Masukكان الهدوءُ الثقيل يلفّ أرجاء مكتبي الصغير، ولا يكسره سوى صوت تقليب الأوراق الجافة والهمهمات الخافضة للزملاء في الصالة الخارجية للجريدة.
جلستُ أغوص بين ملفات وتحقيقات مبعثرة أمامي، أتمعن بتركيز شديد في التفاصيل والأسماء المدونة بخط اليد على الحواشي. ومع كل صفحة أطويها، كان صوتٌ قديم يتسلل إلى رأسي، يعيدني رغماً عني عبر شريط الذاكرة إلى ما قبل سنتين.. وتحديداً إلى ذلك اليوم الصيفي الملتهب في أروقة المحكمة. كانت الأجواء حينها مشحونةً بالتوتر والترقب، ورائحة الرطوبة والورق القديم تختلط بأنفاس الحاضرين المكتومة. قاعة الجلسات تغصّ بالحضور، والعيون كلها شاخصةٌ نحو المنصة العالية. وعندما اعتلى القاضي منصته وساد صمتٌ مريب، رفعتُ قلمي لأدوّن تفاصيل التغطية الصحفية. لم يتأخر الحكم؛ وبنبرة صارمة وحاسمة شقت الصمت، نطق القاضي بحكم السجن المؤبد على المتهم.. كان شاباً مسكيناً وطالباً جامعيّاً في العشرين من عمره، يقف في قفص الاتهام بملامح شاحبة وعينين تائهتين تصرخان بالانكسار. في تلك اللحظة بالذات، تمزق سكون القاعة بصراخٍ مأساوي يفتت الصخر! انهرت والدته على الأرض وهي تتلفع بوشاحها، تصرخ بنشيج خنقته العبرات: "ابني مظلوم! أقسم لكم أمام الله.. ابني مظلوم!" انتهت الجلسة وتفرّق الجميع، لكن تلك المرأة بقيت جاثية على الرصيف الحجري البارد أمام مبنى المحكمة الضخم، منهارةً تماماً وتنتحب من قعر روحها المفجوعة. اقتربتُ منها بخطوات متريثة وقلبٍ يعتصره الألم، وجلستُ على ركبتيّ بجوارها، ثم قلتُ بنبرة هادئة تحاول بث الأمان: "سيدتي.. أنا يارا، صحفية تحريات. هل يمكنكِ الحديث معي؟" ما إن سمعت كلمة "صحفية" حتى انتفضت ونظرت إليّ بعينين حمراوين يملؤهما التوسل والرجاء الشديد، وأمسكت بتلابيب سترتي بكل ما تبقى لها من قوة: "ابني مظلوم يا ابنتي! أقسم لكِ إنه لم يفعلها!" سألتُها وأنا أحاول العثور على خيط متين أبدأ منه: "اشرحي لي أكثر.. هل لديكِ أي دليل قاطع يُثبت براءته أمام القانون؟" انهمرت دموعها بغزارة وحركت رأسها بنفي يائس: "ليس لدي دليل ورقي.. لكنني أمه وأعرفه! صديقه الخبيث هو من حرّضه واستدرجه ووضعه في هذا الفخ! لاحظتُ في الفترة الأخيرة أن ابني كان يتعرض للتنمر والضغط الشديد، لاحظتُ ذلك وتجاهلتُه.. لم أساعده حينها! أنا السبب.. أنا من دمرته!" وبدأت تضرب صدرها ورأسها بحرقة وفجيعة تدمي القلوب. أسرعتُ بمسك يديها لتهدئتها ومنعها من إيذاء نفسها، وأنا أعدها بصدق بأنني سأبحث في ملف القضية بنفسي ولن أتركها. عدتُ إلى الواقع بنَفَسٍ عميق، وتنهدتُ بأسى وأنا أطرد تلك الذكرى المؤلمة من مخيلتي. واصلتُ تقليب الملاحظات المصورة والنسخ المسربة من التحقيقات القديمة التي تحتفظ بها الجريدة. تذكرتُ كيف توجهتُ بثقة وإصرار إلى مكتب "طارق" – رئيس التحرير – وأنا أحمل