بيت / الرومانسية / رسالة إلى الشيطان / أشباح من ورق الماضي

مشاركة

أشباح من ورق الماضي

last update تاريخ النشر: 2026-05-24 21:52:58

كان الصمت الذي أعقب كلمات "سليم" أثقل من غسق الليل الذي انقشع للتو. لم يكن صمتاً عادياً، بل كان ذلك النوع من السكون الجنائزي الذي يسبق العواصف العاتية التي تقتلع القصور من جذورها وتترك عروش الطغاة ركاماً تذروه الرياح. تلاشت أنفاسي في صدري وأنا أراقب مراد، الرجل الذي لم أره يهتز يوماً، الرجل الذي واجه الرصاص ببرود مميت وحرق مستودعات أعدائه بابتسامة ساخرة.. كان الآن يقف في وسط غرفته كتمثال من رخام أسود، تجمدت الدماء في عروقه الشامخة، واتسعت عيناه الصقريتان الحادتان بذهول وصدمة زلزلتا كيانه الطاغي بالكامل.

"آسر؟" همس مراد بالاسم، وخرج صوته بنبرة منخفضة للغاية، تحمل بحة غريبة غاب عنها جبروته المعهود، نبرة امتزج فيها رعب الماضي بذكريات ظن أنها دُفنت تحت سبعة أمتار من تراب النسيان.

"نعم يا مراد بيه،" أجاب سليم بصوت يكاد يكون مسموعاً، وهو ينكس رأسه أرضاً كمن يعلن العجز، "هو بشحمه ولحمه. الطائرة الخاصة التي هبطت في المدرج السري للمنظمة الدولية كانت تحمل توقيعه وشعاره القديم.. (الأفعى المجنحة). لم يمت في حادثة التفجير في روسيا منذ عشر سنوات كما أشاع الكبار؛ بل كان ذلك مجرد غطاء ليتحول إلى المصفّي الأول والذراع الأيمن للمجلس الأعلى للمافيا العالمية. إنه قادم إليك ليس كشقيق، بل كحكم بالإعدام أصدرته المنظمة بعد أن تجاوزت الخطوط الحمراء وأبَدتَ عائلتي عثمان والجارحي."

في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن الغرفة الواسعة قد ضاقت عليّ حتى كادت جدرانها المخملية الرمادية تطبق على أنفاسي. زحفتُ ببطء فوق الفراش الحريري الأسود، أضم الرداء الحريري الأحمر حول جسدي المرتجف، وعيناي معلقتان بمراد. رأيت قبضة يده الكبيرة تشتد بعنف مرعب حتى ابيضّت مفاصله، وتحركت عضلات فكه النحيت بقسوة جعلت عروق عنقه تبرز كحبال مشدودة.

التفت مراد فجأة نحو سليم، وفي لمح البصر، عادت إليه هيبته الوحشية الكاسرة. تقدم نحوه بخطوات ثقيلة هزت أرضية الجناح، وقبض على ياقة سترة سليم بيده الضخمة، وجذبه إليه بعنف جعل الأخير يحبس أنفاسه.

"آسر السيوفي مات! أنا من دفنتُ ما تبقى من أشلائه بيديّ هاتين بعد التفجير!" صرخ مراد بصوت جهوري رعدي زلزل أركان القصر، صوت تداخلت فيه الغيرة الشرسة على مملكته بالذعر من الشبح القادم، "المنظمة تحاول اللعب بعقلي.. يريدون استخدام اسم أخي الراحل لكسر إرادتي وإخضاعي لشروطهم القذرة!"

"أتمنى لو كان ذلك صحيحاً يا سيدي،" قال سليم بأنفاس متقطعة وهو ينظر في عيني سيده بحزن أصيل، "لكن الآتي مع الملف هو تسجيل صوتي وبصمة رقمية لا يمكن تزويرها. إنه يعرف كل مداخل القصر، يعرف شفرات الحراسة القديمة التي أسستموها معاً، والأخطر من ذلك كله.. أنه يعلم بوجود الآنسة ليلى. المنظمة أعطته أمراً صريحاً بتطهير العاصمة، وبداية التطهير ستكون بانتزاع الفتاة وتصفيتها أمام عينيك لتكون عبرة."

