Share

8

last update publish date: 2026-08-10 13:33:13

8

لم تنم نور تلك الليلة.

كانت تجلس في غرفة المعيشة، والستائر مغلقة، والأنوار مطفأة إلا من مصباح صغير فوق الطاولة.

أمامها كانت الأشياء التي أصبحت تشكل حياتها الجديدة:

المفاتيح.

الصور.

الدفاتر.

الرسائل.

والأسماء الكثيرة التي لم تعد تعرف أيّها حقيقي وأيّها مزيف.

أما الشيء الذي لم تستطع إخراجه من رأسها، فكان آخر ما قاله الصوت المجهول:

نور هي الخائنة.

كلما حاولت إقناع نفسها بأن الأمر مجرد لعبة نفسية، تذكرت التسجيل.

"الحارس الأخير لا يعرف أنه حارس."

ثم الصورة.

ثم ليلى.

ثم الرجل الذي يقف خلف الجميع.

ثم الخاتم.

كان هناك شيء لا تفهمه.

شيء يربطها بكل هؤلاء الأشخاص قبل أن تولد حتى.

وأكثر ما أخافها أنها بدأت تشك في ذاكرتها نفسها.

سمعت خطوات خلفها.

استدارت.

كان آدم.

يحمل كوبين من القهوة.

وضع أحدهما أمامها.

— لسه صاحية؟

— واضح.

جلس على الكرسي المقابل.

لم تتكلم.

بعد لحظات قال:

— بتفكري في اللي حصل؟

— بفكر في كل حاجة.

— وخصوصًا؟

— فيك.

رفع عينيه إليها.

— فيا؟

— أيوه.

— وده كويس ولا وحش؟

— مش عارفة.

صمت.

قالت:

— أنت عارف إن أبويا قال لي أخاف منك.

— عارف.

— ومع ذلك أنت لسه هنا.

— لو مشيت، هتكوني لوحدك.

— يمكن ده الأفضل.

— ممكن.

نظرت إليه.

— هتمشي لو طلبت منك؟

— أيوه.

— فورًا؟

— فورًا.

— حتى لو عرفت إن ده ممكن يعرّضني للخطر؟

— هراقبك من بعيد.

— يعني هتفضل تراقبني؟

ابتسم.

— دي مهنتي القديمة.

— وأنا مش بحب المراقبة.

— عارف.

سكتت قليلًا.

ثم قالت:

— إيه اللي حصل بينك وبين أبويا؟

لم يجب فورًا.

نظر إلى فنجان القهوة.

— كان أول شخص وثق فيا.

— رغم إنك كنت تستخدم اسمًا مزيفًا؟

— هو اللي طلب مني أستخدمه.

— ليه؟

— لأن اسمي الحقيقي كان معروفًا لشخص كان يطاردنا.

— مين؟

— فؤاد.

اتسعت عيناها.

— فؤاد كان بيطاردك؟

— في البداية.

— ليه؟

— لأنني كنت أعرف شيئًا عنه.

— إيه؟

— إنه لم يكن الرجل الذي يظهره أمام الناس.

— أمال مين؟

— شخص آخر.

— إنت قلت إنه كان العقل المدبر.

— كان جزءًا من العقل المدبر.

— مين الباقي؟

نظر إليها.

— أبوكي.

تجمدت.

— ياسر؟

— أيوه.

— أبويا كان شريكًا لفؤاد؟

— في البداية.

— وبعدين؟

— اكتشف الحقيقة.

— أي حقيقة؟

— إن المشروع كله لم يكن لحماية الأدلة.

— أمال؟

قال آدم:

— كان لإخفاء الناس.

---

دخلت سلمى الغرفة.

كانت تحمل ملفًا.

قالت:

— لازم تسمعي مني قبل ما تروحي الفندق.

نظرت إليها نور.

— اتفضلي.

جلست سلمى.

وضعت الملف أمامها.

— ده آخر ملف احتفظت بيه.

فتحته نور.

وجدت عنوانًا:

"الطفلة 17."

توقفت.

— الطفلة؟

قالت سلمى:

— أنتِ.

