All Chapters of رسائل لم تُكتب بعد: Chapter 1 - Chapter 10

191 Chapters

1

1لم تكن نور تحب العودة إلى الأماكن التي تركتها خلفها.كانت تؤمن أن بعض الأماكن لا تحفظ الذكريات فقط، بل تحفظ معها النسخة القديمة من الإنسان نفسه؛ النسخة التي حاول طويلًا أن يدفنها تحت سنوات جديدة، ووجوه جديدة، وحياة لا علاقة لها بالماضي.ولهذا، طوال الطريق الذي امتد من القاهرة إلى المدينة الصغيرة، كانت تحاول إقناع نفسها بأن عودتها هذه المرة مختلفة.لن تبقى طويلًا.أسبوع واحد، ربما أقل.ستنهي إجراءات الجنازة، تراجع أوراق البيت، تتحدث مع المحامي، ثم تبيع المنزل وتعود إلى حياتها.حياتها التي بنتها بعيدًا عن كل شيء.لكن عندما ظهرت المدينة من خلف زجاج السيارة، شعرت نور أن السنوات الثلاث عشرة الماضية لم تكن موجودة أصلًا.الشوارع نفسها.المحال القديمة.المقهى الموجود عند الناصية.المخبز الصغير الذي كان والدها يأخذها إليه عندما كانت طفلة.حتى اللافتة الصدئة لمحطة القطار بقيت في مكانها.تغيرت وجوه كثيرة، لكن المدينة لم تتغير بالقدر الذي كانت تتمناه.قال السائق:— إحنا قربنا يا آنسة.رفعت نور عينيها عن هاتفها.— البيت لسه في آخر شارع الياسمين؟ضحك الرجل.— هو فيه شارع تاني في البلد اسمه شارع ا
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more

2

2لم تتحرك نور.بقيت واقفة أعلى السلم، ويدها تقبض على المفتاح الصغير، بينما كان الظلام يملأ البيت من حولها.لم يكن الظلام وحده هو ما يخيفها.كان الصوت.ذلك الصوت الذي جاء من أسفل السلم.صوت رجل.هادئ، عميق، وكأنه يعرفها منذ سنوات.لكنها لم تعرفه.أو ربما...عرفته.كانت هناك نبرة غريبة في صوته، شيء جعل قلبها يرتجف دون سبب واضح.قال مرة أخرى:— اتأخرتي يا نور.ابتلعت ريقها.— مين؟لم يأتِ رد.خطت خطوة واحدة إلى الأمام.السلم الخشبي أصدر صريرًا.توقفت.ثم قالت:— مين هناك؟لا شيء.فقط صوت الريح وهي تضرب إحدى النوافذ.ثم فجأة عاد التيار الكهربائي.اشتعلت المصابيح كلها دفعة واحدة.رمشت نور.نظرت إلى أسفل السلم.لم يكن هناك أحد.نزلت بسرعة.كانت غرفة المكتبة مفتوحة.اقتربت منها.توقفت عند العتبة.الصندوق ما زال في غرفتها.أما المكتبة...فكانت فارغة.دخلت.نظرت خلف المكتب.لا أحد.فتشت الحمام الصغير الملحق بالغرفة.فارغ.فتحت النافذة.كانت مغلقة من الداخل.لا يمكن لأحد أن يدخل أو يخرج منها دون أن تراه.عادت إلى الممر.وقفت في منتصف البيت.كانت أنفاسها متسارعة.قالت لنفسها:— أنا كنت متوترة.
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more

3

3لم تستطع نور أن تتحرك.كان الرجل يقف في نهاية الممر، نصف وجهه غارق في الظلام، والنصف الآخر تلمسه إضاءة خافتة قادمة من المصباح المعلق فوق السلم.وفي يده كانت الصورة.صورة والدها.الصورة التي لم ترها نور من قبل.لم تكن صورة قديمة عادية.كان والدها يقف فيها أمام مكان لم تعرفه، يرتدي قميصًا أبيض، وينظر إلى الكاميرا بوجه جاد.وبجانبه رجل آخر.سليم.الرجل نفسه الذي ظهر في الصورة القديمة مع جدها وجدتها.لكن الشيء الذي جعل نور تشعر بأن الدم انسحب من وجهها لم يكن وجود سليم.بل الجملة التي قالها الرجل الغريب."أبوك عايز يشوفك."تحركت شفتاها دون أن يخرج صوت.ثم قالت أخيرًا:— أبويا... عايز يشوفني؟ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.— أيوه.تقدم آدم خطوة.— متقربش منها.رفع الرجل عينيه إليه.— لسه زي ما أنت يا آدم.كان في صوته شيء من المعرفة القديمة.قال آدم:— إنت ما ينفعش تكون هنا.ضحك الرجل بهدوء.— وأنا كنت مستني منك تقول كده.— مين سمحلك تدخل البيت؟— البيت مش بتاعك.— ولا بتاعك.— ولا بتاع نور.تدخلت نور:— كفاية.نظر الاثنان إليها.قالت:— أنا عايزة أفهم.أشار الرجل بالصورة.— مش دلوقتي.— دلوقت
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more

