Início / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (57): هاوية سوندا المشتعلة

Compartilhar

الفصل (57): هاوية سوندا المشتعلة

last update Data de publicação: 2026-09-25 08:00:43

انحدرت الغواصة الاستراتيجية للأعماق السحيقة «قاهر الظلمات» كحوت تيتانيومي أسود في أحشاء المحيط الهندي، مخترقة طبقات المياه المظلمة نحو قاع خندق "سوندا" على عمق أربعة آلاف ومائتي متر تحت سطح البحر. في هذا السديم المائي المعزول، حيث لا يجرؤ أدنى بصيص من ضوء الشمس على التسلل منذ الأزل، كان وزن المحيط يشكل ضغطاً هيدروستاتيكياً ساحقاً يهدد بسحق أعتى الدروع الفولاذية في رمشة عين، بينما تصاعدت من الشقوق التكتونية السفلية أعمدة دخان كبريتي ومياه مغلية تقذفها الفوهات البركانية الحرارية كجحيم مستعر في قاع الصقيع. لم تكن هذه البقعة مجرد هوة جيولوجية منسية في خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المعقل الأكثر عزلة لمشروع «البرزخ الأسود»، حيث تم تشييد محطة الأبحاث «نيكسوس-سوندا» داخل تجويف بازلتي محمي بحقول ألغام مغناطيسية ومجسات رصد صوتي ترصد دبيب حركات القاع.

في مقصورة القيادة المتقدمة للغواصة، خيم ضوء قرمزي شاحب امتزج بأزيز أجهزة تنقية الأكسجين ورنين نبضات السونار السلبي. وقف طارق كطود صخري لا تزعزعه أهوال الأعماق؛ ارتدى بزة غوص تكتيكية مصفحة بصفائح ألياف الكربون المعالجة بالتيتانيوم السائل لمقاومة الضغوط الفائقة، تلتف حول بنيته الفارهة وعريضه كتفيه بقوة محكمة، بينما استقر في حزامه الفولاذي خنجره الدمشقي العتيق ومسدسه المائي النبضي المصمم لاختراق الدروع تحت السطح. كانت عيناه الصقريتان الداكنتان تتابعان تضاريس الخندق المعروضة على الشاشة الهولوغرافية ثلاثية الأبعاد بجمود مهيب؛ لم يكن يشغله ضغط المحيط ولا مخاطر الانفجار البركاني المائي، بل كانت صورته معلقة هناك في قصر الريفيرا، عند مهد طفله «آدم» الذي ترك في سبيله كل مظاهر التاج لينزل بنفسه إلى الهاوية حامياً لعرينه.

اقتربت إلينا بخطى رشيقة لا تصدر صوتاً فوق صفائح الأرضية المعزولة، متألقة ببزتها القتالية السوداء الممشوقة التي نحتت قوامها الساحر بفتنة محاربة تجمع بين دهاء النبلاء وقسوة صيادي الأطياف. كان شعرها الليلي الداكن ملموماً في عقدة تكتيكية محكمة خلف خوذتها المفتوحة، كاشفاً عن صفاء عنقها العاجي وشحوب بشرتها المضيئة، بينما لمعت عيناها الزمرديتان ببريق حارق يفيض بيقظة استخباراتية لا تغفل عن نبضة واحدة. كانت أصابعها الرقيقة المغلفة بالجلد المصفح تتنقل فوق لوحة التشفير الكمومي لتعطيل دارات الاستشعار السوناري لمنظومة المحطة المغمورة.

توقفت إلينا إلى جواره، ووضعت يدها الرقيقة فوق ساعده المفتول، متأملة الفوهات المشتعلة في ظلمة الشاشة، ثم التفتت برأسها لتتلاقى أنفاسها الدافئة مع رقبته الصلبة، هامسة بصوتها الرخيم الآسر: "المحطة رابضة في الشق البركاني الأوسط يا طارق... خوادم 'البرزخ' بدأت بالفعل مرحلة التغذية الذاتية لكبسولات غاز 'الفينيق الأعمى'؛ سبع وأربعون دقيقة تفصلنا عن انطلاق ست غواصات مسيرة محملة بالغاز نحو ممرات سنغافورة وجبل طارق وروتردام. إن انطلقت تلك الشحنات، سيموت مئات الآلاف في موانئنا قبل أن نتمكن من اعتراضها."