— ليه اسمي مكتوب كده؟

— لأنك كنتِ جزءًا من التجربة.

رفعت نور رأسها بسرعة.

— تجربة؟

— مش تجربة علمية.

— أمال؟

— تجربة ذاكرة.

— يعني إيه؟

— كانوا بيدرسوا إمكانية زرع ذكريات بديلة.

— إيه؟

— كانوا بيحاولوا يجعلوا شخصًا يتذكر أحداثًا لم تحدث، وينسى أحداثًا حدثت فعلًا.

نور شعرت بالبرد.

— عملوا ده فيا؟

— نعم.

— مين؟

— فؤاد.

— أبويا؟

— ساعده في البداية.

— وإنت؟

— رفضت.

— جدي؟

— كان يحاول إيقافهم.

— وآدم؟

— كان يحاول إخراجك.

نور أغلقت الملف.

— أنا مش فاهمة.

قالت سلمى:

— ليلة ولادتك، لم تكن مجرد ليلة ولادة.

— إيه اللي حصل؟

— كان فيه اجتماع.

— مين كان موجود؟

— أبوكي.

— جدي.

— فؤاد.

— سليم.

— كريم.

— وأنا؟

— كنتِ رضيعة.

— وليلى؟

— كانت موجودة.

نور سكتت.

ثم قالت:

— ليه؟

— لأن فؤاد كان يريد أن يبدأ التجربة عليك.

— وأنا وافقت؟

— كنتِ طفلة.

— أبويا وافق؟

— في البداية.

— ليه؟

— لأنه كان يعتقد أن التجربة ستجعلك قادرة على حماية نفسك.

— إزاي؟

— لأنك كنتِ تحملين ذاكرة شخص آخر.

نور حدقت فيها.

— ذاكرة مين؟

سلمى لم تجب.

— ماما.

— نور...

— ذاكرة مين؟

قالت:

— جدك.

---

سقط الملف من يد نور.

— أنا عندي ذكريات جدي؟

— ليس كلها.

— بعضها؟

— نعم.

— إزاي؟

— كان المشروع يعتمد على نقل أجزاء من الذاكرة من خلال جلسات تنويم وتكرار قصص وصور وأصوات.

— يعني أنا اتربيت على ذكريات مش بتاعتي؟

— بعضها.

— وأنا مش عارفة؟

— بالضبط.

ضحكت نور بعصبية.

— عشان كده أنا كنت بشوف حاجات مش فاهمها.

— أيوه.

— عشان كده شفت محطة القطار.

— أيوه.

— وعشان كده كنت أعرف حاجات عن جدي؟

— أيوه.

— طب مين الخائنة؟

سكتت سلمى.

قالت نور:

— الملف بيقول إيه؟

— إن الشخص الذي يحمل الذاكرة لا يمكن أن يكون موثوقًا به.

— ليه؟

— لأنك قد لا تعرفين أي ذكرياتك حقيقية وأيها مزروعة.

نور وضعت يدها على رأسها.

— أنا حتى مش عارفة مين أنا.

اقترب آدم.

— أنتِ نور.

نظرت إليه.

— متأكد؟

— أيوه.

— إزاي؟

— لأن في حاجات محدش يقدر يزرعها.

— زي إيه؟

قال بهدوء:

— طريقة ضحكتك.

سكتت.

— غضبك.

— عنادك.

— طريقتك لما تكوني خايفة وبتحاولي تظهري قوية.

اقترب قليلًا.

— دي حاجات عرفتها منك أنتِ.

شعرت نور بأن قلبها يخفق.

قالت:

— يمكن دي كمان ذكرى مزروعة.

ابتسم.

— يمكن.

— وإنت مش خايف؟

— من إيه؟

— إني ممكن أكون مختلفة عن اللي فاكرها.

— أنا مش بحب نسخة قديمة منك.

توقفت.

— إيه؟

— أنا عايز أعرفك دلوقتي.

صمتت.

كان كلامه بسيطًا.

لكنها شعرت أنه اخترق كل الحواجز التي بنتها.

خفضت عينيها.

— آدم...

— نعم؟

— لو طلعت أنت الخائن...