4

4لم تكن نور تعرف أيهما أخطر؛ أن يكون الصوت القادم من خلف الباب صوت والدها فعلًا، أم أن يكون شخصًا آخر يعرف كيف يقلد صوته.بقيت واقفة في منتصف الصالة.الهاتف في يدها.المفتاحان على الطاولة.والرجل الذي ادعى أنه يعرف جدها يقف بالقرب من النافذة.أما آدم، فكان يحدق في الباب كأن حياته كلها تجمعت خلفه.عاد الطرق.ثلاث مرات.هذه المرة أقوى.طرق.طرق.طرق.ثم جاء الصوت:— نور... أنا أبوكي.أغمضت عينيها.لم تكن تتذكر صوت والدها جيدًا.لكن شيئًا داخلها ارتجف عندما سمعته.ليس عقلها.بل ذاكرتها.صورة قديمة.يد تمسك يدها.صوت يضحك.ثم المطر.ثم باب حديدي.ثم جملة:"متخافيش يا نور."فتحت عينيها.قالت:— بابا؟تحرك آدم بسرعة.أمسك ذراعها.— متفتحيش.نظرت إليه.— لو هو فعلًا...— مش هو.— إنت عرفت منين؟— لأن ياسر لو كان حي، ما كانش هيخلي صوته يوصل لك بالشكل ده.— يعني إيه؟— كان يعرف إن أي حد ممكن يستخدم صوته.الرجل المسن، عبد الرحمن، اقترب من الباب.قال:— آدم عنده حق.نظرت إليه نور.— حضرتك عرفت جدي؟— أكتر مما تتخيلي.— قلت إنك آخر شخص شافه حي.هز رأسه.— وده سبب كفاية إني أعرف إن الصوت اللي بره
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more

5

5لم تستطع نور أن تنطق.كانت المرأة تقف أمامها على بُعد خطوات قليلة، والضوء الأصفر الضعيف يرسم ملامح وجهها بوضوح كافٍ ليجعل الإنكار مستحيلًا.العينان.طريقة الوقوف.حتى الميل الخفيف في الرأس عندما تنظر إلى شخص أمامها.كل شيء كان يقول الحقيقة قبل أن تنطق المرأة بكلمة أخرى.لكن عقل نور كان يرفضها.أمها ماتت.هكذا قيل لها.منذ طفولتها.لم تكن تملك ذكرى واضحة لها، لكنها كانت تملك صورة قديمة في غرفة جدتها، وصورة أخرى احتفظت بها في صندوق صغير.امرأة شابة تبتسم للكاميرا.أمها.سلمى.قالت نور أخيرًا، بصوت بالكاد خرج منها:— ماما؟أغمضت المرأة عينيها.وكأن الكلمة وحدها كانت أثقل عليها من كل السنوات الماضية.ثم فتحت عينيها.— أيوه.تراجعت نور خطوة.— إنتِ...لم تستطع إكمال الجملة.اقتربت سلمى.لكن نور رفعت يدها.— متقربيش.توقفت المرأة.كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.— من حقك.— إنتِ عايشة؟— أيوه.— من عشرين سنة؟— أيوه.— وسبتيني؟لم تجب.— سيبتيني وأنا طفلة؟خفضت سلمى رأسها.— ما سبتكيش.ضحكت نور بمرارة.— أمال كنتِ فين؟— بحاول أخليكي تعيشي.— أنا عشت من غير أم.— عارفة.— عشت وأنا فاكرة إن
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more

