Compartilhar

الفصل السادس

last update Data de publicação: 2026-09-25 09:27:41

*الفصل السادس*

بمجرد أن دخلا، شعرت نورا بعشرات العيون تتجه نحوها فجأة، وبدأت أصوات المحادثات تخفت واحدة تلو الأخرى حتى ساد صمت ثقيل في المكان الواسع. كان المكان مليئًا برجال ونساء يرتدون سترات جلدية مماثلة لسترة زين، وقد بدا على وجوه بعضهم استغراب واضح، بل عداء صريح، حين رأوا امرأة غريبة تدخل مخبأهم برفقة قائدهم.

"من هذه؟" سأل رجل ضخم بشعر أشيب، تقدم نحوهما بحذر واضح، ونظراته تتنقل بين وجه نورا ويديها المخفيتين خلف القفازين.

"ساحرة أنقذت حياتي البارحة." أجاب زين بحزم، دون تردد. "ستبقى تحت حمايتنا حتى تكسر اللعنة نهائيًا. أي شخص يؤذيها، يؤذيني."

تبادل الرجال والنساء نظرات متوترة، همست بعضهم لبعض، لكن أحدًا منهم لم يجرؤ على الاعتراض علنًا أمام قائدهم. أدركت نورا حينها حجم السلطة التي يتمتع بها زين بين أفراد ناديه، وشعرت للحظة بأمان غريب، رغم كل الحذر الذي لا يزال يملأ صدرها.

الرجل ذو الشعر الأشيب، الذي عرفت نورا لاحقًا أنه يُدعى "كريم"، أحد أقدم أفراد النادي وأكثرهم تشددًا في رفض التقارب مع الساحرات، وقف يتفحصها بعينين ضيقتين، وذراعان معقودتان على صدره الواسع. "زين، هذا تهور لا يشبهك. إدخال ساحرة إلى مخبئنا قد يجرّ علينا صيادي الساحرات أنفسهم."

"سأتحمل المسؤولية كاملة." قال زين بنبرة لا تقبل النقاش، ونظر إلى كريم نظرة حازمة أنهت أي محاولة إضافية للاعتراض. ثم أخذ نورا جانبًا ليعرّفها ببقية أفراد المجموعة الأساسيين، بينما ظل كريم يراقبها من بعيد بعينين لا تُخفيان الريبة، متكئًا على عمود خشبي بموقفٍ لا يوحي بالتقبل.

قادها زين إلى غرفة صغيرة بعيدة عن الصخب، تحتوي على سرير بسيط وطاولة خشبية قديمة وشباك ضيق يطلّ على الفناء الخلفي. "ستبقين هنا. الغرفة قريبة من غرفتي، وسأتأكد من ألا يزعجك أحد."

"لست بحاجة إلى من يحميني منكم." قالت نورا بحدة، وهي تضع حقيبتها على الطاولة بحركة حاسمة. "أنا هنا لأنقذك من لعنتك، لا لأكون تحت وصايتك."

نظر إليها زين طويلًا، وكأنه يحاول أن يفهم هذه المرأة الغريبة التي لا تتردد في مواجهته رغم كل الفارق بينهما في القوة والمكانة. "لم أقصد الإساءة. أعرف أنكِ قوية، لكن هذا العالم الذي دخلتِه الآن مختلف عن عالمكِ، ولن أسامح نفسي إن أُصبتِ بأذى وأنتِ تحت حمايتي."

هدأت نورا قليلًا، لكنها لم تُظهر ذلك على وجهها، وواصلت ترتيب حقيبتها دون أن تنظر إليه. "دعنا نتفق على شيء واحد: أنا هنا بصفقة، لا بصداقة. حين أكسر لعنتك، سأغادر، ولن يكون لأحد سلطة عليّ."

هزّ زين رأسه موافقًا، رغم أن شيئًا في عينيه بدا وكأنه يرفض هذه الفكرة في أعماقه، ابتلع ريقه قبل أن يجيب. "اتفقنا. لكن الليلة، ارتاحي. يبدو أن رحلتنا الطويلة أنهكتك."

قبل أن يغادر، توقف عند الباب، وكأنه يتردد في قول شيء آخر، وأصابعه تعبث بمقبض الباب النحاسي. "سأترك حارسًا عند نهاية الممر، لا لمراقبتك، بل لحمايتك. لن يقترب منكِ أحد دون علمي."

"لست بحاجة إلى حارس." قالت نورا بفخر معتاد، لكن صوتها كان أقل حدة هذه المرة.

