ANMELDENحملني مراد بين ذراعيه الضخمتين خارج المستودع المحترق، وكأنني قطعة من الخزف الثمين يخشى عليها من الخدش، لا فتاة زلزلت كبرياء مملكته الملوثة بالدماء. كانت ألسنة اللهب البرتقالية تتصاعد خلف ظهره العريض، تلتهم جثث الخائنين ومؤامراتهم القذرة، لتصبغ ليل الشتاء القارس بلون الدم والنصر. غمرتُ وجهي في عنقه، أستنشق رائحة الصندل والتبغ والبارود التي أصبحت بمثابة ترياق الأمان الوحيد لروحي المنهكة.
سار بي بخطى واسعة، ملكية وفتاكة، وسط صفين من رجاله الذين وقفوا ينكسون رؤوسهم وأسلحتهم احتراماً لجبروته وإجلالاً للأنثى التي أحرق العاصمة من أجل عينيها. وضعتُ كفيّ الصغيرتين المرتعشتين حول عنقه، وشعرت بعروقه النابضة بالغضب والغيرة الشرسة تحت بشرته الحارة، ضمة عنيفة تفيض بتبعية مطلقة ولدت من رحم الموت.
فتح سليم باب السيارة المصفحة السوداء الكبيرة بسرعة، فأنزلني مراد فوق المقاعد الجلدية الوثيرة برفق طاغٍ يتناقض تماماً مع وحشيته قبل دقائق. صعد خلفي مباشرة، وأغلق الباب لتنعزل عنا أصوات النيران والطلقات المتبقية بالخارج، ويغرق الحيز الضيق في صمت مشحون بالإثارة والشغف الخالص.
تحرك رتل السيارات السوداء في موكب مهيب وسريع، يشق عتمة الليل متجهاً صوب القصر. جلستُ ملتصقة بزاوية المقعد، وجسدي ما زال يرتجف بعنف إثر الصدمة، فستاني الشيفون الأبيض ممزق وملوث بالغبار، وشفتي السفلى تحمل أثراً قرمزيّاً لدم جاف أسالته صفعة كارما الحاقدة.
لم ينطق مراد بكلمة واحدة طوال الطريق. كان يستند بظهره إلى المقعد، وعيناه الصقريتان الحادتان مثبتتان عليّ ببريق مرعب، مزيج من غيرة عمياء كادت تفقده عقله، وتملك شرس أعمى بصيرته عن الدنيا برمتها. كان يتنفس بحدة، وصدره العريض يعلو ويهبط مع كل شهيق وكأنه يحاول استيعاب فكرة أنني هنا، بين يديه وتحت رحمته مجدداً.
وفجأة، وبحركة سريعة ومفاجئة، امتدت يده الكبيرة الدافئة لتقبض على خصرِ بقوة، وجذبني نحوه بلمحة عين لتلتصق الشاشات ببعضها. أصبحتُ جالسة فوق ركبتيه، محاصرة بالكامل بين ذراعيه الضخمتين وجسده الضخم الذي يشع حرارة لافحة. أحكم قبضته على قفاي، مجبراً إياي على رفع وجهي والنظر مباشرة في جحيم عينيه.
"مراد.. أنت تؤلمني،" همستُ بنبرة مخنوقة بالدموع، وصوتي بدا ضعيفاً ومستهلكاً.
"الألم الحقيقي هو ما شعرتُ به عندما علمْتُ أن يداً غريبة قد امتدت لتلمس ما يخصني يا ليلى،" قال بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل وعيداً حارقاً وجاذبية كهربائية سرت في مسام جلدي، "لقد كدتُ أفرغ أسلحتي في صدور رجالي لأنهم سمحوا للأفاعي باختراق عريني واختطافكِ. جنون تملكي بكِ فاق كل القوانين.. لو كنتُ خسرتكِ الليلة، لكنتُ جعلتُ هذه المدينة ساحة إبادة جماعية."
تحركت أصابعه العارية، الطويلة والدافئة، لتتحسس بشرة وجهي ببطء شديد ونعومة قاتلة. تلمس وجنتي الشاحبة، ثم استقرت إبهامه بدقة فوق شفتي النازفة. ضغط عليها برفق طاغٍ، ورغم الألم الخفيف، إلا أن قشعريرة عنيفة هزت عمودي الفقري وجعلت أنفاسي تتلاحق بعنف. انحنى بقامته الفارهة أكثر، حتى كادت شفتاه تلامسان شفتي، وتحدث بنبرة تفيض برومانسية مظلمة:
"من تجرأ على صفع هذا الوجه الفاتن قد دفع حياته ثمناً قبل قليل.. لكن غليان غيرتي لن يهدأ حتى أمحو أثر لمستهم القذرة عن جسدكِ بالكامل. أنتِ لي.. دمي، ولحمي، وملكي المطلق، وسأعلمكِ الليلة كيف تنصهرين تماماً في قبضة النمر."
