LOGINمرّت الساعات ثقيلة ومشتعلة بالتوتر الخفي منذ ذلك الهروب المباغت لكريس من الغرفة الجانبية. كان قد ترك سيلينا تعيد ترتيب أنفاسها المكسورة وحدها، محاولةً لملمة بقايا كبريائها ومحو أثر تلك الدموع التي أوشكت على فضيحة ضعفها أمامه.ومع حلول العصر، كانت أشعة الشمس المائلة تلقي بظلالها الدافئة على باحة المنزل الخلفية، بينما ينساب نسيم البحر البارد ليمتزج برائحة العشب المبلل وصقيع أكواب العصير المثلجة الموضوعة على الطاولة الخشبية المنخفضة.كان جاكسون متسطحاً بكسل على إحدى الأرائك الجلدية، ألقى بذراعيه خلف رأسه، بينما عيناه تتبعان بفضول عابر الحركة القادمة من جهة الباب الداخلي. أما كريس، فكان يجلس قبالته بظهر مستند إلى الأريكة، يضم يديه إلى صدره بملامح جامدة، يحارب صراعاً داخلياً عنيفاً يحاول فيه بكل قوته إبقاء ذلك السور القاسي بينه وبين سيلينا كي لا يضعف أمام هشاشتها ورقتها التي تكاد تقتله.على حين غرة، خرجت جينا من الجناح الداخلي متجهة نحوهم. كانت ترتدي ثوباً قصيراً للغاية وجريئاً، يظهر أكثر مما يخفي، وتتعمد التباعد في مشيتها بتبختر ودلال، مستعرضة تفاصيل قوامها بلا أدنى خجل وكأنها تحاول استما
أكملت سيارة جينا طريقها الصاعد ببطء بين التلال المنعزلة، حتى استقرت أخيراً في باحة أمامية مرصوفة بالحصى تحيط بمنزل ريفي قديم وواسع يطل على البحر من علٍ. وما إن توقفت المركبة وترجل الجميع، حتى تحركت جينا بسلاسة وثقة نحو كريس، وبحركة عفوية مألوفة، رفعت يدها لتعدل ياقة سترته الثقيلة بخفة، وابتسمت له بدلال ملحوظ وهي تميل برأسها قائلة بصوت مخملي: *"يبدو أن رياح السفر قد أرهقتك يا كريس.. ادخل، سأعد لك قهوتك المفضلة كما كنت تحبها تماماً."* وقفت سيلينا على مقربة منهم، وشعرت بأن وميضاً من النار قد لُفّ حول قلبها. كانت تتابع تلك اللمسات القريبة وجرأة جينا الواضحة في التعامل مع كريس وكأنها تملك حقاً خاصاً به، بينما هو لا يتحرك ليبعدها ولا يبدي أي انزعاج من هذا القرب المبالغ فيه! اشتعلت الغيرة الصامتة في صدر سيلينا، وتضاعفت نبرة الانزعاج الحارق في داخلها؛ كيف له أن يقسو عليها هكذا ويبقيها في مهب التجاهل، بينما يقف ليتقبل دلال امرأة أخرى وابتساماتها بكل رحابة صدر؟! لاحظ جاكسون ذلك التوتر الشديد الذي يعتصر ملامح سيلينا، فاقترب منها بخطوات هادئة ليهمس بخفوت ولباقة: *"تعالي معي يا سيلينا، د
وتحت تأثير ذلك التجاهل المتعمد والبرود المفاجئ من قبل كريس، كادت دموع سيلينا المكتومة أن تفلت من أسرها لتفضح انهيارها. وقفت في مكانها تحارب ذلك الوخز الحارق خلف أهدابها، متألمة بصمت من رجل تعمد إدارة ظهره وكأنها لم تكن تمثل شيئاً سوى ظل عابر لا يعنيه أمره. في تلك اللحظة، تحولت عيون جينا الساحرة بينهما، وبدت وكأنها لاحظت تلك الفجوة الجافة والتوتر الخفي المخيم على الأجواء. رفعت كفيها بابتسامة ترحيبية وودودة، وقالت بنبرة عفوية تزيح بها ثقل الصمت: *"على أي حال، يبدو أنكم وصلتم لتوكم من رحلة طويلة وشاقة عبر البحر، وطريق العودة الرئيسي نحو المدينة مقفل الآن لأعمال الصيانة والتفتيش الأمني.. لذا، إن كنتم لا تبحثون عن فندق سيء ومزدحم، فبيتي العتيق والبعيد على أطراف التل مفتوح لكم جميعاً لترتاحوا قليلاً."* التفت جاكسون برأسه نحو كريس متسائلاً بنظرة سريعة، وكأنه يترك له حرية القرار، بينما استقرّت أنظار كريس بجمود على جينا قبل أن يومئ برأسه موافقاً ببرود، معتبراً إياها استراحة عملية لا بد منها قبل متابعة المهام. لم تُبدِ سيلينا أي اعتراض، بل كست ملامحها مسحة من الانهيار الصامت؛ فقد كانت بالكا
