LOGINلم يكن العصف الناتج عن انفجار خزانات الوقود مجرد تدمير لهيكل المدرج العسكري، بل كان كإعصار من نار وجحيم برتقالي صهر الحديد وفجر الخرسانة المسلحة ليتطاير الركام في الهواء كشظايا من جمر مستعر. اندفعت موجة الضغط الرهيبة لتقذف بالأجساد وسط غبار رمادي كثيف حجب ضوء القمر تماماً، وامتزجت أبخرة البارود برائحة الوقود المحترق والصندل الحاد ليتشكل كفن من الدخان فوق ساحة المعركة المكلومة.
في تلك اللحظة التي تلت الانفجار مباشرة، كان الصمت أثقل من الموت ذاته؛ صمتٌ تلاشت فيه صرخات رجال الكوماندوز الإيطالي، وتوقف فيه هدير النيران لثوانٍ معدودة قبل أن يعود ليزأر بعنف أكبر. وسط هذا الخراب والموت المحقق، بدأت كومة من الأنقاض والحديد الملتوي تتحرك ببطء، لينبعث من تحتها جسدٌ فارع القامة، طاغٍ وعريض المنكبين.. إنه مراد السيوفي.
كان قميصه الأسود الفاخر قد تمزق بالكامل، لتظهر عضلات صدره المنحوتة ملطخة بسواد الرماد والدماء القرمزية الدافئة التي كانت تتدفق بغزارة من جرح كتفه الخلفي الذي انفتحت غرزه بفعل الرصاصة والانفجار. تحركت أنفاسه الحارة والمتلاحقة بحدة كأنه وحش كاسر خرج للتو من أعماق الأرض، وعيناه الصقريتان الحادتان كانتا تشتعلان بنيران غيرة عمياء وجنون تملك فاق كل الحدود. لم يأبه لجراحه، ولم يلتفت لكتفه النازف؛ بل كان كل أنش في كيانه يرتعد بذعر حقيقي وجنوني لسبب واحد.. البحث عني.
"ليلى!" انطلق صوته الجهوري المبحوح، حاملاً بحّة الغيرة القاتلة والتملك الذي هز أرجاء المدرج المحترق، صوت مزق سكون الموت وأعلن أن النمر لن ينحني للرماد.
بدأ يحفر بيديه الضخمتين الحارتين بين الأنقاض والخرسانة المنهارة بجنون وشراسة، والإحباط ينهش قلبه، حتى وقعت عيناه على رداء المخمل الأسود الذي كان يغطي جسدي الصغير. كنتُ مستلقية على الأرض الإسمنتية، غائبة عن الوعي بالكامل، وفستاني القطيفة ممزق عند ذراعي الأخرى التي تلقت النصل الفضيل الغادر، ودماءنا المختلطة صبغت الحرير بلون العشق والدم المظلم.
بلمحة عين، جثا مراد على ركبتيه، وأحاط خصري بذراعه الضخمة غير المصابة بضمة حازمة، عنيفة الشغف والحنان في آن واحد، وجذب جسدي المنهك ليلتصق بصدره الحار والصلب كالجدار الرخامي. وضع كفه الكبيرة الدافئة فوق عنقي الفاتن ليتلمس نبضات قلبي الضعيفة، وعندما شعر بذبذبات الحياة في عروقي، انطلقت من حنجرته زفرة طويلة امتزج فيها لظى الارتياح بغليان الشغف المفرط.
"أنتِ لي يا ليلى.. دمي ولحمي وحرمي الخاص، ولن تدفنكِ أنقاض الخونة طالما أن نمركِ يتنفس،" همس بنبرة منخفضة للغاية مفعمة ببحّة الغيرة والتملك المطلق، وانحنى برأسه الفاره ليتغلغل وجهه في عنقي، ويستنشق عبيري الممزوج برائحة البارود بعمق قاتل أرسل رجفة خفية في أطرافه.
وفي ذات الوقت، ومن الجانب الآخر لساحة النيران، كان المستشار أدهم الجارحي ينفض الغبار عن معطفه الكحلي الطويل الذي تمزق وتلوث بدمائه ودماء أعدائه. تقدم بخطواته العسكرية الرزينة والفتاكة، ويمسك بمدفعه الرشاش الرسمي بيد ثابتة لا تعرف الارتجاف رغماً عن إصابته في صدغه النحيت التي كانت تنزف دماً دافئاً يغطي جانباً من وجهه الصارم البارد.