هذه الوثائق والملاحظات بعدما اكتشفتُ فيها عدة ثغرات ونقاط غامضة لم يُحقق فيها، وظننتُ أنني أضع يدي على سبق صحفي إنساني وناجح سيقلب الطاولة. لكن طارق قاطعني ببرودٍ قاتل، وأغلق الملف أمامي بصلف وقرارات آليّة، وأمرني بتغطية قضية أخرى رأى أنها أكثر أهمية وحضوراً في وسائل الإعلام والتريند. لم أمتلك القوة ولا السُلطة وقتها للرفض، فاستسلمتُ مرغمةً للأمر الواقع.. لكن تلك القضية لم تفارق عقلي يوماً واحداً. والآن.. حانت اللحظة المناسبة لنبش المسكوت عنه. وقفتُ بعزيمة جديدة وإصرار لا يلين. جمعتُ نسخ الوثائق المصورة وملاحظاتي الخاصة بعناية، وضعتها داخل حقيبتي الجلدية، وأخذتُ أغراضي متجهةً نحو الخارج بخطى حثيثة. وقفتُ أمام باب المصعد المغلق، ثم سحبتُ هاتفي المحمول من جيبي. فتحتُ لوحة الاتصال، وبدأتُ أُدخل رقماً سرّياً قديماً، لم أستخدمه منذ عامين كامليّن. رفعتُ الهاتف إلى أذني، واستمعتُ إلى نغمات الرنين المنتظمة وصدري يعلو وي his ينبض بانتظار الرد. وفجأة.. انقطع الرنين وجاءني صوتٌ رجالي جاف، خفيض ومريب من الطرف الآخر: "أهلاً آنسة يارا.. ما الذي يجعلكِ تنبشين في هذا الرقم الآن؟" تنفستُ ببطء، وقلت بنبرة قصيرة، حازمة ويغلفها الغموض والحدّة: "حانت اللحظة يا منصور.. افتح الملف المغلق."عبرت نبرة المرأة أذنَيّ كالموسى الصدئة، جافة، محطمة، ويقودها يأس مطلق وهي تواصل صراخها بصوتٍ مخنوق مزق نياط قلبي:"نعم.. ابني مات! ابني انتحر! لا أعلم ماذا فعلوا به هناك في عتمة زنازينهم.. في كل مرة كنتُ أزوره، كنتُ أجد جسده طافحاً بالكدمات والآثار الداكنة، وعيناه مطفأتان كمن يعيش في الجحيم! ابني الوديع الذي كان يرتجف خوفاً لو جرحت إصبعه، أقدم على قتل نفسه لكي يتحرر من عذابهم وقسوتهم! حرموني منه.. حرموني من كل ما أملك في هذه الدنيا، والآن.. لا أريد شيئاً من هذا العالم بأسره!"لم أستطع استيعاب وقع الكلمات. شعرت وكأن صاعقة قد هوت على رأسي فأفقدتني القدرة على النطق أو الحركة. وققبل أن أستجمع قواي، امتدت يدها النحيلة والمرتعشة لتنقبض على ذراعي بقوة يائسة ومجنونة، وجرتني نحو العتبة الخارجية للباب، ثم دفعتني بقسوة إلى الشارع المظلم وهتفت بنشيجٍ مبحوح يقطر بالمرارة:"اخرجي! لا أريد رؤية أحد منكم.. لا صحافة ولا عدالة وهمية!"انغلق الباب الخشبي بوجهي بصدمةٍ مدوية ارتدت أصداؤها في صدري وكأنها طعنة خنجر. وقفتُ مسمرةً على الرصيف البارد، والدموع الغزيرة تتجمع في عينيّ لتعتم رؤيتي تماماً. انحنيتُ ب