بينما كان كريس غارقاً في ذهوله الهادئ وهو يراقب ارتباكها، سمع طرقة خفيفة على باب المقصورة تلتها نبرة جاكسون العملية من الخارج:*"كريس.. اقتربنا من الرسو على الميناء، جهزا أنفسكما."*تلاشت تلك الابتسامة الخفيفة من وجه كريس في ثانية، واستعاد ملامحه الجامدة والصارمة. نظر إلى سيلينا التي كانت تنظر إلى الأسفل خجلاً وغيظاً، وبنبرة آمرة والحاسمة أردف بصوته الخشن:*"انهضي.. انتهى وقت الشجار."*تحولت ملامح كريس إلى الجمود التام والبرود القاسي، ولم تغب عن باله أبداً تلك الجرأة المفاجئة ولا كلمة "لا يطاق" التي تجرأت على رميها في وجهه. بالنسبة له، بدأت تتخطى حدودها وتقلل أدبها معه بشكل لم يعتد عليه أبداً، وبدا منزعجاً بشدة من تلك الثقة الطارئة التي اكتسبتها فجأة.وقف بتجهّم واضح وأشار بيده بحدة نحو الخارج، ليهدر بصوت جاف وخشن:*"انهضي وانتهي من هذا الدلال، سنتحرك الآن ولا داعي لكل هذه الفوضى."*لم تملك سيلينا طاقة للجدال؛ استندت على حافة الفراش ووقفت بصعوبة بالغة محاولةً تجاهل الدوار الخفيف الذي يداهم رأسها، لتسير خلفه بصمت وهي تجر قدميها تعباً وخجلاً، بينما كان هو يسير أمامها بخطوات واسعة وواثقة
فتحت سيلينا عينيها ببطء، وتسللت أشعة ضوء الصباح الباهتة عبر نافذة المقصورة لتصطدم بأهدابها الثقيلة. شعرت بصداع خفيف يرافق غشاوة التعب، لكنها استشعرت شيئاً آخر مختلفاً تماماً: الدفء، والصلابة، وتلك الإحاطة المطلقة التي تحرس جسدها. أدارت رأسها بحذر لتستوعب محيطها، وما إن استقرت عيناها على تفاصيل المشهد؛ حتى تجمدت أنفاسها في صدرها. كانت تتقاسم الفراغ الضيق مع كريس، رأسها مستند بعمق على كتفه، وذراعه القوية ملتفة حول خصرها بإحكام كأنها سياج حديدي لا يُخترق. هجمت عليها ذكريات اللحظات الأخيرة قبل النوم فجأة؛ تشبثها البائس به، توسلها بألا يبتعد، وتلك الحالة من الانهيار التام التي ألغت كل حدود بينهما. ارتفعت حرارة وجهها باحمرار قاتل وخجل هستيري كاد يعصف بقلبها، وأدركت حجم جرأتها السابقة. وبحركة سريعة ومحمومة، محاولةً الهروب من هذا الفخ الحميمي، حاولت سيلينا التملص من بين ذراعيه والابتعاد عنه بخفة لتبتعد عن الفراش. لكن، وقبل أن تتمكن من التحرك بوصة واحدة، شدد كريس قبضته حول خصرها بومضة عين واحدة، وجذبها إليه بقوة أكبر لتستقر ملتصقة بصدره مجدداً. فتح عينيه الداكنتين اللتين كانتا تراقبانها بص
استمرت سيلينا على حالها بين ذراعيه وقتاً طويلاً، تستمد من حرارة صدره طمأنينة كادت تفقدها بعد ليلة الجحيم المرعبة، بينما كان كريس يغرق في سكون اللحظة وأنفاسها المنتظمة التي بدأت تخفت تدريجياً مع هدوء عاصفة بكائها.وبعد ساعات، قرر كريس أن يحركها برفق لكي يرفعها عن فخذيه ويجعلها تستلقي براحة أكبر على الفراش الطويل. لكن ما إن شعرت سيلينا بمحاولته للابتعاد عنها أو تخفيف ذلك الالتصاق، حتى انقبضت ملامحها برعب خفي، وتشبتت بقميصه وعنقه بقوة وضعف شديدين، رافضة الابتعاد تماماً، لتهمس من بين أنفاسها المتقطعة بصوت واهن ومكسور:*"لا تبتعد..."*تسمّر كريس مكانه، واجتاحته موجة مباغتة من المشاعر الجارفة والغير مفهومة. نظر إليها وهي ترفض الابتعاد وتلصق نفسها به بهذا الشكل البريء والمنكسر فوق فخذيه، فشعر بقلبه ينقلب في صدره. انجرف تماماً مع تيار الوله والاشتياق الذي عصف به، وشعر برغبة عارمة لا تُقاوح في أن يضمها أكثر إلى صدره، وأن ينحني ليطبع قبلة عميقة وطويلة على شفتيها تمحو كل ذعر الليلة الماضية وتؤكد ملكيته المطلقة لها.اقترب بوجهه بالفعل، وتلامست أنفاسهما الساخنة في مساحة ضيقة تكاد تنعدم، وكان على و