توقف أدهم على بعد خطوات منا، وجالت عيناه السوداوان الحادتان كأعضاء الصقور في تفاصيل جسدي الشاحب والنزيف الجديد في ذراعي، وتحركت عضلات فكه الحاد بقسوة بالغة تفيض بكبرياء الشرف وعناد القانون الذي لا يموت.
"مراد السيوفي.. لقد سُحق الكونت روسي وكلاب إيطاليا تحت هذا الرماد،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، ونبرته تحمل قسوة جليدية وقاراً عسكرياً قاطعاً كالقضاء، "لكن قانون الجارحي لا يتراجع عن شرفه. ليلى تحتاج لرعاية طبية عاجلة داخل الحصون العسكرية للدولة، وليست بحاجة لعرينك الملوث بالدماء والصفقات. ضع الفتاة أرضاً، فالتحالف انتهى الليلة وتحت النيران، وهيبة الدولة لن تسمح لك بانتزاعها."
التفت مراد نحو أدهم بلمحة عين، وكانت نظرته الصقرية كفيلة بإيقاف النبض في العروق؛ نظرة تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الملوكي الذي لا يعرف الانحناء. لم يترك خصري، بل شدد من ضمتي إلى صدره العاري، وارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة جانية، حادة وساخرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح بنبرة تزلزل الكيان:
"سيادة المستشار.. أنت تتحدث عن هيبة الدولة وقوانينها، وغفلت عن أن قانون النمر قد كُتب بدم ليلى وشجاعتها الليلة. الفتاة تلقت النصل بدلاً مني مرتين، وروحي انصهرت بروحها رغماً عن أسوار قصرِك وسجونك المخملية. ليلى اختارتني، وبراءتها وعنادها الأنثوي أعلنا التبعية المطلقة لعاصفتي. خروجها من هنا سيكون معي، وإلى جناحي الرئيسي، ومن يفكر في حجبها عن أحضاني لثانية إضافية.. سأعلمه كيف يكون جحيم مراد السيوفي الحقيقي، حتى لو اضطررت لإبادة ما تبقى من رجال أمنك."
تحرك أدهم خطوة واسعة للأمام، ليدوي حذاؤه العسكري فوق الإسمنت، ورفع مدفعه الرشاش ليوجهه مباشرة نحو جبهة مراد، وصاح بنبرة عسكرية صارمة صدمت الأركان:
"أنا لا أهدد يا مراد.. أنا أنفذ الواجب. تراجع عنها، أو سأجعل من هذا المدرج مقبرة لأسطورتك الزائفة!"
وفي غمرة ذلك التوتر الخانق وشقاق الجبابرة، تحركتُ بضعف بين يدي مراد، وفتحتُ عينيّ العسليتين الشاخصتين ببطء لتتلاقى نظراتي بجحيم نظراته المثيرة في عتمة المدرج. استنشقتُ أنفاسه الحارة، وشعرت برداء القطيفة الأسود يطوقني، ورغم ألم النزيف الحاد في ذراعيّ، إلا أن كبريائي وعنادي الأنثوي انتفضا لحمايته للمرة الأخيرة.
رفعتُ كفي الصغيرة الملوثة بدمي الدافئ، وثبتُّها فوق صدر مراد النابض بعنف، ونظرتُ نحو أدهم، وقُلت بصوت متهدج، خفيض لكنه فصيح وحازم تغلغل في صمت الغرفة:
"أدهم.. أرجوك.. أنا سأعود مع مراد.. طواعية. دمي وعائلتي الجديدة لا يعنون لي شيئاً إن كان الثمن هو موت النمر. لقد حمى روحي وسط اللهب، وجسدي وروحي باتا ملكاً مطلقاً له. اسمح لنا بالمغادرة.. فحصونك المخملية لم تمنع الخيانة، وعشق مراد المظلم هو حصني الأوحد."
