登入لم تكن أصداء الكلمات التي نطق بها سليم مجرد تقرير أمني عابر، بل كانت بمثابة إعصار صامت جرف في طريقه ما تبقى من برود وهيمنة في أركان الجناح الرئيسي. تحول صمت الغرفة إلى سكون جنائزي خانق، تلاشت فيه أنفاس شمس الشتاء الباهتة التي كانت تتسلل عبر الزجاج الجديد، لتفسح المجال لهالة مرعبة من الموت الوشيك والماضي الدموي الذي عاد لينبعث من مقابر النسيان.
وقفتُ فوق الفراش الحريري الأسود، أضم رداء القطيفة حول جسدي المرتجف، بينما كانت أنفاسي تتلاحق بذعر شلّ أطرافي بالكامل. ذراعيّ الملفوفتان بالشاش الأبيض الناصع كانتا تنبضان بألم مستعر، لكن هذا الألم تضاءل أمام منظر مراد السيوفي. الرجل الذي رأيته يتحدى الدولة ويحرق جيوش المافيا بابتسامة ساخرة، كان يقف الآن في منتصف غرفته كصنم من رخام أسود. اتسعت عيناه الصقريتان بصدمة تامة، وتصلبت عضلات فكه النحيت بقسوة جعلت عروق عنقه الشامخ تبرز كحبال مشدودة تستعد لتمزيق هذا الشبح القادم.
"عاصم السيوفي؟" نطق مراد بالاسم، وخرج صوته ببحّة ذكورية مرعبة، منخفضة كهدير رعد حُبس في جوف الأرض، نبرة تداخلت فيها صدمة الابن وجنون تملك الزعيم الذي يرى عرشه يُهدد من الرجل الذي علمه القتل، "والدي؟ الطاغية الأكبر الذي دفنت المنظمة اسمه في زنازين روسيا منذ عشرين عاماً؟ يعود اليوم؟ يعود لعريني ومعه أمر بتصفية ليلى؟"
"نعم يا مراد بيه،" قال سليم بصوت مرتجف ومليء بالاضطراب الصريح وهو ينكس رأسه أرضاً، "الجنرال عاصم لم يمت؛ بل كان المجلس الأعلى للمافيا يحتفظ به كشبح استراتيجي للحالات التي تخرج فيها العواصم عن السيطرة. واليوم، بعد تصفيتك للفريق جلال وسحقك للكوماندوز الإيطالي، اعتبروا أن نمر العاصمة قد بات يهدد مصالحهم الدولية بالكامل. لقد أعطوه الصلاحيات المطلقة والمطهرة لإبادة مملكتك، وبداية التطهير ستكون بانتزاع الآنسة ليلى وتصفيتها أمام عينيك لتعود العائلة لطاعة المجلس."
وفجأة، وقبل أن يفرغ سليم من كلماته، دوت بالأسفل صرخة رصاص ثقيلة ومنفردة من مسدس كلاسيكي قديم، تلاها دوي تحطم الأبواب الحديدية الكبرى للبهو السفلي للقصر بخطى فتاكة، رزينة وثقيلة للغاية، بدأت تتقدم وتصعد الدرج الرخامي اللولبي بآلية مرعبة لا تعرف الارتجاف. لم تكن خطى عدو عادي؛ بل كانت خطى ملوك الموت الذين أسسوا قوانين الدم في العاصمة.
التفت مراد بكامل جسده الطاغي وعرض منكبيه الشامخين نحوي. غمرتني نظراته المشتعلة بنيران غيرة عمياء وجنون تملك فاق كل الحدود. تقدم نحو الفراش بخطواته الثقيلة، وجثا على ركبتيه فوق الحرير، وامتدت يداه الكبيرتان الدافئتان لتمسكا بوجهي الشاحب برفق حارق. كانت أنفاسه الحارة المتلاحقة تصطدم ببشرتي كالجمر، وعيناه تلتهمان ملامحي الباكية بتركيز شديد تلاشت معه كل حصون كبريائي وعنادي الأنثوي.