أحاط طارق خصرها بيده القوية برفق حازم، جاذباً إياها إلى صدره العريض حتى التصق جسدها به في عناق دافئ أذاب وحشة الأعماق السحيقة، ومرر أصابعه الخشنة برقة متناهية فوق وجنتها، وتحدث بصوت عميق ومبحوح يفيض برجولة كاسرة وعزم لا يلين: "لن يخرج مسبار واحد من هذا القاع يا إلينا... جئنا إلى هنا لنحرق جذور هذا البرزخ ونطمر أوهامهم في ركام هذه الصخور. الأيتام الذين يحلمون بالثأر من قبور أسيادهم نسوا أن من أباد الرؤوس السبعة لن يعجزه سحق الفروع. كوني في ظهري عند اختراق بوابة الضغط؛ سنصفي هذا الوكر قبل أن يكتمل العد التنازلي."

ابتسمت إلينا ابتسامة واثقة تفيض بدهاء كاسر، وطوقت عنقه بذراعها الرشيقة لتطبع قبلة دافئة وحازمة على شفتيه، تلاقت فيها روحهما في عهد الدم الأبدي: "سنمحوهم معاً يا طارق... ومن أجل آدم، لن نترك في هذا الكوكب شائبة تهدد أمن عرشه."

أطلقت الغواصة كبسولة اختراق مائية موجهة التفت حول الهيكل الخارجي للمحطة المغمورة، لتلتحم بدقة متناهية مع فتحة الطوارئ الهيدروليكية لغرفة تفريغ الضغط. في ثوانٍ معدودة، أفرغت المضخات مياه المحيط العازلة ليتعادل الضغط الجوي، وانفتحت البوابة الدائرية الثقيلة بصرير معدني حاد.

هبط طارق أولاً كصاعقة سوداء في الممر الفولاذي الضيق، تتبعه إلينا بسلاسة فهد كاسر، مشهرين أسلحتهما في وضعية الاقتحام السريع. كانت جدران المنشأة ترتج برتابة تحت وطأة النشاط الحراري للفوهات البركانية في الخارج، وأضواء الطوارئ البرتقالية تلقي بظلال دموية موحشة على الأنابيب المتشابكة، بينما انبعثت رائحة غاز الأمونيا والوقود الجاف في الأرجاء.

فجأة، انشقت الأبواب الهيدروليكية الجانبية عن ثمانية من مقاتلي «حلف الأيتام»؛ نخبة من الحراس المرتزقة المعدلين حيوياً، يرتدون دروعاً ثقيلة مقاومة للضغط ويحملون بنادق هجومية بالغة التطور. أطلق المرتزقة وابل نيرانهم المكتومة في صمت مميت، لترتد المقذوفات عن صفائح الجدران في وابل من الشرر الملتهب.

تحرك طارق برد فعل غريزي خارق صقلته عقود الحروب؛ اندفع بجسده الفارع نحو ركيزة هيدروليكية ليحتمي من الرصاص، ثم برز بجذعه العريض مطلقاً دفعة نارية متقنة من سلاحه النبضي؛ اخترقت الطلقات الفائقة خوذات الحراس الثلاثة في المقدمة لتفجر وحدات التبريد على ظهورهم، مما أدى إلى سقوطهم مضرجين في دمائهم فوق البلاط الحديدي. في الوقت ذاته، ناورت إلينا بمرونة بهلوانية خاطفة، زاحفة تحت خط النيران لتستل مسدسيها الصامتين؛ أطلقت أربع رصاصات متتالية استقرت بدقة جراحية في مفاصل دروع المهاجمين الباقين، ثم قفزت فوق آخرهم وغرست خنجرها السيراميكي في شريان عنقه بحركة خاطفة وسلسة كتمت أنفاسه في رمشة عين.