أطلق مراد سراح سليم بدفعة عنيفة جعلت الأخير يتراجع خطوات إلى الخلف. التفت مراد بكامل جسده الطاغي وعرض منكبيه نحوي. غمرتني نظراته الصقرية الحادة بنيران غيرته الشرسة وتملكه الأعمى الذي لا يعرف الهوادة. تقدم نحو الفراش بخطى فتاكة مدروسة، وجلس على الحافة بالقرب مني. امتدت يده الكبيرة الدافئة، العارية من القفازات، لتقبض على فكي برفق لكن بقوة أحكمت السيطرة عليّ، ورفع وجهي الشاحب والمبلل بدموع الذعر الجديدة ليلتقي جحيم عينيه ببريق عينيّ.

"مراد.. أنا خائفة،" همستُ، وتلاقت أنفاسي المضطربة بأنفاسه الحارة التي تلفح بشرتي كالجمر، "عالمك لا يتوقف عن إنجاب الوحوش. من هذا الرجل الذي يرتعد سليم من مجرد ذكر اسمه؟ وما شأني أنا بصراعات ماضيكم؟"

انحنى بقامته الفارهة أكثر حتى كادت شفتاه تلامسان شفتي المرتجفتين، وتغلغلت عيناه المظلمتان في أعماقي بنبرة تفيض برومانسية مظلمة وشغف خالص أذاب كل جبال الجليد في صدري.

"آسر هو الرجل الذي علمني كيف أمتص الخوف من قلبي وأستبدله بالرصاص يا ليلى،" همس ببحته الذكورية الساحرة المخدرة للحواس، بينما كانت أصابعه الطويلة تتحرك بنعومة قاتلة على طول عنقي لتستقر فوق موضع قلبي النابض بعنف، "كان شقيقي الأكبر، ومعلمي، والأكثر دموية بيننا. لكنه اليوم أخطأ في الحسابات.. ظن أنني ما زلت ذلك الفتى الصغير الذي كان يطيعه قبل عشر سنوات. لم يعلم أنني أصبحتُ النمر الذي يملك هذا العرين، وأنني أملك الآن سبباً يجعلني أحارب الشياطين والملائكة معاً للحفاظ عليه.. أملككِ أنتِ."

ضغط على خصري بيده الأخرى، وجذبني إليه بعنف وشغف عارم ليرتطم جسدي بصدره العريض والصلب كالجدار الرخامي. أحاطني بذراعيه الضخمتين كأنه يحاول إخفائي بين ضلوعه، وانحنى ليطبع قبلة عنيفة، حارقة، ومحملة بكل معاني التملك المطلق على شفتي، قبلة طويلة امتزج فيها طعم الخوف بلهيب العشق الشرس، لتسلبني آخر ذرات إرادتي وتجعلني أتشبث بقميصه الأسود بيدين مرتعشتين.

ترك شفتي ببطء، وتحدث وعيناه مثبتتان على عيني بوعيد خطير:

"أقسم بجلال الله يا ليلى.. لو كان آسر أو المنظمة الدولية أو جحيم الأرض بأسره يقف خلف هذا الباب، فلن تلمسكِ يد ولن تنظر إليكِ عين سوى عيني. أنتِ ملكي.. دمي، ولحمي، وحرمي الخاص، ومن يفكر في انتزاعكِ مني، سأعلمه كيف يكون زئير النمر الحقيقي، حتى لو كان شقيقي الذي علمني القتل."

التفت نحو سليم الذي كان يراقب الموقف بصمت وأدب جم، وصاح بنبرة عسكرية قاطعة:

"سليم! أغلِق كل شبر في هذه المدينة! أريد تفعيل الشفرة الحمراء.. اقطع الاتصالات الخارجية عن القصر باستثناء الخطوط المشفرة. انقل نصف حراس النخبة إلى المحيط الداخلي للجناح الرئيسي، ونصفهم الآخر ينتشر في الأنفاق السرية تحت الأرض. وإذا حاول آسر الاتصال.. حوّل المكالمة إلى مكتبي فوراً. دعينا نرى ما يحمله الشبح في جعبته."

"أمرك يا مراد بيه،" انحنى سليم وانصرف مسرعاً وأغلق الباب خلفه.

مرت ساعات النهار الأولى كأنها دهور من الجحيم النفسي المطبق. غادر مراد الجناح ليدير غرفة العمليات من مكتبه المحصن، تاركاً إياي في وسط الفراش الملكي الضخم، أستنشق بقايا عطره الأخاذ الممتزج بالتبغ والصندل الذي ملأ أرجاء الغرفة. كان القصر بالخارج يعيش حالة استنفار قصوى؛ أصوات محركات السيارات المصفحة تزأر في الساحات، أصوات تعشيق الأسلحة الثقيلة تتردد عبر الممرات، وهالة من الموت الوشيك تخيم على النوافذ الشاهقة.