— هتقتليني؟

نظرت إليه.

— لا.

— ليه؟

— هسيبك تشرح الأول.

ابتسم.

— ده تطور.

— متفرحش.

---

قبل منتصف الليل بساعة، كانوا أمام المحطة القديمة.

لم يكن هناك أي أثر لفندق.

قالت نور:

— قلت إن الفندق مش موجود.

— لأنه فوق الأرض مش موجود.

— وتحتها؟

— موجود.

كان آدم يحمل مصباحًا.

تبعته نور إلى باب جانبي مهجور.

أخرج مفتاحًا.

فتحه.

نزلا درجًا حجريًا.

كلما نزلا، أصبحت الأصوات أقل.

حتى وصلا إلى ممر طويل.

في نهايته باب مكتوب عليه:

17

قالت نور:

— نفس الرقم.

— أيوه.

— لكن ليه كل الأماكن مرتبطة بالرقم سبعة عشر؟

— لأن الرقم مش رقم.

— أمال؟

— تاريخ.

— تاريخ إيه؟

— يوم البداية.

— بداية إيه؟

— المشروع.

فتح الباب.

دخلوا.

كانت هناك قاعة كبيرة.

فيها سبعة عشر بابًا.

كل باب يحمل اسمًا.

باب سليم.

باب مراد.

باب فؤاد.

باب عبد الرحمن.

باب ياسر.

باب كريم.

ثم باب:

نور.

توقفت.

— ده اسمي.

— أيوه.

— مين حطه؟

— أبوكي.

اقتربت.

وضعت يدها على الباب.

سمعت صوتًا من الداخل.

طفلة تبكي.

تراجعت.

— أنا سامعة حاجة.

آدم أمسك كتفها.

— متفتحيش.

— ده صوتي.

— عارف.

— إنت سامعه؟

— أيوه.

— إزاي؟

— لأن الغرفة دي مسجلة بصوتك.

اقتربت.

فتحت الباب.

كانت الغرفة فارغة.

إلا من جهاز تسجيل.

ضغطت الزر.

ظهر صوت طفلة:

— أنا خايفة.

ثم صوت رجل:

— متخافيش يا نور.

صوت آخر:

— مين قتل جدو؟

صمت.

ثم صوت رجل بالغ:

— أنتِ ما شفتيش حاجة.

الطفلة:

— شفت.

الرجل:

— إيه اللي شوفتيه؟

الطفلة:

— الراجل اللي كان مع ماما.

نور تجمدت.

قال آدم:

— كملي.

الصوت:

— كان بيحمل جدو.

ثم صرخة.

ثم صوت نور:

— جدو ما ماتش!

انقطع التسجيل.

قالت نور:

— جدي ما ماتش؟

لم يجب آدم.

فتحت عينيها.

— إيه اللي حصل له؟

قال:

— ما نعرفش.

— لكن التسجيل بيقول...

— ممكن يكون جزءًا من ذاكرة مزروعة.

— أو حقيقة.

قال آدم:

— أيوه.

---

وجدت نور ورقة على الأرض.

رفعتها.

كان عليها رسم طفل.

رجل.

امرأة.

ودائرة كبيرة.

تحتها كلمات طفولية:

"ماما بتخاف من الرجل اللي في الباب."

قلبت الورقة.

في الخلف:

"لكن الرجل مش شرير."

ثم:

"الشرير هو اللي لابس وجهه."

قالت نور:

— إيه معنى ده؟

آدم قرأ الورقة.

— معناها إن حد كان بينتحل شخصية شخص آخر.

— مين؟

— مش واضح.

ثم وجد شيئًا في أسفل الورقة.

رمزًا.

سبع عشرة نقطة.

وفي الوسط نقطة أكبر.

قال:

— ده شعار المشروع.

— يعني الغرفة دي كانت جزءًا من المشروع؟

— أيوه.

— مين كان بيديرها؟

— فؤاد.

— وأبويا؟

— كان يساعده.

— وبعدين اكتشف الحقيقة؟

— أيوه.

— وليه ما خرجش؟

— لأنه اكتشف إنك كنتِ داخل المشروع.

نور صمتت.