"الممر مطهر... بقي اثنان في قاعة التحكم المركزية!" همست إلينا وهي تستعيد توازنها وتتفقّد مؤشر النبضات الحيوية للهدف.

تقدما عبر الممر المنحدر نحو القلب النابض للمحطة، حيث انتصبت قاعة مستديرة واسعة تحيط بها خزانات عملاقة تحوي غاز "الفينيق الأعمى" بلونه البنفسجي الفوسفوري المتوهج، وفي صدر القاعة، أمام شاشات الخادم المركزي للبرزخ الأسود، وقف الدكتور "هانز فانس"—ابن شقيق اللورد فانس الذي أسقطه طارق في جنيف—رجل في أواخر الثلاثينيات، ذو نظرة مهووسة وعينين تشتعلان بحقد أعمى، يمسك بيده صاعق التفريغ السريع للغاز.

"طارق... وإلينا فالدير!" صرخ هانز بصوت هستيري مبحوح وهو يضغط ظهره إلى المنصة، "ظننتم أنكم قتلتم مجلس الأطياف وانتهى الأمر؟! نحن أيتامهم... نحن الجحيم الذي تركوه ليحرقكم! زرعت شحنات ناسفة في قاع المولد؛ في غضون دقيقتين ستنهار هذه المحطة وستنفجر خزانات الغاز في أعماق المحيط لتبيد كافة سواحل آسيا وأفريقيا، وستدفنون هنا معي في ظلمات الهاوية!"

لم يتوقف طارق، ولم يرمش له جفن؛ بل تقدم بخطوات ثقيلة يتردد صداها المرعب كدقائق الموت، ملقياً بظله الطاغي فوق وجه هانز المذعور: "أنت لست شبحاً ولا بطلاً يا فانس الصغير... أنت مجرد ظل تافه لرجل أحرقناه في وضح النهار."

وقبل أن يضغط هانز على مفتاح التفجير، تحركت إلينا بسرعة البرق؛ قذفت خنجرها السيراميكي بدقة مطلقة ليخترق كفه ويثبت يده فوق لوحة التحكم برنين حاد مصحوب بعواء ألم هستيري مزق صمت القاعة.

اندفع طارق كالإعصار، وقبض بيده الفولاذية على عنق هانز، رافعاً إياه في الهواء وضارباً جسده بالمنصة المعدنية بضربة هشمت أضلاعه: "شفرة التعطيل لخوادم الغواصات... الآن!"

بصق هانز دماً، واستسلم لرعب الهيمنة المطلقة أمام نظرات طارق الصقرية: "الشفرة... تسلسل... أوميغا-صفر-تسعة... ألغوها... أرجوكم!"

نقرت إلينا على لوحة المفاتيح بحركات خاطفة مذهلة، مدخلة شفرة التجاوز الكمومي، لتنطلق نغمة التأكيد النهائية فوق الشاشات: «تم إلغاء بروتوكول البرزخ الأسود... تعطيل منصات إطلاق الفينيق الأعمى وتفريغ الخزانات في المصائد الآمنة».

التفتت إلينا نحو طارق وقالت بنبرة قاطعة: "تم شل الشبكة بالكامل يا طارق... لكن صواعق التفجير التي زرعها في هيكل المحطة بدأت بالعد التنازلي التلقائي؛ أمامنا تسعون ثانية قبل أن ينفجر التجويف الصخري بأكمله."

نظر طارق إلى هانز بنظرة خالية من أي شفقة، ولوى عنقه بحركة خاطفة وسريعة هشمت فقراته، ليلقي بجثته فوق أرضية خوادمه المنهارة، معلناً نهاية المحرك الأول لحلف الأيتام.