كنتُ أذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، والحرير الأحمر لرداء ينساب خلفي كأنه وشاح من النيران. نظرتُ من النافذة نحو الأسوار العالية، ورأيت القناصة ينتشرون فوق الأسطح كتماثيل سوداء صامتة. لم أعد تلك الفتاة ليلى التي ولدت من رحم الملل لتلعب بالواتساب؛ لقد غدوتُ المحور الذي تدور حوله صراعات المافيا الدولية، والهدف الأول لأشرس مصفّ في تاريخ المنظمة. لكن، في وسط هذا الرعب كله، كان هناك شعور خفي، شعور حارق بالانتماء والتملك لهذا الرجل.. مراد، الذي جعل من حياتي رواية خطيرة لا مجال فيها للتراجع.

عند حلول العصر، كانت الغيوم الرمادية الكثيفة تغطي سماء العاصمة، وتنذر بانهمار مطر شتوي غزير. دوت طرقات هادئة، رصينة، ومختلفة تماماً على باب الجناح. انقبضت معدتي بذعر، وصرخت بصوت متقطع: "من بالباب؟"

"أنا يا آنسة ليلى.. أمينة،" انطلق الصوت الدافئ للمرأة المسنة.

تنفستُ الصعداء وقُلت: "ادخلي يا أمينة."

دخلت أمينة وهي تحمل صينية فضية عليها كوب من الشاي الدافئ وبعض المهدئات، لكن ملامح وجهها كانت تحمل حزناً عميقاً وشفقة شديدة جعلتني أتوجس. وضعت الصينية على الطاولة المجاورة، ونظرت إليّ بعينين دامعتين تقريباً.

"آنسة ليلى.. يجب أن تأكلي شيئاً، فجسدكِ الشاحب لا يتحمل كل هذا التوتر،" قالت بلطف وهي ترتب أغطية الفراش.

اقتربتُ منها، وأمسكتُ بيديها المرتجفتين وقُلت بنبرة مستعطفة:

"أمينة.. أرجوكِ تحدثي معي. سليم ذكر اسم 'آسر السيوفي'، ورأيت مراد يهتز لأول مرة. أنتِ عاصرتِ طفولتهما في هذا القصر.. من هو آسر؟ وكيف يمكن لشقيق أن يأتي لتصفية شقيقه من أجل منظمة؟"

جلست أمينة على طرف المقعد، وتنهدت بحسرة أحيت مواجع الماضي، وقالت بصوت خفيض وهي تلتفت نحو الباب كأنها تخشى أن تسمع الجدران كلامها:

"آسر.. آه من آسر يا ابنتي. كان هو الابن الأكبر للسيوفي الكبير، كان يملك ذكاءً شيطانياً وقسوة لا حدود لها. مراد طالما كان يراه مثله الأعلى، كان يتبعه كظله ويتعلم منه كل شيء. لكن آسر لم يكن يملك قلباً؛ كان يرى العاطفة نقطة ضعف يجب بترها. عندما أحب مراد فتاة في شبابه منذ سنوات طويلة، اعتبر آسر أن تلك الفتاة ستجعل مراد رخواً في عالم المافيا.. فقام بتصفيتها بنفسه أمام عيني مراد ليعلمه 'درساً في القسوة'."

شهقتُ برعب، ووضعتُ كفي فوق فمي، والدموع تحرق عينيّ. تصفية فتاته القديمة؟ أمام عينيه؟

تابعت أمينة وعيناها تفيضان بالخوف:

"منذ ذلك اليوم، انكسر شيء ما بين الشقيقين. تحولت الأخوة إلى صراع صامت، حتى جاءت حادثة تفجير مقر المنظمة في روسيا قبل عشر سنوات، وظن الجميع أن آسر قضى فيها، ليتولى مراد زعامة العائلة هنا ويغير القوانين ويصنع مملكته المستقلة. والآن.. يعود آسر ليس فقط كمصفّ للمنظمة، بل ليعيد الكابوس ذاته.. يعود لينتزعكِ أنتِ من مراد، لأنه يعلم أنكِ أصبحتِ قلبه الجديد، وآسر لن يهدأ حتى يكسر قلب شقيقه الأصغر مجدداً."