شحب وجه أدهم الجارحي تماماً من فرط الصدمة والذهول، وأنزل سلاحه ببطء شديد، وعيناه السوداوان تقطران بمرارة الواجب المكسور أمام شجاعة وعناد ابنة أعه المفقودة. تحركت عضلات فكه بقسوة، وقال بصوت رخيم قاطع كالشفرة:
"لقد اخترتِ جحيمكِ بيدكِ يا ليلى.. وقانون الجارحي لن يتدخل لإنقاذكِ مجدداً. غادرا الليلة.. لكن تذكر يا مراد، شرف عائلتي سيبقى يطاردك في الخفاء."
حملني مراد بين ذراعيه الضخمتين بخطوات ملكية، فتاكة، ولا تعرف الرحمة، وعبر بي من وسط حطام المدرج المشتعل والنيران التي بدأت تلتهم ما تبقى من أسوار قصر الجارحي بالخارج. كان سليم ورجاله قد جهزوا السيارات المصفحة السوداء الكبيرة في المحيط المظلم للغابة الشرقية، فأنزلني مراد فوق المقاعد الجلدية الوثيرة برفق طاغٍ يتناقض مع وحشيته، وصعد خلفي مباشرة وأغلق الباب ليوارينا الظلام والصمت المشحون بالشغف الخالص.
تحرك الموكب المهيب بسرعة البرق يشق عتمة الليل متجهاً صوب عرين النمر. طوال الطريق، لم ينطق مراد بكلمة واحدة. كان يستند بظهره العريض إلى المقعد، وعيناه الصقريتان الحادتان مثبتتان عليّ ببريق مرعب؛ مزيج من غيرة شرسة كادت تذهب بعقله، وتملُّك مطلق أعمى بصيرته عن جراحه وجراح مملكته النازفة. كان يتنفس بحدة، وصدره العريض يعلو ويهبط بعنف، وكأن دمه يغلي برغبة عارمة في فرض سيطرته المطلقة على أنثاه التي غابت عن أحضانه لأيام.
وفجأة، وبحركة سريعة ومفاجئة، امتدت يده الكبيرة الدافئة لتقبض على خصرِ بقوة عارمة، وجذبني نحوه بلمحة عين لتلتصق أجسادنا بالكامل. أصبحتُ جالسة فوق ركبتيه، محاصرة بين ذراعيه الضخمتين وجسده الضخم الذي يشع حرارة لافحة كسرت برودة الشتاء. أحكم قبضته على قفاي، مجبراً إياي على رفع وجهي الشاحب والنظر مباشرة في جحيم عينيه المظلمتين المشتعلتين بالشغف.
"مراد.. كتفك ينزف بعنف،" همستُ بنبرة مخنوقة بالدموع، وصوتي بدا ضعيفاً ومستهلكاً من فرط الألم.
"دماء كتفي هي ثمن استعادة ملكتي وحرمي الخاص من حصون الخونة يا ليلى،" قال بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل وعيداً حارقاً وجاذبية كهربائية سرت في مسام جلدي كالمخدر، "جنون تملكي بكِ فاق كل حدود عقل المافيا وقوانين الدولة. الفكرة ذاتها.. فكرة أنكِ وقفتِ أمام النصل لتتلقي الطعنة بدلاً مني للمرة الثانية، تجعل غليان دمي لا يهدأ، وتدفعني لفرض تملُّكي الشرس عليكِ بطريقة لن تنسيها أبداً. أنتِ لي.. طواعية أو كرهاً، وسأعلمكِ الليلة داخل جناحي كيف تنصهرين تماماً تحت لمسات النمر."
تحركت أصابعه العارية الدافئة لتمسح دموع وجنتي بنعومة حارقة، ثم استقرت إبهامه بدقة فوق شفتي المرتجفة. ضغط عليها برفق طاغٍ، وانحنى بقامته الفارهة أكثر ليتحدث بنبرة تفيض برومانسية مظلمة:
"جروح ذراعيكِ سأطهرها بدمي وشغفي يا قطتي الفاتنة.. وأثر لمسات عائلتكِ وقوانينهم سأمحوه تماماً عن بشرتكِ وعنقكِ بأثر قبلاتي الحارقة. خضوعكِ لي الليلة سيكون كاملاً، ولن يجرؤ كائن بعد الآن على حجبكِ عن عريني."
انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم دمي بلهيب الرغبة والتملك المطلق الذي لا يرحم العناد، قبلة سحبت مني آخر ذرات المقاومة وجعلتني أطوق عنقه بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لانصهاري بين يديه وسط عتمة السيارة السريعة.