جاءني صوتُ منصور عبر سماعة الهاتف جافاً، ثقيلاً، ويقطر ببرودٍ وتهربٍ لم يجتهد في إخفائه أو تغليفه بأي لباقة:"يا أهلاً بالصحفية العظيمة.. ما زلتِ تتذكرين أرقامنا إذن؟ ظننتُكِ نسيتِ أرض الواقع والتعب في الأزقة، وأنتِ تجلسين على كرسيكِ الفاخر خلف مكتبكِ المكيّف."تجاهلتُ أسلوبه المائع والتهكمي بصرامة، ورددتُ عليه بنبرة جافة، رسمية، وحازمة لا تحتمل المماطلة:"اعتدتُ ألا أضيع وقتي في الجدال والمهاترات يا منصور. دعنا في المهم ونخلّص الكلام.. إلى أين وصلتَ في البحث والتتبع الميداني بعد أن أُغلقت التحقيقات الرسمية وأُودعت في الأرشيف؟"ساد الصمتُ من جانبه لثانيتين طويلتين، قبل أن يطلق زفيراً حاداً ومزعجاً عبر السماعة ينبئ بضيق صدره، ثم قال بنبرة مستخفة تحمل نصيحة ملغومة:"نصيحة لوجه الله يا آنسة يارا.. انسي هذا الملف واطويه فوراً. ابحثي لكِ عن قصة ناعمة، قضية رأي عام خفيفة تنشرينها في الجريدة وتكسبين بها إعجاب القرّاء. هذه القضية تحديداً ليست مقاسكِ، واللعب فيها يشبه المشي في حقل ألغام."قبضتُ على الهاتف بكلتا يديّ بقوة حتى اببيضّت مفاصلي، ووقفتُ في مكاني وسط ممر الجريدة، وقلتُ بحزم يناطح
كان الهدوءُ الثقيل يلفّ أرجاء مكتبي الصغير، ولا يكسره سوى صوت تقليب الأوراق الجافة والهمهمات الخافضة للزملاء في الصالة الخارجية للجريدة.جلستُ أغوص بين ملفات وتحقيقات مبعثرة أمامي، أتمعن بتركيز شديد في التفاصيل والأسماء المدونة بخط اليد على الحواشي. ومع كل صفحة أطويها، كان صوتٌ قديم يتسلل إلى رأسي، يعيدني رغماً عني عبر شريط الذاكرة إلى ما قبل سنتين.. وتحديداً إلى ذلك اليوم الصيفي الملتهب في أروقة المحكمة.كانت الأجواء حينها مشحونةً بالتوتر والترقب، ورائحة الرطوبة والورق القديم تختلط بأنفاس الحاضرين المكتومة. قاعة الجلسات تغصّ بالحضور، والعيون كلها شاخصةٌ نحو المنصة العالية. وعندما اعتلى القاضي منصته وساد صمتٌ مريب، رفعتُ قلمي لأدوّن تفاصيل التغطية الصحفية.لم يتأخر الحكم؛ وبنبرة صارمة وحاسمة شقت الصمت، نطق القاضي بحكم السجن المؤبد على المتهم.. كان شاباً مسكيناً وطالباً جامعيّاً في العشرين من عمره، يقف في قفص الاتهام بملامح شاحبة وعينين تائهتين تصرخان بالانكسار.في تلك اللحظة بالذات، تمزق سكون القاعة بصراخٍ مأساوي يفتت الصخر! انهرت والدته على الأرض وهي تتلفع بوشاحها، تصرخ بنشيج خنق
مكتبٌ ضخمٌ تعلوه الفخامة، يتوسطه أثاثٌ راقٍ من الخشب الداكن العتيق وإضاءةٌ خافتة توحي ببرودة المكان وسطوته. كانت الرائحة المزجية لرائحة التبغ المعتّق والجلد الفاخر تتضوع في أرجاء الغرفة، ممتزجةً برائحة الخوف الشديد التي خنقت الأنفاس.كان آسر يجلس بأريحية تامة على أريكة جلدية سوداء كبيرة، يمسك سيجارته ببرود بين أصابعه التي لطختها بضع قطرات داكنة من الدماء. لم تكن دماءه، بل كانت أثراً خاطفاً لمواجهة حاسمة تجري أمامه.على مسافة خطوتين منه، كان رجلان من حراسه أشداء البنية يمسكان برجل ثالث جاثٍ على الأرض بكلتا ركبتيه؛ وجهه مشوهٌ كلياً بفعل اللكمات، وملابسه المهلهلة ملطخة بالدماء، يرتجف بجسده كاملاً من أثر الضرب المتواصل والذعر الذي تملكه.