ثم قالت:

— وأنا؟

— كنتِ أهم جزء.

— ليه؟

— لأنك كنتِ الوحيدة التي شاهدت الشخص الحقيقي.

— الشخص الحقيقي؟

— الرجل الذي كان ينتحل شخصية جدك.

ثم جاء صوت.

طرق على الباب.

ثلاث مرات.

نور تجمدت.

آدم أطفأ المصباح.

الطرق عاد.

ثلاث مرات.

ثم جاء صوت امرأة:

— نور.

عرفته.

قالت:

— ليلى.

فتح آدم الباب ببطء.

كانت ليلى تقف في الممر.

وجهها شاحب.

لكنها كانت تبتسم.

قالت:

— اتأخرتوا.

نور خرجت.

— إنتِ أخت أمي؟

— أيوه.

— وإنتِ عارفة أبويا؟

— أكثر مما تتخيلي.

— فين هو؟

تغيرت ملامح ليلى.

— قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن الشخص اللي بتدوري عليه مش فؤاد.

— أمال مين؟

قالت ليلى:

— ياسر.

تجمدت نور.

— أبويا؟

— أيوه.

— إنتِ تعرفي مكانه؟

— أعرف.

اقتربت نور.

— فين؟

ليلى نظرت إلى آدم.

ثم قالت:

— لكن مش هقدر أقولك إلا لو صدقتيني.

قالت نور:

— أنا مش بثق في حد.

— كويس.

— ليه؟

ابتسمت ليلى.

— لأن أول درس علمه لنا أبوكي هو أن الثقة لا تُمنح... بل تُختبر.

ثم أخرجت مفتاحًا.

رقم:

18

قال آدم:

— مفيش مفتاح 18.

قالت ليلى:

— دلوقتي فيه.

---

أخذت نور المفتاح.

كان مختلفًا.

لم يكن معدنيًا بالكامل.

كان نصفه معدن ونصفه زجاج أسود.

قالت:

— بيفتح إيه؟

قالت ليلى:

— المكان اللي لم يعرف عنه أحد.

— فين؟

— داخل الفندق.

— فندق السبعة عشر؟

— الفندق الحقيقي.

— فين؟

قالت:

— تحت القاهرة القديمة.

آدم سأل:

— وإيه اللي فيه؟

ليلى نظرت إلى نور.

— أبوكي.

توقفت أنفاس نور.

— حي؟

— أيوه.

— متأكدة؟

— شفته.

— إمتى؟

— من ثلاثة أيام.

— ليه ما أخدتيهوش؟

— حاولت.

— وإيه اللي حصل؟

— رفض.

— ليه؟

قالت ليلى:

— لأنه قال إن الوقت لم يحن.

نور شعرت بالغضب.

— بعد عشرين سنة ولسه الوقت ما حانش؟

قالت ليلى:

— لأنه كان ينتظرك.

— أنا؟

— أيوه.

— ليه؟

— لأنك الوحيدة اللي تقدر تفتح الباب الأخير.

ثم أضافت:

— لكن لازم تروحي من غير آدم.

توقفت نور.

نظرت إليه.

ثم إلى ليلى.

— ليه؟

— لأن الباب الأخير لا يفتح إلا أمام شخص لا يحمل دماء السبعة عشر.

نور قالت:

— وآدم؟

ليلى أجابت:

— يحمل دماءهم.

نور نظرت إلى آدم.

— إيه معنى ده؟

قالت ليلى:

— آدم مش مجرد حارس.

— أمال؟

— ابن واحد من السبعة عشر.

تجمد آدم.

— ليلى...

— لازم تعرف.

نور نظرت إليه.

— ابن مين؟

ليلى لم تجب.

ثم قالت:

— ابن فؤاد.

سقط الصمت.

نور حدقت في آدم.

آدم لم ينكر.

قالت:

— ده حقيقي؟

خفض رأسه.

— أيوه.

تراجعت نور.

— أنت ابن فؤاد؟

— أيوه.

— وأنت كنت تعرف؟

— من زمان.

— وكنت بتشتغل مع أبويا؟

— أيوه.

— وأبوك كان بيطاردك؟

— أيوه.

