تكون عشت باسم أبويا؟ — لفترة قصيرة. — ليه؟ — لأن أبوكي كان مطاردًا. نور شعرت بالغضب. — يعني لما كنتِ طفلة، ممكن أكون شفتك وافتكرتك أبويا؟ قال آدم: — ممكن. سألت: — هل حصل؟ سكت. — آدم. — أيوه. — حصل؟ أخفض رأسه. — مرة واحدة. شهقت نور. — إمتى؟ — يوم عيد ميلادك السابع. تراجعت. بدأت ذاكرتها تعمل. حفلة صغيرة. كعكة. شمعة. رجل دخل. ضمها. قال: "كبرتي يا نور." كانت تتذكر. لكنها طوال السنوات ظنت أنه أبوها. قالت: — كنت أنت. — أيوه. — وأنت قلت لي إنك أبويا؟ — ما قلتش. — لكني صدقت. — لأنك كنتِ عايزة تصدقي. — وإنت سمحت لي. — كنت طفلة. — وأنا لحد النهارده فاكرة اللحظة دي. قال آدم: — وأنا كمان. نظرت إليه. كان صوته مختلفًا. هادئًا. حزينًا. — ليه؟ — لأنك كنتِ بتضحكي. صمتت. للحظة، اختفت الألغاز كلها. لم ترَ الرجل الغامض أمامها. رأت شخصًا يعرف طفولتها أكثر مما تعرفها هي. قالت: — ليه عمرك ما رجعت؟ — لأن أبوكي منعني. — ليه؟ — لأنه كان عايزك تنسي. — ليه؟ — لأن الشخص اللي كان بيبحث عنك كان يعرف إنك ممكن تفتكري وجهي. — مين الشخص؟ — ما أعرفش. ثم أضاف: — أو يمكن أعرف. --- في تلك اللحظة، رن هاتف عارف. أجاب. تغير وجهه. قال: — إيه؟ صمت. ثم قال: — إمتى؟ أغلق الهاتف. نظر إلى نور. — حصلت جريمة. قال آدم: — فين؟ — المحطة. تبادل نور وآدم النظرات. قال عارف: — لاقوا رجل مقتول. — مين؟ — لسه ما يعرفوش. — سليم؟ — لا. — فؤاد؟ — لا. — سامح؟ — مش معروف. ثم أضاف: — لكن الشرطة لقت في جيبه مفتاح. قالت نور: — رقم كام؟ نظر إليها. — سبعة عشر. --- ذهبوا إلى المحطة. المكان كان محاطًا بالشرطة. لم تسمح لهم الحواجز بالاقتراب. لكن آدم كان يعرف أحد الضباط. تحدث معه. ثم عاد. — الجثة لرجل مجهول. — سنه؟ — حوالي ستين. نور شعرت بقشعريرة. — ستين؟ — أيوه. — وجدوا الخاتم؟ — لا. — المفتاح؟ — كان في جيبه. — والهوية؟ — مفيش. دخلوا إلى غرفة جانبية. كان الضابط يضع الأدلة على الطاولة. المفتاح رقم سبعة عشر. ورقة. وصورة. نور اقتربت. كانت الصورة لجدها. خلفه شخص مجهول. وعلى ظهرها: "واحد من السبعة عشر مات الليلة." قالت نور: — مين؟ قال الضابط: — ما نعرفش. ثم أضاف: — لكن فيه حاجة تانية. أخرج ظرفًا. — ده كان في إيده. فتحته نور. كانت بداخله ورقة واحدة. "إلى نور." تجمدت. فتحتها. كان خط أبيها. "لو وصل المفتاح 17 إلى يدك، فمعنى ذلك أن أحد الحراس خانك." نظرت إلى آدم. تابعت: "وأنتِ تعرفين الخائن." ثم: "هو الشخص الذي أنقذكِ ليلة ولادتك." توقفت. تحت الجملة كان هناك اسم. لكن جزءًا منه ممزق. لم يبقَ سوى: كـ... نور رفعت الورقة. — كريم. آدم تجمد. قال: — مش أنا. — الورقة بتقول إن الخائن هو الشخص اللي أنقذني. — وأنا أنقذتك. — ليلة ولادتي. — أيوه. — يبقى ممكن تكون أنت. قال آدم: — نور، اسمعيني. — أنا سمعت كتير. — أبوكي كان عارف إني أنقذتك. — لكنه قال إنك الخائن. — قال إن شخصًا اسمه يبدأ بكاف. — اسمك كريم. — لكن مش أنا. — إزاي أثق فيك؟ اقترب منها. — لأن لو كنت الخائن، كان سهل جدًا أسيبك تموتي من أول يوم. — أو يمكن كنت محتاجني لحد ما أفتح لك المفتاح. توقف. كان هذا الاحتمال أقسى من كل شيء. قال: — ممكن. نظرت إليه. — إيه؟ — ممكن يكون ده سبب وجودي جنبك. ثم ابتعد خطوة. — عشان كده لازم تختاري. — أختار إيه؟ — إما تثقي فيا. — أو؟ — تبعدي عني. صمتت. ثم قالت: — ولو اخترت أبعد؟ — هبعد. — من غير مقاومة؟ — من غير مقاومة. نظرت إليه. كانت عيناه صادقتين. وهذا ما جعل الأمر أصعب. قالت: — أنا مش قادرة. — مش قادرة إيه؟ — مش قادرة أكرهك. خفض رأسه. — وده أخطر شيء. --- في طريق العودة، لم يتحدثا. لكن عندما وصلا، وجدت نور شيئًا أمام باب منزلها. ظرف أبيض. لا اسم. فتحته. صورة واحدة. كانت لها وهي طفلة. كانت جالسة على كرسي. وبجانبها رجل. الرجل الذي يشبه أبوها. لكن هذه المرة ظهر وجهه بوضوح. لم يكن ياسر. ولم يكن آدم. كان رجلًا آخر. على ظهر الصورة: "هذا هو الشخص الذي أخذ منك أول ذكرى." ثم: "وإذا أردتِ استعادتها، اذهبي إلى المكتبة القديمة." نور رفعت عينيها. قال آدم: — أي مكتبة؟ — مكتبة جدي. — دي اتقفلت من سنين. — يبقى هنفتحها. --- في المساء، عادوا إلى المكتبة القديمة. كانت مهجورة. الغبار يغطي الأرفف. والنوافذ مغلقة. وجدت نور صورة أبيها معلقة على الجدار. اقتربت. تحت الصورة كان هناك نقش صغير. 17 أدخلت المفتاح. فتح جزء من الجدار. ظهرت غرفة صغيرة. في الداخل جهاز تسجيل قديم. وكرسي. وعلى الكرسي صندوق. فتحت نور الصندوق. وجدت دمية قديمة. كانت دميتها في طفولتها. توقفت. — دي كانت عندي. قال آدم: — أيوه. — اختفت بعد عيد ميلادي السابع. وجدت خلف الدمية ورقة. "شغلي التسجيل." ضغطت الزر. جاء صوت رجل. ليس أبوها. ولا آدم. ولا فؤاد. قال: — نور، لو بتسمعي صوتي، يبقى الذاكرة بدأت ترجع. تجمدت. الصوت تابع: — أنتِ ما فقدتيش الذاكرة. صمت. — إحنا أخدناها منك. ارتجفت يدها. — لأنك شفتِ وجه القاتل. توقفت أنفاسها. — لكنك لم تعرفي من هو. ثم: — كان عندك سبع سنين فقط. ثم جاء صوت طفلة. صوت نور نفسها. كانت تبكي. وقالت: — بابا... الراجل ده قتل جدو. تجمدت. نظرت إلى آدم. ثم جاء صوت الرجل: — نور، بصي لي. ثم صوتها: — هو اللي لابس خاتم جدو. ثم صوت الرجل: — مين؟ صمتت الطفلة. ثم قالت: — الراجل اللي شبه... وانقطع التسجيل. ظهر تشويش. ثم عاد صوت الرجل. — لو عايزة تعرفي مين كان يشبه جدك... توقف. ثم قال: — شوفي نفسك في المرآة. انطفأ التسجيل. لم تفهم نور. — المرآة؟ نظر آدم إلى الغرفة. كان هناك مرآة قديمة في الزاوية. اقتربت نور. نظرت إلى انعكاسها. لا شيء. ثم لاحظت شيئًا خلف المرآة. خط صغير. دفعت بها. تحركت. ظهر تجويف. وفي داخله... صورة. رفعتها. تجمدت. كانت الصورة لنور وهي طفلة. وبجانبها امرأة. لكن المرأة لم تكن سلمى. كانت امرأة أخرى. وعلى ظهر الصورة جملة: "أخت سلمى." نور شعرت بقلبها يخفق. — ماما كان عندها أخت؟ دخل آدم. نظر إلى الصورة. ثم تغير وجهه. — لا... قالت نور: — تعرفها؟ — أيوه. — مين؟ قال: — دي المرأة اللي كان أبوكي بيحاول يهربها ليلة اختفائه. — اسمها إيه؟ نظر إليها. — ليلى. — مين ليلى؟ قال آدم: — أخت أمك. ثم أضاف بصوت خافت: — والمرأة اللي ظننا جميعًا أنها ماتت قبل ولادتك بأيام. نور قلبت الصورة. كان هناك سطر أخير: "ليلى لم تمت." ثم سطر آخر: "وهي تعرف من قتل جدك." تراجعت نور. — يعني أخت ماما عايشة؟ قال آدم: — يبدو كده. رن الهاتف. رقم مجهول. فتحت نور الرسالة. كانت صورة جديدة. ليلى. حديثة. حية. تقف أمام مبنى قديم. وفي يدها مفتاح. ثم وصلت رسالة أخرى: "أنتِ تبحثين عن الحقيقة في الماضي." "لكن الحقيقة تبحث عنكِ الآن." ثم: "تعالي إلى الفندق رقم 17 قبل منتصف الليل." رفعت نور رأسها. — هنروح. قال آدم: — لا. — ليه؟ — لأن الفندق رقم 17 مش موجود. — إزاي؟ — لأنه اتحرق من عشرين سنة. نظرت إلى الصورة. ثم قالت: — يبقى مين اللي بعتها؟ قال آدم: — شخص يعرف مكانًا لا ينبغي لأحد أن يعرفه. سألته: — وإنت تعرفه؟ صمت. — آدم؟ قال: — أيوه. — فين؟ نظر إليها. — تحت المحطة. تجمدت. — تحت المحطة؟ — الفندق رقم 17 ما كانش فندقًا. — أمال؟ — كان مكانًا سريًا. — لإيه؟ — لإخفاء الأشخاص الذين لم يكن مسموحًا لهم أن يموتوا. ثم نظر إلى الصورة. — ولو ليلى عايشة فعلًا... صمت. — فمعنى كده إن واحدًا من أكبر أسرار السبعة عشر لسه مستمر. قالت نور: — وإحنا هنروح. نظر إليها. — المرة دي مش هقدر أضمن سلامتك. اقتربت منه. — وأنا مش عايزة ضمان. — عايزة إيه؟ نظرت في عينيه. — عايزة الحقيقة. صمت. ثم قالت: — ولو أنت الخائن... توقفت. — هعرف. ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة. — ولو كنت أنا؟ — هبعد. — ولو حاولت أمنعك؟ — هقاومك. — ولو كنتِ غلطانة؟ اقتربت منه خطوة. — ساعتها... ترددت. ثم قالت: — ساعتها هتكون أول مرة في حياتي أتمنى أكون غلطانة. ظل ينظر إليها. للحظة، لم يقل أي شيء. ثم رفع يده ببطء، لكنه لم يلمسها. قال: — نور... — إيه؟ — متخافيش مني. نظرت إلى يده. ثم إلى عينيه. وقالت: — أنا مش خايفة منك. — أمال؟ — خايفة إني أثق فيك. ثم ابتعدت. وخلفهما، في الظلام، كانت هناك كاميرا صغيرة مثبتة داخل الرف. تضيء بضوء أحمر. وكان شخص ما يشاهد كل شيء. رفع الهاتف. وقال: — هي صدقته. جاءه صوت من الطرف الآخر: — وده المطلوب. — هتروح الفندق؟ — أيوه. — وآدم معاها. صمت الطرف الآخر قليلًا. ثم قال: — خلي آدم يروح. — ليه؟ — لأن المرحلة الثانية لا تبدأ إلا عندما يدخل الحارس والخائنة المكان نفسه. توقف الرجل. — الخائنة؟ ضحك الصوت. — لسه ما عرفتش؟ — مين؟ قال الصوت: — نور. ثم انقطع الاتصال. وفي مكان آخر، داخل غرفة مظلمة، كانت امرأة تضع صورة نور أمامها. امرأة في منتصف الخمسينيات. شعرها أسود تتخلله خصلات بيضاء. وعلى إصبعها خاتم جد نور. رفعت المرأة الصورة. ثم همست: — أخيرًا رجعتي يا بنتي. وبجانبها على الطاولة كانت هناك صورة قديمة. صورة لليلة ولادة نور. وفي الخلفية، يقف ياسر. حيًا. وبجواره ليلى. وفؤاد. وسليم. وآدم. لكن المفاجأة لم تكن في وجودهم. بل في الشخص الخامس الذي يقف خلفهم جميعًا. شخص لم يظهر وجهه في أي صورة سابقة. وكان يضع يده على كتف ياسر. وفي إصبعه... الخاتم نفسه. ثم ظهرت جملة مكتوبة على ورقة أمام المرأة: "الحارس الأخير لا يعرف أنه حارس." وتحتها: "لكن الخائنة تعرف تمامًا من تكون." أغلقت المرأة عينيها. ثم قالت: — بكرة تبدأ اللعبة الحقيقية.لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟
لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ
مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب
كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم
وقفت المرأة أمام باب دار الحكمة دون أن تتحرك. لم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها جاءت لتطلب شيئًا، ولا ما يدل على أنها تحمل تهديدًا. كانت هادئة بصورة أربكت ياسر أكثر من أي شخص قابله خلال رحلته الطويلة. قال مرة أخرى: — قلتِ إن اسمك مريم. أومأت. — نعم. — مريم الأولى؟ — هذا ما كانوا يسمونني به. نظرت إلى ليان. — لكنني لم أكن الأولى فعلًا. اقتربت ليان. — ماذا تقصدين؟ تنفست المرأة ببطء. — أقصد أن المشروع كذب عليكم. قال ياسر: — هذا ليس جديدًا. ابتسمت. — لا. لكن هذه المرة سأخبركم بالكذبة الأخيرة. --- أدخلها ياسر إلى المكتبة. جلس الجميع حول الطاولة. كان والد ليان أول من تعرف إليها. ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن الكلام. قالت المرأة: — لم أتغير كثيرًا، أليس كذلك؟ اقترب منها. — كنت أعتقد أنك مت. — الجميع اعتقد ذلك. — لماذا؟ — لأن هذا كان أسهل لهم. قالت مريم الأخرى: — أنت كنت تعرف أنني نجوت. هز رأسه. — كنت أشك. — لكنك لم تبحث. — لأنني كنت أخاف أن أصل إليك. قالت: — كنت تخاف من الحقيقة. أجاب: — نعم. --- وضعت مريم القديمة حقيبة صغيرة على الطاولة. أخرجت منها دفترً
كان صباح اليوم التالي مختلفًا عن كل صباح عرفته دار الحكمة. لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أحد يركض في الممرات بحثًا عن باب سري، أو يقلب صفحات دفتر قديم بحثًا عن رسالة مخفية، أو ينتظر أن يرن هاتف في منتصف الليل حاملاً خبرًا جديدًا. كانت الشمس تدخل من النوافذ الواسعة، وتنعكس على أرفف الكتب، بينما كانت ليان ترتب مجموعة من الروايات التي أعادها القراء. وقف ياسر عند الباب يراقبها. كانت تفعل شيئًا بسيطًا جدًا. ترتب الكتب. ومع ذلك شعر أن هذا المشهد أهم من كل ما عاشه خلال السنوات الماضية. اقترب منها. قال: — هل تحتاجين مساعدة؟ نظرت إليه. — منذ متى وأنت تعرض المساعدة في ترتيب الكتب؟ — منذ أن اكتشفت أنني أحب الحياة الهادئة. ضحكت. — أنت؟ — نعم. — ياسر الذي كان يفتح كل باب مغلق؟ — مات. — متأكد؟ — تقريبًا. رفعت كتابًا ووضعته على الرف. — وأنا لا أصدقك. — لماذا؟ — لأنك ما زلت تحتفظ بالمفتاح رقم واحد وعشرين. صمت. نظر إليها. ثم أخرج المفتاح من جيبه. — هذا؟ — نعم. — احتفظت به لأنني لم أعرف ماذا أفعل به. — وهل ستبحث عما يفتحه؟ — لا. ابتسمت. — هذه المرة أصدقك. وضع المفتاح