6

6ظلت نور تحدق في الصورة حتى بدأت أطراف أصابعها ترتجف.لم يكن أكثر ما أخافها هو ظهور فؤاد حيًا.ولا الرجل المجهول الذي يقف خلفه.ولا حتى الجملة المكتوبة أسفل الصورة.الذي أخافها حقًا كان الخاتم.خاتم جدها.كانت تعرفه جيدًا.رأته عشرات المرات في طفولتها.كان خاتمًا فضيًا عريضًا، يتوسطه حجر أسود صغير، وعلى جانبه نقش غريب يشبه نصف دائرة تتوسطها سبع عشرة نقطة.كان جدها لا يخلعه أبدًا.حتى يوم دفنه، كانت نور قد رأته في يده.أو هكذا كانت تتذكر.لكن إذا كان الخاتم موجودًا مع الرجل الذي يقف خلف فؤاد...فمن كان الرجل الذي دُفن في القبر؟رفعت نور عينيها ببطء نحو أمها.كانت سلمى واقفة في مكانها، شاحبة الوجه.قالت نور:— كنتِ تعرفي.لم تجب سلمى.— ماما.أخفضت سلمى عينيها.— أعرف إيه؟— فؤاد.صمت.— كنتِ عارفة إنه حي؟قالت سلمى:— كنت أعرف إنه ممكن يكون حي.— ده مش جواب.— لأنه مفيش جواب بسيط.— أنا تعبت من الكلام ده.رفعت نور الهاتف أمامها.— الصورة دي اتبعتتلي دلوقتي.نظرت سلمى إليها.وعندما رأت الخاتم، تغير وجهها تمامًا.تقدمت خطوة.— منين جبتيها؟— رقم مجهول.— إمتى؟— حالًا.— حد اتصل؟— سليم
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more

7

7لم تتحرك نور.ظل الهاتف في يدها، والشاشة مضيئة أمام عينيها، بينما كانت الجملة الأخيرة التي سمعتها من أبيها تدور داخل رأسها بلا توقف.الشخص اللي لازم تخافي منه... هو الشخص اللي واقف جنبك دلوقتي.رفعت عينيها ببطء.آدم كان يقف أمامها.وسلمى كانت خلفها.لم يعد هناك أي صوت في المقبرة سوى حفيف الأشجار وصوت الريح وهي تمر بين شواهد القبور.قال آدم:— نور...رفعت يدها.— متقربش.توقف.كانت عيناها تبحثان في وجهه عن شيء.كذبة.خوف.ارتباك.أي شيء.لكنه لم يتحرك.قال بهدوء:— إنتِ مصدقة التسجيل؟— ده صوت أبويا.— عارف.— قال إن الشخص اللي لازم أخاف منه واقف جنبي.— أيوه.— وإنت واقف جنبي.— أيوه.— يبقى ممكن تكون أنت.لم يجب.اقتربت سلمى.— نور، اسمعيني...التفتت إليها بسرعة.— وإنتِ كمان متقربيش.توقفت سلمى.— أبويا قال لي ما أصدقكيش.— قال لك كده؟— بنفسه.— لكنك ما تعرفيش إذا كان التسجيل حقيقيًا.— صوته.— ممكن يكون تسجيلًا قديمًا.— كان بيتكلم عني.— ده مش دليل إنه سجله دلوقتي.دخل آدم في الحديث:— سلمى عندها حق.نظرت إليه نور.— إنت بتدافع عنها؟— بدافع عن الحقيقة.— الحقيقة؟ضحكت بسخرية.
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more

8

8لم تنم نور تلك الليلة.كانت تجلس في غرفة المعيشة، والستائر مغلقة، والأنوار مطفأة إلا من مصباح صغير فوق الطاولة.أمامها كانت الأشياء التي أصبحت تشكل حياتها الجديدة:المفاتيح.الصور.الدفاتر.الرسائل.والأسماء الكثيرة التي لم تعد تعرف أيّها حقيقي وأيّها مزيف.أما الشيء الذي لم تستطع إخراجه من رأسها، فكان آخر ما قاله الصوت المجهول:نور هي الخائنة.كلما حاولت إقناع نفسها بأن الأمر مجرد لعبة نفسية، تذكرت التسجيل."الحارس الأخير لا يعرف أنه حارس."ثم الصورة.ثم ليلى.ثم الرجل الذي يقف خلف الجميع.ثم الخاتم.كان هناك شيء لا تفهمه.شيء يربطها بكل هؤلاء الأشخاص قبل أن تولد حتى.وأكثر ما أخافها أنها بدأت تشك في ذاكرتها نفسها.سمعت خطوات خلفها.استدارت.كان آدم.يحمل كوبين من القهوة.وضع أحدهما أمامها.— لسه صاحية؟— واضح.جلس على الكرسي المقابل.لم تتكلم.بعد لحظات قال:— بتفكري في اللي حصل؟— بفكر في كل حاجة.— وخصوصًا؟— فيك.رفع عينيه إليها.— فيا؟— أيوه.— وده كويس ولا وحش؟— مش عارفة.صمت.قالت:— أنت عارف إن أبويا قال لي أخاف منك.— عارف.— ومع ذلك أنت لسه هنا.— لو مشيت، هتكوني لوحدك.
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more