ابتسم زين ابتسامة خافتة، الأولى التي رأتها منه منذ أن التقيا، ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه بالكامل بعد. "أعرف. لكن دعيني أشعر بأنني أفعل شيئًا مفيدًا، بدلًا من الشعور بالعجز الذي رافقني منذ ظهرت اللعنة."

كانت تلك الكلمة، "العجز"، غريبة على لسان رجل بمثل هذه الهيبة، ولاحظت نورا كيف نطقها بصعوبة، كأنها كانت تخنقه منذ زمن طويل، وشعرت بشيء يليّن قلبها المتحفز رغم إرادتها.

بعد أن غادر زين الغرفة، جلست نورا على السرير، تنظر حولها في هذا المكان الغريب المليء بأناس لا تعرف عنهم شيئًا سوى أنهم تنانين متخفية. تحسست جدران الغرفة الحجرية الباردة، وفكرت كم من الليالي قضتها وحيدة في أماكن أغرب من هذا، لكن هذا المكان بالتحديد كان يحمل شيئًا مختلفًا، ثقل الانتماء الممكن.

في الغرفة المجاورة، وقف زين أمام مرآة قديمة، يتفحص الندبة على كتفه التي بدأت تهدأ قليلًا، لكنه شعر بشيء آخر يزعجه أكثر من اللعنة نفسها: ذلك الدفء الغريب الذي شعر به حين اقتربت منه نورا، وكأن جسده وتنينه بداخله يعرفان شيئًا لا يزال عقله يرفض تصديقه.

سمع طرقًا خفيفًا على بابه، ففتحه ليجد كريم واقفًا هناك، وقد بدت على وجهه علامات القلق الصريح، وعروق جبهته منتفخة قليلًا من التوتر. "هل تعرف حقًا ماذا تفعل يا زين؟ إدخال ساحرة إلى هذا المخبأ قد يعرّض الجميع للخطر."

"أعرف المخاطر." أجاب زين بجدية. "لكنني أعرف أيضًا أنها أنقذت حياتي دون أن تطلب شيئًا في المقابل، في الوقت الذي كان بإمكانها أن تتركني أموت وتنجو بنفسها. هذا النوع من الشجاعة يستحق الثقة، حتى لو كانت ساحرة."

هزّ كريم رأسه غير مقتنع تمامًا، لكنه احترم قرار قائده. "سأثق بحكمك كما فعلت دومًا. لكن كن حذرًا يا زين، فالقلب أحيانًا يخدعنا في أضعف لحظاتنا." ثم انسحب بصمت، تاركًا وراءه بابًا مواربًا وريحًا باردة تسلّلت إلى الغرفة.

بقي زين واقفًا أمام المرآة القديمة لوقت طويل بعد أن غادر كريم، يتأمل انعكاس وجهه المتعب، وذلك الوهج البنفسجي الخافت الذي ما زال يتلألأ عند حافة كتفه. تذكر كل الليالي التي قضاها وحيدًا في هذه الغرفة منذ توليه القيادة، ليالٍ لم يسمح لنفسه فيها بأن يشتكي أو يطلب العون من أحد، خشية أن يُنظر إليه كقائد ضعيف. لكنه، لأول مرة منذ سنوات، شعر أن هناك من يمكن أن يشاركه هذا الثقل، ولو جزئيًا، امرأة غريبة دخلت حياته بمحض الصدفة، وبدأت بالفعل تُغيّر شيئًا في داخله لم يجرؤ بعد على تسميته.

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الثامن

    *الفصل الثامن*"أخبرني عن أخيك." قالت فجأة، محاولة أن تلهيه عن الألم بشيء آخر.جمد زين للحظة، وكأن السؤال فاجأه أكثر من أي شيء آخر، وارتخت قبضته قليلًا عن رأسه. "لماذا تسألين عن هذا الآن؟""لأنني أظن أن الألم الذي يوقظ اللعنة ليس ألمًا جسديًا فقط." أجابت بهدوء، وصوتها يحمل نبرة حانية لم تستخدمها من قبل معه. "بل ألمًا قديمًا لم تسمح لنفسك يومًا بالتعبير عنه."نظر إليها زين طويلًا، وبدا وكأنه يخوض صراعًا داخليًا بين رغبته في الصمت المعتاد وحاجة دفينة للحديث لأول مرة منذ سنوات. "كان ياسر أصغر مني بعشر سنوات. كان مرحًا، يحب الحياة، لم يكن يحمل قسوتي ولا حذري. في ليلة واحدة، هاجمتنا مجموعة من الساحرات المنبوذات، أو هكذا ظننا يومها. قاتلنا، لكنه سقط أمام عيني، ولم أستطع إنقاذه."توقف للحظة، وقد بدت أنفاسه أكثر ثقلًا، ويداه ترتجفان بشكل ملحوظ. "منذ ذلك اليوم، أقسمت ألا أثق بساحرة مرة أخرى. حتى ظهرتِ أنتِ، وأنقذتِ حياتي رغم أنكِ لم تكوني مضطرة لذلك."شعرت نورا بقلبها ينقبض تعاطفًا، لكنها لاحظت شيئًا آخر في كلامه لم يستوقفها من قبل بهذا الوضوح. "قلت إنكم ظننتم يومها أنهن ساحرات منبوذات. أليس ه

