FAZER LOGIN*الفصل الخامس*
وجدت زين هناك، واقفًا بجانب دراجته السوداء، ينتظر بصبر رغم أن الظلام بدأ يخيّم على المكان، ولاحظت أنه غيّر سترته إلى واحدة أنظف، وكأنه اهتم بمظهره لهذا اللقاء. حين رآها قادمة، لم يبتسم، لكن شيئًا في عينيه الذهبيتين خفّ توتره. "جئتِ." قالها بصوت هادئ. "لم آتِ ثقة بك." أجابت نورا بحذر وهي تقترب. "جئت لأنني لا أملك خيارًا آخر أفضل. لكن اعلم أنني سأراقب كل خطوة تخطوها، وإن شعرت بأي خديعة، فلن أتردد في الدفاع عن نفسي." هزّ زين رأسه موافقًا. "هذا حقك. اركبي خلفي، فالطريق إلى مخبأ النادي طويل، ولا يمكن قطعه سيرًا على الأقدام." نظرت نورا إلى الدراجة الضخمة، ثم إلى زين، وسألته بفضول عابر قبل أن تركب: "هل هي آمنة على الأقل؟ لا أريد أن أموت في حادث تافه بعد كل ما مررت به الليلة." ضحك زين ضحكة قصيرة، أول ضحكة سمعتها منه، وأجاب: "أعدك أنها أكثر أمانًا من أي شيء آخر واجهتِه الليلة." هزّت نورا رأسها بابتسامة خفيفة، شعرت للمرة الأولى منذ لقائهما أن جوًّا من الدعابة بدأ يخفف من ثقل الموقف. ترددت نورا للحظة أمام الدراجة الضخمة، لم تعتد يومًا أن تثق بجسد رجل غريب قريبًا منها هكذا، لكنها تجاوزت ترددها وركبت خلفه، ممسكة بحافة سترته الجلدية بدلًا من خصره، محافظة على مسافة حذرة قدر الإمكان. انطلقت الدراجة في الطريق المظلم، والريح تلسع وجه نورا، بينما كانت أضواء البلدة الصغيرة تتلاشى خلفهما شيئًا فشيئًا حتى غرقت في العتمة كليًّا. شعرت للحظة بشيء أشبه بالحرية، إحساس لم تعرفه منذ سنوات طويلة قضتها حبيسة الحذر والترقب، وكأن سرعة الريح تكنس عنها بعضًا من ثقل الماضي. مرّا عبر حقول واسعة مظلمة، ثم عبر جسر خشبي قديم يعلو نهرًا ضيقًا، حيث توقف زين للحظة ليتأكد من أن الطريق آمن قبل أن يواصلا السير. لاحظت نورا كيف كان يفحص محيطهما بلا توقف، بحذر رجل معتاد على توقع الخطر من كل اتجاه، وتساءلت في نفسها كم من الليالي عاشها بهذا القدر من التوتر الدائم. لم يتحدث أحدهما لوقت طويل، حتى كسر زين الصمت أخيرًا وهو يرفع صوته ليعلو على هدير المحرك. "لماذا اخترتِ العيش في بلدة صغيرة كهذه؟ كان بإمكانكِ الاختفاء في مدينة كبيرة، حيث يسهل التخفي بين الحشود." فكرت نورا قليلًا قبل أن تجيب. "لأن المدن الكبيرة مليئة بالعيون، وصيادو الساحرات يعرفون كيف يبحثون هناك. البلدات الصغيرة أكثر أمانًا حين يعرف الناس فيها القليل، ولا يسألون كثيرًا." "وهل أنتِ سعيدة هناك؟" سألها بصوت أكثر هدوءًا. صمتت للحظة قبل أن تجيب، وشعرت بحبل في حلقها يمنعها من إجابة سريعة. "السعادة رفاهية لا تملكها ساحرة منبوذة. أنا فقط… أحاول أن أنجو." لم يعلّق زين على هذه الكلمات، لكن قبضته على مقود الدراجة اشتدّت قليلًا، وكأن كلماتها لامست شيئًا في داخله لم يتوقع أن يجد فيه صدى لألمه الخاص. مرّت دقائق طويلة في صمت، قبل أن تسأله نورا بدورها، مستغلة الظلام الذي أخفى ارتباكها عن نظراته. "وأنت؟ هل قدت هذا النادي يومًا دون أن تشعر بالوحدة رغم كل هؤلاء الأشخاص من حولك؟" ابتأس صوت زين للحظة قبل أن يجيب. "كل قائد يشعر بوحدة معينة، فهو مسؤول عن قرارات لا يستطيع أن يشاركها بالكامل مع أحد. لكن الوحدة الحقيقية بدأت بعد موت ياسر، حين أدركت أنني لن أملك من يفهم ضعفي دون أن يحكم عليّ بسببه." أطرقت نورا رأسها قليلًا، متأثرة بهذا الاعتراف غير المتوقع، وشعرت أن هذه الرحلة الليلية بدأت تكشف لكل منهما جوانب من الآخر لم يكن أحد يتوقع أن يشاركها بهذه السرعة. بعد ساعة من الطريق الوعر بين التلال، توقفت الدراجة أمام مبنى قديم يشبه مستودعًا مهجورًا من الخارج، لكنه حين اقتربا أكثر، لاحت من خلاله أضواء خافتة وأصوات محركات دراجات أخرى تتردد في الهواء الليلي. "هذا مخبأ أبناء الرماد." قال زين وهو ينزل عن الدراجة، ثم يمد يده لمساعدتها على النزول، لكنها تجاهلت يده ونزلت بمفردها، محافظة على كبريائها المعتاد، فابتسم زين بصمت لهذا الإصرار العنيد. وقفت نورا للحظة أمام المبنى القديم، تتأمل واجهته المتهالكة التي لا توحي بشيء من الداخل الصاخب الذي بدأت تسمع أصداءه من خلف الجدران السميكة. شعرت بيديها تتعرقان مجددًا، ليس من البرد هذه المرة، بل من إدراكها المفاجئ أنها على وشك أن تدخل عالمًا كاملًا لم يسبق لها أن اقتربت منه، عالم التنانين الذي حُذّرت منه في طفولتها بقصص مرعبة عن وحوش تلتهم الساحرات دون رحمة. نظرت إلى زين الذي كان يراقبها بصبر، منتظرًا أن تخطو الخطوة الأولى دون أن يضغط عليها، وشعرت بامتنان صامت لتلك المساحة التي منحها إياها رغم كل ما بينهما. أخذت نفسًا عميقًا، وسارت أخيرًا نحو الباب الحديدي الضخم بخطوات ثابتة صنعتها بإرادتها وحدها، رافضة أن تظهر أي علامة ضعف أمام من قد يحكمون عليها من النظرة الأولى. حين اجتازت العتبة، شعرت بموجة من الحرارة الداخلية تصطدم ببرودة الليل خلفها، وأدركت أن هذا المكان مضاء بمصابيح سحرية معلقة على الجدران بدلًا من المصابيح الكهربائية المعتادة، ضوء دافئ أصفر يمنح المكان طابعًا أقرب إلى الدفء منه إلى الترهيب الذي توقعته. تفحصت المكان بعينين يقظتين، تسجل كل مخرج محتمل وكل زاوية مظلمة، عادة لم تتخلَّ عنها منذ سنوات النفي، بينما كانت تشعر بنظرات الفضول تتبعها من كل اتجاه.*الفصل الثامن*"أخبرني عن أخيك." قالت فجأة، محاولة أن تلهيه عن الألم بشيء آخر.جمد زين للحظة، وكأن السؤال فاجأه أكثر من أي شيء آخر، وارتخت قبضته قليلًا عن رأسه. "لماذا تسألين عن هذا الآن؟""لأنني أظن أن الألم الذي يوقظ اللعنة ليس ألمًا جسديًا فقط." أجابت بهدوء، وصوتها يحمل نبرة حانية لم تستخدمها من قبل معه. "بل ألمًا قديمًا لم تسمح لنفسك يومًا بالتعبير عنه."نظر إليها زين طويلًا، وبدا وكأنه يخوض صراعًا داخليًا بين رغبته في الصمت المعتاد وحاجة دفينة للحديث لأول مرة منذ سنوات. "كان ياسر أصغر مني بعشر سنوات. كان مرحًا، يحب الحياة، لم يكن يحمل قسوتي ولا حذري. في ليلة واحدة، هاجمتنا مجموعة من الساحرات المنبوذات، أو هكذا ظننا يومها. قاتلنا، لكنه سقط أمام عيني، ولم أستطع إنقاذه."توقف للحظة، وقد بدت أنفاسه أكثر ثقلًا، ويداه ترتجفان بشكل ملحوظ. "منذ ذلك اليوم، أقسمت ألا أثق بساحرة مرة أخرى. حتى ظهرتِ أنتِ، وأنقذتِ حياتي رغم أنكِ لم تكوني مضطرة لذلك."شعرت نورا بقلبها ينقبض تعاطفًا، لكنها لاحظت شيئًا آخر في كلامه لم يستوقفها من قبل بهذا الوضوح. "قلت إنكم ظننتم يومها أنهن ساحرات منبوذات. أليس ه
