LOGIN6
ظلت نور تحدق في الصورة حتى بدأت أطراف أصابعها ترتجف. لم يكن أكثر ما أخافها هو ظهور فؤاد حيًا. ولا الرجل المجهول الذي يقف خلفه. ولا حتى الجملة المكتوبة أسفل الصورة. الذي أخافها حقًا كان الخاتم. خاتم جدها. كانت تعرفه جيدًا. رأته عشرات المرات في طفولتها. كان خاتمًا فضيًا عريضًا، يتوسطه حجر أسود صغير، وعلى جانبه نقش غريب يشبه نصف دائرة تتوسطها سبع عشرة نقطة. كان جدها لا يخلعه أبدًا. حتى يوم دفنه، كانت نور قد رأته في يده. أو هكذا كانت تتذكر. لكن إذا كان الخاتم موجودًا مع الرجل الذي يقف خلف فؤاد... فمن كان الرجل الذي دُفن في القبر؟ رفعت نور عينيها ببطء نحو أمها. كانت سلمى واقفة في مكانها، شاحبة الوجه. قالت نور: — كنتِ تعرفي. لم تجب سلمى. — ماما. أخفضت سلمى عينيها. — أعرف إيه؟ — فؤاد. صمت. — كنتِ عارفة إنه حي؟ قالت سلمى: — كنت أعرف إنه ممكن يكون حي. — ده مش جواب. — لأنه مفيش جواب بسيط. — أنا تعبت من الكلام ده. رفعت نور الهاتف أمامها. — الصورة دي اتبعتتلي دلوقتي. نظرت سلمى إليها. وعندما رأت الخاتم، تغير وجهها تمامًا. تقدمت خطوة. — منين جبتيها؟ — رقم مجهول. — إمتى؟ — حالًا. — حد اتصل؟ — سليم. أغمضت سلمى عينيها. أما آدم فظل واقفًا بلا حركة. قالت نور: — وهو قال لي أروح محطة القطار بكرة الساعة سبعة. — لوحدك؟ — أيوه. — مش هتروحي. — أنا مش بسألك. — وأنا مش بطلب إذن. اقتربت منه. — أنت طول الوقت بتقرر عني. — علشان أنا عارف اللي مستنيكي. — وأنا الوحيدة اللي مش عارفة! صمت. صرخت: — كل واحد فيكم عنده جزء من حياتي! أمي عارفة، آدم عارف، عارف عارف، والمحامي عارف، وسليم عارف، ومراد عارف... وأنا؟ أنا حتى ذكرياتي مش ملكي! لم يجب أحد. سقطت دموعها. مسحتها بعصبية. — أنا مش هفضل لعبة في إيد أي حد. قالت سلمى: — ولا أنا عايزاكي تكوني لعبة. — أمال ليه كدبتِ عليا؟ — علشان كنت خايفة. — من إيه؟ نظرت إليها. — من إنك تكرهي أبوكي. توقفت نور. — أكره أبويا؟ — لما هتعرفي كل حاجة، ممكن تكرهيه. — ليه؟ قالت سلمى: — لأن أبوكي لم يكن الرجل الذي ظننته. --- جلسوا جميعًا في المكتبة. كانت الغرفة تبدو مختلفة هذه المرة. الجدار الذي أخفى المدخل السري أصبح مفتوحًا. المفاتيح الأربعة موضوعة على المكتب. والصورة على شاشة هاتف نور. أما السؤال الذي ظل معلقًا في الهواء فكان واحدًا: من الرجل الذي يحمل خاتم جدها؟ قال عارف: — لازم نرجع للوراء. قالت نور: — للوراء قد إيه؟ — قبل اختفاء ياسر. قال آدم: — قبل فؤاد. هز عارف رأسه. — وقبل مشروع السبعة عشر. قالت نور: — احكوا. تنهد عارف. — جدك، عبد الرحمن، كان مدرس تاريخ. — أعرف. — لكن بعد كده اشتغل في الأرشيف. — أي أرشيف؟ — أرشيف تابع لمؤسسة حكومية قديمة. — وإيه علاقته بفؤاد؟ — فؤاد كان زميله. — وسليم؟ — كان أصغر منهم. — وأبويا؟ — ياسر كان تلميذًا لفؤاد. نور عبست. — إزاي؟ — أبوكي كان بيبحث في وثائق قديمة تخص فترة زمنية حساسة. — وإيه اللي لاقاه؟ — ملف. — ملف إيه؟ قال عارف: — ملف بأسماء أشخاص ماتوا رسميًا، لكنهم كانوا أحياء. قالت نور: — زي سليم؟ — بالضبط. — وجدّي؟ صمت عارف. — جدك كان واحدًا منهم؟ — لا. — أمال؟ — كان الشخص الذي يحفظ النسخة الأصلية. تدخلت سلمى: — عشان كده كان لازم يموت. شهقت نور. — جدي اتقتل؟ — نعم. — مين قتله؟ قالت سلمى: — نفس الشخص الذي قتل فؤاد... أو حاول يقتله. تذكرت نور الصورة. — لكن فؤاد حي. — أيوه. — يبقى مين مات؟ لم تجب سلمى. قال آدم: — شخص يشبه فؤاد. رفعت نور رأسها. — إيه؟ — فؤاد اختفى، وظهر شخص آخر مكانه. — يعني حتى فؤاد... — كان له بديل. قالت نور: — أنا حاسة إني دخلت عالم مجانين. ابتسم عارف بحزن. — إحنا كلنا قلنا كده أول مرة. --- فتحت نور الصورة مرة أخرى. كبّرتها. ركزت على الخلفية. كانت هناك جدران حجرية. نافذة صغيرة. ساعة معلقة. وراء فؤاد، على اليمين، ظهر شيء يشبه لوحة. قالت: — استنوا. اقترب آدم. — إيه؟ — الصورة دي مش في مكان عادي. — عارف. — لا. أشارت إلى الخلفية. — أنا شفت المكان ده قبل كده. سلمى نظرت. — فين؟ أغلقت نور عينيها. بدأت تبحث في ذاكرتها. ممر. جدار. رائحة خشب. نافذة عالية. ثم صوت أبيها: "لو ضيعنا الطريق، هنرجع للمكان اللي بدأ منه كل شيء." فتحت عينيها. — بيت جدي. قال آدم: — متأكدة؟ — أيوه. — فين؟ — غرفة جدتي. ذهبوا إليها. فتحت نور الخزانة. بدأت تبحث. وجدت صورًا قديمة. كتبًا. علبًا. ثم أخرجت صندوقًا صغيرًا. فتحته. في الداخل صورة. وضعتها بجانب صورة فؤاد. نفس الجدار. نفس النافذة. نفس الساعة. لكن الصورة القديمة كانت لجدها. قالت نور: — فؤاد كان هنا. قال عارف: — إمتى؟ نظرت إلى التاريخ. 1998. قال آدم: — قبل اختفاء أبوكي بعامين. — يعني جدي كان يعرف مكان فؤاد. قالت سلمى: — قلتلك. — لكن ليه ما قالش لحد؟ — لأنه كان يحاول يحميه. — من مين؟ قالت سلمى: — من نفسه. توقفت نور. — من نفسه؟ — فؤاد لم يكن بريئًا. --- فتحت نور درجًا آخر. وجدت دفترًا قديمًا. غلافه أسود. على الغلاف رقم: 17 فتحته. كانت الصفحات الأولى فارغة. ثم ظهرت قائمة. سبعة عشر اسمًا. تحت كل اسم تاريخ. وبجانب بعض الأسماء كلمة: "حارس." وبجانب أسماء أخرى: "مراقب." وبجانب ثلاثة أسماء: "خائن." قرأت الأسماء. سليم — خائن. مراد — مراقب. آدم — حارس. ثم اسم جدها. عبد الرحمن. أمام اسمه لم توجد أي كلمة. فقط دائرة سوداء. قالت نور: — ليه اسم جدي مختلف؟ أخذ آدم الدفتر. حدق فيه. — لأنه كان المسؤول. — عن إيه؟ — عن المفتاح الأخير. نظرت نور إلى نفسها. — أنا؟ — أيوه. — يعني جدي كان يعرف إن أبويا هيختفي؟ — كان يعرف إنه ممكن يختفي. — وماما؟ نظرت إلى سلمى. — كانت تعرف؟ قالت سلمى: — عرفت قبلها بيوم. — وليه ما قالتليش؟ — لأن ياسر طلب مني ما أقولكيش. — كل مرة نفس الجملة. صرخت نور: — "أبوكي طلب." "جدتك طلبت." "كان لازم نحميكي." أنا عايزة أعرف أنا كنت بحمي نفسي من إيه! ساد الصمت. ثم قالت سلمى: — من الشخص اللي قتل جدك. توقفت نور. — مين؟ سلمى نظرت إليها مباشرة. — الشخص الذي ظننا أنه مات مع ياسر. — مين؟ قالت: — عادل. تجمد عارف. — عادل؟ آدم رفع رأسه. — مستحيل. قالت سلمى: — عادل هو الاسم الحقيقي لمراد. لم تستوعب نور. — مراد... اسمه عادل؟ — أيوه. — طيب ليه اسمه مراد؟ — لأنه مات باسم عادل. — لكنه حي. — بالضبط. --- كانت المعلومات تتراكم حتى أصبح عقل نور عاجزًا عن ترتيبها. قالت: — إذًا مراد هو عادل. — أيوه. — وسليم اسمه الحقيقي مختلف. — أيوه. — وآدم اسمه كريم. — أيوه. — وأبويا اسمه يونس. — أيوه. — وجدّي؟ صمتت سلمى. — جدي اسمه عبد الرحمن فعلًا؟ قال عارف: — نعم. — يعني الوحيد اللي اسمه الحقيقي كان حقيقيًا؟ قال آدم: — مش بالضرورة. توقفت. — إيه معنى ده؟ — لأن عبد الرحمن نفسه استخدم اسمًا آخر في فترة من حياته. سألت نور: — اسمه كان إيه؟ لم يجب. قالت: — قول. قال آدم: — "فارس". نور شعرت بدوار. — فارس؟ كانت قد سمعت الاسم. في أوراق جدتها. في إحدى الرسائل القديمة. اسم "فارس" كان يتكرر. لكنها لم تفهم معناه. قالت: — فارس هو جدّي؟ قالت سلمى: — في جزء من حياته. ثم اقتربت من الدفتر. — لكن مش أهم حاجة. — إيه الأهم؟ أشارت إلى آخر صفحة. كانت هناك جملة: "الحارس الأخير لا يعرف أنه حارس." وتحتها اسم: نور. --- جلس الجميع صامتين. قالت نور: — يعني أنا حارسة؟ قال آدم: — غالبًا. — غالبًا؟ — لأن أبوكي ما كانش بيستخدم كلامًا مباشرًا. — طيب إيه اللي بحرسه؟ لم يجب. قال عارف: — فيه شيء أخفاه أبوكي. — إيه؟ — شيء لو ظهر، كل الأسماء هتتكشف. — أسماء مين؟ — السبعة عشر. — وليه ده خطر؟ قالت سلمى: — لأن بعضهم ما زال حيًا. — ومين؟ — ده اللي لازم تعرفيه بنفسك. رفعت نور رأسها. — بكرة في محطة القطار. قال آدم: — مش هتروحي. — هروح. — نور. — هروح. — سليم هيكون هناك. — عارفة. — ممكن يقتلك. — وأنا ممكن أعرف مكان أبويا. سكت. ثم قال: — هاجي معاكي. — قالوا لوحدي. — مش هتكوني لوحدك. — سليم ممكن ما يظهرش. — عارف. — طيب لو ظهر؟ قال آدم: — ساعتها هتعرفي الحقيقة. --- في منتصف الليل، كانت نور في غرفتها. وضعت الصورة بجوار السرير. لم تستطع النوم. فتحت دفترها. بدأت ترسم دائرة. في الوسط كتبت: نور حولها: ياسر/يونس سلمى عبد الرحمن/فارس كريم/آدم سليم عادل/مراد ثم كتبت: فؤاد وتحتها: حي. أغلقت الدفتر. ثم لاحظت شيئًا. كانت هناك ورقة صغيرة تحت الوسادة. لم تكن موجودة من قبل. فتحتها. كان مكتوبًا: "لا تذهبي إلى المحطة غدًا." ثم: "سليم يريدك هناك." ثم: "لكن الشخص الذي أرسل لكِ الصورة يريدك في مكان آخر." وفي أسفل الصفحة: "اذهبي إلى المقبرة." حدقت نور. أي مقبرة؟ ثم ظهر سطر جديد: "قبر ياسر." تجمدت. قبر والدها. كان لديها عنوانه. كانت تزوره مرة واحدة وهي صغيرة مع جدتها. لكنها لم تتذكره بوضوح. كانت جنازته قد تمت في مكان آخر، حسب ما قيل لها. فكيف يوجد قبر له؟ --- في السادسة صباحًا، كانت نور مستعدة. قالت سلمى: — إنتِ متأكدة؟ — أيوه. — المحطة أخطر. — علشان كده مش هروح لها الأول. نظر آدم إليها. — المقبرة. — أيوه. — اختيار ذكي. — كنت هتمنعني؟ — كنت هحاول. — لكن؟ — لكني عرفت إنك مش هتسمعي. ابتسمت. — أخيرًا فهمتني. نظر إليها لحظة أطول مما ينبغي. قالت: — إيه؟ — ولا حاجة. خرجوا. --- كانت المقبرة في أطراف المدينة. بوابة حديدية قديمة. دخلت نور. سارت بين القبور. الأسماء على الشواهد. السنوات. التواريخ. حتى وصلت إلى قبر يحمل اسم: ياسر عبد الرحمن توقفت. شعرت بأن الأرض انسحبت من تحتها. اقتربت. وضعت يدها على شاهد القبر. كان الاسم هو اسم والدها. لكن تاريخ الوفاة... لم يكن التاريخ الذي قيل لها. كان بعد اختفائه بعامين. قالت: — ده مش تاريخ موته. قال آدم: — عارف. — مين دفن هنا؟ — مش عارف. — إزاي؟ — لأن القبر فاضي. تراجعت نور. — فاضي؟ — مفيش جثمان. ركعت أمام القبر. بدأت تزيل التراب عن الحافة. وجدت شيئًا معدنيًا. أخرجته. كان مفتاحًا. رقم: 2 وتحته ورقة صغيرة. فتحتها. "لو وصلتِ إلى قبري، فمعنى ذلك أن أمك أخبرتك بما يكفي." رفعت نور رأسها. نظرت إلى سلمى. ثم قرأت: "لكن لا تصدقي كل ما قالته." تغير وجه سلمى. قالت نور: — يعني إيه؟ لم تجب. تابعت القراءة. "سلمى أخفت عنك الحقيقة، لكن ليس كلها." ثم: "الشخص الذي قتلني ليس سليم." توقفت. "وليس مراد." "وليس كريم." نظرت إلى آدم. "لأن كريم لم يكن هناك." ثم جملة أخيرة: "كان هناك شخص واحد فقط معي ليلة اختفائي." قلبت الورقة. لم تجد شيئًا. قالت: — مين؟ جاءها صوت من خلفها. — أنا. استدارت. كان رجل يقف بين القبور. نور تجمدت. آدم مد يده إلى سلاحه. الرجل رفع يديه. — مش جاي أؤذيكم. قالت نور: — مين أنت؟ ابتسم. — فؤاد. تجمد الجميع. الرجل تقدم إلى الضوء. كان أكبر سنًا من الصورة. لكن ملامحه هي نفسها. فؤاد. حي. قالت نور: — إنت كنت مع أبويا؟ — أيوه. — ليلة اختفائه؟ — أيوه. — إيه اللي حصل؟ نظر فؤاد إلى سلمى. ثم إلى آدم. ثم إلى نور. وقال: — أبوكي ما اختفاش. نور حبست أنفاسها. — أمال؟ — هو اختار يختفي. — ليه؟ — لأنه عرف إن الشخص اللي بيطاردنا مش واحد من السبعة عشر. — مين؟ نظر فؤاد إليها. — كان شخصًا قريبًا منه جدًا. — مين؟ سكت. ثم قال: — أبوكي شك في أمك. تجمدت نور. نظرت إلى سلمى. — ماما؟ قالت سلمى: — نور... لكن فؤاد تابع: — ياسر كان مقتنع إن سلمى خانته. قالت نور: — هل خانته؟ سكت فؤاد. ثم قال: — ده السؤال اللي لازم تكتشفي إجابته. صرخت نور: — كفاية! ثم نظرت إليه. — إنت كنت معاه. قول لي الحقيقة. قال فؤاد: — الحقيقة إن أبوكي سلمني شيئًا قبل أن يختفي. — إيه؟ أخرج من جيبه ظرفًا أسود. نور تجمدت. كان نفس الظرف الذي تركته جدتها في الصندوق. قال: — ده ليكي. مده إليها. لكن آدم أمسك يده. — استنى. فؤاد نظر إليه. — لسه بتخاف عليها؟ — أيوه. — مش أنت اللي وعدت ياسر؟ — وعدته. — يبقى سيبها تقرر. نظر آدم إلى نور. ثم ترك يد فؤاد. أخذت نور الظرف. كان اسمها مكتوبًا عليه. نور. خط والدها. قال فؤاد: — أبوكي قال لي ما أديهولكيش إلا لما تلاقي قبره. نظرت إلى القبر. — وإنت كنت عارف إن القبر فاضي؟ — أيوه. — مين عمله؟ — جدك. — ليه؟ — علشان لو حد بحث عن ياسر، يفتكر إنه مات. — لكنه حي؟ لم يجب. نور اقتربت. — فؤاد. — أيوه؟ — أبويا حي؟ نظر إليها. لثوانٍ طويلة لم يقل شيئًا. ثم قال: — آخر مرة شفته فيها كان حيًا. نزلت دمعة من عينها. لكن قبل أن تفتح الظرف، سمعوا صوت سيارة تقترب. التفت فؤاد. اختفى اللون من وجهه. قال: — لازم أمشي. قال آدم: — مين؟ — سليم. قالت نور: — استنى! لكن فؤاد بدأ يركض. ثم توقف فجأة. التفت إليها. — لما تفتحي الظرف، متصدقيش أول حاجة هتشوفيها. — ليه؟ قال: — لأن أبوكي كان يعرف إن اللي يطاردك ممكن يزرع كذبة داخل الحقيقة. ثم اختفى بين القبور. --- توقفت سيارة سوداء عند بوابة المقبرة. خرج منها رجل. سليم. كان أكبر من الصورة، لكن نور عرفته فورًا. تقدم ببطء. نظر إلى نور. ثم إلى آدم. ثم قال: — كنت أتمنى ما توصليش للمرحلة دي. قالت نور: — أنت قتلت أبويا؟ هز رأسه. — لا. — قتلت فؤاد؟ — لا. — قتلت جدي؟ صمت. — أيوه. شهقت. قال: — لكني لم أكن أملك خيارًا. اندفع آدم نحوه. لكن نور أوقفته. — سيبه. نظر آدم إليها. — نور... — عايزة أسمع. نظر سليم إليها. — أبوكي لم يمت. — عارفة. — لكنك مش عارفة فين. — قولي. — مش هقدر. — ليه؟ — لأنه هو اللي اختار المكان. — إنت كنت بتطارده؟ — أيوه. — ليه؟ — لأن معه المفتاح. — أي مفتاح؟ نظر إلى يدها. — المفتاح الثاني. نظرت إلى المفتاح. — ده؟ — أيوه. — وإنت عايزه؟ — لا. — أمال مين عايزه؟ نظر سليم إلى السماء. ثم قال: — الشخص الذي قتل أختي. تجمدت نور. — أختك؟ — سلمى كانت أختي. نظر إلى أمها. تغير وجهها. قالت نور: — ماما أختك؟ هز رأسه. — أختي من أبي. ثم أضاف: — لكن في هذه القصة، كلنا استخدمنا أسماء كاذبة. قالت نور: — إيه اسمك الحقيقي؟ نظر إليها. — سامح. ثم ابتسم. — وسليم مات من عشرين سنة. سقط الصمت. قال آدم: — سامح... — أيوه يا كريم. تبادل الرجلان نظرة طويلة. ثم قال سامح: — لازم تفهمي حاجة يا نور. — إيه؟ — أبوكي ما اختفاش علشان يحميكي مننا. — أمال؟ نظر إلى الظرف الأسود في يدها. — اختفى علشان يحمي العالم من الحقيقة اللي جواه. ثم استدار. لكن قبل أن يرحل، قال: — افتحي الظرف. توقفت نور. — دلوقتي؟ — أيوه. — ليه؟ قال: — لأن اللي جواه فيه أول دليل على إن أبوكي كان يكذب عليكي. ثم دخل السيارة. وقبل أن تتحرك، فتح النافذة. — واسألي أمك عن الليلة اللي اتولدتِ فيها. انطلقت السيارة. بقيت نور مكانها. نظرت إلى سلمى. ثم إلى الظرف. ثم إلى آدم. فتحت الظرف بيد مرتجفة. أخرجت أول ورقة. كانت هناك جملة واحدة: "نور، لو كنتِ بتقرئي الرسالة دي، فمعنى كده إن أمك قالت لكِ إني اختفيت علشان أحميكي." توقفت. ثم قرأت السطر التالي: "لكن دي أول كذبة." رفعت نور عينيها. سلمى بدأت تبكي. قلبت نور الصفحة. كانت هناك صورة. صورة لليلة ولادتها. كانت سلمى على سرير المستشفى. ياسر بجانبها. لكن خلفهما يقف رجل. رجل يحمل طفلًا صغيرًا. نور حدقت في الصورة. ثم شعرت ببرودة شديدة. لأن الرجل لم يكن ياسر. ولم يكن آدم. ولم يكن فؤاد. كان جدها عبد الرحمن. لكن جدها كان يحمل شيئًا آخر في يده. المفتاح رقم: 17. وفي أسفل الصورة كتب ياسر: "في الليلة التي وُلدتِ فيها، لم تولد ابنتي فقط." ثم سطر آخر: "وُلد الشخص الذي سيكشف الحقيقة." ثم: "لكن أمك لم تكن تعرف أنني كنت أخشى منكِ." توقفت نور. قرأت الجملة مرة أخرى. ثم رفعت عينيها إلى سلمى. — ليه أبويا كان خايف مني؟ لم تجب سلمى. — ماما؟ بدأت سلمى تبكي. قالت: — لأنكِ لم تكوني مجرد طفلة. اقتربت نور. — أمال كنت إيه؟ نظرت سلمى إلى الصورة. ثم قالت بصوت مكسور: — كنتِ الشاهدة الوحيدة. سقطت الورقة من يد نور. وفي اللحظة نفسها، رن هاتفها. رقم مجهول. أجابت. جاء صوت رجل. صوت تعرفه جيدًا. صوت والدها. — نور... توقفت أنفاسها. — بابا؟ — متصدقيش أمك. نظرت نور إلى سلمى. ثم جاء صوته: — ومتصدقيش آدم. تجمد آدم. ثم قال الصوت: — لأن الشخص اللي لازم تخافي منه... توقف قليلًا. ثم أكمل: — هو الشخص اللي واقف جنبك دلوقتي. انقطع الاتصال. رفعت نور رأسها ببطء. كانت تقف بين أمها وآدم. وعيناها انتقلتا بينهما. لكنها لم تعرف أيهما كان والدها يحذرها منه. ولأول مرة منذ بدأت الحكاية، شعرت نور أن الخطر لم يعد يراقبها من بعيد. لقد أصبح يقف إلى جوارها.لم تكن هناك موسيقى في ذلك الصباح. ولا أصوات عالية. ولا رسائل مجهولة تنتظر أن تُفتح. ولا أبواب سرية خلف الجدران. كانت دار الحكمة هادئة. هادئة كما كانت في أول يوم عرفها فيه ياسر، لكنها لم تعد المكان نفسه. مرت سنوات كثيرة منذ دخلها للمرة الأولى، وهو يحمل في قلبه أسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. كان يومها يظن أن الكتب تخبئ أسرارًا. وأن كل باب مغلق يخفي حقيقة. وأن الماضي إذا ظل يطارده، فسوف يمنحه يومًا ما السلام الذي يبحث عنه. لكنه اكتشف متأخرًا أن الإنسان لا يجد السلام عندما يعرف كل شيء. بل عندما يتوقف عن الحاجة إلى معرفة كل شيء. وقف ياسر أمام الباب. كان في يده المفتاح القديم. المفتاح رقم واحد وعشرون. تأمله للحظة. ثم ابتسم. لم يعد يشعر بالفضول تجاهه. لم يعد يتساءل عما يفتحه. كان يعرف الآن أن قيمته لم تكن في الباب الذي كان يستطيع فتحه. بل في كل الأبواب التي اختار ياسر ألا يفتحها. دخلت ليان من خلفه. قالت: — ما زلت تحتفظ به؟ رفع المفتاح. — نعم. — لماذا؟ — لأنه يذكرني بمن كنت. اقتربت منه. — ومن كنت؟ ابتسم. — رجلًا كان يظن أن كل إجابة ستجعله سعيدًا. — ومن أصبحت؟
