LOGINلم تكن أصداء الانفجار الذي حطم مروحية "الأباتشي" قد خمدت بعد في زوايا المدرج العسكري المغلق، بل كانت النيران البرتقالية الشرسة تتصاعد من الحطام المتفحم كألسنة من جحيم مستعر، تقذف بظلال متوحشة وراقصة فوق الجدران الإسمنتية العالية. تفشت رائحة البارود الخانقة ووقود الطائرات المحترق، لتختلط بعبق الصندل الحار والتبغ الفاخر الذي ينبعث من جسد مراد السيوفي. كان الجناح الأرضي المحاصر أشبه ببركان موقوت، تلاشت فيه أوهام النصر على الفريق جلال، ليولد من رحم الرماد أشرس صراع عروش ودم عرفته العاصمة؛ صراعٌ تلاحمت فيه غريزة التملك الأعمى لزعيم المافيا مع عناد الشرف الصارم لرجل الدولة.
كنتُ محاصرة بالكامل بين ذراعي مراد الضخمتين، وجسدي الحريري يرتجف بعنف كعصفور حوصر في عاصفة ثلجية دموية. رداء القطيفة الأسود كان ملتفاً حولي، وشعري البني الطويل منسدلاً بفوضوية على كتفيّ، مشبعاً بغبار المعركة الرمادي. ذراعي المصابة كانت تنبض بألم مستعر، وشعرتُ بقطرات دمي القرمزية الدافئة تبدأ في التسرب مجدداً من تحت الشاش الناصع، لتسيل ببطء فوق عضلات صدر مراد العريض العاري والموشوم بندوب الموت. ورغم ألم الجسد وذعر الروح، إلا أن قبضة مراد الفولاذية حول خصري وضغطه الشرس لجسدي نحو قلبه النابض بعنف، كانا يمنحانني ذلك المخدر الأنثوي الخفي الذي يسري في مسامي، مستسلمةً لكوني الطريدة التي يرفض النمر التفريط فيها ولو وقف الموت حائلاً بينهما.
كانت فوهة مسدس مراد الفضي ممتدة في خط مستقيم لا يهتز، موجهة بدقة قناص محترف نحو العين السوداء للمستشار أدهم الجارحي. ابيضّت مفاصل كف مراد الكبيرة، وتوترت عضلات منكبيه الشامخين بحدة جعلت عروق عنقه المتصلب تبرز كحبال مشدودة تستعد لتمزيق الكون. وفي المقابل، كان أدهم يقف بقامته الفارهة ومعطفه الكحلي الملوث بالدماء والتراب البني، ممسكاً بمدفعه الرشاش الرسمي بكلتا يديه، ويوجهه مباشرة نحو جبهة مراد العريضة. كان وقاره العسكري الصارم وبشرته الشاحبة يعكسان قوة دولة بأكملها ترفض أن يُهان شرف عائلتها في وكر من أوكار المافيا.
"أدهم الجارحي،" نطق مراد، وانطلق صوته الجهوري المبحوح بنبرة منخفضة للغاية تفيض ببحّة الغيرة القاتلة والتملك المطلق، نبرة ذكورية ساحرة زلزلت أركان المدرج الشاسع، "لقد طهرتُ هذا الليل من قذارة جلال عبد الحق لأجل روحي وشرفي أنا، وليس لكي تأتي ببقايا أسلحتك الرسمية وتظن أنك تملك فرض شروطك في حضرة السيوفي. ليلى تخصني.. أصبحت دمي ولحمي وحرمي الخاص منذ الليلة التي اخترقت فيها رسالتها الصوتية الطائشة أسوار عقلي. ومن يفكر في مد يده نحو معصمها، سأعلمه كيف تسقط الممالك وتُباد الجيوش تحت وطأة غليان دمي."
لم يرمش لأدهم الجارحي جفن، بل ثبت قدميه العسكريتين بقوة فوق الإسمنت المبلل بمياه الإطفاء والدماء، وتحدث بصوته الرخيم العميق الذي خلا تماماً من أي تردد أو خوف:
"مراد.. لقد انتهت لعبة التحالف المؤقت وسُحق الخائن، وحان وقت نفاذ قانون الدولة الذي لا ينحني لغطرسة المافيا. شجاعة ليلى وتلقيها للنصل بالأمس هي ما جعلتني أغض البصر عن وجودك في قصرِي، لكن الليلة.. أنت في عقر دار الأجهزة السرية، وابنة عمي لن تبرح هذا المكان لتعود إلى فراش ملوث بالدماء والصفقات المشبوهة. إنزع كفك الكبيرة عن خصرها وتراجع بخطواتك إلى الخلف، أو أقسم بدم عائلة الجارحي وبشرف هذه البزة العسكرية، سأفجر صدرك الموشوم وأنهي أسطورتك الزائفة هنا والآن."
