تسجيل الدخولكانت خطوات كريس تحفر في الثلج بقوة كأنها تطحن الأرض. لم يترك لنفسه مجالاً للتفكير أو لوم النفس؛ فكل ما كان يملأ عقله الآن هو صورة غيابها، وصوت الباب الخلفي المكسور الذي يثبت خطأه الكبير عندما تركها وحدها. خلفه مباشرة، كان جاكسون يركض بسرعة بين الأشجار المتجمدة، وصوت أنفاسه يختلط بصفير الرياح الباردة. صرخ جاكسون بصوت حاد ليسمعه كريس وسط العاصفة: *"إلى أين برأيك يأخذونها؟! الأثر يذهب نحو الشمال الغربي نحو المستنقعات، أليس كذلك؟!"* توقف كريس لثانية واحدة، وانحنى فوق الثلج ليتفحص آثار الأقدام بعناية. كانت الآثار واضحة: شخصان يحملان شيئاً خفيفاً، وثالث يمشي أمامهما ليمسح الآثار. اشتعلت عيناه بغضب شديد، ونفخ هواءً حاراً اختلط ببرد الشتاء. وقف ببطء، ونظر نحو ظلمة الغابة، وقال بصوت خشن ومليء بالوعيد: *"لا، هم لا يذهبون إلى المستنقعات... بل يتجهون نحو معسكر المرتزقة في الوادي. هذه خدعة مدبرة، وكانوا يراقبوننا طوال الوقت!"* رفع سلاحه وشد حزامه، ثم قال بجدية تامة: *"تحرك يا جاكسون ولا تتوقف. إن أذَوْا شيئاً منها، فسأدمرهم عن آخرهم!"* وفي نفس الوقت، داخل كوخ صغير وقديم تغطيه الثلو
مرت دقائق معدودة ثقيلة كصخرة ملقاة على الصدر، عاد بعدها كريس بخطواته الثقيلة والعنيفة نحو البيت الحجري. كانت أعصابه قد بدأت تهدأ قليلاً بعد أن جاب المحيط الخارجي وأفرغ جزءاً من غضبه في صقيع الليل، لكن شعوراً غريباً وخفياً من القلق بدأ يتسلل إلى صدره، وكأن هاجساً أسود يخبره بأن شيئاً ما قد غير مجرى اللحظة. توقف أمام الباب الخشبي للغرفة، ونفخ هواءً ساخناً من أنفه قبل أن يمد يده ليفتحه، متوقعاً أن يراها مستغرقاً في نومها كما تركها. دفع الباب بهدوء، وقال بصوت منخفض، خشن، ومتبوع ببقايا تذمره: *"سيلينا... هل ما زلت نائمة أم أنك..."* تجمعت الكلمات في حنجرته وتسمّر في مكانه وكأن صاعقة قد ضربت رأسه. كانت الغرفة فارغة تماماً. الوسادة مبعثرة، والمعطف السميك ملقى بعناية مهملة على حافة الأريكة الباردة، بينما كانت الكمادة الدافئة التي وضعها لها قبل قليل قد فقدت حرارتها بالكامل. لم يكن هناك سوى سكون قاتل وفراغ مرعب يصرخ بغيابها. شعر كريس بدمائه تتجمد في عروقه، وانقبضت ملامحه بوحشية مطلقة. تقدم بخطوات جنونية نحو وسط الغرفة، والتفت يميناً ويساراً وكأنه يرفض تصديق ما تريه عيناه، لتقع بصره فجأة عل
خرج كريس من الغرفة بخطوات ثقيلة وعنيفة، يجر خلفه غضباً مكبوتاً وتذمراً لا يزال يغلي في صدره. كان ينفخ بضيق شديد، متمتماً بصوت عالٍ نسبياً بعبارات ساخطة حول العناد، والرفض، وتلك اللحظة الحمقاء التي ترك فيها زمام الأمور لجاكسون. وفي الخارج، كان جاكسون يقف بالقرب من حافة البيت الحجري، متكئاً بظهره على الجدار الحجري البارد، يلف سيجارة ببطء ويدخنها بصمت. وما إن سمع صوت خطوات كريس ووجده يخرج متجهم الوجه، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة. التفت جاكسون إليه وقال بتهكم مرح وهو ينفث الدخان: *"أوه... ها قد خرج الأسد الغاضب! هل طردتك الأميرة الصديقة أم أنك قررت الانسحاب بكرامتك؟"* تسمّر كريس مكانه، واشتعلت عيناه الداكنتان بشرارة قاتلة. انقبضت فكوكه بعنف، وتقدم نحو جاكسون بخطوات مرعبة، مقاطعاً سخريته بصوت أجش يفيض بالوعيد: *"أقسم أنك لو فتحت فمك بحرف واحد إضافي، فلن تجد طريقتك للعودة سليماً يا جاكسون... اغرب عن وجهي فوراً!"* رفع جاكسون يديه باستسلام مسرحي وهو يبتسم ببرود: *"حسناً، حسناً! أنا ذاهب لتفقد المحيط الخلفي للبيت لعل الهواء البارد يهدئ أعصابك المحترقة!"* استدار جاكسون وابتعاد بخ
