Share

بداية اللعبة 2

Author: Jiji
last update publish date: 2026-08-02 21:25:42

أغلق لؤي باب سيارته ونظر إلى واجهة المقهى الزجاجية قبل أن يدخل.

كان المكان هادئًا على غير عادته، تفوح منه رائحة القهوة الطازجة والمخبوزات الساخنة. لم يكن من محبي المقاهي الشعبية، لكن سارة كانت تصر دائمًا على هذا المكان، مدعية أن هدوءه يجعلها تشعر بأنها بعيدة عن صخب المدينة وعدسات الصحافة.

ما إن لمحته حتى نهضت من مقعدها.

ابتسمت ابتسامتها التي كانت كفيلة بتخفيف ثقل يوم كامل عن كتفيه.

"تأخرت."

قالتها وهي تعقد ذراعيها بتذمر مصطنع.

اقترب منها وهو يبتسم.

"كنت أحاول الهرب من محاضرة أمي اليومية."

ضحكت بخفة وجلست من جديد.

راقبها للحظة. كانت جميلة، أنيقة، تعرف جيدًا كيف تختار كلماتها وحركاتها. وكلما نظر إليها ازداد يقينه بأنه اختار المرأة المناسبة، رغم اعتراض الجميع.

وضعت النادلة فنجاني القهوة على الطاولة وانسحبت بهدوء.

قالت سارة وهي تعبث بملعقتها الصغيرة:

"هل ما زالت ترفضني؟"

تنهد لؤي، ثم هز رأسه.

"أمي عنيدة... لكنها ستتقبل الأمر يومًا ما."

رفعت عينيها إليه.

"وأنت؟"

ابتسم.

"لن أتراجع."

ارتسمت على وجهها ابتسامة مطمئنة، ثم مدت يدها فوق الطاولة حتى لامست أصابعه.

تركها تفعل ذلك دون تردد.

في تلك اللحظة...

تغيرت ملامح سارة فجأة.

تجمدت ابتسامتها وهي تنظر نحو باب المقهى.

قطب لؤي حاجبيه.

"ما الأمر؟"

لم تجب.

استدار ببطء...

وشعر أن صدره انقبض.

كانت نوال العاصي تقف عند المدخل.

لم ترفع صوتها.

لم تبدُ غاضبة.

لكن حضورها وحده كان كافيًا ليجعل همسات الزبائن تخفت شيئًا فشيئًا.

تقدمت بخطوات ثابتة حتى توقفت أمام الطاولة.

ألقت نظرة سريعة على يديهما المتشابكتين.

ثم رفعت عينيها إلى ابنها.

"إذن... لم تكتفِ بمخالفة كلامي، بل أردت أن تؤكد لي اختيارك."

نهض لؤي من مكانه.

"أمي، لسنا في المنزل."

"ولهذا جئت إلى هنا."

ساد الصمت.

ابتلعت سارة ريقها، ثم قالت بصوت خافت:

"مساء الخير يا سيدتي."

لكن نوال لم تنظر إليها.

كان حديثها موجهًا لابنها وحده.

"أسألك للمرة الأخيرة."

ثبتت عينيها في عينيه.

"هل ستنهي هذه العلاقة؟"

مرّت ثوانٍ ثقيلة.

نظر لؤي إلى سارة.

كانت ملامحها شاحبة، وكأنها تخشى أن يترك يدها في أي لحظة.

عندها...

شد على أصابعها بقوة أكبر.

وقال بثبات:

"لا."

لم يتغير تعبير نوال.

"إذن استعد للمواجهة."

أمسك لؤي حقيبته، ثم التفت إلى سارة.

"هيا."

خرجا معًا من المقهى دون أن يلتفت خلفه.

راقبتهما نوال حتى اختفيا خلف الباب الزجاجي.

لم تحاول منعه.

بل أخرجت هاتفها من حقيبتها واتصلت برقم محفوظ لديها.

لم تنتظر طويلًا حتى جاءها صوت رجل.

"أوامرك سيدتي."

قالت بهدوء:

"أريد الملف الذي طلبت منك تحضيره."

