Masuk
"أنا حامل..."
لم يكن صوتها مرتفعًا، لكنه اخترق الصمت الذي خيم على القاعة كالسهم. تجمدت الأنفاس. وسقط كأس الماء من يد الفتاة الواقفة بالقرب من الدرج الرخامي. ارتطم بالأرض، وتناثر الزجاج في كل اتجاه. لم تشعر بشيء... كانت عيناها معلقتين بالمرأة التي وضعت يدها على بطنها، وكأنها تحمي حياة تنمو في داخلها. كانت تبتسم... ابتسامة صغيرة امتزجت بدموع مصطنعة يصعب تمييز حقيقتها. أعادت الجملة مرة أخرى، وهذه المرة وهي تنظر مباشرة إلى الرجل الواقف أمامها. "أنا حامل بطفلك يا لؤي." ساد الصمت. حتى عقارب الساعة المعلقة على الجدار بدت وكأنها توقفت عن الحركة. أما لؤي... فلم ينطق بحرف. حدق فيها طويلًا، وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه. أما الفتاة التي سقط الكأس من يدها... فشعرت بأن قلبها يهوي إلى قاع سحيق. كانت تنتظر منه كلمة واحدة فقط. "هذا مستحيل." لكنها لم تأتِ. ظل صامتًا. وذلك الصمت... كان أقسى من أي اعتراف. تراجعت خطوة إلى الخلف. اصطدم ظهرها بالحائط دون أن تشعر. لم تعد تسمع شيئًا. لا صوت بكاء... ولا همسات... ولا حتى دقات قلبها. كانت تنظر إليه فقط. إلى الرجل الذي ظنت، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أنها بدأت تعرفه. رفعت المرأة الأخرى ذقنها بثقة، ثم قالت بهدوء قاتل: "أعتقد أن الوقت قد حان ليعرف الجميع الحقيقة." وأغمضت الفتاة عينيها... وكأن العالم كله انهار في لحظة واحدة. قبل ثلاثة أشهر... وقف لؤي العاصي أمام النافذة الزجاجية في مكتبه داخل قصر العائلة. كانت المدينة تمتد أمامه بكل صخبها، بينما كان القصر غارقًا في هدوء ثقيل اعتاد أن يسبق أي مواجهة مع والدته. أدار ساعته المعدنية حول معصمه دون انتباه. عادة قديمة ترافقه كلما شعر بالضيق. لم يطل انتظاره. انفتح باب المكتب بهدوء. دخلت نوال العاصي بخطوات واثقة، وأغلقت الباب خلفها. لم يكن في ملامحها غضب... بل ذلك الهدوء الذي كان يخيفه أكثر من أي انفعال. التفت إليها. "كنت أعلم أنك ستطلبين رؤيتي." تجاوزته حتى وقفت أمام مكتبه. "وأنت تعلم سبب طلبي." تنهد بخفة. "إذا كان الحديث عن سارة، فأظن أننا قلنا كل شيء." رفعت نظرها إليه. "لا... أنت من رفض أن يسمع." ابتسم ابتسامة قصيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه. "لأنني تعبت من تكرار الأمر نفسه." اقترب من المكتب، والتقط مفاتيح سيارته. "أحبها يا أمي." خرجت الكلمات هادئة، لكنها كانت حاسمة. للحظة... لم تجب نوال. كانت تراقب ابنها بصمت، وكأنها تبحث في ملامحه عن ذلك الطفل الذي كان يصدق نصيحتها دون نقاش. لكنه لم يعد ذلك الطفل. قالت أخيرًا: "الحب لا يعمي الإنسان فقط..." توقفت لثانية. "...بل قد يدمره أيضًا." هز رأسه رافضًا. "أنت تحكمين عليها دون أن تمنحيها فرصة." "بل منحتها فرصًا أكثر مما تستحق." تلاقت نظراتهما. لا أحد منهما كان مستعدًا للتراجع. رن هاتف لؤي. ابتسم فور أن ظهرت صورة سارة على الشاشة. لاحظت نوال تلك الابتسامة... وشعرت أن كل كلمة ستقولها بعد الآن لن تغير شيئًا. رد على المكالمة. "أنا في الطريق." أغلق الهاتف، واتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج قالت بهدوء: "هل ستلتقي بها؟" توقف دون أن يلتفت. "نعم." "إذن..." سكتت لحظة. "...أتمنى أن تكون مستعدًا لتحمل نتائج اختيارك." لم يجب. فتح الباب وغادر. راقبته نوال حتى اختفى من الممر الطويل. بعد دقائق... توقفت سيارة لؤي أمام المقهى الذي اعتاد لقاء سارة فيه. لم يكن يعلم... أن سيارة أخرى كانت تقف على الجانب المقابل من الشارع. داخلها... كانت والدته تراقب بصمت.