Share

الفصل السادس: ثَمَنُ الصَّمْت

Author: سديم
last update publish date: 2026-10-14 08:03:49

جاءني صوتُ منصور عبر سماعة الهاتف جافاً، ثقيلاً، ويقطر ببرودٍ وتهربٍ لم يجتهد في إخفائه أو تغليفه بأي لباقة:

"يا أهلاً بالصحفية العظيمة.. ما زلتِ تتذكرين أرقامنا إذن؟ ظننتُكِ نسيتِ أرض الواقع والتعب في الأزقة، وأنتِ تجلسين على كرسيكِ الفاخر خلف مكتبكِ المكيّف."

​تجاهلتُ أسلوبه المائع والتهكمي بصرامة، ورددتُ عليه بنبرة جافة، رسمية، وحازمة لا تحتمل المماطلة:

"اعتدتُ ألا أضيع وقتي في الجدال والمهاترات يا منصور. دعنا في المهم ونخلّص الكلام.. إلى أين وصلتَ في البحث والتتبع الميداني بعد أن أُغلقت التحقيقات الرسمية وأُودعت في الأرشيف؟"

​ساد الصمتُ من جانبه لثانيتين طويلتين، قبل أن يطلق زفيراً حاداً ومزعجاً عبر السماعة ينبئ بضيق صدره، ثم قال بنبرة مستخفة تحمل نصيحة ملغومة:

"نصيحة لوجه الله يا آنسة يارا.. انسي هذا الملف واطويه فوراً. ابحثي لكِ عن قصة ناعمة، قضية رأي عام خفيفة تنشرينها في الجريدة وتكسبين بها إعجاب القرّاء. هذه القضية تحديداً ليست مقاسكِ، واللعب فيها يشبه المشي في حقل ألغام."

​قبضتُ على الهاتف بكلتا يديّ بقوة حتى اببيضّت مفاصلي، ووقفتُ في مكاني وسط ممر الجريدة، وقلتُ بحزم يناطح جدار صلفه:

"لماذا؟ ما الذي تغير حتى تراجعتم جميعاً وتملككم الخوف؟ أنتَ تعرفني جيداً ولستُ ممن ينسحبون عند أول عثرة!"

​تنهد منصور بتوتر خفي هذه المرة، وخفتت نبرة صوته لتصبح حذرة ومريبة كأنه يخشى الجدران من حوله:

"هل تتذكرين ذلك الصديق الذي استدرج الولد المسكين، وكان السبب المباشر في كل ما حدث له حتى أُلقي به خلف القضبان بحكم المؤبد؟ أنتِ لا تعرفين من يكون والده في الحقيقة يا يارا.. ولا تدركين حجم النفوذ الذي تحرك في الخفاء للتضحية بهذا الشاب ككبش فداء."

​توقفتُ عن الحركة لبرهة، وشعرتُ ببرودة تسري في جسدي، فسألته بفضول حاد وعينين متسعتين:

"ومن يكون والده؟ انطق ولا تتلاعب بالألفاظ!"

​أجاب منصور بصوت خفيض جداً يقطر بالرعب الحقيقي:

"شخصٌ يكفي اسمه وحده ليتطاير الرعب في قلوب الكبار، ويُغلق ملفات ومؤسسات أكبر بكثير من ملفكِ هذا دون أن يجرؤ أحد على السؤال." صمت لثانية أليمة، ثم أردف بثقل يزن جبالاً: "إنه الراوي."

​وقع الاسم على مسامعي كالصاعقة، لكنه لم يكسر شجاعتي بل زادني إصراراً. قاطعته بقسوة وشددتُ على كل حرف بنبرة قاطعة:

"لن أتوقف هذه المرة يا منصور، ولن يرعبني اسم الراوي ولا غيره من القوى النافذة في الظلام! لن أقبل أبداً أن يظل فتى بريء يتعفن في السجن ويضيع شبابه لمجرد أن الجميع خائفون ومجبناء! ابحث أكثر عن هذا الاسم وعلاقة ابنه بالقضية، وأريد كل معلومة وثيقة، مهما صغرت، تخص تلك الليلة. تواصل معي فور أن تجد شيئاً قاطعاً!"

​أغلقتُ الخط في وجهه بحدة دون أن أنتظر رده أو أعطيه مجالاً للانسحاب.