— يعني كل اللي قلته لي...

— حقيقي.

— لكنك أخفيت إنك ابن فؤاد.

— لأنك كنت هتشوفي كل حاجة بشكل مختلف.

قالت:

— وأنا فعلًا شايفاها بشكل مختلف.

صمت.

قالت ليلى:

— نور، لازم نتحرك.

لكن نور لم تسمع.

كانت تنظر إلى آدم.

— هل أبويا كان يعرف إنك ابن فؤاد؟

— أيوه.

— وكان يثق فيك؟

— أيوه.

— ليه؟

— لأنه عرف إني رفضت أكون زيه.

سألت:

— زي مين؟

قال آدم:

— زي أبويا.

---

عادوا إلى سطح المحطة.

كانت الشمس بدأت تشرق.

نور لم تتحدث.

آدم كان يمشي خلفها.

قال:

— نور.

لم تلتفت.

— نور، استني.

توقفت.

— إيه؟

— لو عايزة أمشي، همشي.

— مش عارفة.

— خدي وقتك.

— أنا مش زعلانة علشان أنت ابن فؤاد.

— أمال؟

— زعلانة لأن كل مرة أفتكر إني عرفت الحقيقة، أكتشف إنك أخفيت جزءًا منها.

— كنت خايف أخسرك.

توقفت.

— تخسرني؟

— أيوه.

— إحنا إيه أصلًا؟

صمت.

ثم قال:

— مش عارف.

نظرت إليه.

— أول مرة تقول حاجة مش عارفها.

ابتسم.

— لأني لأول مرة مش عايز أجاوبك بالكذب.

صمتت.

اقترب منها.

— أنا مش عايزك تثقي فيا علشان أبوكي طلب.

— أمال؟

— علشان أنا آدم.

— آدم ولا كريم؟

— الاثنين.

— مش عارفة.

قال:

— يبقى لما تعرفي، قرري.

كانت هناك لحظة صمت.

ثم قالت:

— أنا مش هسيبك.

رفع رأسه.

— ليه؟

— لأن لو كنت الخائن، عايزة أكون موجودة لما الحقيقة تظهر.

ابتسم.

— سبب غريب.

— أنا حياتي كلها غريبة.

ضحك.

ضحكت هي أيضًا.

كانت أول مرة يضحكان فيها وسط كل هذا الخوف.

ثم سكتا.

اقترب منها أكثر.

لم يلمسها.

قال:

— نور.

— نعم؟

— لو وصلنا لأبوك...

— أيوه؟

— ممكن ما يعجبكيش اللي هتسمعيه.

— عارفة.

— وممكن يطلب منك تختاري بيني وبينه.

توقفت.

— وإنت؟

— هختار إنك تكوني حرة.

ثم ابتعد.

لكن نور أمسكت يده.

توقف.

نظرت إلى يده.

ثم إليه.

— متبعدش.

لم يقل شيئًا.

شدت على يده.

— مش دلوقتي.

كانت تلك المرة الأولى التي تمسك فيها يده بإرادتها.

لم يقل شيئًا.

لكن عينيه قالتا الكثير.

---

في مكان آخر، داخل غرفة مظلمة، كانت المرأة التي تحمل خاتم عبد الرحمن تنظر إلى شاشة.

ظهر عليها تسجيل لنور وهي تمسك يد آدم.

ابتسمت.

ثم قالت:

— بدأ يتعلق بها.

وقف رجل خلفها.

— وده خطر؟

— جدًا.

— ليه؟

— لأن آدم لو أحبها، هيفسد كل شيء.

— وماذا نفعل؟

رفعت المرأة الصورة القديمة.

— نفصلهم.

— كيف؟

ابتسمت.

— نخليه يعتقد إنها خانته.

— وهي؟

— نخليها تعتقد إنه قتل أباها.

صمت الرجل.

ثم قال:

— وماذا عن ياسر؟

نظرت إلى باب حديدي.

— ياسر سيظهر قريبًا.

— لماذا؟

— لأن ابنته أصبحت جاهزة.

ثم وضعت يدها على الخاتم.