نظر آسر ببرود جليدي إلى الرجل المرمي عند قدميه، وعيناه الثاقبتان تنضحان بهيبة مظلمة لا ترحم. أشار لحارسيه بيده حركة خاطفة:"قربوه."سحبه الحارسان بقسوة وقرباه حتى صار رأسه تحت قدم آسر مباشرة. وضع آسر طرف حذائه اللامع على جانب وجه الرجل بثبات وثقل خفيف، ثم قال بنبرة خفيضة، هادئة، لكنها تطفح بسلطة مطلقة وثقة تتجاوز الحدود:"هل تظن نفسك ذكياً يا هذا؟ هل ظننت
جلسنا على الأريكة المريحة في زاوية الصالة الداكنة. كانت أمي تجلس إلى جواري، تقدم لي كوب ماءٍ بارد وعيناها تمتلئان بالقلق والأسئلة الحائرة:"ما بكِ يا يارا؟ ما الذي حدث حتى تعودي بهذه الحالة؟"أخذتُ الكوب بيدين ترتجفان، ورشفتُ منه جرعة صغيرة وأنا أحاول جمع شتات نفسي وتسكين روعها. لم أرد أن أخيفها أو أحمّلها فوق طاقتها. أغمضتُ عينيّ لثانية وابتلعتُ غصّتي، ثم التفتُّ إليها بنبرة حريصة على الثبات:"لا شيء يا أمي.. فقط يوم طويل وصعب، واكتمل بحادث سير بسيط وأنا عائدة."شهقت أمي، وقفزت من مكانها لتقترب مني أكثر، تدور حول الأريكة وتتفحص كتفي ووجهي بيدين مرتعشتين:"حادث؟ يا إلهي! هل أصابكِ شيء؟ أين السيارة؟"مسكتُ يديها لأهدئها: "أنا بخير والحمد لله، لم يصبني سوى بعض الرضوض الخفيفة. السيارة تضررت قليلاً من الخلف، لكن الأمر بسيط."سردتُ لها ما حدث باختصار، وتجنبتُ تماماً ذكر تفاصيل المشادة، أو الشيك الممزق، وتلك الصفعة التي ما زالت كفي تحتفظ بحرارتها حتى اللحظة. بقينا نتحدث قليلاً وهي تطمئن عليّ وتسقيني مشروباً عشبيّاً دافئاً، حتى انسحبتُ ببطء نحو غرفتي بعد أن هدأت أنفاسها.دخلتُ غرفتي المظلمة،
وقف أمامي بسكون مستفز. كان أطول مما ظننت، ويلتفّ بهدوء لا يناسب الشارع المزدحم من حولنا ولا صرير الفرامل الذي ما زال يتردد في أذني.نظرتُ إليه بحدة، واستجمعتُ ما تبقى من قواي لأهتف في وجهه:"أين كنت تنظر؟ انظر ماذا فعلت بسيارتي!"لم يرد. لم ترفّ له عين، ولم يكلف نفسه حتى عناء النظر إلى واجهة سيارتي المهشمة. ببرود قاتل، مدّ يده إلى الجيب الداخلي لسترته الداكنة، وأخرج دفتر شيكات وقلمًا أنيقًا. فتح الدفتر، وبدأ يكتب الأرقام بثبات، كأنه يوقع على ورقة عمل عادية في مكتبه.تسمّرتُ مكاني. نظرتُ إلى يده ثم إلى وجهه بتعجب وذهول، وسألتُه وأنا أشعر بالدوار من تصرفه:"ماذا تفعل؟"أنهى الكتابة، ثم مزق الشيك ببطء، ورفعه بين أصابعه ليقدمه لي. رفع عينيه ونظر في عينيّ مباشرة، وتحدث لأول مرة بصوت ثابت، عميق وبارد:"أكتب لكِ شيكًا لتعويض الأضرار."في تلك اللحظة، بلغتُ الحد الأقصى من التعب والغضب. يومٌ طويل لم يترك مني شيئًا؛ إهانة عصمت، تهديد طارق، خسارة عملي، والألم الحارق الذي بدأ يشتد في فكي وعنقي. وهذا الرجل يظن أن العالم كله يُحلّ بفركة كعب من قلمه.صرختُ في وجهه بكل ما أوتيت من قهر:"ومن طلب منك ال