تراقصت مؤشرات الليزر الحمراء اللامعة فوق جبهة مراد وصدره العريض، بينما كان الحراس المتبقون من رجال العمليات الخاصة لأدهم ينتشرون في الزوايا، شاهرين أسلحتهم بآلية صامتة بانتظار إشارة واحدة من سيدهم لإبادة النمر. وفي ذات الوقت، كان "سليم" ونخبة حراس السيوفي يتحركون خلف السواتر الخرسانية، ويعشقون أسلحتهم الثقيلة بنبرة مشحونة بالأدرينالين والخطر المطلق؛ فالحرب الشاملة باتت معلقة على أنملة واحدة تتحرك فوق زناد المسدس الفضي.
انحنى مراد برأسه الفاره قليلاً، حتى أصبحت أنفاسه الحارة والمتلاحقة تلفح بشرة وجنتي الشاحبة برائحة التبغ والصندل الحاد. تلمست شفتاه الحادتان أرنبة أذني بنعومة حارقة أرسلت قشعريرة عنيفة هزت كياني وسط النيران، وهمس بصوت متهدج مفعم بالشغف الخالص:
"ليلى.. هل تسمعين وعيد ابن عمكِ وجيشه الخائن؟ إنهم يريدون انتزاع قطتي من أحضاني وتجريدي من صوابي. أقسم بجلال الله.. لو اخترقت رصاصاتهم قلبي الآن، لن تفلت ذراعي خصركِ، وسأموت وأنا أفرض تملكي عليكِ رغماً عن قانونهم ودولتهم برمتها."
نظرتُ في عينيه الصقريتين المشتعلتين بنيران الغيرة الشرسة والخوف الطاغي عليّ، وشعرتُ بأن روحي تنصهر وتذوب بين يديه، ولم يعد للمنطق وجود في عقلي المستهلك بالرعب. رفعتُ كفي الصغيرة الملوثة بدمي الدافئ، وثبتُّها فوق صدره النابض بعنف، وقُلت بصوت متهدج لكنه فصيح وحازم تغلغل في صمت المدرج:
"لن أتركهم يقتلونك يا مراد.. ولن أسمح لك بأن تتحول إلى جثة فوق هذا الإسمنت البارد لأجل عنادي. أنا تخصك.. طواعية أو كرهاً، روحي باتت ملكاً للنمر، لكنني لن أخرج من هنا والدماء تجري بينك وبين عائلتي الجديدة. أدهم.. ضع سلاحك! مراد جاء لينقذنا من متفجرات جلال، وشرف الجارحي لا يغدر بمن حالفه وسط اللهب!"
تحركت عضلات فك أدهم بقسوة بالغة، ونظر إلى كفي الصغيرة المثبتة فوق صدر مراد بنظرة تفيض بالمرارة والواجب العائلي الصارم، وصاح بنبرة قاطعة كالسيف:
"ليلى! أنتِ تدافعين عن سفاح أعمى الشك بصيرته عن قوانين الإنسانية! خضوعكِ لتملُّكه الطائش هو ما يدفعه للتمرد. تراجعي عنه، فالقانون لا يتفاوض مع منتهكي حرمات الدول!"
وفي غمرة ذلك الشقاق العنيف والتوتر الخانق الذي حبس الأنفاس، لم يترك القدر للجبارين متسعاً لإطلاق رصاصتهم الأولى؛ إذ انشقت الأرض فجأة بدويّ صفارات إنذار مختلفة تماماً، صفارات إلكترونية حادة انطلقت من الأنظمة السيبرانية العلوية للمدرج، وتلا ذلك تحطم البوابات الفولاذية الغربية الكبرى بضربات هيدروليكية عنيفة ومباغتة!
انقبضت معدتي بذعر حقيقي، وتلاشت الأنفاس في صدري وأنا أرى عتمة المدرج الرمادية تُخترق بدخول قوة عسكرية ضخمة ومختلفة بالكامل؛ لم تكن قوات الأمن القومي، ولم تكن حراس السيوفي، بل كانت قوات النخبة التابعة للمجلس الأعلى للمافيا العالمية في إيطاليا (الكوماندوز الداكن)! يرتدون ملابس قتالية سوداء بالكامل مقاومة للنيران، ويحملون دروعاً باليستية ثقيلة وأسلحة أوتوماتيكية فرنسية مجهزة بكاتم الصوت ومؤشرات ليزر زرقاء باهتة.