كانت عقارب الساعة تقترب من الواحدة ظهرًا، حين انعطفت سيارة لؤي إلى داخل بوابة القصر الحديدية.لم يكن يقود بسرعة...ولا ببطء.كان يقود كما يعيش منذ أيام...هادئًا من الخارج، مضطربًا من الداخل.منذ أن غادر الشركة، لم يفكر في الفتاة التي سيقابلها.ولم يحاول حتى أن يتخيل شكلها.كان قد اتخذ قراره بالفعل.سيمنحها فرصة عادلة...كما طلب منه والده.لن يقارنها بسارة.ولن يحملها ذنب قصة لم تكن جزءًا منها.كان يكرر هذه الكلمات في داخله منذ الصباح، كأنه يقنع نفسه أكثر مما يؤمن بها.أوقف السيارة أمام المدخل الرئيسي، ثم ترجل منها بهدوء.استقبله أحد العاملين، فألقى عليه التحية قبل أن يتجه مباشرة إلى مكتب والديه.طرق الباب طرقات خفيفة."ادخل."فتح الباب.وجد فارس جالسًا خلف مكتبه، بينما كانت نوال تقف قرب النافذة.رفع فارس رأسه مبتسمًا."ظننت أنك ستتأخر."أجاب وهو يخلع سترته ويضعها على المقعد المجاور."أنهيت اجتماعاتي بسرعة."ساد صمت قصير.ثم نظر حوله."أين هي؟"ابتسم فارس ابتسامة خفيفة.أما نوال، فاتجهت نحو النافذة مرة أخرى، ثم أشارت بيدها إلى الخارج."في الحديقة."تقدم لؤي بخطوات هادئة.لم يكن يرى سو
عبرت هبة البوابة الحديدية بخطوات أهدأ مما توقعت. لم تكن هذه زيارتها الأولى للقصر، لذلك لم تلتفت إلى ارتفاع الجدران ولا إلى اتساع الحديقة كما فعلت سابقًا. كانت تعرف الطريق المؤدي إلى المدخل، وتعرف تلك الأشجار التي جلست تحت ظل إحداها قبل أيام وهي تظن أن الحياة لا يمكن أن تصبح أكثر تعقيدًا مما هي عليه. ابتسمت في سرها. كم كانت ساذجة وهي تظن أن كل ما ينتظرها مجرد مقابلة عمل. فتح الباب قبل أن تصل إليه. خرجت نوال تستقبلها بنفسها، وما إن وقعت عيناها على هبة حتى شعرت براحة لم تتوقعها. لم تعد ترى تلك الفتاة التي دخلت مكتبها أول مرة بملامح أنهكها القلق. اليوم وقفت أمامها شابة تعرف كيف تخفي ارتباكها دون أن تخفي حقيقتها. كان الفستان العاجي الذي اختارته معها قبل أيام ينسجم مع هدوء ملامحها، بينما بدا شعرها البني أكثر ترتيبًا، لا لأنه صُفف بعناية فحسب، بل لأنها كانت تحمله بثقة مختلفة. اقتربت نوال وربتت برفق على يدها. "أهلاً بك يا هبة." ابتسمت هبة. "سعيدة برؤيتك، سيدتي." تأملتها نوال لحظة، ثم قالت: "يبدو أن السيدة ريم كانت محقة... الأناقة لا تُعلَّم، لكنها تُوقظ." ضحكت هبة
تسللت خيوط الصباح الأولى إلى غرفة لؤي، فأيقظت المكان قبل أن توقظه. كان يقف أمام المرآة بصمت، يثبت أزرار قميصه الأبيض، ثم التقط سترته ذات اللون الأزرق الليلي وارتداها بهدوء. انعكس طيفه على الزجاج. رجل في الثلاثين من عمره. طويل القامة حتى بدا الباب خلفه أصغر مما هو عليه، عريض الكتفين، مستقيم الظهر، يحمل في هيئته وقارًا فرضته المسؤولية أكثر مما فرضه العمر. مرر يده بين خصلات شعره البني الداكن التي استقرت بعفوية فوق جبينه، ثم عدل ساعة يده ونظر إلى نفسه للحظات. لم يعد يرى الشاب الذي كان يركض خلف الحب... بل الرجل الذي يستعد لحمل إرث عائلته. أخذ نفسًا عميقًا. ثم خرج من غرفته. كان فارس يجلس في بهو القصر يقرأ بعض التقارير، بينما كانت نوال ترتشف قهوتها بهدوء. رفع فارس رأسه مبتسمًا. "صباح الخير." "صباح الخير." جلس لؤي إلى الطاولة. وضعت الخادمة فنجان القهوة أمامه، فشكرها بإيماءة خفيفة. كسرت نوال الصمت قائلة: "لا ترتبط بأي موعد بعد الساعة الواحدة." نظر إليها لؤي. "هل حان الوقت؟" أومأت برأسها. "نعم." أعاد فنجانه إلى الطبق بهدوء. "حسنًا... سأعود قبلها."