"مراد.. أنا خائفة،" همستُ بصوت متهدج، والدموع تجد طريقها مجدداً لعينيّ، "عالمك لا يتوقف عن حياكة المقابر حول حبنا المظلم. من هذا الرجل الذي يرتعد سليم من ذكر اسمه؟ وما ذنبي أنا ليكون موتي هو مهر استقرار عروشكم؟"
انحنى بقامته الفارهة أكثر حتى تلامست شفتانا الحادتان بنعومة حارقة أرسلت قشعريرة عنيفة هزت كياني وسط الرعب، وتحدث ببحته الرجولية العميقة التي تزلزل الروح وتخدر الحواس:
"عاصم السيوفي هو الرجل الذي نزع العاطفة من قلبي وزرع بدلاً منها الرصاص يا ليلى.. هو الطاغية الذي علمني كيف أكون وحشاً يهابه الجميع. لكنه اليوم أخطأ في كتابة شريعته القذرة؛ ظن أنني ما زلت ذلك الصبي الخاضع لأوامره وسياطه. لم يعلم أن جنون تملكي بكِ قد صنع مني رجلاً يفوق جبروت الشياطين برمتها. أنتِ شرفي، دمي، ولحمي، وختم تملُّكي المطبوع فوق عنقكِ الفاتن بأثر قبلاتي سيبقى درعكِ الأوحد، وأقسم بجلال الله.. لو كان والدي أو جحيم الأرض يقف خلف هذا الباب، فلن تلمسكِ يد ولن تنظر إليكِ عين سوى عيني."
أحكم قبضته حول خصري، وجذبني إليه بعنف وشغف عارم ليرتطم جسدي بصدره العريض الحار، وانحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم الخوف بلهيب الرغبة والتملك المطلق الذي لا يموت، قبلة سحبت مني آخر ذرات وعيي وجعلتني أتشبث بقميصه الأسود الفاخر بيدين مرتعشتين مستسلمة تماماً لانصهاري بين يديه. أطلق شفتي ببطء، ومسح دموعي بإبهامه الدافئة، ثم التفت نحو سليم وصاح بنبرة عسكرية قاطعة:
"سليم! انقل ما تبقى من حراس النخبة لدينا إلى الممرات الخلفية للجناح! اقطع خطوط الاتصال الخارجية، وإذا حاول رجال عاصم الاقتحام.. افجروا السلالم فوق رؤوسهم! ليلى ستبقى في فراشي وتحت حماية مسدسي الفضي، ودعونا نرى شريعة الأب كيف ستتحطم عند عتبة غرفتي!"
"أمرك يا مراد بيه،" انحنى سليم وانصرف راكضاً وأغلق الباب الخشبي الضخم خلفه.
انقشع الوقت سريعاً ليحل صمت خانق داخل الجناح، صمت لم يشقه سوى دوي الخطى الثقيلة التي وصلت أخيراً إلى الممر الخارجي للغرفة. دثرني مراد برداء المخمل الأسود الدافئ فوق الفراش، واضعاً إياي خلف ظهره العريض ليصبح مجدداً درعي البشري الأوحد، ووقف في منتصف الجناح وعضلات صدره تتحرك بحدة، يمسك بمسدسه الفضي بيده اليمنى، وعيناه الصقريتان مثبتتان على الباب بكبرياء وحش يستعد لتمزيق صياده.
وفجأة.. تحطم القفل الحديدي للباب الخشبي الضخم بدويّ هائل، وانفتح الباب بقوة ليخيم على الغرفة حضور مرعب وطاغٍ، حضور جمد الدماء في العروق.
دخل الجنرال عاصم السيوفي.
كان في أواخر الستينيات من عمره، لكنه كان يتمتع بقامة فارعة وبنية جسدية ضخمة ونحيتة تفوق ضخامة منكبيه بنيتي مراد وآسر معاً. كان يرتدي معطفاً طويلاً من الفراء الروسي الداكن الثمين، وشعره الأبيض الكثيف مصفف بعناية بالغة إلى الخلف ليظهر وجهه النحيت كأنه قُدّ من صخر بارد لا يعرف الرحمة. ملامحه كانت نسخة مكبرة وأكثر قسوة من ملامح مراد؛ عينان صقريتان حادتان بلون الرماد، وتشقه ندبة عميقة تمتد من جبهته حتى أسفل عينه اليسرى المشوهة. وفي يده اليمنى، كان يحمل مسدساً من طراز (ماكاروف) الكلاسيكي القديم، يقطر فوهته حراً، وخلفه انتشر عشرة من سفاحي المافيا الدولية المدججين بالأسلحة الأوتوماتيكية الصامتة، يقفون بآلية صامتة تعلن انصياعهم الكامل لشريعته القاتلة.