توقفت لحظة.

ثم أضافت:

"ملف هبة الكيلاني."

...

في صباح اليوم التالي...

رن منبه هبة عند الخامسة تمامًا.

فتحت عينيها بصعوبة، وسرعان ما نهضت قبل أن يوقظ صوته والدتها.

كان المنزل صغيرًا، لكنه يحمل دفئًا لا تستطيع الأموال شراءه.

أعدت الشاي، ثم وضعت الدواء بجانب والدتها التي كانت ما تزال نائمة.

ألقت نظرة على فاتورة المستشفى المعلقة بمغناطيس صغير على باب الثلاجة.

تنهدت بصمت.

"ليس الآن..."

همست لنفسها وهي تخفي الورقة داخل أحد الأدراج.

بعد ساعة...

كانت ترتدي مئزر المقهى البني، وتستقبل الزبائن بابتسامتها المعتادة، رغم أن التعب كان واضحًا تحت عينيها.

لم يكن أحد يعلم أن الفتاة التي تبتسم للجميع كانت تقضي لياليها تحسب ثمن كل علبة دواء، وكل جلسة علاج.

انتهى دوامها بعد الظهيرة.

نزعت المئزر وهمّت بالمغادرة.

لكن صوت صاحب المقهى أوقفها.

"هبة."

التفتت إليه.

"هناك سيدة تنتظرك في المكتب."

عقدت حاجبيها باستغراب.

"تنتظرني؟"

أومأ برأسه.

"منذ أكثر من نصف ساعة."

اتجهت نحو المكتب بخطوات مترددة.

طرقت الباب برفق.

جاءها صوت هادئ من الداخل.

"تفضلي."

فتحت الباب...

وتجمدت في مكانها.

كانت المرأة الأنيقة التي تجلس خلف المكتب تنظر إليها بثبات، وكأنها كانت تعرفها منذ سنوات.

أغلقت هبة الباب خلفها ببطء.

ولم تكن تعلم...

أن تلك اللحظة ستكون بداية النهاية لحياتها القديمة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج بالإجبار   كأنني وقعت 18

    كانت عقارب الساعة تقترب من الواحدة ظهرًا، حين انعطفت سيارة لؤي إلى داخل بوابة القصر الحديدية.لم يكن يقود بسرعة...ولا ببطء.كان يقود كما يعيش منذ أيام...هادئًا من الخارج، مضطربًا من الداخل.منذ أن غادر الشركة، لم يفكر في الفتاة التي سيقابلها.ولم يحاول حتى أن يتخيل شكلها.كان قد اتخذ قراره بالفعل.سيمنحها فرصة عادلة...كما طلب منه والده.لن يقارنها بسارة.ولن يحملها ذنب قصة لم تكن جزءًا منها.كان يكرر هذه الكلمات في داخله منذ الصباح، كأنه يقنع نفسه أكثر مما يؤمن بها.أوقف السيارة أمام المدخل الرئيسي، ثم ترجل منها بهدوء.استقبله أحد العاملين، فألقى عليه التحية قبل أن يتجه مباشرة إلى مكتب والديه.طرق الباب طرقات خفيفة."ادخل."فتح الباب.وجد فارس جالسًا خلف مكتبه، بينما كانت نوال تقف قرب النافذة.رفع فارس رأسه مبتسمًا."ظننت أنك ستتأخر."أجاب وهو يخلع سترته ويضعها على المقعد المجاور."أنهيت اجتماعاتي بسرعة."ساد صمت قصير.ثم نظر حوله."أين هي؟"ابتسم فارس ابتسامة خفيفة.أما نوال، فاتجهت نحو النافذة مرة أخرى، ثم أشارت بيدها إلى الخارج."في الحديقة."تقدم لؤي بخطوات هادئة.لم يكن يرى سو