​كنتُ أقف على رصيف الشارع المقابل لمبنى الجريدة، والهواء البارد يلفح وجهي المشتعل بالغضب. رفعتُ يدي وأشرتُ لسيارة أجرة صفراء مرّت بالصدفة، وقفت فوراً وصعدتُ إلى المقعد الخلفي وأنا ألهث من فرط الانفعال.

​وفي الخلفية، وعلى بعد مسافة محسوبة بعناية، تحركت سيارة سوداء فخمة ذات زجاج معتم للغاية؛ كانت تجلس في عتمة الشارع كظلٍ مفترس، ثم بدأت تتبع سيارة الأجرة ببطء وريبة وخطى متزنة دون أن ألاحظ وجودها أو أدرك أن عيوناً شحيحة كانت تراقبني منذ لحظة خروجي.

​بعد نصف ساعة من السير بين الطرقات المزدحمة ثم الأزقة الضيقة المتشابكة، نزلتُ أمام منزل قديم في أطراف الحي المنسي، حيث المباني المتهالكة والجدران المتآكلة.

​وقفتُ أمام الباب الخشبي المتهالك، وترددتُ للحظات طويلة قبل أن أمد يدي. أخذتُ نفساً عميقاً يهدئ اضطراب صدري ودقات قلبي المتسارعة، ثم جمعتُ شجاعتي ودققتُ الباب ثلاث طرقات متتالية.

​مرت لحظات صمت ثقيلة، ثم فُتح الباب ببطء وصفير حاد. أطلت عليّ امرأة في الخمسينيات من عمرها.. لكن الشحوب والألم كذّبا سنّها الحقيقي. لقد تغيرت ملامحها تماماً عن آخر مرة رأيتها فيها في المحكمة قبل عامين؛ ذبل وجهها بالكامل، نحف جسدها بصورة مرعبة حتى برزت عظامها، واكتسى شعرها بالبياض الناصع كأنها كبرت عقوداً طوالاً في هذه الفترة الوجيزة. كان البيت خلفها يتردد فيه صمتٌ كئيب وموحش يشبه الخرابة المهجورة.

​نظرت إليّ باستغراب وجفون ثقيلة أرهقها السهر والدموع:

"من؟ يارا؟.. لماذا أنتِ هنا في هذا الوقت؟"

​قلتُ لها بلطف ورقة، محاولةً الابتسام بتهذيب: "هل يمكنني الدخول يا سيدة؟ جئتُ لأمر يهمكِ كثيراً."

​تأملتني قليلاً بنظرات فارغة خالية من أي بريق، ثم تنحت جانباً بشبح حركة وسمحت لي بالدخول. توجهنا نحو طاولة خشبية صغيرة ومتآكلة في المطبخ الصغير. كان الهواء داخل المنزل مشبعاً برطوبة خانقة وسكون حزين يربض على الصدور.

​نظرتُ إليها، وقُلت بنبرة صادقة يغلفها الشعور الجارف بالذنب والندم القديم:

"أنا آسفة جداً لأنني لم أستطع مساعدتكِ في ذلك الوقت القاسي.. حاصروني وأغلقوا أمامي الأبواب، لكنني الآن أصبحتُ أكثر قوة ومستعدة للتحدي، وجئتُ لنكمل ما بدأناه ونعيد فتح القضية من جديد."

​نظرت إليّ المرأة مطولاً، ملامحها لم تتحرك شبراً واحداً ولم تتأثر بكل كلماتي، ثم قالت بنبرة هادئة، ميتة، تتجرد كلياً من أي حياة:

"لا داعي للأسف، ولا أريد مساعدتكِ يا ابنتي.. أشكركِ لأنكِ ما زلتِ تتذكرينني وتتذكرين ابني وتطرقين بابنا، لكن—"

​قاطعتها بسرعة وإصرار، وأنا أمد يدي نحو يدها المرتعشة: "لا يا سيدة! هذه المرة أنا قادرة على الوصول للفاعل الحقيقي وفضحه في العلن! أنا عرفتُ السبب الجوهري وراء التعتيم.. عرفتُ أن سبب صمت الشرطة والقضاء وعرقلة التحقيقات هو عائلة الراوي! هم من حرضوا الجميع وضغطوا على النيابة لتلفيق التهمة لابنكِ وتبرئة ابنهم—"

​"وما فائدة الحقيقة الآن؟!!"