جالت نظرات عاصم الباردة والجليدية في أرجاء الجناح الرئيسي؛ مر على آثار رصاص الأمس، والزجاج المكسور، حتى استقرت عيناه بدقة وفحص شديد عليّ أنا.. المستلقية خلف مراد بوجهي الشاحب ودموعي المرتعشة. ارتسمت على شفتيه النحيفتين ابتسامة باردة، ساخرة وتفيض بالخراب، ثم نقل نظراته نحو مراد وتحدث بصوت رخيم، أجش وعميق للغاية، صوت يحمل برودة مقابر سيبيريا وجبروت العهود القديمة:
"أهلاً بك يا شقيقي الأصغر.. أو بالأحرى، أهلاً بزعيم العاصمة الجديد الذي ظن أن غيابي في زنازين روسيا قد منحه الحق في إدارة العائلة بقوانين العاطفة والنساء،" قال عاصم ونبرته الجليدية جعلت الفرائص ترتعد رعباً، "لقد كبرتَ كثيراً يا مراد، وأصبحتَ تملك قطة فاتنة تستحق كل هذا الشغب الدولي الذي أحدثتَه بالأمس من أجل عينيها."
لم ينكس مراد رأسه، ولم يتحرك من وقفته الملكية الشامخة؛ بل زاد ثبات وقفته ليحجبني تماماً عن نظرات والده، وصاح بصوته الجهوري المبحوح بنبرة تزلزل الكيان وتفيض ببحّة الغيرة الشرسة والتملك المطلق لحرمه:
"عاصم السيوفي.. أنت في عريني الآن، والقوانين التي أسستَها مع السيوفي الكبير قبل عقود قد سقطت ودُفنت يوم أن تخلت عنك المنظمة الدولية. ليلى ليست مجرد فتاة؛ ليلى هي شرفي، دمي، وحرمي الخاص الذي أحرق العاصمة بأكملها لأجل ابتسامتها. شريعتك القديمة لا مكان لها في غرفتي، وإذا فكرتَ يوماً في حجبها عن أحضاني أو تحريك سلاحك نحو عتبة فراشي.. سأنسى دم الأخوة والأبوة وأعلمك كيف يكون زئير النمر الحقيقي الذي تخرج من تحت يديك!"
تحرك عاصم خطوة واسعة نحو الأمام، ليدوي حذاؤه الثقيل فوق الرخام بقوة صدمت الأركان، ورفع مسدسه الروسي ليوجهه مباشرة نحو جبهة مراد، ونظر إليه ببرود مميت وقال:
"العاطفة جعلتك رخواً وتائهاً كشقيقك آسر يا مراد.. والمنظمة الدولية أرسلتني لأبتر هذه الثغرة التي تهدد مصالحنا. ليلى تحمل حسابات وثروة الجارحي القديمة، وموتها الليلة هو أمر سيادي صادر من الكبار في إيطاليا لإعادة الاتزان للسوق وإنهاء تمردك الطائش. أنا من علمتُك كيف تطلق النار، وأنا من نزعتُ القلب من صدرك لتكون زعيماً يهابه الملوك؛ واليوم جئتُ لأستعيد تلميذي وأطهر العرين من هذه الدمية التافهة. تنحَّ جانباً، وضَع مسدسك الفضي أرضاً، وإلا أقسم بدم عائلة السيوفي.. سأفرغ رصاصي في صدرك الموشوم وأنتزع الفتاة جثة هامدة من بين يديك!"