وصلنا إلى القصر مع خيوط الفجر الأولى، وكان الحراس ينتشرون بكثافة مرعبة والأسوار الحديدية محاطة بكشافات ضوئية مبهرة تعلن الاستنفار الأقصى لحماية العرين. حملني مراد وصعد بي الدرج الرخامي اللولبي بخطواته الثقيلة، ودخل بي إلى الجناح الرئيسي، ليغلق الباب الخشبي الضخم بقدمه ويدوي صوت القفل كإعلان رسمي عن عودتي النهائية إلى مملكتي وسجني المفضّل.
أجلسني برفق فوق الفراش الحريري الأسود الواسع، ثم التفت ونزع قميصه الممزق بالكامل ليبقى عاري الصدر، وعضلات جسده الرياضي تتحرك بحدة مع أنفاسه الحارة، والدماء القرمزية ما زالت تتسرب ببطء من كتفه لتزيد من وحشية مظهره الطاغي. جلس على حافة السرير بالقرب مني، مما جعل الفراش يهبط تحت ثقل جسده الضخم، وتأمل فستاني القطيفة الأسود الممزق بنظرة مشتعلة بالرغبة والغيرة الشرسة الشغوفة.
أحضر أمينة الأدوات الطبية والمطهرات وانصرفت مسرعة بناءً على أمره القاطع بإخلاء الممر بالكامل. مد مراد يده الكبيرة الدافئة، وأمسك بقطعة القطن المبللة بالمطهر، وانحنى نحوي ببطء وعناية فائقة تتناقض مع قسوته السفاحة بالخارج. بدأ بتنظيف جروح ذراعيّ برفق طاغٍ، وعيناه الصقريتان مثبتتان في عينيّ العسليتين الشاخصتين بشغف مثير من هذه المسافة القريبة جداً التي تلاشت فيها الأنفاس.
"لماذا خاطرتِ بحياتكِ لأجلي مجدداً يا ليلى؟" همس بصوته الرخيم العميق، ونبرته تحمل بحّة ذكورية ساحرة تغلغلت في أعماق روحي، "لقد كان بإمكانكِ البقاء مع أدهم والتمتع بثروة الجارحي وقوانينهم النظيفة بعيداً عن دماء عالمي. لماذا اخترتِ العودة لجحيم النمر؟"
وضعتُ كفيّ الصغيرتين المرتعشتين فوق وجنته النحيتة، وشعرت بحرارة بشرته تلفح كفي، وقُلت بصوت خفيض متهدج يفيض بالتبعية المطلقة والعشق المظلم:
"لأن ثروتهم وقوانينهم لم تمنحني الأمان الذي أشعر به وأنا بين ذراعيك يا مراد.. ولأن روحي باتت ملكاً مطلقاً لتملكِك الشرس. أنا لا أريد حصونهم المخملية؛ أنا أريد سجنك وفراشك الحريري، وأريد أن أموت وأحيا تحت نظراتك الصقرية الشغوفة."
انقبضت ملامحه الوسيمة بشغف عارم، ووضع أدوات الموت جانباً، وبلمحة عين قبض على معصميّ وثبتهما برفق فوق الوسادة الحريرية، وهبط بجسده الضخم وعرض منكبيه الشامخين فوقي ليحاصرني بالكامل تحت وطأة طوله وعضلاته الحارة، وسد عني رؤية الجناح برمتها.
انحنى والتهم شفتي بقبلة طويلة، عنيفة وحارقة للغاية، قبلة تفيض بالتملك المطلق والشغف الخالص الذي أذاب آخر ذرات كبريائي، وجعلت جسدي بالكامل ينصهر تحت جسده الطاغي، مستسلمة للذة لمساته الشرسة وقبلاته الحارة التي تنقلت من شفتي لتستقر بدقة فوق بشرة عنقي المكشوفة، لتشتعل نيران الرومانسية المظلمة في عرين المافيا معلنةً خضوعي الكامل لقبضة النمر رغماً عن صراعات الملوك وقوانين الدول.
مرت ساعات الفجر الأولى ونحن نعيش في ذلك الانصهار الشغوف، ودثرني مراد بين الأغطية الحريرية السوداء، وظل مستلقياً بجانبي، يحيط خصري بذراعه الضخمة، ويتأمل وجهي بنظرات ثابتة وتملك مطلق لا ينام، وكأن الكون بأسره قد تخلص من فوضاه ليستقر داخل غرفتنا المحصنة.