انحنى ليطبع قبلة عنيفة، حارقة، ومحملة بكل مشاعر الشغف والتملك التي تذيب الصخر على شفتي النازفة. كانت قبلة طويلة، التهمت كل ما تبقى من عنادي وكبريائي، وجعلتني أتشبث بقميصه الأسود الممزق بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لهيب مشاعره التي تقتحم روحي وتسلبني القدرة على الحراك أو الكلام.
وصلنا إلى القصر مع خيوط الفجر الأولى، لكن الأجواء الليلة لم تكن كالسابق؛ فقد كان الحراس ينتشرون بكثافة مضاعفة، والأسوار الحديدية محاطة بكشافات ضوئية مبهرة تكشف كل طيف يتحرك في النطاق. حملني مراد مجدداً وصعد بي الدرج الرخامي اللولبي بخطواته الثقيلة والرزينة، ودخل بي إلى الجناح الرئيسي، ليغلق الباب خلفنا بقدمه ويدوي صوت القفل كإعلان رسمي عن عودتي إلى سجني المفضّل وعرينه المظلم.
أجلسني برفق فوق الفراش الحريري الأسود، ثم التفت إلى أمينة التي كانت تنتظر بوجل عند الباب، وصاح بنبرة حازمة:
"أمينة.. أحضري ماءً دافئاً ومطهراً للجروح، وثياباً جديدة لليلى. وأريد من الجميع إخلاء الممر بالكامل.. لا أريد سماع نفس بشر يمر حول هذا الجناح الليلة."
"أمرك يا مراد بيه،" أجابت أمينة وانصرفت مسرعة.
التفت مراد إليّ بالكامل، وخلع قميصه الممزق ليبقى عاري الصدر، لتظهر عضلات جسده الرياضي المتناسق والموشومة برموز غامضة تحكي قصص صراعات ونفوذ. جلس على حافة السرير بالقرب مني، مما جعل الفراش يهبط تحت ثقل جسده الضخم، وتأمل فستاني الأبيض الممزق بنظرة مشتعلة بالرغبة والغيرة الشرسة التي لا تخبو.
عندما أحضرت أمينة الأدوات وانصرفت، مد مراد يده وأمسك بقطعة القطن المبللة بالمطهر. انحنى نحوي، وبدأ بتنظيف الجرح الصغير على شفتي ببطء وعناية فائقة تتناقض تماماً مع كونه سفاحاً يهابه الجميع. كنتُ أنظر في عينيه الصقريتين الحادتين من هذه المسافة القريبة جداً، وشعرت بأن عِطره الأخاذ الممزوج بحرارة جسده الطاغية يخدر حواسي ويسلبني القدرة على التفكير العقلاني.
"لماذا تفعل كل هذا لأجلي يا مراد؟" سألتُ بصوت خفيض يكاد لا يُسمع، والدموع تعود لتتجمع في عينيّ، "أنا مجرد فتاة بسيطة دخلت حياتك بغلطة.. وعالمك مليء بالنساء الفاتنات ومواثيق النفوذ مثل كارما. لماذا خاطرت بمملكتك وسفكت كل هذه الدماء من أجل أنقاذي؟"
توقفت يده عن تنظيف الجرح. وضع قطعة القطن جانباً، وشبك أصابعه الطويلة معاً، وتغلغلت نظراته المظلمة في أعماق عيني برعشة هزت كياني. امتدت يده لتقبض على فكي برفق، وجذبني إليه لتلتصق أنفاسنا الحارة معاً.
"لأنكِ لستِ كباقي النساء يا ليلى،" همس ببحته الذكورية الساحرة، وعيناه تفيضان برومانسية مظلمة وشغف خالص، "كارما وغيرها كن يبحثن عن نفوذ مراد السيوفي وأمواله.. أما أنتِ، فقد اخترقتِ عتمتي ببراءتكِ وعنادكِ الذي يثير جنوني. صوتكِ في تلك الرسالة الصوتية الطائشة أيقظ في داخلي رجلاً لم أكن أعلم بوجوده، رجلاً يريد أن يملك أنثى يحميها بروحِه ويحارب الدنيا لأجل ابتسامتها. أنتِ أصبحتِ نقطة ضعفي وقوتي في آن واحد، ورجل المافيا لا يفرط في قلبه أبداً."