​انفجرت المرأة فجأة بصراخ مدوٍّ ومرعب هز جدران المطبخ المظلم وأصداء البيت! وقفت من مكانها بعنف دفعت به الطاولة، وهي تضرب صدرها بيديها بحرقة وفجيعة تمزق الأكباد، بينما امتلأت عيناها الغائرتan بالدموع والقهر الساطع:

"لقد حاربتُ لسنوات! صرختُ في كل مكان وأخبرتُ الجميع أن ابني مظلوم ونظيف اليدين.. الشرطة، القضاء، وحتى الصحافة والإعلام! الكل صمت وتجاهلني ورماني كأنني مجنونة.. والآن تتذكرين الحقيقة؟ هل ستغير الحقيقة شيئاً الآن؟! هل ستُرجع لي شيئاً خسرتُه من روحي ودمي؟!"

​صدمتني حدة انفعالها وصراخها الذي ينزف وجعاً، فدفعتُ الكرسي للخلف ووقفتُ أستعطفها بقوة ودموعي تترقرق في عينيّ:

"أرجوكِ اهدئي! أنا هنا لنصنع الموقف ونعيد المحاكمة ونسجن من ظلم ابنكِ حقيقة! سنخرجه من السجن مرفوع الراس وأمام الجميع!"

​توقفت المرأة عن الصراخ فجأة كأنما صُعقت. انقطعت أنفاسها المتلاحقة، وصمتت لثوانٍ بدت أطول من الأبدية.. نظرت إليّ بنظرة ميتة يقتلها الجفاف والعدم، خالية من أي أمل أو رجاء، ثم قالت بنبرة خفيضة كالهسيس الخافت، لكنها قطعت قلبي وقسمته كالسيف الحاد:

"عن أي سجن تتحدثين يا يارا؟.. ابني مات داخل سجنهم الشهر الماضي."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زجاجُ الغضب حين يظنّ الصيّاد أن الفريسة لن تكسر قفصه.    ​الفصل السابع: صدى العُزلة وجمود اللعبة

    عبرت نبرة المرأة أذنَيّ كالموسى الصدئة، جافة، محطمة، ويقودها يأس مطلق وهي تواصل صراخها بصوتٍ مخنوق مزق نياط قلبي:"نعم.. ابني مات! ابني انتحر! لا أعلم ماذا فعلوا به هناك في عتمة زنازينهم.. في كل مرة كنتُ أزوره، كنتُ أجد جسده طافحاً بالكدمات والآثار الداكنة، وعيناه مطفأتان كمن يعيش في الجحيم! ابني الوديع الذي كان يرتجف خوفاً لو جرحت إصبعه، أقدم على قتل نفسه لكي يتحرر من عذابهم وقسوتهم! حرموني منه.. حرموني من كل ما أملك في هذه الدنيا، والآن.. لا أريد شيئاً من هذا العالم بأسره!"لم أستطع استيعاب وقع الكلمات. شعرت وكأن صاعقة قد هوت على رأسي فأفقدتني القدرة على النطق أو الحركة. وققبل أن أستجمع قواي، امتدت يدها النحيلة والمرتعشة لتنقبض على ذراعي بقوة يائسة ومجنونة، وجرتني نحو العتبة الخارجية للباب، ثم دفعتني بقسوة إلى الشارع المظلم وهتفت بنشيجٍ مبحوح يقطر بالمرارة:"اخرجي! لا أريد رؤية أحد منكم.. لا صحافة ولا عدالة وهمية!"انغلق الباب الخشبي بوجهي بصدمةٍ مدوية ارتدت أصداؤها في صدري وكأنها طعنة خنجر. وقفتُ مسمرةً على الرصيف البارد، والدموع الغزيرة تتجمع في عينيّ لتعتم رؤيتي تماماً. انحنيتُ ب

  • زجاجُ الغضب حين يظنّ الصيّاد أن الفريسة لن تكسر قفصه.    الفصل السادس: ثَمَنُ الصَّمْت

