Masuk[بصوت: زياد] لم يكن طوفان الأجساد المندفعة نحونا يشبه أي جيش واجهته في حياتي العسكرية. لم تكن هناك صيحات حرب، ولا تكتيكات هجومية، ولا حتى نظرات غضب. كان صمتاً آلياً مرعباً، يقطعه فقط صوت ارتطام الدروع واحتكاك الرماح الزرقاء المضيئة بالصخر. تلقيتُ الصدمة الأولى بكامل جسدي. ارتطم الجندي الأول بدرعي الفضي بقوة كادت تخلع كتفي من مكانه. غرستُ قدمي في الأرض، متحملاً ثقل اندفاعه، وبدلاً من تمرير سيفي في أحشائه كما تقتضي غريزة البقاء، ضربته بحافة درعي في منتصف خوذته. ترنح الفتى للخلف، فاستغليتُ اللحظة؛ أسقطتُ سيفي، وأمسكتُ بحزام درعه، ثم دفعته بكل قوتي ليصطدم بالجدار الصخري ويسقط أرضاً. "الآن!" صرخت وأنا ألقي بوزني فوقه لأثبت ذراعيه. لم تتردد مُنى ومنال لثانية واحدة. انزلقتا تحتي في خضم الفوضى. وضعت مُنى يدها المتوهجة بالنور الذهبي على الختم الأسود في عنق الفتى، بينما تشابكت يدها الأخرى مع يد منال. ومضة ذهبية خاطفة كادت تعمي عيني، تلاها فوراً شلال فضي بارد انطلق من يد منال ليتغلغل في جسد الجندي. انتفض الفتى تحتي بقوة مرعبة لثانية واحدة، ثم ارتخت عضلاته تماماً، وتلاشت الغشاوة البيضاء من ع
[بصوت: زياد] تناثرت شظايا الحاجز الصخري المنصهر في الهواء كزجاجٍ محترق، ومعها تبخرت آخر ثواني الأمان التي كنا نملكها. من وسط سحابة الغبار الخانقة، برزت غابة من الرماح الزرقاء المضيئة، خلفها مئات العيون البيضاء الفارغة التي تتدفق نحو التجويف الضيق كطوفانٍ لا يمكن إيقافه. "سيمزقوننا في ثوانٍ!" صرخت رنا، وهي تستعد لإشعال نيرانها غريزياً رغم قرارنا بعدم القتل. (إذا التحمنا معهم الآن، وساري منهار، لن ننجو حتى لدقيقة واحدة. أحتاج إلى صنع عنق زجاجة آخر، شيء يكسر زخم هجومهم الموحد.) تجاهلتُ الجنود المتقدمين، ورفعتُ نظري نحو سقف الممر الصخري المتصدع بفعل حرارة رنا السابقة. أخرجتُ سلسلتي المعدنية الغليظة، ولوحتُ بها في الهواء لتلتف كالأفعى حول عمودين صخريين ضخمين كانا يدعمان السقف في أضيق نقطة من الممر. "الجميع، تراجعوا لأقصى الكهف!" صرخت بأعلى صوتي. بمجرد أن ابتعدوا، لففتُ السلسلة حول ساعدي، وثبت قدمي في الأرض، وسحبتُ بكل ذرة قوة وحشية أمتلكها. حتي سمعت صوت عضلاتي التي كادت تتمزق، لأصرخ من شدة من الألم حين انغرست السلسلة في لحمي، لكن في النهاية استطعت جعل هذين العمودين ينهارا. د
[بصوت: منال]كانت الثواني تمر كأنها ساعات ثقيلة يقطر منها الدم واليأس. من خلف التجويف الصخري، كان صدى خطوات جيش الدمى يتردد كدقات قلب وحش عملاق يقترب لابتلاعنا. مئات من العيون البيضاء الفارغة والرماح الزرقاء كانت تتدفق نحو الممر، لا يفصلنا عنهم سوى أمتار قليلة."تراجعوا للداخل! سأحاول سد المدخل!" صرخ زياد وهو يندفع بجسده المنهك نحو أضيق نقطة في الممر.رفعت رنا يديها، ولم تستخدم نيرانها للهجوم، بل ركزت حرارة زرقاء هائلة على سقف الممر الصخري فوق الجنود المتقدمين. أذابت النيران الحجارة في ثوانٍ، لتسقط كستارة من الصخور المنصهرة والبخار الخانق، مما شكل حاجزاً نارياً مؤقتاً أوقف تقدم الطليعة الأولى، لكنه لن يصمد طويلاً أمام أعدادهم."هذا سيمنحنا دقيقتين على الأكثر... ابحثوا عن حل!" تلهثت رنا وهي تسند ظهرها إلى الجدار، وذراعها تنزف بشدة.في تلك الأثناء، كنت أجلس على ركبتي بجوار الفتى المقيد بالسلاسل، طارق. كان جسده يرتجف بعنف، والختم الأسود على عنقه ينبض كطفيلي خبيث يتغذى على طاقته."لا يمكنني حرقه..." قلتُ وأنا أراقب النبض الأسود بخوف، "سحر النجوم سيدمر الختم، لكنه سيحرق معه الخلايا العصبية