أحاط طارق خصر إلينا بذراعه الفولاذية، وانطلقا يركضان بأقصى سرعتهما عبر الممرات المعدنية نحو حجرة الإنزال، بينما كانت أصوات تصدع الجدران وصرير التيتانيوم تحت وطأة الحمم المائية المتدفقة ترتفع في كل ركن. صعدا إلى متن «قاهر الظلمات» وأحكما إغلاق البوابات في الثانية الأخيرة، لتنطلق الغواصة الشبحية بأقصى طاقتها الاندفاعية مبتعدة عن الهاوية.

ومن خلف الشاشات البانورامية الخلفية للغواصة، راقبا انفجار محطة «نيكسوس-سوندا»؛ حيث انشقت الأرضية التكتونية لتبتلع الحمم البركانية المنصهرة حطام المنشأة بالكامل، وتتحول إلى كتلة رماد ملتهبة خمدت في قاع خندق سوندا السحيق.

في مقصورة القيادة، نزع طارق خوذته وجذب إلينا إليه بحرارة جارفة، محتضناً إياها بقوة إلى صدره العريض ليتنفسا معاً نشوة النجاة والنصر الحاسم. رفعت إلينا وجهها إليه وتلاقت عيناهما في شعلة من العاطفة والسيادة المطلقة، وطبع طارق قبلة عميقة وطويلة على شفتيها المعمدتين بالنار.

"أغلقنا البرزخ الأسود يا طارق..." همست إلينا بصوت دافئ يفيض بالسكينة، مستندة برأسها على كتفه.

أحكم طارق قبضته حولها، ونظر نحو مسار العودة عبر المحيط، قائلاً بصوت جهوري مزلزل: "والآن نعود إلى قصرنا وإلى آدم... لنعلم بقايا الأيتام في القارات الخمس أن رماد السطوة هو المبتدأ وهو المنتهى إلى أبد الآبدين."

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • رماد السطوة   الفصل (58): خيوط المؤامرة الأخيرة

    عادت الغواصة «قاهر الظلمات» لتستقر في الحوض الجاف الصخري أسفل قصر «لو بيلفيدير» مع انبلاج خيوط فجر ندي غسل زرقة البحر الأبيض المتوسط برذاذ فضي نقي. انحسرت مياه البحر الهادرة عبر البوابات الفولاذية العازلة بصرير هيدروليكي مهيب، مخلّفة سحباً من الأبخرة البيضاء ورائحة الملح المركز، بينما اصطفت كتائب «حراس العهد» على الأرصفة الخرسانية ببنادقها المجهزة في انضباط فولاذي صارم. لم يكن النصر في هاوية سوندا السحيقة نهاية المطاف، بل كان استئصالاً لقلب الخطر البيولوجي قبل أن ينفث سمومه؛ غير أن الجسد المتفرع لحلف الأيتام كان لا يزال يمتلك أطرافاً تتحرك في عواصم الظل، تتغذى على حسابات سرية معقدة وشركات أمنية وهمية أُسست خصيصاً لتنفيذ الانتقام بعد سقوط الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف.صعد طارق وإلينا عبر المصعد الصخري الصاعد نحو الجناح الإمبراطوري العلوي بخطوات هادئة تنضح بالجبروت واليقظة. كان طارق قد استبدل بزة الغوص بقميص أسود من القطن المعالج يلتصق بصدره العريض وساعديه المفتولين، بينما استقر خنجره الفولاذي الدمشقي في غمده الجلدي على خاصرته، وعيناه الصقريتان الداكنتان تفيضان ببرود مفترس يبحث عن