لقد استغلت المنظمة الدولية تصفية الفريق جلال وتلاحم مراد مع أدهم، لتقوم بالالتفاف عبر المحور الغربي السري واقتحام المدرج العسكري بالكامل، تنفيذًا لأمر التطهير الشامل واستعادة الفتاة وحساباتها السويسرية بقوة السلاح، دون أي اعتبار لاتفاقات الأمس أو هيبة الدولة!
انتشر رجال الكوماندوز الإيطالي في ثوانٍ معدودة كالأشباح الفتاكة، وشكلوا حزام نيران دائري أحاط بنا وبقوات أدهم وسليم معاً، شاهرين بنادقهم دفعة واحدة ومثبتين مؤشرات الموت الزرقاء بدقة مرعبة فوق صدورنا.
ومن بين صفوفهم الصامتة، تقدم رجل طويل القامة، يرتدي معطفاً مخملياً داكناً وقناعاً حديدياً جزئياً يخفي نصف وجهه المشوه.. إنه "الكونت روسي"، المبعوث الخاص للمجلس الأعلى والذراع التنفيذي للكبار في إيطاليا. توقف على بعد خطوات، ونظر إلينا بعينه الباردة كأعين الزواحف، وارتسمت على شفتيه النحيفتين ابتسامة شماتة جليدية تفيض بالخراب والوعيد القاتل.
"مراد السيوفي.. وأدهم الجارحي،" نطق الكونت روسي بصوت منخفض، أجش ورخيم يحمل نبرة جليدية تذكر بالمقابر، صوت تغلغل في صخب العاصفة والنيران، "لقد أضعتم وقتكم الثمين في صراعاتكم العائلية التافهة، وغفلتم عن أن الكبار في إيطاليا لا يقبلون بالهزيمة أو الرفض. مراد تمرد على أسياده، وأدهم ظن أن دولته ستحميه من شباكنا. الليلة.. تسقط الأقنعة وتتحطم القوانين برمتها. الفتاة 'ليلى' وحساباتها السويسرية ستخرج معنا إلى روما الآن.. أما أنتم ورجالكم، فستتحولون إلى جثث هامدة تُدفن تحت أنقاض هذا المدرج المحترق!"
بلمحة عين، انصهر شقاق الجبابرة وتحول العداء الصامت بين مراد وأدهم إلى تحالف انتحاري شرس ومميت وُلد من رحم الموت لحماية الهدف الأوحد وسط اللهب.. لحمايتي أنا.
قبض مراد على معصمي بعنف وشغف متناقضين، وجذبني خلف ظهره العريض ليوجه مسدسه الفضي نحو صدر الكونت روسي، وعيناه الصقريتان تشعان بشرر مستطير وبحّة غيرة قاتلة ترفض التفريط في طريدته. وفي ذات الجزء من الثانية، استدار أدهم الجارحي بكامل ضخامة منكبيه ومعطفه الكحلي الطويل، ورفع مدفعه الرشاش الرسمي ليثبت فوهته نحو رأس القائد الإيطالي، وعضلات فكه تنحت بقسوة مرعبة تعلن بداية المجزرة.
"سليم! أطلقوا الجحيم!" زأر مراد بصوت رعدي زلزل أركان المدرج الشاسع.
وانطلقت الرصاصات من كل حدب وصوب لتشتعل ساحة الإسمنت بنيران الحرب الشاملة والنهائية؛ اختلط رصاص المافيا الدولية برصاص الدولة، وتطايرت شرفات البارود والشظايا الحارقة في الهواء كالمطر الأسود. دفعني مراد بسرعة البرق خلف الساتر الحديدي السميك لإحدى عربات النقل العسكرية المحطمة، وجعل من جسده وعضلات منكبيه الشامخين درعي البشري الأوحد وسط اللهب.
بدأ مراد بإطلاق النار بجنون وبدقة مرعبة، يسحق رجال الكوماندوز الإيطالي واحداً تلو الآخر كالنمل، بينما كان أدهم الجارحي يتقدم بخطواته العسكرية الرزينة والفتاكة، ويوجه سيل من رصاص مدفعه الرشاش ليمزق صفوف الأعداء ويحمي ظهري من رصاص الخونة. كان التنسيق بينهما مرعباً ومدمراً، كأن جينات الموت قد توحدت في صدورهما ليعلنا للعالم بأسره أن من يلمس أنثى النمر أو دم الجارحي.. يُحكم على نفسه بالفناء البطيء.
انهمر الرصاص بغزارة، وفي وسط العاصفة والبارود المتصاعد، تسلل اثنان من رجال الكوماندوز من خلف ظلال عربة النقل، وشهروا خناجرهم الفولاذية الطويلة نحو ظهر مراد غير المنتبه وهو يفرغ رصاص مسدسه في صدور المهاجمين الأماميين!
