تسجيل الدخولساد صمت مشحون بالتوتر في الصالة السفلية، بينما واصلت سيلينا نزول آخر درجات السلم، تحاول إخفاء ارتعاش يديها واستعادة توازنها بعد تلك الدفعة المتعمدة من جينا. كانت نظرات كريس الثقيلة تلاحقها كالقيد، بينما انشغل جاكسون بإعداد بعض الأغراض في زاوية الصالة دون أن ينتبه للشرر المكتوم الذي يتطاير بين الحاضرين. كسرت جينا هذا الهدوء المشدود بابتسامة متصنعة ونبرة يملؤها الدلال، ملتفتة نحو كريس وجاكسون بثقة مستفزة: *"بما أننا سنغادر هذا المنزل الريفي ونعود اليوم، ما رأيكم أن نتناول فطورنا في المطعم المطل على الشاطئ القريب قبل الانطلاق؟ المكان ساحر في هذا الوقت من الصباح، وسيكون ختاماً لطيفاً لهذه الليلة!"* التفت جاكسون مبتسماً ومرحباً بالفكرة فوراً: *"أنا مع هذا الاقتراح تماماً، القهوة أمام البحر ستفي بالغرض لتعديل المزاج."* أما كريس، فظل واقفاً بكبرياء قاسم، يكتف يديه إلى صدره. لم يحول عينيه المظلمتين عن سيلينا التي كانت تقف منزوية ومكسورة الخاطر، ثم قال بنبرة جافة وقاطعة: *"لا بأس... نمر بالمطعم لبعض الوقت، وبعدها سأنطلق أنا وسيلينا فوراً إلى قصرنا اريد ان اطمئن على أمي."* اتسعت عين
كانت كل ثانية تمر في تلك العتمة كأنها دهرٌ كامل على سيلينا. كانت تلتصق بالسطح البارد للجدار خلف كريس، تحبس أنفاسها المذعورة حتى كادت حنجرتها تنفجر، بينما كريس يقف بصلابة كالجبل الصامد أمامه، يستغل ضخامة جسده ليداري وجودها بالكامل عن عيني جينا. اقتربت جينا خطوتين إضافيتين وهي تبتسم بنعاس وكسل، ثم مالت بظهرها على إطار باب المطبخ، وقالت بنبرة دافئة ومخملية تحاول استعادة بعض المودة بينهما: *"الأرق؟ أم أن عودتك إلى هذا المكان أحيت في رأسك ذكريات قديمة يا كريس؟ القهوة التي كنت أعدها لك هنا ليلاً... هل تذكرها؟"* لم يتزحزح كريس من موقعه إنشاً واحداً. ظلت ملامحه جامدة كالرخام، ونبرة صوته قاطعة وباردة كصقيع البحر في الخارج: *"الماضي لا يعني لي شيئاً يا جينا.. عدتُ فقط لأن المكان يحتاج إلى ترتيب، والانشغال يقطع التفكير. أظن أنه من الأفضل لكِ أن تعودي للنوم، فالطريق غداً سيكون طويلاً."* شعرت جينا ببرودة إجابته التي جرحت كبرياءها المتأنق، فضيقت عينيها بقليل من الاستياء، ثم أطلقت زفرة خفيفة وهي تلتفت راجعة نحو درجات السلم: *"كما تشاء يا كريس.. تصبح على خير."* صعدت جينا السلم ببطء، وظل صوت خط
خيم صمت خانق يقطع الأنفاس في ظلمة الممر، بينما كان كريس يطبق عليها بكامل ثقله وقربه المهيب. لم يدع لها كريس أدنى فرصة للتملص أو الهرب؛ إذ امتدت يده القوية بسرعة وثبات لتقبض على معصميها المرتجفين معاً، ورفعهما بخفة وحزم ليثبتهما فوق رأسها على الجدار الصلب، مقتحماً مساحتها بالكامل بضغط جسده القاسي والدافئ. انخفض برأسه نحوها أكثر، حتى أصبحت أنفاسه الحارقة والمضطربة تلف وجهها بالكامل، وثبّت عينيه المظلمتين في عينيها الغارقتين بالدموع دون أن يرف له جفن. وبصوت خشن، خفيض جداً، ويقطر بوعيد حار يزلزل أركان روحها، هدر مجدداً وهو يشد على معصميها فوق رأسها: *"سأسألكِ للمرة الأخيرة يا سيلينا... وأجيبي بوضوح دون تملص: حين قلتِ إنكِ لو ارتديتِ مثله لما تجرأ أحد على رفع نظره عنكِ... من قصدتِ بـ 'أحد'؟!"* ابتلعت سيلينا ريقها بصعوبة بالغة، وشعرت برعشة رهبة تجتاح أطرافها الباردة. كان قربه الخانق وقبضته المشتعلة على يديها يدفعان بقلبها لنبض متهور، لكن الحرقة والقهر المتراكمين في صدرها غلبا كل خوف. استجمعت أنفاسها المرتجفة، ونظرت في عينيه المظلمتين بكسرة خاطر وتحدٍّ منكسر، لترد بصوت خافت لكنه قاطع:
