كانت السماء فوق المدينة كئيبة وثقيلة، تصب أمطارها الخريفية في قسوة لا تعرف هوادة، وكأنها تغسل خطايا شوارعها الغارقة في الجريمة والصفقات المشبوهة. في الطابق الأربعين من برج الزجاج والصلب الشاهق، وقف طارق أمام الواجهة البانورامية الممتدة من الأرض إلى السقف، متأملاً تلاطم المياه مع الزجاج السميك. كانت أضواء ناطحات السحاب البعيدة وأبراج الميناء تتداخل عبر الغبش والضباب كأنها أطياف دماء مضيئة تسيل ببطء مع انحدار قطرات المطر. انعكست صورته في عمق العتمة المحيطة بالقاعة؛ رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره، بقوام فارع المنكبين ووقفة محارب لم تكسرها السنين، وملامح وجه حادة نحتتها قسوة خمس سنوات كاملة قضاها في المنفى وراء البحار بعد المذبحة التي سلبت منه عائلته وثروته. تصاعد خيط رمادي دقيق من سيجاره الفاخر، متلاشياً ببطء في الهواء الجاف البارد المنبعث من فتحات التبريد المركزية. لم تكن القاعة الفسيحة تحتوي على الكثير من مظاهر البذخ التقليدي، بل سادها طابع الحد الأدنى من الفخامة الصارمة: طاولة ضخمة من رخام "الماركوينا" الأسود المصقول، ومقعد جلدي عتيق بلون التبغ، وموقد جداري حديث يبعث لهباً أزرق خا
Terakhir Diperbarui : 2026-08-20 Baca selengkapnya