انحنى أكثر وطبع قبلة دافئة وبطيئة على جفنيّ الباكيين، ثم هبط بشفتيه ليلتمس شفتي النازفة من جديد بقبلة عميقة، تفيض بالتملك الشرس والرقة المتناهية في آن واحد، قبلة جعلت جسدي ينصهر تماماً بين يديه، وأطوق عنقه بيدّي، مستسلمة لكوني الأنثى الوحيدة والمملوكة لزعيم المافيا رغماً عن كل المؤامرات.
أمضينا ما تبقى من ساعات الفجر في صمت مشحون بالشغف والرومانسية الحارقة. دثرني بين أغطية الفراش الحريرية لحمايتي من البرد، وظل مستلقياً بجانبي، يحيط خصري بذراعه الضخمة، ويتأمل وجهي بنظرات ثابتة وتملك مطلق لا ينام، وكأنه يرسل رسالة للكون بأسره أن هذه القطة قد غدت في حوزة النمر إلى الأبد.
مع حلول وضح النهار، وتحديداً عند الساعة العاشرة صباحاً، تبددت أجواء الرومانسية الدافئة ليعود الخطر الخارجي ويطرق أبواب العرين بشكل غير متوقع بالكامل.
كنتُ مستيقظة أستند برأسي إلى صدره العريض، عندما دوت طرقات قوية، متسارعة ومذعورة على الباب الخشبي للجناح. انتفض جسد مراد فوراً، وتلاشت ملامحه المستسلمة للشغف لتحل محلها الجدية القاتلة في لمحة عين. نهض من الفراش، وارتدى قميصاً أسود جديداً، وصاح بنبرة جهورية حازمة: "سليم! ادخل فوراً!"
فُتح الباب ليدخل سليم، ولم يكن وجهه شاحباً كالأمس فحسب، بل كان يحمل ملامح رعب حقيقي لم أرها عليه حتى أثناء اختطافي. كان يمسك في يده هاتفاً مشفراً يعود للشبكة الدولية للاستخبارات، وقال بصوت مرتجف وخفيض:
"مراد بيه.. الكارثة الأكبر قد وقعت للتو. تصفية عثمان ومحو عائلة طارق الجارحي بالأمس قد أحدثا زلزالاً في منظمة المافيا العالمية.. والشركاء الكبار في الخارج اعتبروا تصرفك خروجاً عن السيطرة وتهديداً لمصالحهم الدولية."
عقد مراد حاجبيه بغيرة شرسة وتوجس، وخطا نحو سليم بخطوات واسعة، وقال بصوته الرخيم الحاد كالسيف:
"ليذهب الشركاء الدوليون إلى الجحيم! أنا القانون هنا، ومن يهدد ممتلكاتي أو أنثاي يسحق. ما الجديد الذي يجعلك ترتجف هكذا؟"
ابلتع سليم ريقه بصعوبة، ونظر إليّ بطرف عينه برعب، ثم التفت لمراد وألقى بالقنبلة التي شلت عقولنا جميعاً:
"الجديد هو أن المنظمة الدولية قد أرسلت مصفيها الخاص لإنهاء نفوذك وإعادة ترتيب السوق بالعاصمة.. المصفّي الأشرس والأكثر دموية في تاريخ المافيا، الرجل الذي لا يترك خلفه حياً.. لقد وصل إلى المطار قبل نصف ساعة، ومعه أمر صريح بتصفيتك وتصفية الفتاة لإنهاء الأزمة.. إنه 'آسر السيوفي'.. شقيقك الأكبر الذي ظن الجميع أنه مات منذ عشر سنوات!"
توسعت عيناي برعب حقيقي، وانقبضت معدتي بقوة غريبة جعلتني عاجزة عن التنفس. التفتُّ نحو مراد، فوجدته قد تجمد تماماً في وسطه الغرفة. عيناه الصقريتان اتسعتا بصدمة تامة، وعضلات فكه المتصلبة توقفت عن التحرك؛ فالاسم الذي نطق به سليم لم يكن مجرد منافس جديد.. بل كان شبحاً من ماضيه الدموي، شقيقه الأكبر الذي كان أستاذه في القتل، والرجل الوحيد الذي يعرف كل ثغرات مراد وأسرار نفوذه!
ساد صمت مطبق ومخيف داخل الجناح، صمت يحمل وعيداً بحرب عائلية طاحنة ومليئة بالدماء، ستكون فيها حياتي وحبنا المظلم هي الجائزة الكبرى والهدف الأول لأشرس مصفي في تاريخ المافيا!
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