— المرحلة الثالثة تبدأ عندما يلتقي الأب بابنته.

وسكتت قليلًا.

ثم قالت:

— لكن لا أحد يخبرهم أن اللقاء لن يحدث في الفندق.

سأل الرجل:

— أين؟

ابتسمت.

— في المكان الذي بدأت فيه الكذبة الأولى.

---

بعد ساعات، كانت نور وآدم وليلى أمام مدخل قديم أسفل أحد المباني التاريخية.

قالت ليلى:

— من هنا.

نزلوا.

كان الطريق أطول من كل الممرات السابقة.

حتى وصلوا إلى باب ضخم.

على الباب سبع عشرة دائرة.

وضعت ليلى المفتاح رقم 18 في منتصف الباب.

لم يحدث شيء.

قالت نور:

— ليه مش بيفتح؟

قالت ليلى:

— لأن المفتاح وحده مش كفاية.

— أمال؟

— لازم تفتحيه أنتِ.

اقتربت نور.

وضعت يدها على الباب.

شعرت ببرودة شديدة.

ثم بدأت تسمع أصواتًا.

أبوها.

جدها.

أمها.

آدم.

أصوات طفولتها.

ثم صوت رجل لم تعرفه.

— افتحي يا نور.

فتحت عينيها.

قالت ليلى:

— إيه؟

— حد بيناديني.

— مين؟

— مش عارفة.

ثم سمعت الصوت مرة أخرى:

— أنتِ عارفة.

وضعت يدها على الباب.

بدأت الدوائر تضيء واحدة تلو الأخرى.

واحد.

اثنان.

ثلاثة.

حتى وصلت إلى سبعة عشر.

ثم ظهرت دائرة ثامنة عشرة.

فتح الباب ببطء.

وخلفه كان ممر طويل.

في نهايته غرفة مضاءة.

ومن داخلها جاء صوت رجل.

صوت والدها.

— نور.

تجمدت.

ثم جاء الصوت مرة أخرى:

— ادخلي.

نظرت إلى آدم.

قال:

— أنا مش هقدر أدخل.

— ليه؟

— ليلى قالت إن الباب لا يسمح لي.

اقتربت منه.

— لوحدي؟

— أيوه.

— وإنت هتستنى هنا؟

— لحد ما ترجعي.

نظرت إليه.

ثم أمسكت يده.

— لو اتأخرت...

— مش هتتأخري.

— ولو ما رجعتش؟

اقترب منها.

— هرجع أجيبك.

ابتسمت.

ثم تركت يده.

دخلت الممر.

كل خطوة كانت أثقل من السابقة.

حتى وصلت إلى الغرفة.

فتحت الباب.

كان رجل يجلس في الظلام.

ظهره إليها.

قال:

— كنت عارف إنك هتيجي.

نور لم تستطع الكلام.

الرجل وقف ببطء.

استدار.

سقطت دموعها قبل أن تدرك أنها تبكي.

كان هو.

نفس العينين.

نفس الابتسامة.

نفس الوجه الذي احتفظت به في ذاكرتها طوال حياتها.

— بابا...

فتح ذراعيه.

— تعالي يا نور.

ركضت نحوه.

لكن قبل أن تصل، توقفت.

شيء ما في داخله كان غريبًا.

تراجعت.

— إنت مين؟

تغير وجه الرجل.

ثم ابتسم.

— أنا أبوكي.

— لا.

— نور...

— أبويا كان عنده ندبة هنا.

أشارت إلى حاجبه.

الرجل لمس حاجبه.

— راحت.

— لا.

ثم قالت:

— أبويا كان أعسر.

الرجل ابتسم.

— الناس بتتغير.

تراجعت أكثر.

ثم قالت:

— وأبويا كان بيناديني "نونو".

صمت الرجل.

قالت:

— إنت مش أبويا.

وفجأة أُغلقت الأبواب خلفها.

خرج رجل آخر من الظلام.

ثم امرأة.

ثم ثالث.

نور شعرت بالخوف.

ثم ظهر رجل من خلفهم.

كان فؤاد.

قال:

— أحسنتِ.

نور حدقت فيه.

