*الفصل الأول*مالت السماء فوق بلدة "رمال الغروب" إلى الرمادي الكابي حين أوصدت نورا سليم باب ورشتها الحديدي بحركة معتادة، ونفضت عن راحتيها بقايا الزيت الأسود الذي التصق بقفازيها الجلديين طوال النهار. كانت رائحة الوقود الممزوجة بغبار الطريق قد تشبّعت في شعرها الداكن المربوط بإحكام خلف رأسها، وبدت آثار الإرهاق على وجهها الحادّ الملامح، إرهاق رجل عمل لا إرهاق امرأة تنتظر مساءً هادئًا.لم تكن الورشة سوى حظيرة قديمة على أطراف البلدة، بجدران صفيح صدئة وسقف يئنّ كلما هبّت الريح، حوّلتها بيديها إلى مكان تُصلح فيه محركات الدراجات النارية، وتُخفي فيه سرًّا لا يعرفه أحد من سكان هذا المكان الهادئ الصغير. رتّبت أدواتها على الرفّ الخشبي بحركة آلية، مفتاح إنجليزي بجانب زوج من الكماشات، وقطعة قماش زيتية طواها بعناية غريبة تشبه طقسًا دينيًّا صغيرًا تمارسه كل مساء لتذكّر نفسها أن حياتها ما زالت تحت السيطرة.كانت البلدة تنام باكرًا، ولم يكن هناك سوى إضاءة خافتة تتسرب من نوافذ بعض المنازل البعيدة، ونباح كلب وحيد يقطع الصمت بين الحين والآخر. أحبت نورا هذا الهدوء رغم كل شيء؛ فبعد سنوات من الترحال الدائم، وج
Last Updated : 2026-09-25 Read more