في تلك الأجزاء من الثانية المشحونة برعب وأدريالين خالص حبس الأنفاس، تلاشت المسافات بين الموت والحياة داخل عقلي المستهلك بالشغف المظلم. رأيت فوهات بنادق سفاحي عاصم العشرة تُرفع دفعة واحدة، ومؤشرات الليزر تتقاطع بجنون فوق صدر مراد العريض وجبهته النحيتة، ورأيت قبضة مراد تشتد فوق المسدس الفضي مستعداً لخوض حرب انتحارية مدمرة لحماية تملكه وجنون غيرته عليّ.
ولم يتدخل المنطق في عقلي؛ بل اندفعتُ للأمام وبحركة طائشة ومفاجئة، وقفتُ بجسدي الصغير وفستاني القطيفة ورداء المخمل أمام مراد مباشرة، مستقبِلةً مؤشرات الليزر فوق صدري ورداء القطيفة، لأتحول للمرة الثالثة إلى الدرع البشري وحائط الصد الذي يفصل بين النمر وصياده الأكبر.
"لا! توقفوا!" صرختُ بأعلى صوتي، والدموع تنهمر كالشلالات الحارقة على وجنتيّ الشاحبتين، وجسدي ينتفض بعنف كعصفور حوصر في عاصفة ثلجية، "إذا كنتم تريدون ثروتي وحساباتي السويسرية، خذوها بالكامل! لكن اتركوا مراد يعيش! أنا من اخترتُ جحيمه طواعية وروحي باتت ملكاً مطلقاً له، ولن أسمح لكم بقتله في غرفتي!"
تجمد عاصم السيوفي في مكانه، واتسعت عيناه الصقريتان الرماديتان بصدمة تامة وذهول شل حركته وهو يراني ألقي بنفسي في مواجهة الموت لحماية ابنه المتمرد. وبلحظة عين، صرخ مراد بصوت وحشي كاسر تملكه رعب حقيقي لأول مرة في تاريخه الدموي؛ فامتدت ذراعه الضخمة من خلفي، وأحاطت خصري بعنف وشغف عارم، وجذبني إليه ليرتطم ظهري بصدره العريض الحار، محاولاً إعادتي خلف حصنه البشري وجنون تملكه لا يهدأ.
"ليلى! ماذا تفعلين أيتها المجنونة الطائشة?!" صاح مراد بصوته الجهوري المبحوح الذي ارتجف بعنف، وعضلات فكه تتحرك بقسوة مرعبة وهو يضغط على فكي برفق مجبراً إياي على النظر في جحيم عينيه الصقريتين، "كيف تجرئين على الوقوف أمام رصاصهم القذر?! أقسم بجلال الله لو حدث لكِ مكروه الليلة، سأبيد المنظمة الدولية ووالدي معاً بيديّ هاتين! مكانكِ هو الحصن خلف ظهري!"
نظرتُ في عينيه المشتعلتين بنيران الغيرة الشرسة والشغف الخالص الممزوج بالخوف الطاغي عليّ، وقُلت بصوت متهدج فصيح تغلغل في صمت الغرفة:
"لن أتركهم يقتلونك يا مراد.. أنا تخصك، وروحي فداء لسلامة نمرِي!"
تحركت شفتي عاصم السيوفي بابتسامة جليدية مسمومة، ونقل نظراته الباردة نحو مراد وقال بصوته الرخيم العميق:
"شجاعة الفتاة وعنادها الأنثوي يثبتان أنها الثغرة الأجمل والأكثر خطورة في جدارك يا مراد.. وهذا هو السبب الذي يجعل موتها حتمياً الليلة لتستعيد وحشيتك. قانون العائلة لا يقبل العواطف.. والعد التنازلي لنهايتكم قد بدأ للتو!"
وفي تلك اللحظة المشحونة بالإثارة والرعب الخالص، وبلحظة خاطفة للأنفاس حبست النبض في العروق، وقبل أن يتحرك مراد أو عاصم لإطلاق الرصاصة الأولى، اندفع الكونت روسي؟ لا.. الكونت روسي قد سُحق بالأمس، بل اندفع أحد رجال عاصم المقنعين من خلف الظلال بسرعة البرق، وقذف بعبوة ديناميت حرارية موقوتة ومشتعلة مباشرة نحو الفراش الحريري الأسود الذي كنا نقف بالقرب منه!