سقطت الكلمات على رأسي كالصخر. إذن، الأمر ليس مجرد صفقة سلاح أو نفوذ دولي.. إنها مؤامرة انتقام عائلية معقدة ومخيفة، صراع عروش ودم بين شقيقين يملكان نفس الجينات القاتلة، وأنا أقف في المنتصف.. الطريدة التي سيحدد موتها أو بقاؤها من المنتصر في هذه الحرب الشرسة.

انقشع النهار تماماً، ليحل ليل شتوي شديد الظلمة والبرودة، وبدأت حبات المطر الغزيرة تضرب الزجاج الشاهق للجناح بعنف يتناغم مع دقات قلبي المتسارعة. كنتُ قد ارتديتُ فستاناً من القطيفة الناعمة باللون الأسود الداكن، يغطي عنقي بالكامل ليخفي تلك العلامات الشغوفة لمراد، وجلستُ أضم وسادته إلى صدري، وأستمع إلى هدير العاصفة بالخارج.

وفجأة.. انفتح باب الجناح الرئيسي بقوة، ودخل مراد.

كانت هالته الليلة تنضح بمزيج مرعب من الجاذبية الطاغية والغضب المكتوم. قميصه الأسود الفاخر كان مرتباً، لكن ياقته كانت مفتوحة، وخصلات شعره السوداء مبعثرة بفوضوية تزيد من وسامته الشرسة. عيناه الصقريتان كانتا تتوهجان بنيران غيرة شرسة لا تخبو، وفي يده كان يحمل جهازاً لاسلكياً مشفراً ينبعث منه صوت تشويش خفيف.

تقدم نحوي بخطواته الرزينة الثقيلة، وجلس بجانبي على الفراش. لم ينطق بكلمة، بل امتدت ذراعه الضخمة ليحيط خصري بضمة حازمة وعنيفة الشغف، وجذبني إليه بقوة حتى تلاشت المسافات بيننا مجدداً، والتصق جسدي الحريري بصدره العريض الحار. انحنى برأسه الفاره حتى غاص وجهه في عنقي، واستنشق عبيري بعمق قاتل أرسل كهرباء غامضة في كل أنش من جسدي.

"مراد.. ماذا حدث؟" سألتُ بأنفاس متلاحقة وأنا أثبت كفيّ فوق صدره النابض بعنف، "هل اتصل؟ هل وصل إلى العاصمة؟"

رفع رأسه ببطء، وتأمل عينيّ الشاخصتين بنظرة تفيض بالتملك المطلق والرومانسية المظلمة الشرسة، وتحدث ببحته الرجولية العميقة التي تذيب كل حصون عنادي:

"لقد اتصل قبل قليل عبر الخط المشفر للمكتب يا ليلى.. صوت الشبح عاد ليدوي في عريني بعد عشر سنوات. لم يتغير.. ما زال يحمل تلك النبرة الباردة التي تظن أنها تملك الموت والحياة."

"ماذا قال لك؟" سألتُ والذعر يشل أطرافي.

أحكم مراد قبضته على قفاي، وقرب وجهه من وجهي حتى كادت شفتانا تتلامسان، وقال بنبرة انخفضت نغمة واحدة لتحمل بحة الغيرة القاتلة:

"قال إنه قادم لزيارة شقيقه الأصغر، وتطهير العاصمة من 'الفوضى' التي أحدثتُها بالأمس. وقال إنه يعلم بوجود قطتي الفاتنة في هذا الجناح.. وطلب مني أن أسلمكِ لرجاله عند الفجر كبادرة انصياع للمنظمة الدولية، وإلا.. سيقتحم القصر بنفسه ويريني كيف تُباد الممالك."

توسعت عيناي برعب تام، وانهمرت دموعي حارة على وجنتيّ. لكن مراد لم يترركني للذعر؛ بل انحنى والتهم شفتي المرتجفتين بقبلة عنيفة، حارقة، ومحملة بكل مشاعر الشغف والتملك المطلق، قبلة سحبت مني أنفاسي وجعلتني أذوب بين يديه كلياً. كانت قبلة طويلة، تفيض برقة متناهية وحماية شرسة في آن واحد، كأنه يرسل رسالة من خلالها لروحي بأن العالم كله لن ينتزعني من قبضته.