9

9ظل السلاح مرفوعًا.لم تتحرك نور.لم تستطع.كان عقلها يرفض أن يستوعب المشهد أمامها.آدم يقف في المدخل.المسدس في يده.موجه إليها.وخلفه فؤاد.وعلى الكرسي في الغرفة المقابلة، رجل يشبه والدها تمامًا، يحدق فيها بعينين ممتلئتين بالخوف.لكن الشيء الذي جعل نور عاجزة عن الحركة لم يكن السلاح.كان صوت آدم.سامحيني.قالتها عيناه قبل أن يقولها فمه.تراجعت نور خطوة.— آدم...قال بصوت خافت:— متتحركيش.— ليه؟— لأن أي حركة غلط ممكن تقتلك.ضحك فؤاد.— دائمًا كنت جيدًا في التمثيل يا كريم.رفع آدم عينيه نحوه.— اسكت.— لماذا؟ الآن لم يعد هناك ما نخفيه.نظر فؤاد إلى نور.— أخبرتكِ أن الحارس الأخير لا يعرف أنه حارس.قالت نور:— وإنت مين؟ابتسم.— الشخص الذي حاول أبوكِ قتله.صرخ ياسر من الغرفة:— نور! لا تسمعي له!فؤاد التفت إليه.— ما زلت تكذب عليها حتى الآن؟قال ياسر:— أنا أحاول إنقاذها.— بعد عشرين سنة؟— كنت أحميها.ضحك فؤاد.— أنت لم تحمِ أحدًا يا ياسر.ثم نظر إلى نور.— أبوكِ هو من بدأ كل شيء.هزت رأسها.— كذب.— اسأليه.نظرت إلى ياسر.— بابا؟رفع ياسر عينيه.كانت دموعه تنزل.— نور... اسمعيني.—
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more

10

10ظل الظلام يملأ دار الحكمة.لم يكن ظلامًا عاديًا.كان كثيفًا، ساكنًا، حتى إن نور شعرت للحظة أن المكان نفسه توقف عن التنفس.كانت صورة الطفلتين لا تزال في يدها.والجملة المكتوبة خلفها تحرق عقلها:الطفل الثالث لم يمت.قال آدم:— نور، خليكي ورايا.لم تجبه.كانت تحدق في المكان الذي جاء منه الصوت.قالت:— مين أنت؟جاء الصوت من الجهة المقابلة.— السؤال مش مين أنا.ثم ضحكة قصيرة.— السؤال مين فيكم الحقيقة.قالت سلمى:— اظهر.— لسه بدري يا سلمى.ارتجفت يدها.قالت نور:— إنت تعرف أمي؟— أعرفها قبل ما تكون أمك.— وتعرف أبويا؟— أكثر مما تتخيلين.— تعرف جدي؟— كنت هناك يوم مات.تجمدت نور.قالت:— إنت قتلته؟ضحك.— لا.ثم أضاف:— لكنني رأيت من قتله.رفعت نور الصورة.— مين الرجل ده؟ساد الصمت.ثم قال:— الرجل الذي لم يمت.اشتعل مصباح صغير في نهاية المكتبة.ظهر رجل واقف بين الرفوف.لم تستطع نور رؤية وجهه بوضوح.كان يرتدي معطفًا أسود.لكن يده كانت واضحة.وفي إصبعه...الخاتم.خاتم جدها.صرخت سلمى:— مستحيل!رفع الرجل يده.— كنت أعرف أنك ستعرفين الخاتم.قالت نور:— إنت جدي؟توقف الرجل.ثم ضحك.— لا.
last updateLast Updated : 2026-08-10
Read more
PREV
123456
...
20
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status