خيم سكون ثقيل ومحمل بالتوتر عقب تفجر تلك التلميحات الجريئة. استقام كريس في جلسته ببطء حذر، ونظراته المظلمة لم تحَد عن سيلينا لثانية واحدة، بينما واصلت هي القبض على كوبها المرتجف، تحاول استعادة أنفاسها وتدارك هول القنبلة التي ألقتها بوجهه للتو. وليكسر جاكسون ذلك الصمت الخانق، تحرك بقلة صبر متسائلاً عن ترتيبات النوم لهذه الليلة، خاصة أن المنزل الريفي القديم لم يكن مهيأً بجميع غرفه بعد. أفضى النقاش المقتضب إلى قرار سريع؛ أن تجتمع جينا وسيلينا في الغرفة المجهزة الوحيدة في الجناح العلوي، بينما يستقر كريس وجاكسون على الأرائك الجلدية الواسعة في الصالة الرئيسية لليلة واحدة ريثما تُجهز باقي أجزاء البيت. انتصفت الليلة، وكان الهدوء المخيف يلف أرجاء المنزل القابع فوق التل، لا يقطعه سوى صوت صفير الرياح الخفيفة القادمة من جهة البحر. في الغرفة العلوية، كانت جينا قد استغرقت في نوم عميق غير مكترثة بشيء. أما سيلينا، فكانت تتقلب على الأريكة الجانبية، يجافيها النوم وقلبها ينبض بخوف ومزيج من القهر والتوتر. شعرت بجفاف شديد يخنق حنجرتها، فتسللت ببطء شديد من تحت غطائها، وفتحت الباب بخفوت متجهة نحو المطبخ
مرّت الساعات ثقيلة ومشتعلة بالتوتر الخفي منذ ذلك الهروب المباغت لكريس من الغرفة الجانبية. كان قد ترك سيلينا تعيد ترتيب أنفاسها المكسورة وحدها، محاولةً لملمة بقايا كبريائها ومحو أثر تلك الدموع التي أوشكت على فضيحة ضعفها أمامه.ومع حلول العصر، كانت أشعة الشمس المائلة تلقي بظلالها الدافئة على باحة المنزل الخلفية، بينما ينساب نسيم البحر البارد ليمتزج برائحة العشب المبلل وصقيع أكواب العصير المثلجة الموضوعة على الطاولة الخشبية المنخفضة.كان جاكسون متسطحاً بكسل على إحدى الأرائك الجلدية، ألقى بذراعيه خلف رأسه، بينما عيناه تتبعان بفضول عابر الحركة القادمة من جهة الباب الداخلي. أما كريس، فكان يجلس قبالته بظهر مستند إلى الأريكة، يضم يديه إلى صدره بملامح جامدة، يحارب صراعاً داخلياً عنيفاً يحاول فيه بكل قوته إبقاء ذلك السور القاسي بينه وبين سيلينا كي لا يضعف أمام هشاشتها ورقتها التي تكاد تقتله.على حين غرة، خرجت جينا من الجناح الداخلي متجهة نحوهم. كانت ترتدي ثوباً قصيراً للغاية وجريئاً، يظهر أكثر مما يخفي، وتتعمد التباعد في مشيتها بتبختر ودلال، مستعرضة تفاصيل قوامها بلا أدنى خجل وكأنها تحاول استما
أكملت سيارة جينا طريقها الصاعد ببطء بين التلال المنعزلة، حتى استقرت أخيراً في باحة أمامية مرصوفة بالحصى تحيط بمنزل ريفي قديم وواسع يطل على البحر من علٍ. وما إن توقفت المركبة وترجل الجميع، حتى تحركت جينا بسلاسة وثقة نحو كريس، وبحركة عفوية مألوفة، رفعت يدها لتعدل ياقة سترته الثقيلة بخفة، وابتسمت له بدلال ملحوظ وهي تميل برأسها قائلة بصوت مخملي: *"يبدو أن رياح السفر قد أرهقتك يا كريس.. ادخل، سأعد لك قهوتك المفضلة كما كنت تحبها تماماً."* وقفت سيلينا على مقربة منهم، وشعرت بأن وميضاً من النار قد لُفّ حول قلبها. كانت تتابع تلك اللمسات القريبة وجرأة جينا الواضحة في التعامل مع كريس وكأنها تملك حقاً خاصاً به، بينما هو لا يتحرك ليبعدها ولا يبدي أي انزعاج من هذا القرب المبالغ فيه! اشتعلت الغيرة الصامتة في صدر سيلينا، وتضاعفت نبرة الانزعاج الحارق في داخلها؛ كيف له أن يقسو عليها هكذا ويبقيها في مهب التجاهل، بينما يقف ليتقبل دلال امرأة أخرى وابتساماتها بكل رحابة صدر؟! لاحظ جاكسون ذلك التوتر الشديد الذي يعتصر ملامح سيلينا، فاقترب منها بخطوات هادئة ليهمس بخفوت ولباقة: *"تعالي معي يا سيلينا، د