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل السابع

    *الفصل السابع*في الأيام التالية، بدأت نورا تتأقلم ببطء مع الحياة في مخبأ أبناء الرماد، رغم أن الحذر لم يفارقها لحظة. كانت تقضي معظم وقتها في غرفتها، تدرس دفتر والدها القديم بحثًا عن تعويذة قادرة على كسر لعنة زين نهائيًا، بينما كان أفراد النادي ينظرون إليها بمزيج من الفضول والريبة، باستثناء امرأة واحدة، شابة تُدعى "سلمى"، بدت أكثر ودًّا من البقية، بشعرها البنيّ القصير وابتسامتها التلقائية التي لم تحمل أي أثر للحذر الذي رأته نورا في وجوه الآخرين."لا تأخذي الأمر على محمل شخصي." قالت سلمى وهي تجلس بجانب نورا في الفناء الخلفي، تحمل كوبين من الشاي الساخن يتصاعد منهما بخار خفيف في هواء الصباح البارد. "لم يعتد أحد هنا على وجود ساحرة بينهم. خاصة بعد ما حدث لأخي زين."رفعت نورا حاجبها باستغراب، وتوقفت يدها في منتصف الطريق نحو كوب الشاي. "أخوه؟ ظننت أن زين وحيد."هزت سلمى رأسها بحزن، ونظرت إلى الأفق بعيدًا وكأنها تستحضر صورة لا تزال حية في ذاكرتها. "كان لديه أخ أصغر، يُدعى ياسر. كان أقرب الناس إلى قلبه. قُتل قبل خمس سنوات في هجوم غامض، وقيل يومها إن ساحرة هي من فعلتها. منذ ذلك اليوم، تغيّر زين

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل السادس

    *الفصل السادس*بمجرد أن دخلا، شعرت نورا بعشرات العيون تتجه نحوها فجأة، وبدأت أصوات المحادثات تخفت واحدة تلو الأخرى حتى ساد صمت ثقيل في المكان الواسع. كان المكان مليئًا برجال ونساء يرتدون سترات جلدية مماثلة لسترة زين، وقد بدا على وجوه بعضهم استغراب واضح، بل عداء صريح، حين رأوا امرأة غريبة تدخل مخبأهم برفقة قائدهم."من هذه؟" سأل رجل ضخم بشعر أشيب، تقدم نحوهما بحذر واضح، ونظراته تتنقل بين وجه نورا ويديها المخفيتين خلف القفازين."ساحرة أنقذت حياتي البارحة." أجاب زين بحزم، دون تردد. "ستبقى تحت حمايتنا حتى تكسر اللعنة نهائيًا. أي شخص يؤذيها، يؤذيني."تبادل الرجال والنساء نظرات متوترة، همست بعضهم لبعض، لكن أحدًا منهم لم يجرؤ على الاعتراض علنًا أمام قائدهم. أدركت نورا حينها حجم السلطة التي يتمتع بها زين بين أفراد ناديه، وشعرت للحظة بأمان غريب، رغم كل الحذر الذي لا يزال يملأ صدرها.الرجل ذو الشعر الأشيب، الذي عرفت نورا لاحقًا أنه يُدعى "كريم"، أحد أقدم أفراد النادي وأكثرهم تشددًا في رفض التقارب مع الساحرات، وقف يتفحصها بعينين ضيقتين، وذراعان معقودتان على صدره الواسع. "زين، هذا تهور لا يشبهك. إ