  • رماد السطوة   الفصل (57): هاوية سوندا المشتعلة

    انحدرت الغواصة الاستراتيجية للأعماق السحيقة «قاهر الظلمات» كحوت تيتانيومي أسود في أحشاء المحيط الهندي، مخترقة طبقات المياه المظلمة نحو قاع خندق "سوندا" على عمق أربعة آلاف ومائتي متر تحت سطح البحر. في هذا السديم المائي المعزول، حيث لا يجرؤ أدنى بصيص من ضوء الشمس على التسلل منذ الأزل، كان وزن المحيط يشكل ضغطاً هيدروستاتيكياً ساحقاً يهدد بسحق أعتى الدروع الفولاذية في رمشة عين، بينما تصاعدت من الشقوق التكتونية السفلية أعمدة دخان كبريتي ومياه مغلية تقذفها الفوهات البركانية الحرارية كجحيم مستعر في قاع الصقيع. لم تكن هذه البقعة مجرد هوة جيولوجية منسية في خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المعقل الأكثر عزلة لمشروع «البرزخ الأسود»، حيث تم تشييد محطة الأبحاث «نيكسوس-سوندا» داخل تجويف بازلتي محمي بحقول ألغام مغناطيسية ومجسات رصد صوتي ترصد دبيب حركات القاع.في مقصورة القيادة المتقدمة للغواصة، خيم ضوء قرمزي شاحب امتزج بأزيز أجهزة تنقية الأكسجين ورنين نبضات السونار السلبي. وقف طارق كطود صخري لا تزعزعه أهوال الأعماق؛ ارتدى بزة غوص تكتيكية مصفحة بصفائح ألياف الكربون المعالجة بالتيتانيوم السائل لمق

  • رماد السطوة   الفصل (56): يقظة البرزخ المظلم

    مرت سبعة أشهر على ميلاد «آدم»، واستكانت مياه البحر الأبيض المتوسط تحت شمس ربيعية دافئة غمرت شرفات قصر «لو بيلفيدير» بضياء عسجدي وهاج. بدا القصر الإمبراطوري الرابض فوق الجرف الصخري الشامخ كقلعة أسطورية صلبة حفرتها يد القدر لتكون منارة السيادة للعالم الجديد؛ لم تعد البوارج الحربية الشبحية تجوب مياهه في حالة تأهب قتالي مستمر، بل اصطفت على مسافات محسوبة كحراس عملاقة تنفث وقار القوة المفرطة، بينما كانت حركة التجارة العالمية تجري في المضايق الدولية بنظام ساعاتي محكم يخضع بالكامل لشفرات وضوابط منظومة «رماد السطوة». خيل للعواصم الكبرى ولغرف التجارة أن الكوكب دخل أخيراً في عصر الاستقرار الأبدي بعد احتراق الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف، لكن القمم الشاهقة التي تصنع الملوك تدرك دائماً أن أشد أنواع الخطر ضراوة ليس ذلك الذي يزمجر بالمدافع في وضح النهار، بل الذي يتخلق في صمت مطبق داخل الأرحام المظلمة للمؤسسات المندثرة.في الجناح الإمبراطوري العلوي، حيث تتداخل نسائم البحر الرطبة مع أريج زهر البرتقال وأشجار السرو المحيطة بالحدائق المعلقة، وقفت إلينا بجوار مهاد عاجي فاخر مرصع بالذهب وخشب الأبنوس، تت

  • رماد السطوة   الفصل (55): ميلاد العهد الجديد

    تهادت زرقة البحر الأبيض المتوسط في صبيحة خريفية دافئة، لتغسل أمواجها الهادئة قواعد الجرف الصخري الشامخ لقصر «لو بيلفيدير»، حيث استقرت أساطيل الحماية التابعة لقيادة «رماد السطوة» في تشكيلات بحرية مهيبة ترسم حدود العاصمة السرية للعالم الجديد. لم تعد الممرات المعلقة في القصر تشهد صخب بنادق الاقتحام أو رنين أجهزة الإنذار التكتيكية؛ بل ساد المكان هدوء ملكي فاره، تتخلله حركة دبلوماسية استثنائية لم تشهد لها القارة مثيلاً منذ قرون. في المرفأ الخاص المنحوت في الصخر، اصطفت مروحيات الوفود الرسمية وسفن الدبلوماسيين القادمين من عواصم آسيا، وأوروبا، والأمريكتين، بعد أن خضع كل وفد لإجراءات تفتيش بيومترية دقيقة أشرف عليها قادة «حراس العهد»، ليجتمعوا تحت سقف واحد للتوقيع على المعاهدة الشاملة التي خطتها أيدي المنتصرين بعد سحق آخر أطياف مجلس الظل في جنيف.في الجناح الإمبراطوري الشرقي، كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر الحريرية العاجية، لتلقي بظلالها الوارفة على أرضية خشب الساج المعتق والمفروشات المخملية الفاخرة. وقفت إلينا أمام الواجهة الزجاجية الكبرى المطلة على البحر؛ ارتدت فستاناً أسطوري