ومع حلول الساعة التاسعة صباحاً، وتبدد الضباب الكثيف لتشرق شمس شتوية باهتة عبر زجاج الشرفة الجديد الذي قام رجاله بتركيبه بسرعة البرق، تمزق سكون الجناح الملكي بطرقات قوية، متسارعة ومذعورة للغاية على الباب الخشبي الضخم!
انتفض جسد مراد في لمحة عين كالنمر الذي شم رائحة خطر جديد. نهض من الفراش بكامل هيبته وجبروته، وارتدى قميصاً أسود فاخراً جديداً، وصاح بنبرة جهورية حازمة زلزلت الجدران: "سليم! ادخل فوراً!"
فُتح الباب ليقتحم سليم الغرفة، ولم يكن وجهه شاحباً كالسابق فحسب، بل كان يحمل علامات ذعر حقيقي وشلل تام لم أره عليه حتى أثناء هجوم المنظمة الدولية بالأمس! كان يتنفس بحدة وجسده يرتجف بوضوح، وصاح بصوت متقطع ومليء بالذهول الصادم:
"مراد بيه.. الكارثة الأكبر والأكثر تدميراً قد انفجرت للتو بالأسفل! تصفية الفريق جلال وسحق قوات المنظمة الدولية بالأمس قد أحدثا فراغاً أمنياً مرعباً.. والشركاء الكبار والمجلس الأعلى للمافيا في إيطاليا قد اعتبروا وجودك خطراً داهماً يجب محوه عن الوجود فوراً لإعادة ترتيب السوق!"
عقد مراد حاجبيه بغيرة شرسة وتملك أعمى وهو يتحرك نحو سليم بخطواته الفتاكة، وصاح بنبرة رعدية حادة كالسيف:
"ليذهب المجلس الأعلى وأسياده إلى الجحيم! أنا القانون في هذه العاصمة، ومن يهدد حرمي أو ممتلكاتي يُسحق! ما الجديد الذي يجعلك ترتعد كالأطفال يا سليم؟!"
ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، ونظر إليّ بطرف عينه برعب قاتل، ثم التفت لمراد وألقى بالقنبلة المرعبة التي شلت عقولنا وجعلت الدماء تتجمد في عروقنا بالكامل:
"الجديد هو أن المجلس الأعلى قد أرسل المصفي الأشرس، الأقدم، والأكثر دموية في تاريخ المافيا العالمية بأسره.. الرجل الذي أسس قوانين الدم والذي طالما اعتبره الجميع أسطورة دُفنت في الماضي! الطائرة الخاصة هبطت بالمطار قبل نصف ساعة، ومعه جيش من نخبة السفاحين الدوليين وأمر صريح بإبادة قصرك وسحق نفوذك وتصفية الآنسة ليلى الليلة لإنهاء الأزمة.. إنه الجنرال عاصم السيوفي.. والدك الحقيقي وزعيم العائلة القديم الذي ظننتَ أنت وآسر أنه مات في سجون سيبيريا منذ عشرين عاماً، وقد عاد لينتزع العرش ويطهر العرين من حماقاتك!"
توسعت عيناي برعب حقيقي هز كياني، وانقبضت معدتي بقوة غريبة جعلتني عاجزة عن التنفس؛ فالاسم الذي نطق به سليم لم يكن مجرد منافس جديد.. بل كان الطاغية الأكبر، الأب الذي علم مراد وآسر كيف يكونان وحوشاً، والشبح الذي يملك كل مفاتيح وأسرار مملكة السيوفي!
ساد صمت مطبق ومخيف داخل الجناح، وتجمد مراد في مكانه كتمثال من رخام أسود، وعيناه الصقريتان اتسعتا بصدمة تامة شلت جبروته، وتحولت نظراته نحو الباب حيث دوت أصوات طلقات رصاص ثقيلة ومنفردة بالأسفل، تلاها هدير خطوات ثقيلة، حازمة ورزينة للغاية تقترب من الممر الخارجي للجناح الرئيسي.. خطوات الطاغية القديم الذي جاء ليدمر كل شيء وينتزع الملكة من أحضان النمر بالقوة!
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