    جاءني صوتُ منصور عبر سماعة الهاتف جافاً، ثقيلاً، ويقطر ببرودٍ وتهربٍ لم يجتهد في إخفائه أو تغليفه بأي لباقة:"يا أهلاً بالصحفية العظيمة.. ما زلتِ تتذكرين أرقامنا إذن؟ ظننتُكِ نسيتِ أرض الواقع والتعب في الأزقة، وأنتِ تجلسين على كرسيكِ الفاخر خلف مكتبكِ المكيّف."​تجاهلتُ أسلوبه المائع والتهكمي بصرامة، ورددتُ عليه بنبرة جافة، رسمية، وحازمة لا تحتمل المماطلة:"اعتدتُ ألا أضيع وقتي في الجدال والمهاترات يا منصور. دعنا في المهم ونخلّص الكلام.. إلى أين وصلتَ في البحث والتتبع الميداني بعد أن أُغلقت التحقيقات الرسمية وأُودعت في الأرشيف؟"​ساد الصمتُ من جانبه لثانيتين طويلتين، قبل أن يطلق زفيراً حاداً ومزعجاً عبر السماعة ينبئ بضيق صدره، ثم قال بنبرة مستخفة تحمل نصيحة ملغومة:"نصيحة لوجه الله يا آنسة يارا.. انسي هذا الملف واطويه فوراً. ابحثي لكِ عن قصة ناعمة، قضية رأي عام خفيفة تنشرينها في الجريدة وتكسبين بها إعجاب القرّاء. هذه القضية تحديداً ليست مقاسكِ، واللعب فيها يشبه المشي في حقل ألغام."​قبضتُ على الهاتف بكلتا يديّ بقوة حتى اببيضّت مفاصلي، ووقفتُ في مكاني وسط ممر الجريدة، وقلتُ بحزم يناطح

  • زجاجُ الغضب حين يظنّ الصيّاد أن الفريسة لن تكسر قفصه.    ​الفصل الخامس: صَدَى البَرَاءَة

    كان الهدوءُ الثقيل يلفّ أرجاء مكتبي الصغير، ولا يكسره سوى صوت تقليب الأوراق الجافة والهمهمات الخافضة للزملاء في الصالة الخارجية للجريدة.​جلستُ أغوص بين ملفات وتحقيقات مبعثرة أمامي، أتمعن بتركيز شديد في التفاصيل والأسماء المدونة بخط اليد على الحواشي. ومع كل صفحة أطويها، كان صوتٌ قديم يتسلل إلى رأسي، يعيدني رغماً عني عبر شريط الذاكرة إلى ما قبل سنتين.. وتحديداً إلى ذلك اليوم الصيفي الملتهب في أروقة المحكمة.​كانت الأجواء حينها مشحونةً بالتوتر والترقب، ورائحة الرطوبة والورق القديم تختلط بأنفاس الحاضرين المكتومة. قاعة الجلسات تغصّ بالحضور، والعيون كلها شاخصةٌ نحو المنصة العالية. وعندما اعتلى القاضي منصته وساد صمتٌ مريب، رفعتُ قلمي لأدوّن تفاصيل التغطية الصحفية.​لم يتأخر الحكم؛ وبنبرة صارمة وحاسمة شقت الصمت، نطق القاضي بحكم السجن المؤبد على المتهم.. كان شاباً مسكيناً وطالباً جامعيّاً في العشرين من عمره، يقف في قفص الاتهام بملامح شاحبة وعينين تائهتين تصرخان بالانكسار.​في تلك اللحظة بالذات، تمزق سكون القاعة بصراخٍ مأساوي يفتت الصخر! انهرت والدته على الأرض وهي تتلفع بوشاحها، تصرخ بنشيج خنق

  • زجاجُ الغضب حين يظنّ الصيّاد أن الفريسة لن تكسر قفصه.    الفصل الرابع: ظِلالُ اللّعبة

    مكتبٌ ضخمٌ تعلوه الفخامة، يتوسطه أثاثٌ راقٍ من الخشب الداكن العتيق وإضاءةٌ خافتة توحي ببرودة المكان وسطوته. كانت الرائحة المزجية لرائحة التبغ المعتّق والجلد الفاخر تتضوع في أرجاء الغرفة، ممتزجةً برائحة الخوف الشديد التي خنقت الأنفاس.كان آسر يجلس بأريحية تامة على أريكة جلدية سوداء كبيرة، يمسك سيجارته ببرود بين أصابعه التي لطختها بضع قطرات داكنة من الدماء. لم تكن دماءه، بل كانت أثراً خاطفاً لمواجهة حاسمة تجري أمامه.على مسافة خطوتين منه، كان رجلان من حراسه أشداء البنية يمسكان برجل ثالث جاثٍ على الأرض بكلتا ركبتيه؛ وجهه مشوهٌ كلياً بفعل اللكمات، وملابسه المهلهلة ملطخة بالدماء، يرتجف بجسده كاملاً من أثر الضرب المتواصل والذعر الذي تملكه.نظر آسر ببرود جليدي إلى الرجل المرمي عند قدميه، وعيناه الثاقبتان تنضحان بهيبة مظلمة لا ترحم. أشار لحارسيه بيده حركة خاطفة:"قربوه."سحبه الحارسان بقسوة وقرباه حتى صار رأسه تحت قدم آسر مباشرة. وضع آسر طرف حذائه اللامع على جانب وجه الرجل بثبات وثقل خفيف، ثم قال بنبرة خفيضة، هادئة، لكنها تطفح بسلطة مطلقة وثقة تتجاوز الحدود:"هل تظن نفسك ذكياً يا هذا؟ هل ظننت