*الفصل السابع*في الأيام التالية، بدأت نورا تتأقلم ببطء مع الحياة في مخبأ أبناء الرماد، رغم أن الحذر لم يفارقها لحظة. كانت تقضي معظم وقتها في غرفتها، تدرس دفتر والدها القديم بحثًا عن تعويذة قادرة على كسر لعنة زين نهائيًا، بينما كان أفراد النادي ينظرون إليها بمزيج من الفضول والريبة، باستثناء امرأة واحدة، شابة تُدعى "سلمى"، بدت أكثر ودًّا من البقية، بشعرها البنيّ القصير وابتسامتها التلقائية التي لم تحمل أي أثر للحذر الذي رأته نورا في وجوه الآخرين."لا تأخذي الأمر على محمل شخصي." قالت سلمى وهي تجلس بجانب نورا في الفناء الخلفي، تحمل كوبين من الشاي الساخن يتصاعد منهما بخار خفيف في هواء الصباح البارد. "لم يعتد أحد هنا على وجود ساحرة بينهم. خاصة بعد ما حدث لأخي زين."رفعت نورا حاجبها باستغراب، وتوقفت يدها في منتصف الطريق نحو كوب الشاي. "أخوه؟ ظننت أن زين وحيد."هزت سلمى رأسها بحزن، ونظرت إلى الأفق بعيدًا وكأنها تستحضر صورة لا تزال حية في ذاكرتها. "كان لديه أخ أصغر، يُدعى ياسر. كان أقرب الناس إلى قلبه. قُتل قبل خمس سنوات في هجوم غامض، وقيل يومها إن ساحرة هي من فعلتها. منذ ذلك اليوم، تغيّر زين
*الفصل السادس*بمجرد أن دخلا، شعرت نورا بعشرات العيون تتجه نحوها فجأة، وبدأت أصوات المحادثات تخفت واحدة تلو الأخرى حتى ساد صمت ثقيل في المكان الواسع. كان المكان مليئًا برجال ونساء يرتدون سترات جلدية مماثلة لسترة زين، وقد بدا على وجوه بعضهم استغراب واضح، بل عداء صريح، حين رأوا امرأة غريبة تدخل مخبأهم برفقة قائدهم."من هذه؟" سأل رجل ضخم بشعر أشيب، تقدم نحوهما بحذر واضح، ونظراته تتنقل بين وجه نورا ويديها المخفيتين خلف القفازين."ساحرة أنقذت حياتي البارحة." أجاب زين بحزم، دون تردد. "ستبقى تحت حمايتنا حتى تكسر اللعنة نهائيًا. أي شخص يؤذيها، يؤذيني."تبادل الرجال والنساء نظرات متوترة، همست بعضهم لبعض، لكن أحدًا منهم لم يجرؤ على الاعتراض علنًا أمام قائدهم. أدركت نورا حينها حجم السلطة التي يتمتع بها زين بين أفراد ناديه، وشعرت للحظة بأمان غريب، رغم كل الحذر الذي لا يزال يملأ صدرها.الرجل ذو الشعر الأشيب، الذي عرفت نورا لاحقًا أنه يُدعى "كريم"، أحد أقدم أفراد النادي وأكثرهم تشددًا في رفض التقارب مع الساحرات، وقف يتفحصها بعينين ضيقتين، وذراعان معقودتان على صدره الواسع. "زين، هذا تهور لا يشبهك. إ
*الفصل الخامس*وجدت زين هناك، واقفًا بجانب دراجته السوداء، ينتظر بصبر رغم أن الظلام بدأ يخيّم على المكان، ولاحظت أنه غيّر سترته إلى واحدة أنظف، وكأنه اهتم بمظهره لهذا اللقاء. حين رآها قادمة، لم يبتسم، لكن شيئًا في عينيه الذهبيتين خفّ توتره."جئتِ." قالها بصوت هادئ."لم آتِ ثقة بك." أجابت نورا بحذر وهي تقترب. "جئت لأنني لا أملك خيارًا آخر أفضل. لكن اعلم أنني سأراقب كل خطوة تخطوها، وإن شعرت بأي خديعة، فلن أتردد في الدفاع عن نفسي."