غادر جاكسون الغرفة وهو يبتسم بتهكم خفيف، وأغلق الباب خلفه بإحكام ليعود السكون الثقيل المطبق إلى أرجاء البيت الحجري. التفت كريس ببطء نحو سيلينا. كانت لا تزال مستلقية على الأريكة، تنفست بصعوبة وقد غطى وجهها شحوب ناتج عن الألم الشديد والخجل. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثم جلس على حافة الأريكة بجانبها، وظل صامتاً لثوانٍ يراقب ملامحها المجهدة، وعيناه الداكنتان تشتعلان بتركيز حاد ومريب. انحنى ببطء نحوها، وبنبرة هادئة جافة، لكنها تقطر استجواباً، سألها بصوت خافت: *"أعجبكِ ما قاله... أليس كذلك؟"* رمشت سيلينا بعينيها المدمعتين باستغراب، ولم تكد تفهم مقصده أو تفتح فمها لترد، حتى بدأ التوتر ينفجر في صدره دفعة واحدة، لتتغير نبرته فجأة وتتحول إلى انفعال حاد وغضب عارم غير منطقي. جلس بجلسة مشدودة وعقد يديه أمام صدره بقوة، وجبينه معقود بضيق شديد وهو يقول بنبرة متذمرة وسريعة: *"بالتأكيد أعجبكِ! ألم تسعدي بحضوره وهو يلقي محاضراته البلهاء أمامي ويستعرض معرفته بهذه التفاصيل؟! ولماذا جاء أصلاً بهذه الطريقة السخيفة؟ هل يظن نفسه الوحيد الذي يعرف كيف يتصرف؟ ولماذا يقف هناك ويبتسم بتلك الابتسامة المست
مع خيوط الفجر الأولى التي تسللت شاحبة عبر شقوق النوافذ الخشبية، كان الصقيع الخارجي يشتد، بينما ساد سكون ثقيل أرجاء البيت الحجري المعزول. فتحت سيلينا عينيها ببطء، وما إن حاولت التحرك، حتى داهمتها موجة مرعبة وثقيلة من أعراض ما قبل الدورة؛ دوخان وغثيان وتشنجات حارقة تجتاح أسفل بطنها. أطلقت أنّة خافتة وانكمشت على نفسها، بينما غطى العرق البارد جبينها. في تلك اللحظة، كان جاكسون يقف غير بعيد، وما إن لاحظ حالتها حتى هرع نحوها بعفوية تامة وتطفل مزعج: *"يا إلهي... هل تبدو بهذا السوء؟ ما هذا الشحوب؟ هل أحضر لكِ شيئاً من الحقيبة أو أسأل كريس عن دواء؟"* تحت إلحاحه، شعرت سيلينا بالخجل لدرجة أنها لم تستطع رفع رأسها، وتجمعت الدموع الساخنة في عينيها قهراً. فجأة، تحرك كريس كالإعصار، ووقف بينهما دافعاً جاكسون للوراء بنظرة نارية خرساء جعلته ينسحب للخارج فوراً. اقترب كريس من سيلينا، وبحركة حادة وعملية، أجبرها على الاستلقاء باسترخاء على الأريكة، ثم لفها بالمعطف السميك بإحكام، موفراً لها درعاً من الدفء والخصوصية. خرج كريس بسرعة نحو محيط المنزل، وعاد بعد دقائق يحمل في يديه ما وجده بعجالة: فوطاً صحية، م
تناولت سيلينا قطعة الخبز المغموسة بالمعلبات من يده بصمت، وكانت أصابعها الباردة تلامس أنامل كريس الخشنة للحظات وجيزة، سرعان ما سحبتها بخجل وهي تخفض عينيها نحو الأرض. بدأت تأكل ببطء لتستعيد قوتها، بينما كان الدفء الخفيف للمعلبات يبث شيئاً من الحياة في أطرافها المرتجفة. راقبها كريس وهي تبتلع لقمتها الأولى، وراح يدقق بصمت في تفاصيل يديها؛ كيف كانت أصابعها الناعمة والدقيقة تبدو شديدة الصغر والشحوب مقارنة بيده الضخمة والمليئة بندوب المعارك. شعر بتباين صارخ وغريب بين حجمها وهشاشتها وبين قسوة العالم الذي جرهما إليه، وكأن تلك اللقمة الصغيرة التي تتناولها تفضح مدى كسرها وعمق حاجتها للأمان. وحين انتهت من تناول قسط يسير، التفتت إليه بعينين مترددتين ومحملتين برغبة خفية في مبادلته الاهتمام. مدت يدها المرتجفة بقطعة خبز صغيرة مغموسة نحو فمه، وقالت بصوت خفيض يكاد يضيع: *"كُل أنتَ أيضاً... لم تأكل شيئاً طوال اليوم."* تجمّد كريس مكانه للحظة تحت وقع حركتها المفاجئة وغير المتوقعة. عقد حاجبيه باستغراب حاد، وعلت ملامحه نظرة حيرة صامتة وهو يراقب يدها الممدودة نحوه وكأنه لم يصدق أنها تفكر في إطعامه وسط كل