[بصوت: زياد]كرااااك!لم يصمد جدار الجليد الأسود الذي صنعه إلياس سوى لثوانٍ معدودة. تناثرت شظاياه في الهواء كزجاجٍ مكسور تحت ضربات فؤوس ورماح الجنود الخمسة، لينفتح الطريق أمامهم مجدداً. تراجعتُ خطوة للخلف رافعاً درعي، لأتلقى الصدمة الأولى من هجومهم الكاسح.كانت جدران التجويف الصخري تضيق علينا كقبرٍ يُغلق ببطء. لم تكن هذه معركة نعتز بها في كتب التاريخ، بل كانت انتحاراً بطيئاً، وطريقًا دموياً نحو هلاكنا المحتوم، كل ذلك باسم الرحمة.كيف تقاتل عدواً لا يشعر بالألم، لا يكترث للتعب، ولا يتردد لحظة واحدة في غرس نصل رمحه في قلبك، بينما أنت مقيدٌ بأخلاقك، ترفض توجيه ضربة قاتلة له؟ كان الجنود الأطفال يهاجموننا بضراوة آلات القتل المبرمجة. رماحهم الزرقاء المضيئة كانت تندفع نحو صدورنا وأعناقنا، وكنا نكتفي بالصد، والدفع، وتلقي الكدمات.تلقيتُ ضربة قوية بمقبض فأسٍ على كتفي، تلتها طعنة رمح انزلقت على حافة درعي الفضي لتترك جرحاً طولياً في ساعدي. تجاهلتُ الألم ودفعتُ الجندي للخلف بقوة، لكنه عاد في نفس الثانية ليهاجمني بنفس الشراسة.إلى جانبي، كانت رنا تعيش جحيماً من نوع آخر. أميرة التنانين، التي اعتادت
[بصوت: رنا]لم يكن الركام الذي أسقطه زياد كافيًا لمنع كابوس العالم العلوي من ملاحقتنا، بل كان مجرد فاصل زمني لالتقاط أنفاسنا في سباقٍ نحو الموت.سرنا في العتمة لساعات، نتخبط في جدران السراديب كأشباحٍ فقدت طريقها للآخرة. كان الهواء يزداد برودة مع كل خطوة نخطوها نحو قاع الشق، وبرغم ذلك، كانت قطرات العرق البارد تغطي جبيني. كنت أسمع لهاث منال المتقطع خلفي، وأشعر بثقل خطوات زياد وساري وهما يجران جسد إلياس المنهار.(إلى متى يمكننا الهرب في هذه المتاهة الملعونة؟ لا طعام، لا راحة، وسحرنا لا يمكن استخدامه خوفًا من كشف موقعنا... نحن نتحول إلى فرائس تنتظر حتفها.)فجأة، انشق الصمت المحيط بنا بصوت انهيار صخري قريب جدًا. لم يأتِ الصوت من الخلف حيث تركنا الركام، بل من ممرٍ جانبي يتقاطع مع مسارنا!"تشكيل دفاعي!" صرخ زياد بصوتٍ أجش، دافعًا إلياس نحو الجدار ومستلاً سيفه في حركة واحدة.لم يكد ينهي جملته حتى انبعث نورٌ أزرق شاحب من الممر الجانبي، واندفعت نحونا فرقة استطلاع من "جيش الدمى". كانوا خمسة جنود فقط، تسللوا عبر شقوق الجبل الجانبية وتجاوزوا فخ الركام. لكن في مساحة لا تتجاوز المترين عرضًا، وفي حال
[بصوت: زياد]كان الظلام في هذه السراديب السفلية كثيفاً لدرجة أنني شعرت به يلتصق بجلدي كطينٍ لزج. لم يكن مجرد غياب للنور، بل كان كياناً يضغط على صدورنا، يعمي أبصارنا، ويضخم كل صوتٍ يصدر عنا.وزن إلياس الذي كان يتدلى بيني وبين ساري كان يزداد ثقلاً مع كل خطوة. الدوق الذي كان يوماً يحمل هموم قارة بأكملها على كتفيه، أصبح الآن يجر قدميه جراً، بالكاد يرفع رأسه، وأنفاسه تخرج متقطعة ومحملة بحرارة تنذر بالخطر.خلفنا، كان الصدى المكتوم لخطوات جيش الدمى لا يتوقف.قرع.. قرع.. قرع.إيقاعٌ عسكري منتظم، خالٍ من أي فوضى أو مشاعر، يتقدم كآلة حصاد عمياء لا تعرف التعب.(لا يمكننا الاستمرار في الركض هكذا.. سنستنزف قِوانا قبل أن نصل إلى أي مكان، وسيلحقون بنا لا محالة. يجب أن نغير قواعد الاشتباك.)توقفتُ فجأة، وسندتُ إلياس بلطف إلى الجدار الصخري الرطب. انتبه الباقون وتوقفوا، يلهثون في الظلام الحالك."توقفوا"، همستُ بصوتٍ خافت بالكاد يُسمع. "لن نستطيع مواصلة الهرب منهم بهذه الطريقة، خصوصًا مع إصابة إلياس. علينا أن نتوقف هنا ونحوّل هذا المكان إلى نقطة دفاع عمياء."سمعتُ صوت رنا الخافت بالقرب مني: "بماذا سنداف