ترك شفتي ببطء، ومسح دموعي بإبهامه الدافئة، وتحدث بنبرة مليئة بالبحّة المثيرة التي تزلزل الكيان:

"لقد أجبتُه بما يليق بنمر يملك هذا العرين يا ليلى. أخبرتُه أن ليلى هي حرمي، وروحي، وشرفي الخاص.. وأن من يفكر في مد يده نحو غرفتي، سأقطع رأسه وأعلقه على البوابة الخارجية للقصر ليكون عبرة للمنظمة الدولية بأكملها. الحرب بيني وبينه ليست مجرد صفقات نفوذ.. إنها معركة تملكي بكِ، وأعدكِ أن لهيب غيرتي سيحرق شقيقي والمنظمة قبل أن يلمسوا شعرة واحدة منكِ."

انحنى مجدداً وطبع قبلة دافئة وطويلة على عنقي، لتشتعل نيران صراع العروش والدم في عرين المافيا، معلنة بداية أشرس وأخطر الفصول بين شقيقين يملكان جينات الموت، وتكون فيها ليلى هي الجائزة الكبرى في قلب العاصفة!

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رسالة إلى الشيطان   مطاردة الفريسة

    تسلل مارك من فتحة النافذة، ووجهه الشاب مشوه ببرودة الطقس وذعر المطاردة الدولية، وكان يحمل معطفاً فضفاضاً مصنوعاً من ألياف الكربون العازلة للحمل الحراري."بسرعة يا ليلى هانم! سليم يواجه الآن اختراقاً مضاداً من روما، ومروحية أليكساندر الشبحية تم رصد طيفها اللاسلكي على بعد عشرة أميال!" همس مارك بصوت مخنوق بالذعر الحاد، وعيناه الزرقاوان تلتفتان بنظرات مرعوبة نحو الممرات الداخلية للقصر. "مراد السيوفي سيعلم بغيابكِ في أي ثانية، وإن لم نصل إلى عمق الغابة الثلجية أسفل الجرف قبل تفعيل الحراسة الآلية... فلن يتبقى منا سوى جثث تتفحم تحت وطأة خنجره الفضي!"لم تنطق ليلى بكلمة؛ بل ألجمت لسانها لوعة العشق المظلم الذي يمزق أحشاءها. نظرت إلى الغرفة للمرة الأخيرة، إلى الفراش الملكي الوثير المكسو بالحرير الأسود حيث انصهرت مقاومتها بالكامل تحت وطأة أنفاس مراد الحارة، وشعرت بشرخ نفسي مرعب يتسع بين رغبتها في الحرية وهوسها بتملك النمر الذي وشم جسدها باسمه. قبضت بيديها الصغيرتين المرتجفتين على حافة المعطف العازل، واندفعت خلف مارك عبر فتحة النافذة نحو الممر الخارجي الضيق المعلق في الهواء كجسر سري فوق

  • رسالة إلى الشيطان   شرخ في جدار التملّك

    كانت الغرفة الأسطورية الشاسعة تغرق في صمتٍ مطبق يحمل في طياته هيبةً جنائزية، كأنها قاعة معزولة في حصنٍ تهاوت دونه عروش الجبابرة. تلاشت تدرجات الضوء البرتقالي الشرس لليلة الشغف العنيف، ليحل محلها وهج رمادي شاحب، منبعث من خلال الألواح الزجاجية العملاقة المصفحة ضد القذائف والانفجارات. خلف ذلك الزجاج المنيع، كانت جبال الألب السويسرية تبدو ككتل من الغرانيت المتجمد، تلتف حولها سحب الضباب الكثيف المنبعث من الهاوية السحيقة أسفل الجرف، بينما كانت العاصفة الثلجية تضرب الجدران الخارجية بدوي تكتيكي مكتوم يشبه نبضات قلب الأرض المذعورة.فوق الفراش الملكي الوثير، المكسو بالحرير الأسود الداكن، كانت ليلى مستيقظة منذ ساعات الفجر الأولى. كان جسدها الرقيق، الملفوف برداء الحرير الأسود الناعم، ينبض بحرارة دافئة متبقية من أثر الاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادة النمر. تلمست شفتيها المطبوعتين بأثر قبلاته التدميرية العنيفة، وشعرت ببقايا عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جلد مراد يطوق أنفاسها كالقيد غير المرئي. وعلى الرغم من أن جسدها الفاتن قد انصهر تماماً تحت لمساته الشرسة المليئة

  • رسالة إلى الشيطان   مواجهة حميمية شرسة

    قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض

  • رسالة إلى الشيطان   السجن الأسطوري

    تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status