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الخامس

    *الفصل الخامس*وجدت زين هناك، واقفًا بجانب دراجته السوداء، ينتظر بصبر رغم أن الظلام بدأ يخيّم على المكان، ولاحظت أنه غيّر سترته إلى واحدة أنظف، وكأنه اهتم بمظهره لهذا اللقاء. حين رآها قادمة، لم يبتسم، لكن شيئًا في عينيه الذهبيتين خفّ توتره."جئتِ." قالها بصوت هادئ."لم آتِ ثقة بك." أجابت نورا بحذر وهي تقترب. "جئت لأنني لا أملك خيارًا آخر أفضل. لكن اعلم أنني سأراقب كل خطوة تخطوها، وإن شعرت بأي خديعة، فلن أتردد في الدفاع عن نفسي."هزّ زين رأسه موافقًا. "هذا حقك. اركبي خلفي، فالطريق إلى مخبأ النادي طويل، ولا يمكن قطعه سيرًا على الأقدام."نظرت نورا إلى الدراجة الضخمة، ثم إلى زين، وسألته بفضول عابر قبل أن تركب: "هل هي آمنة على الأقل؟ لا أريد أن أموت في حادث تافه بعد كل ما مررت به الليلة." ضحك زين ضحكة قصيرة، أول ضحكة سمعتها منه، وأجاب: "أعدك أنها أكثر أمانًا من أي شيء آخر واجهتِه الليلة." هزّت نورا رأسها بابتسامة خفيفة، شعرت للمرة الأولى منذ لقائهما أن جوًّا من الدعابة بدأ يخفف من ثقل الموقف.ترددت نورا للحظة أمام الدراجة الضخمة، لم تعتد يومًا أن تثق بجسد رجل غريب قريبًا منها هكذا، لكنها ت

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الرابع

    *الفصل الرابع*وقفت نورا وحدها وسط ورشتها بعد أن غادر، تنظر إلى يديها اللتين لا تزالان تلمعان بوهج أحمر خافت، وتتساءل إن كانت هذه الليلة بداية خطر جديد، أم بداية شيء لم تجرؤ يومًا على تخيله. أغلقت النافذة، ثم فتحت درجًا صغيرًا أخرجت منه دفتر والدها الجلدي القديم، وقلّبت صفحاته بحثًا عن أي ذكر للعنات السوداء التي تُصنع خصيصًا لإيقاظ التنانين بالقوة. لم تجد شيئًا واضحًا، لكن يقينها بأن الأمر أكبر من مجرد مصادفة بدأ يترسخ في داخلها، فطوت الدفتر وضمّته إلى صدرها كأنها تحتمي به من مجهول يقترب.جلست على حافة نافذتها المطلة على الطريق الفارغ، تراقب بقايا آثار إطارات الدراجة التي طبعتها على التراب الرطب، وأخذت تعيد في ذهنها كل كلمة نطق بها زين، محاولة أن تفكك خطابه إلى ما هو صادق وما قد يكون خديعة محكمة. لم تكن قد اعتادت أن تمنح أحدًا هذا القدر من التفكير منذ سنوات طويلة، وأزعجها اكتشافها أن عقلها يعود إليه رغمًا عنها كلما حاولت أن تشغل نفسها بأمر آخر. في تلك اللحظة، شعرت بخوف من نوع مختلف، لا خوف من صياد يطاردها، بل خوف من قلب بدأ يتزحزح عن قسوته المعتادة دون استئذان منها.حاولت أن تشغل نفسه

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الثالث

    *الفصل الثالث*فتح زين عينيه ببطء، ووجد نفسه في الورشة، ملفوفًا ببطانية قديمة تفوح منها رائحة الزيت والقهوة، والألم في كتفه قد خفّ كثيرًا وإن لم يختفِ تمامًا. أدار رأسه ببطء، فشعر بوخزة حادة في رقبته، ورأى نورا جالسة على كرسيّ بعيد، ذراعاها متشابكتان على صدرها، وعيناها المحمرتان من السهر لا تفارقانه."لم أستطع كسر اللعنة بالكامل." قالت بصوت متعب يخفت في نهاية الجملة. "أبطأتها فقط. من صنع هذه اللعنة يعرف ما يفعل. إن أردت التخلص منها نهائيًا، فستحتاج إلى وقت أطول، وسحر أقوى مما أملك هنا."جلس زين ببطء وهو يتحسس كتفه بدهشة، متفاجئًا من مدى الفرق بين الألم الذي عرفه ليلًا والراحة النسبية التي يشعر بها الآن. "لماذا فعلتِ هذا؟ كان بإمكانكِ أن تدعيني أموت، أو تتخلصي مني بسهولة وأنا في هذه الحالة."نظرت إليه نورا بجدية، وقد ارتفع صوتها قليلاً وكأنها تدافع عن قرار اتخذته مسبقًا أمام نفسها. "لأنني لست قاتلة، مهما ظن الناس بي. ولأنني أعرف كيف يبدو الظلم حين يُوجَّه إلى بريء، وأظن أن هذه اللعنة وُجّهت إليك ظلمًا أيضًا."ساد صمت قصير، تخلله فقط صوت صرير معدني خافت من إحدى الدراجات المعلّقة، حتى قا

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status