  • زواج بالإجبار    17 أثر البدايات

    عبرت هبة البوابة الحديدية بخطوات أهدأ مما توقعت. لم تكن هذه زيارتها الأولى للقصر، لذلك لم تلتفت إلى ارتفاع الجدران ولا إلى اتساع الحديقة كما فعلت سابقًا. كانت تعرف الطريق المؤدي إلى المدخل، وتعرف تلك الأشجار التي جلست تحت ظل إحداها قبل أيام وهي تظن أن الحياة لا يمكن أن تصبح أكثر تعقيدًا مما هي عليه. ابتسمت في سرها. كم كانت ساذجة وهي تظن أن كل ما ينتظرها مجرد مقابلة عمل. فتح الباب قبل أن تصل إليه. خرجت نوال تستقبلها بنفسها، وما إن وقعت عيناها على هبة حتى شعرت براحة لم تتوقعها. لم تعد ترى تلك الفتاة التي دخلت مكتبها أول مرة بملامح أنهكها القلق. اليوم وقفت أمامها شابة تعرف كيف تخفي ارتباكها دون أن تخفي حقيقتها. كان الفستان العاجي الذي اختارته معها قبل أيام ينسجم مع هدوء ملامحها، بينما بدا شعرها البني أكثر ترتيبًا، لا لأنه صُفف بعناية فحسب، بل لأنها كانت تحمله بثقة مختلفة. اقتربت نوال وربتت برفق على يدها. "أهلاً بك يا هبة." ابتسمت هبة. "سعيدة برؤيتك، سيدتي." تأملتها نوال لحظة، ثم قالت: "يبدو أن السيدة ريم كانت محقة... الأناقة لا تُعلَّم، لكنها تُوقظ." ضحكت هبة

  • زواج بالإجبار   الدودة أصبحت فراشة 16

    تسللت خيوط الصباح الأولى إلى غرفة لؤي، فأيقظت المكان قبل أن توقظه. كان يقف أمام المرآة بصمت، يثبت أزرار قميصه الأبيض، ثم التقط سترته ذات اللون الأزرق الليلي وارتداها بهدوء. انعكس طيفه على الزجاج. رجل في الثلاثين من عمره. طويل القامة حتى بدا الباب خلفه أصغر مما هو عليه، عريض الكتفين، مستقيم الظهر، يحمل في هيئته وقارًا فرضته المسؤولية أكثر مما فرضه العمر. مرر يده بين خصلات شعره البني الداكن التي استقرت بعفوية فوق جبينه، ثم عدل ساعة يده ونظر إلى نفسه للحظات. لم يعد يرى الشاب الذي كان يركض خلف الحب... بل الرجل الذي يستعد لحمل إرث عائلته. أخذ نفسًا عميقًا. ثم خرج من غرفته. كان فارس يجلس في بهو القصر يقرأ بعض التقارير، بينما كانت نوال ترتشف قهوتها بهدوء. رفع فارس رأسه مبتسمًا. "صباح الخير." "صباح الخير." جلس لؤي إلى الطاولة. وضعت الخادمة فنجان القهوة أمامه، فشكرها بإيماءة خفيفة. كسرت نوال الصمت قائلة: "لا ترتبط بأي موعد بعد الساعة الواحدة." نظر إليها لؤي. "هل حان الوقت؟" أومأت برأسها. "نعم." أعاد فنجانه إلى الطبق بهدوء. "حسنًا... سأعود قبلها."

  • زواج بالإجبار   ليلة ماقبل الساندريلا 15

    استلقت هبة فوق سريرها، تحدق في سقف غرفتها دون أن ترمش. كان كل شيء هادئًا... هادئًا على نحو يثير الريبة. أطلقت ضحكة قصيرة، ثم وضعت كفها فوق فمها كأنها تخشى أن يسمعها أحد. "يا للروعة..." ساد الصمت. ثم عادت تضحك مرة أخرى. "هبة الكيلاني..." رفعت سبابتها نحو السقف كأنها تخاطب شخصًا غير مرئي. "الفتاة المجنونة... على حد تعبير أمي." أغمضت عينيها، ثم أكملت وهي تعد على أصابعها: "خمسة وعشرون عامًا..." "أنقذت أمها..." "بمال عقد باعت فيه نفسها لعائلة العاصي." ما إن أنهت الجملة حتى انفجرت ضاحكة من جديد. كانت تضحك كما لو أن ما حدث يخص شخصًا آخر. لكن الضحكة لم تدم طويلًا. اختفت شيئًا فشيئًا... وحل مكانها صمت ثقيل. جلست على حافة السرير. وضمت ركبتيها إلى صدرها. حدقت في الفراغ طويلًا. ثم همست لنفسها: "هل أنا مجنونة فعلًا؟" لم تجد جوابًا. اكتفت بإطلاق زفرة طويلة، ثم ألقت بنفسها على الوسادة. وأغلقت عينيها محاولة أن تنام... لكن النوم كان آخر ما يفكر في زيارتها. في صباح اليوم التالي، خرجت والدة هبة من المستشفى وسط فرحة ابنتها التي لم تفارقها منذ نجاح ال