  • رماد السطوة   الفصل (54): فجر النظام الأبدي

    تنفس فجر جنيف البارد دخاناً أسود كثيفاً تصاعد من أنقاض قصر «لو بريزيدينسيال»، ليشهد العالم السري واحدة من أعنف الهزات في تاريخه الحديث؛ هزة لم تسجلها مقاييس الزلازل الجيولوجية، بل رصدتها خوادم غرف العمليات المغلقة في واشنطن، وبكين، ولندن، وموسكو. في غضون أسبوعين فقط، تهاوت الرؤوس السبعة التي حكمت الكوكب من وراء أقنعة الظل لأكثر من نصف قرن؛ سقط دراكوف في الكاربات، وميداس في كومو، وكروغر في بحر البلطيق، ويانوس في محافل جنيف، ورافاييل في أودية الأندلس، وشتاينر في صقيع بيرنغ، وصولاً إلى اللورد سيباستيان مورغان—«أوريون»—الذي احترق عرشه الأخير في وضح الفجر. تجمدت أسواق المال المشبوهة، وانسحبت خلايا المرتزقة من بؤر النزاع الإقليمية كفئران مذعورة أدركت أن جحورها باتت مكشوفة، بينما خيم وجوم مرعب على أجهزة الاستخبارات الدولية؛ لم يعد هناك مجلس أطياف يدير دفة النزاعات، بل صار هناك سيدان مطلقان لا شريك لهما في السيادة على هذا الكوكب: طارق وإلينا.حطت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» فوق المهبط الصخري السري المعلق في خاصرة جرف قصر «لو بيلفيدير». تلاشت عواصف الثلوج وأمطار الشمال الباردة

  • رماد السطوة   الفصل (53): عرش أوريون في جنيف

    هطلت أمطار جنيف الخريفية كشلالات باردة من الرصاص المذاب، تغسل أرصفة ضاحية "كولوني" الأرستقراطية وتلف قصورها الرخامية بغلالة رمادية كثيفة من الضباب الرطب العالق فوق مياه بحيرة "ليمان". كانت شوارع المدينة الدبلوماسية غارقة في هدوء مخادع، إلا أن قصر «لو بريزيدينسيال» الشاهق، الرابض على تلة حرجية معزولة تشرف على صفحة الماء والضفاف المقابلة للحدود الفرنسية، كان يعيش استنفاراً غير مرئي للعين المجردة. لم تكن هناك مدرعات تجوب الحديقة أو جنود بزيهم الرسمي؛ بل انتشر حول الأسوار الحجرية العتيقة خمسون عنصراً من نخبة "الحرس الأسود"، مدججين بأسلحة كهرومغناطيسية ونظارات رؤية بيومترية متصلة بغرف التوجيه المركزية، بينما جابت أسراب من الطائرات المسيرة فائقة الصغر فضاء القصر، تحميه من أي تسلل بري أو جوي. هنا، في هذا الحصن المنيف الذي توارثته عائلات الظل لأكثر من قرن، جلس رأس الأفعى الأخير: "الإمبراطور أوريون"، البارون الأكبر والمهندس الحقيقي لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي نسج خيوط المؤامرة، ومول كارتيلات الشمال، ووجّه حروب القارات الخمس دون أن تُلتقط له صورة واحدة في سجلات العالم العلني.في قبو صخري مه

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status