  • زجاجُ الغضب حين يظنّ الصيّاد أن الفريسة لن تكسر قفصه.    الفصل الثالث: رمادُ اليوم الطويل

    جلسنا على الأريكة المريحة في زاوية الصالة الداكنة. كانت أمي تجلس إلى جواري، تقدم لي كوب ماءٍ بارد وعيناها تمتلئان بالقلق والأسئلة الحائرة:"ما بكِ يا يارا؟ ما الذي حدث حتى تعودي بهذه الحالة؟"أخذتُ الكوب بيدين ترتجفان، ورشفتُ منه جرعة صغيرة وأنا أحاول جمع شتات نفسي وتسكين روعها. لم أرد أن أخيفها أو أحمّلها فوق طاقتها. أغمضتُ عينيّ لثانية وابتلعتُ غصّتي، ثم التفتُّ إليها بنبرة حريصة على الثبات:"لا شيء يا أمي.. فقط يوم طويل وصعب، واكتمل بحادث سير بسيط وأنا عائدة."شهقت أمي، وقفزت من مكانها لتقترب مني أكثر، تدور حول الأريكة وتتفحص كتفي ووجهي بيدين مرتعشتين:"حادث؟ يا إلهي! هل أصابكِ شيء؟ أين السيارة؟"مسكتُ يديها لأهدئها: "أنا بخير والحمد لله، لم يصبني سوى بعض الرضوض الخفيفة. السيارة تضررت قليلاً من الخلف، لكن الأمر بسيط."سردتُ لها ما حدث باختصار، وتجنبتُ تماماً ذكر تفاصيل المشادة، أو الشيك الممزق، وتلك الصفعة التي ما زالت كفي تحتفظ بحرارتها حتى اللحظة. بقينا نتحدث قليلاً وهي تطمئن عليّ وتسقيني مشروباً عشبيّاً دافئاً، حتى انسحبتُ ببطء نحو غرفتي بعد أن هدأت أنفاسها.دخلتُ غرفتي المظلمة،

  • زجاجُ الغضب حين يظنّ الصيّاد أن الفريسة لن تكسر قفصه.    الفصل الثاني: حدُّ الصفعة

    وقف أمامي بسكون مستفز. كان أطول مما ظننت، ويلتفّ بهدوء لا يناسب الشارع المزدحم من حولنا ولا صرير الفرامل الذي ما زال يتردد في أذني.نظرتُ إليه بحدة، واستجمعتُ ما تبقى من قواي لأهتف في وجهه:"أين كنت تنظر؟ انظر ماذا فعلت بسيارتي!"لم يرد. لم ترفّ له عين، ولم يكلف نفسه حتى عناء النظر إلى واجهة سيارتي المهشمة. ببرود قاتل، مدّ يده إلى الجيب الداخلي لسترته الداكنة، وأخرج دفتر شيكات وقلمًا أنيقًا. فتح الدفتر، وبدأ يكتب الأرقام بثبات، كأنه يوقع على ورقة عمل عادية في مكتبه.تسمّرتُ مكاني. نظرتُ إلى يده ثم إلى وجهه بتعجب وذهول، وسألتُه وأنا أشعر بالدوار من تصرفه:"ماذا تفعل؟"أنهى الكتابة، ثم مزق الشيك ببطء، ورفعه بين أصابعه ليقدمه لي. رفع عينيه ونظر في عينيّ مباشرة، وتحدث لأول مرة بصوت ثابت، عميق وبارد:"أكتب لكِ شيكًا لتعويض الأضرار."في تلك اللحظة، بلغتُ الحد الأقصى من التعب والغضب. يومٌ طويل لم يترك مني شيئًا؛ إهانة عصمت، تهديد طارق، خسارة عملي، والألم الحارق الذي بدأ يشتد في فكي وعنقي. وهذا الرجل يظن أن العالم كله يُحلّ بفركة كعب من قلمه.صرختُ في وجهه بكل ما أوتيت من قهر:"ومن طلب منك ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status