استلقت هبة فوق سريرها، تحدق في سقف غرفتها دون أن ترمش. كان كل شيء هادئًا... هادئًا على نحو يثير الريبة. أطلقت ضحكة قصيرة، ثم وضعت كفها فوق فمها كأنها تخشى أن يسمعها أحد. "يا للروعة..." ساد الصمت. ثم عادت تضحك مرة أخرى. "هبة الكيلاني..." رفعت سبابتها نحو السقف كأنها تخاطب شخصًا غير مرئي. "الفتاة المجنونة... على حد تعبير أمي." أغمضت عينيها، ثم أكملت وهي تعد على أصابعها: "خمسة وعشرون عامًا..." "أنقذت أمها..." "بمال عقد باعت فيه نفسها لعائلة العاصي." ما إن أنهت الجملة حتى انفجرت ضاحكة من جديد. كانت تضحك كما لو أن ما حدث يخص شخصًا آخر. لكن الضحكة لم تدم طويلًا. اختفت شيئًا فشيئًا... وحل مكانها صمت ثقيل. جلست على حافة السرير. وضمت ركبتيها إلى صدرها. حدقت في الفراغ طويلًا. ثم همست لنفسها: "هل أنا مجنونة فعلًا؟" لم تجد جوابًا. اكتفت بإطلاق زفرة طويلة، ثم ألقت بنفسها على الوسادة. وأغلقت عينيها محاولة أن تنام... لكن النوم كان آخر ما يفكر في زيارتها. في صباح اليوم التالي، خرجت والدة هبة من المستشفى وسط فرحة ابنتها التي لم تفارقها منذ نجاح ال
دخلت أشعة الصباح من نافذة الغرفة بهدوء، لتستقر فوق وجه والدة هبة. فتحت عينيها ببطء، ثم أدارت رأسها تبحث بعينيها عن ابنتها. ما إن لمحَتها هبة حتى أسرعت نحوها، وانحنت تقبل جبينها. ابتسمت الأم بصعوبة. "الحمد لله... ما زلت أراك." اغرورقت عينا هبة بالدموع. ابتسمت وهي تمسك يدها. "ولن تفقديني أبدًا بإذن الله." تنهدت الأم بارتياح وهي تتأمل وجه ابنتها. "يبدو أن العملية نجحت." ضحكت هبة من بين دموعها. "نجحت... والطبيب قال إنك ستعودين إلى البيت بعد أيام قليلة." ابتسمت الأم، ثم أغمضت عينيها للحظة. "إذن... سنعود إلى حياتنا الصغيرة." هزت هبة رأسها بحماس. "بل إلى حياة أجمل." رفعت الأم حاجبيها. "حياة أجمل؟" جلست هبة إلى جوارها. "سأعمل أكثر." "وسأدخر المال." "وسنغادر ذلك المنزل الضيق." ابتسمت وهي ترسم بيديها أحلامًا صغيرة في الهواء. "وسأشتري لك حديقة صغيرة تزرعين فيها الياسمين الذي تحبينه." ضحكت الأم بخفة. "وكل هذا من أجل عجوز مثلي؟" أجابت هبة بسرعة: "من أجل الإنسان الوحيد الذي بقي لي." ساد بينهما صمت دافئ. كانت الأم تنظر إلى ابنتها بفخر، حتى وقع
ظل الضوء الأحمر المعلق فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا لساعات، حتى فقدت هبة إحساسها بالوقت. لم تعد تنظر إلى الساعة. ولا إلى المارة. ولا حتى إلى هاتفها الذي امتلأ بالمكالمات التي لم تجب عنها. كانت عيناها معلقتين بذلك الباب الأبيض، وكأن العالم كله اختصر خلفه. كل ثانية كانت تمر أثقل من التي سبقتها. كانت تضغط كفيها ببعضهما حتى شحب لونهما، بينما لا يتوقف لسانها عن الدعاء. وفجأة... انطفأ الضوء الأحمر. انتفضت واقفة قبل أن يُفتح الباب. خرج الطبيب، ونزع كمامته ببطء، ثم ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كافية لتعيد الحياة إلى قلب هبة. قال بهدوء: "الحمد لله... العملية نجحت." لم تسمع ما قاله بعد ذلك. كل ما شعرت به أن ساقيها خانتاها. أطلقت ضحكة امتزجت ببكاء حار، ثم رفعت يديها نحو السماء. "الحمد لله... الحمد لله." كانت تكررها وهي تبكي، غير آبهة بمن حولها. شعرت وكأن جبلًا كان يجثم فوق صدرها قد اختفى في لحظة. ركضت في الممر تسأل الممرضة متى يمكنها رؤية والدتها، ثم شكرتها مرتين، وثلاثًا، حتى ابتسمت الممرضة من فرط تأثرها. لم تستطع أن تخفي فرحتها. كانت تتحرك بخ