— فين أبويا؟

ابتسم فؤاد.

— قريب.

— فين؟

أشار إلى باب خلفه.

فتح الباب.

كان ياسر هناك.

مقيدًا إلى كرسي.

حيًا.

رفع رأسه.

نظر إلى نور.

ثم صرخ:

— اهربي!

وفي اللحظة نفسها، ظهر آدم خلفها.

لكنه كان يحمل مسدسًا.

وجهه نحوها.

قال:

— نور...

تجمدت.

ثم قال:

— سامحيني.

ورفع السلاح.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُكتب بعد   الفصل الختامي

    لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟

  • رسائل لم تُكتب بعد   190

    لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ

  • رسائل لم تُكتب بعد   189

    مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب

  • رسائل لم تُكتب بعد   188

    كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم

  • رسائل لم تُكتب بعد   187

    وقفت المرأة أمام باب دار الحكمة دون أن تتحرك. لم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها جاءت لتطلب شيئًا، ولا ما يدل على أنها تحمل تهديدًا. كانت هادئة بصورة أربكت ياسر أكثر من أي شخص قابله خلال رحلته الطويلة. قال مرة أخرى: — قلتِ إن اسمك مريم. أومأت. — نعم. — مريم الأولى؟ — هذا ما كانوا يسمونني به. نظرت إلى ليان. — لكنني لم أكن الأولى فعلًا. اقتربت ليان. — ماذا تقصدين؟ تنفست المرأة ببطء. — أقصد أن المشروع كذب عليكم. قال ياسر: — هذا ليس جديدًا. ابتسمت. — لا. لكن هذه المرة سأخبركم بالكذبة الأخيرة. --- أدخلها ياسر إلى المكتبة. جلس الجميع حول الطاولة. كان والد ليان أول من تعرف إليها. ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن الكلام. قالت المرأة: — لم أتغير كثيرًا، أليس كذلك؟ اقترب منها. — كنت أعتقد أنك مت. — الجميع اعتقد ذلك. — لماذا؟ — لأن هذا كان أسهل لهم. قالت مريم الأخرى: — أنت كنت تعرف أنني نجوت. هز رأسه. — كنت أشك. — لكنك لم تبحث. — لأنني كنت أخاف أن أصل إليك. قالت: — كنت تخاف من الحقيقة. أجاب: — نعم. --- وضعت مريم القديمة حقيبة صغيرة على الطاولة. أخرجت منها دفترً

  • رسائل لم تُكتب بعد   186

    كان صباح اليوم التالي مختلفًا عن كل صباح عرفته دار الحكمة. لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أحد يركض في الممرات بحثًا عن باب سري، أو يقلب صفحات دفتر قديم بحثًا عن رسالة مخفية، أو ينتظر أن يرن هاتف في منتصف الليل حاملاً خبرًا جديدًا. كانت الشمس تدخل من النوافذ الواسعة، وتنعكس على أرفف الكتب، بينما كانت ليان ترتب مجموعة من الروايات التي أعادها القراء. وقف ياسر عند الباب يراقبها. كانت تفعل شيئًا بسيطًا جدًا. ترتب الكتب. ومع ذلك شعر أن هذا المشهد أهم من كل ما عاشه خلال السنوات الماضية. اقترب منها. قال: — هل تحتاجين مساعدة؟ نظرت إليه. — منذ متى وأنت تعرض المساعدة في ترتيب الكتب؟ — منذ أن اكتشفت أنني أحب الحياة الهادئة. ضحكت. — أنت؟ — نعم. — ياسر الذي كان يفتح كل باب مغلق؟ — مات. — متأكد؟ — تقريبًا. رفعت كتابًا ووضعته على الرف. — وأنا لا أصدقك. — لماذا؟ — لأنك ما زلت تحتفظ بالمفتاح رقم واحد وعشرين. صمت. نظر إليها. ثم أخرج المفتاح من جيبه. — هذا؟ — نعم. — احتفظت به لأنني لم أعرف ماذا أفعل به. — وهل ستبحث عما يفتحه؟ — لا. ابتسمت. — هذه المرة أصدقك. وضع المفتاح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status