هزّ زين رأسه موافقًا. "هذا حقك. اركبي خلفي، فالطريق إلى مخبأ النادي طويل، ولا يمكن قطعه سيرًا على الأقدام."نظرت نورا إلى الدراجة الضخمة، ثم إلى زين، وسألته بفضول عابر قبل أن تركب: "هل هي آمنة على الأقل؟ لا أريد أن أموت في حادث تافه بعد كل ما مررت به الليلة." ضحك زين ضحكة قصيرة، أول ضحكة سمعتها منه، وأجاب: "أعدك أنها أكثر أمانًا من أي شيء آخر واجهتِه الليلة." هزّت نورا رأسها بابتسامة خفيفة، شعرت للمرة الأولى منذ لقائهما أن جوًّا من الدعابة بدأ يخفف من ثقل الموقف.ترددت نورا للحظة أمام الدراجة الضخمة، لم تعتد يومًا أن تثق بجسد رجل غريب قريبًا منها هكذا، لكنها ت
*الفصل الرابع*وقفت نورا وحدها وسط ورشتها بعد أن غادر، تنظر إلى يديها اللتين لا تزالان تلمعان بوهج أحمر خافت، وتتساءل إن كانت هذه الليلة بداية خطر جديد، أم بداية شيء لم تجرؤ يومًا على تخيله. أغلقت النافذة، ثم فتحت درجًا صغيرًا أخرجت منه دفتر والدها الجلدي القديم، وقلّبت صفحاته بحثًا عن أي ذكر للعنات السوداء التي تُصنع خصيصًا لإيقاظ التنانين بالقوة. لم تجد شيئًا واضحًا، لكن يقينها بأن الأمر أكبر من مجرد مصادفة بدأ يترسخ في داخلها، فطوت الدفتر وضمّته إلى صدرها كأنها تحتمي به من مجهول يقترب.جلست على حافة نافذتها المطلة على الطريق الفارغ، تراقب بقايا آثار إطارات الدراجة التي طبعتها على التراب الرطب، وأخذت تعيد في ذهنها كل كلمة نطق بها زين، محاولة أن تفكك خطابه إلى ما هو صادق وما قد يكون خديعة محكمة. لم تكن قد اعتادت أن تمنح أحدًا هذا القدر من التفكير منذ سنوات طويلة، وأزعجها اكتشافها أن عقلها يعود إليه رغمًا عنها كلما حاولت أن تشغل نفسها بأمر آخر. في تلك اللحظة، شعرت بخوف من نوع مختلف، لا خوف من صياد يطاردها، بل خوف من قلب بدأ يتزحزح عن قسوته المعتادة دون استئذان منها.حاولت أن تشغل نفسه
*الفصل الثالث*فتح زين عينيه ببطء، ووجد نفسه في الورشة، ملفوفًا ببطانية قديمة تفوح منها رائحة الزيت والقهوة، والألم في كتفه قد خفّ كثيرًا وإن لم يختفِ تمامًا. أدار رأسه ببطء، فشعر بوخزة حادة في رقبته، ورأى نورا جالسة على كرسيّ بعيد، ذراعاها متشابكتان على صدرها، وعيناها المحمرتان من السهر لا تفارقانه."لم أستطع كسر اللعنة بالكامل." قالت بصوت متعب يخفت في نهاية الجملة. "أبطأتها فقط. من صنع هذه اللعنة يعرف ما يفعل. إن أردت التخلص منها نهائيًا، فستحتاج إلى وقت أطول، وسحر أقوى مما أملك هنا."جلس زين ببطء وهو يتحسس كتفه بدهشة، متفاجئًا من مدى الفرق بين الألم الذي عرفه ليلًا والراحة النسبية التي يشعر بها الآن. "لماذا فعلتِ هذا؟ كان بإمكانكِ أن تدعيني أموت، أو تتخلصي مني بسهولة وأنا في هذه الحالة."نظرت إليه نورا بجدية، وقد ارتفع صوتها قليلاً وكأنها تدافع عن قرار اتخذته مسبقًا أمام نفسها. "لأنني لست قاتلة، مهما ظن الناس بي. ولأنني أعرف كيف يبدو الظلم حين يُوجَّه إلى بريء، وأظن أن هذه اللعنة وُجّهت إليك ظلمًا أيضًا."ساد صمت قصير، تخلله فقط صوت صرير معدني خافت من إحدى الدراجات المعلّقة، حتى قا