لم ينم ياسر تلك الليلة. جلس وحده في دار الحكمة، بعدما غادرت ليان إلى منزل والدها، وظل ينظر إلى المفاتيح المعلقة خلف المكتب. لم يكن هناك مفتاح واحد منها يخص بابًا سريًا. لم يعد هناك شيء مخفي. ومع ذلك، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره. شيء مختلف هذه المرة. ليس سرًا. بل قرارًا. في الصباح، دخلت ليان المكتبة فوجدته جالسًا أمام النافذة. قالت: — لم تنم. ابتسم. — وأنتِ أيضًا. — كنت أفكر. — في ماذا؟ اقتربت وجلست أمامه. — في كلامك أمس. — أي كلام؟ — عندما قلت إن الغد سيحدد مستقبلنا. سكت قليلًا. ثم قال: — أريد أن أترك دار الحكمة. نظرت إليه. لم تبدُ عليها المفاجأة. — كنت أعرف. — كيف؟ — لأنك لم تعد الشخص الذي جاء إليها في البداية. خفض عينيه. — هذه المكتبة أنقذتني. — أعرف. — وجدي تركها لي. — أعرف. — لذلك أشعر أنني أخونه إذا تركتها. أمسكت يده. — أنت لا تخونه. — كيف؟ — لأن عبدالرحمن لم يترك لك جدرانًا ورفوفًا. ثم قالت: — ترك لك اختيارًا. --- فتح ياسر الدرج. أخرج الرسالة الأخيرة لجده. قرأها مرة أخرى. ثم قال: — كان يعرف. — ماذا؟ — كان يعرف أنني سأصل إلى هذه اللحظ
مرّ عام كامل منذ الليلة التي أغلقت فيها دار الحكمة آخر أبوابها السرية. عام كامل لم يحدث فيه شيء يستحق أن يطلق عليه اسم مغامرة. وهذا بالضبط ما كان يريده ياسر. كانت الحياة قد أصبحت بسيطة. صباح يبدأ بالقهوة. أبواب المكتبة تُفتح. أطفال يدخلون للبحث عن القصص. طلاب يجلسون في الزوايا. ليان تكتب رسائل الناس القديمة. وياسر يكتب كتابه. لم يعد أحد يتحدث عن المشروع. ولا عن آدم. ولا عن مريم الأولى. ولا عن الجهاز. حتى المفتاح رقم واحد وعشرين اختفى من ذاكرة الجميع. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. الكتاب الأبيض. كان لا يزال على الرف الأخير. كتاب عبدالرحمن. الكتاب الذي تحول من الأسود إلى الأبيض بعد سقوط النظام. لم يفتحه ياسر منذ ذلك اليوم. كان يشعر أن الكتاب قال كل ما يريد قوله. لكن في صباح اليوم الذي مر فيه عام كامل... حدث شيء. --- دخلت ليان المكتبة وهي تحمل باقة من الزهور. قال ياسر: — لمن؟ — للمكتبة. — المكتبة؟ — نعم. — هل للمكتبات أعياد ميلاد؟ ابتسمت. — هذه المكتبة تستحق. وضعت الزهور على المكتب. ثم أخرجت قطعة صغيرة من الورق. — ماذا هذا؟ — ذكرى. فتحها. كانت جملة كتب
كان الصباح هادئًا. هادئًا إلى درجة جعلت ياسر يشك في أن شيئًا سيئًا سيحدث. استيقظ قبل الجميع، وفتح أبواب دار الحكمة، ثم وقف أمام الرصيف يتأمل الشارع. لا سيارات غريبة. لا رجال يراقبون المكان. لا رسائل. لا أصوات من تحت الأرض. فقط بائع الخبز في الجهة المقابلة، وصوت طفل يضحك، وامرأة تسقي النباتات أمام بيتها. ابتسم. ربما كان هذا هو السلام. دخلت ليان بعد دقائق وهي تحمل كوبين من القهوة. — قلت إنك تريد يومًا عاديًا. ناولته أحدهما. — وهذا جزء من اليوم العادي. أخذ الكوب. — شكرًا. جلست خلف المكتب. — هل نفتح المكتبة؟ — نعم. فتحا الأبواب. بدأ الناس يدخلون. مرت ساعات دون شيء غير طبيعي. حتى جاء طفل صغير يحمل كتابًا. وضعه أمام ياسر. — أريد إرجاعه. — هل أعجبك؟ — جدًا. — ماذا أعجبك فيه؟ فكر الطفل. — أن البطل كان خائفًا، لكنه دخل الباب. ابتسم ياسر. — وهل كنت ستدخل معه؟ — لا. ضحك ياسر. — لماذا؟ — لأنني أخاف من الأبواب. نظر ياسر إلى ليان. ضحكت. — تعلمت شيئًا أخيرًا. قال الطفل: — ماذا؟ أجاب ياسر: — ليس كل باب يستحق أن نفتحه. --- في الظهيرة، دخل والد ليان. كان يحم
وقفت المرأة أمام باب دار الحكمة دون أن تتحرك. لم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها جاءت لتطلب شيئًا، ولا ما يدل على أنها تحمل تهديدًا. كانت هادئة بصورة أربكت ياسر أكثر من أي شخص قابله خلال رحلته الطويلة. قال مرة أخرى: — قلتِ إن اسمك مريم. أومأت. — نعم. — مريم الأولى؟ — هذا ما كانوا يسمونني به. نظرت إلى ليان. — لكنني لم أكن الأولى فعلًا. اقتربت ليان. — ماذا تقصدين؟ تنفست المرأة ببطء. — أقصد أن المشروع كذب عليكم. قال ياسر: — هذا ليس جديدًا. ابتسمت. — لا. لكن هذه المرة سأخبركم بالكذبة الأخيرة. --- أدخلها ياسر إلى المكتبة. جلس الجميع حول الطاولة. كان والد ليان أول من تعرف إليها. ظل واقفًا للحظات، عاجزًا عن الكلام. قالت المرأة: — لم أتغير كثيرًا، أليس كذلك؟ اقترب منها. — كنت أعتقد أنك مت. — الجميع اعتقد ذلك. — لماذا؟ — لأن هذا كان أسهل لهم. قالت مريم الأخرى: — أنت كنت تعرف أنني نجوت. هز رأسه. — كنت أشك. — لكنك لم تبحث. — لأنني كنت أخاف أن أصل إليك. قالت: — كنت تخاف من الحقيقة. أجاب: — نعم. --- وضعت مريم القديمة حقيبة صغيرة على الطاولة. أخرجت منها دفترً
كان صباح اليوم التالي مختلفًا عن كل صباح عرفته دار الحكمة. لم يكن هناك خوف. ولم يكن هناك أحد يركض في الممرات بحثًا عن باب سري، أو يقلب صفحات دفتر قديم بحثًا عن رسالة مخفية، أو ينتظر أن يرن هاتف في منتصف الليل حاملاً خبرًا جديدًا. كانت الشمس تدخل من النوافذ الواسعة، وتنعكس على أرفف الكتب، بينما كانت ليان ترتب مجموعة من الروايات التي أعادها القراء. وقف ياسر عند الباب يراقبها. كانت تفعل شيئًا بسيطًا جدًا. ترتب الكتب. ومع ذلك شعر أن هذا المشهد أهم من كل ما عاشه خلال السنوات الماضية. اقترب منها. قال: — هل تحتاجين مساعدة؟ نظرت إليه. — منذ متى وأنت تعرض المساعدة في ترتيب الكتب؟ — منذ أن اكتشفت أنني أحب الحياة الهادئة. ضحكت. — أنت؟ — نعم. — ياسر الذي كان يفتح كل باب مغلق؟ — مات. — متأكد؟ — تقريبًا. رفعت كتابًا ووضعته على الرف. — وأنا لا أصدقك. — لماذا؟ — لأنك ما زلت تحتفظ بالمفتاح رقم واحد وعشرين. صمت. نظر إليها. ثم أخرج المفتاح من جيبه. — هذا؟ — نعم. — احتفظت به لأنني لم أعرف ماذا أفعل به. — وهل ستبحث عما يفتحه؟ — لا. ابتسمت. — هذه المرة أصدقك. وضع المفتاح