  • زواج بالإجبار   ثمن النجاة 14

    دخلت أشعة الصباح من نافذة الغرفة بهدوء، لتستقر فوق وجه والدة هبة. فتحت عينيها ببطء، ثم أدارت رأسها تبحث بعينيها عن ابنتها. ما إن لمحَتها هبة حتى أسرعت نحوها، وانحنت تقبل جبينها. ابتسمت الأم بصعوبة. "الحمد لله... ما زلت أراك." اغرورقت عينا هبة بالدموع. ابتسمت وهي تمسك يدها. "ولن تفقديني أبدًا بإذن الله." تنهدت الأم بارتياح وهي تتأمل وجه ابنتها. "يبدو أن العملية نجحت." ضحكت هبة من بين دموعها. "نجحت... والطبيب قال إنك ستعودين إلى البيت بعد أيام قليلة." ابتسمت الأم، ثم أغمضت عينيها للحظة. "إذن... سنعود إلى حياتنا الصغيرة." هزت هبة رأسها بحماس. "بل إلى حياة أجمل." رفعت الأم حاجبيها. "حياة أجمل؟" جلست هبة إلى جوارها. "سأعمل أكثر." "وسأدخر المال." "وسنغادر ذلك المنزل الضيق." ابتسمت وهي ترسم بيديها أحلامًا صغيرة في الهواء. "وسأشتري لك حديقة صغيرة تزرعين فيها الياسمين الذي تحبينه." ضحكت الأم بخفة. "وكل هذا من أجل عجوز مثلي؟" أجابت هبة بسرعة: "من أجل الإنسان الوحيد الذي بقي لي." ساد بينهما صمت دافئ. كانت الأم تنظر إلى ابنتها بفخر، حتى وقع

  • زواج بالإجبار   حين يمرض من نحب 13

    ظل الضوء الأحمر المعلق فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا لساعات، حتى فقدت هبة إحساسها بالوقت. لم تعد تنظر إلى الساعة. ولا إلى المارة. ولا حتى إلى هاتفها الذي امتلأ بالمكالمات التي لم تجب عنها. كانت عيناها معلقتين بذلك الباب الأبيض، وكأن العالم كله اختصر خلفه. كل ثانية كانت تمر أثقل من التي سبقتها. كانت تضغط كفيها ببعضهما حتى شحب لونهما، بينما لا يتوقف لسانها عن الدعاء. وفجأة... انطفأ الضوء الأحمر. انتفضت واقفة قبل أن يُفتح الباب. خرج الطبيب، ونزع كمامته ببطء، ثم ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كافية لتعيد الحياة إلى قلب هبة. قال بهدوء: "الحمد لله... العملية نجحت." لم تسمع ما قاله بعد ذلك. كل ما شعرت به أن ساقيها خانتاها. أطلقت ضحكة امتزجت ببكاء حار، ثم رفعت يديها نحو السماء. "الحمد لله... الحمد لله." كانت تكررها وهي تبكي، غير آبهة بمن حولها. شعرت وكأن جبلًا كان يجثم فوق صدرها قد اختفى في لحظة. ركضت في الممر تسأل الممرضة متى يمكنها رؤية والدتها، ثم شكرتها مرتين، وثلاثًا، حتى ابتسمت الممرضة من فرط تأثرها. لم تستطع أن تخفي فرحتها. كانت تتحرك بخ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status