لم أفكر، ولم يتدخل المنطق في عقلي المستهلك بالشغف المظلم؛ بل اندفعتُ للأمام وبحركة طائشة ومفاجئة، وقفتُ بجسدي الصغير وفستاني القطيفة ورداء المخمل أمامه مباشرة، مستقبِلةً النصل الحاد بذراعي غير المصابة لتتلقى الطعنة الغادرة بدلاً منه!
"لا يا مراد!" صرختُ بأعلى صوتي، وشعرتُ بحرارة لافحة ومزق حاد في لحمي جعل جسدي يترنح ضعفاً، وتدفق دمي القرمزي الدافئ ليلوث رداء القطيفة والرخام البارد.
التفت مراد بلمحة عين، وعندما رأى دمي يسيل وجسدي يهوي نحو الأرض، انطلقت من حنجرته صرخة غضب وحشية مرعبة لم تكن لبشر، بل لأسد جُرحت أنثاه وحرمه الخاص أمام عينيه. تملكه جنون تملك وغيرة شرسة أعميا بصيرته عن الوجود برمتها؛ فقبض على عنق المهاجم وحطم عظام جمجمته بضغطة واحدة من يده الضخمة، ثم وجه مسدسه الفضي نحو الآخر وفجر رأسه بلمحة عين ليتناثر الدم في الأرجاء.
جثا مراد على ركبتيه فوق الإسمنت المبلل بدمائنا المختلطة، وأحاط خصري بذراعه الضخمة بحنان حارق وجنون مفرط، ورفع وجهي الشاحب الذي بات كلون الأموات ليلتقي جحيم عينيه بعينيّ. كانت أنفاسه الحارة المتلاحقة تصدمني كالجمر، وعيناه تشعان ببحّة غيرة قاتلة وتملك أعمى، وضغط بكفه الكبيرة فوق جرح ذراعي الجديد محاولاً كتم الدماء وهو يصرخ بصوته الجهوري المبحوح:
"ليلى! ليلى انظري إليّ! كيف تتجرأين على تلقي الموت بدلاً مني مجدداً؟! أقسم بجلال الله لو انطفأ بريق هاتين العينين الليلة.. سأبيد المنظمة الدولية وإيطاليا بأكملها بيديّ هاتين ببطء لم يشهده بشر من قبل! أنتِ ملكي.. شرفي ودمي، وحياتي فداء لابتسامتكِ!"
نظرتُ في عينيه المشتعلتين بالشغف المظلم، وشعرتُ بجاذبيته المخدرة تسلبني الألم رغماً عن النزيف الحاد. رفعتُ كفي الصغيرة الملوثة بدمي، ووضعتها فوق وجنته النحيتة، وقُلت بأنفاس متلاحقة ومخنوعة بالدموع:
"أنا.. أنا تخصك يا نمرِي.. خذني لعرينك.. أنا لا أريد حصونهم."
انحنى بقامته الفارهة والتهَم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم دمي المالح بلهيب عشقه الشرس وتملكه المطلق الذي لا يموت، قبلة سحبت مني وعيي تماماً وجعلتني أذوب بين يديه وسط عاصفة الموت والبارود المتصاعد.
وفي تلك اللحظة المشحونة بالرومانسية المظلمة والدماء، وقبل أن يفرغ مراد من قبلته ويتحرك خطوة واحدة لحملي، دوت طلقة رصاص ثقيلة ومنفردة من مسدس الكونت روسي المخفي، طلقة اخترقت كتف مراد المصاب من الخلف لتنفتح غرز جرحه القديم بعنف وتتدفق دماؤه بغزارة فوق جسدي!
وفي ذات الوقت، اندفع الكونت روسي كالبرق ممسكاً بعبوة حارقة يدوية، وقذفها مباشرة نحو خزانات الوقود الاحتياطية للمدرج التي كنا نتحصن خلفها!
"مراد! ليلى!" صرخ أدهم الجارحي بصوت رعدي يملؤه الرعب لأول مرة، وهو يرى العبوة الحارقة تقترب من الخزانات المليئة بآلاف اللترات من الوقود سريع الاشتعال!
انفجرت العبوة ليتصل لهيب النيران بالوقود، وينطلق انفجار كوني هائل ومزلزل حطّم ما تبقى من جدران المدرج العسكري، وارتفعت ألسنة اللهب البرتقالية لعشرات الأمتار في الهواء محولةً الساحة برمتها إلى كتلة من الجحيم والموت المحقق، واجتاحت موجة عصف مرعبة قذفت بأجسادنا جميعاً وسط الغبار والنيران المتصاعدة، لتختفي ملامح الجناح والجبابرة تماماً تحت وطأة الانفجار الخاطف للأنفاس الذي حبس النبض في العروق وأعلن بداية الفناء الشامل!
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