انفجرت العبوة ليتصل لهيب النيران بالستائر المخملية والأغطية الحريرية، وينطلق انفجار كوني هائل ومزلزل حطّم جدران الجناح الرئيسي بالكامل، وارتفعت ألسنة اللهب البرتقالية لعشرات الأمتار في الهواء محولةً الغرفة الشاهقة إلى كتلة من الجحيم والموت المحقق، واجتاحت موجة عصف مرعبة قذفت بأجسادنا جميعاً وسط الغبار والنيران المتصاعدة، لتختفي ملامح الجناح والجبابرة تماماً تحت وطأة الانفجار الخاطف للأنفاس الذي جمد الدماء في عروق العاصمة وأعلن بداية الفناء الشامل لشريعة الأب وتملك النمر معاً!
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي
إنه الرائد الدكتور "إياد مهران".. طبيب نفسي عبقري وضابط مخابرات رفيع المستوى في الجهاز الرسمي، رجل يجمع في ملامحه بين الوسامة الذكورية الساحرة والبرود التكتيكي الذي يرفض الانحناء أمام فوضى المافيا الدولية. كان في أواخر الثلاثينات من عمره، فارع الطول وعريض المنكبين بجسد رياضي متناسق ينم عن تدريب عسكري صارم، يرتدي قميصاً رمادياً فاخراً مفتوح الأزرار العلوية مع معطف صوفي أسود طويل يمنحه هيبة النبلاء. عيناه العسليتان الداكنتان الحادتان كانتا تلمعان بذكاء حاد ونظرات ثاقبة تشبه مبضع الجراح الذي ينبش في وعي خصومه، وتحيط بفمه وسامة شرسة وهادئة في آن واحد."ليلى... هذا هو الدكتور إياد،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، وعينه السوداء تراقب ملامح ابنة عمه بحذر حازم. "لقد خاطر بحياته واخترق أطواق اللواء رأفت علام في العاصمة ليصل إلى هنا عبر مروحية عسكرية خاصة. إنه هنا ليتولى فحصكِ النفسي والأمني، والتأكد من أن خلايا مخكِ لم تتأثر بصدمة الحرب ومؤامرات المافيا الدولية."التفت أدهم نحو إياد، وضغط على كتفه بنبرة تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة: "إياد... ليلى أمانة عائلتي بين يديك. جهازي مخترق
انفتحت بوابات المياه الهيدروليكية العملاقة للمرفأ السفلي السري تحت وطأة ضغط هيدروليكي هائل، لتعلن عن وصول الغواصة العسكرية "التيتان الأسود" إلى الملاذ الآمن والأخير لعائلة الجارحي. لم يكن هذا المكان مجرد قصر عادي؛ بل كان قلعة استخباراتية حجرية شُيدت في أواخر القرن الماضي فوق جرف صخري معزول يطل على ساحل شبه جزيرة سيناء، حيث تلتقي قسوة الجبال الحادة بعتمة مياه البحر المفتوحة. طفت الغواصة الفولاذية الضخمة فوق سطح المياه الميتة للمرفأ الداخلي، التي كانت تبدو كمرآة سوداء صقيلة تعكس ومضات كشافات الهالوجين البيضاء المثبتة في الأسقف الخرسانية العالية للكهف الطبيعي المحفور بدقة عسكرية.كان الهواء هنا بارداً، رطباً، ومحسناً بشبكة تنقية رقمية معقدة تصدر أزيراً منخفضاً ومستمراً كأنه دقات ساعة الفناء. امتد رصيف المرفأ الحجري، المصنوع من صخور البازلت الأسود، كلسان طويل يؤدي إلى المصاعد الهيدروليكية الداخلية للقصر. وفوق الرصيف، كانت تقف نخبة رسمية من حرس المستشار أدهم الجارحي؛ رجال يرتدون سترات تكتيكية سوداء كاملة، مجهزين ببنادق هجومية من طراز "إم 4" الحديثة، وتتحرك عيونهم المدربة بحذر وقلق خل







