Share

الفصل الثاني: عرين الأسد

last update publish date: 2026-08-18 06:18:55

لم يكن زفافاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كان أشبه بجنازة مهيبة وصامتة تماماً. لم تكن هناك زغاريد ملونة تملأ الأفق لتعلن عن فرحة قلبين، ولا أضواء مبهجة تتراقص على الجدران لتسر الناظرين وتطرد وحشة المكان، ولا حتى معازيم يبتسمون ويباركون هذا القران الموعود بالبؤس والدموع. كان الحاضرون جميعاً مجرد شهود جامدين، ملامحهم خالية من أي تعاطف إنساني، يجلسون كالتماثيل الصخرية لينظروا إلى "صفقة دم" عُقدت بين أكبر وأقوى عائلتين في هذه المدينة الضخمة. صفقة كُتبت بنبرات التهديد والوعيد، ودُفع ثمنها غالياً ومقدماً من حريتها المستلبة وروحها النقية التي لم تقترف ذنباً.

ارتدت "إليف" فستاناً أبيض بسيطاً للغاية، تفاصيله هادئة وخالية تماماً من أي مظاهر فرح أو بهجة برّاقة تليق بعروس، وكأنها ترتدي كفن أحلامها بيديها المستسلمتين للقدر المحتوم. وضعت طرحتها البيضاء الثقيلة المصنوعة من الدانتيل الناعم على وجهها بعناية فائقة، لا لتبدو كعروس خجولة في ليلة العمر، بل لتخفي وراء نسيجها السميك ملامح صمود غريبة وقاسية. كانت ملامح مصطنعة تحاول جاهدة رسم القوة والثبات أمام أعين الشامتين والخصوم، لكنها في الحقيقة كانت تخفي تحت ذلك الثوب الأبيض الناصع قلباً ممزقاً ينزف خوفاً ورعباً من ذلك المستقبل المجهول والمظلم الذي ينتظرها خلف الأبواب المغلقة لعائلة السيوفي التي لم ترحم أحداً يوماً.

كانت الأصوات من حولها تبدو باهتة وبعيدة للغاية، وكأنها تعيش في عالم آخر موازٍ لعالمها الحقيقي. نظرات عائلتها المليئة بالذنب والكسرة لم تكن كافية أبداً لتمسح عن قلبها مرارة الخذلان القاسي، فقد شعرت في تلك اللحظة بالذات أنها أصبحت مجرد قربان بشري يُقدم على مذبح التضحية لتهدئة الصراعات العشائرية وطمس الأحقاد والنزاعات القديمة. الأجواء داخل قاعة عقد القران كانت خانقة وثقيلة للغاية، لدرجة أن الأوكسجين بدا شحيحاً في صدور الحاضرين الذين التزموا الصمت الرهيب وكأن على رؤوسهم الطير. تم فتح الأوراق الرسمية وجرى التوقيع برأس منحنٍ وأيدي ترتجف، لتنتهي حياتها القديمة بجرّة قلم سريعة وقاسية.

تمت مراسم عقد القرآن بسرعة غريبة تثير الريبة في النفوس، وبأجواء مشحونة بالتوتر المتصاعد والصمت القاتل الذي يطبق على الأنفاس، وكأن الجميع في تلك القاعة يتمنون الخلاص السريع والتخلص من هذا العبء الثقيل في أسرع وقت ممكن ودون إثارة أي جلبة أو فوضى. وعندما انفض الاجتماع الرسمي وافترق الحاضرون دون تبادل التهاني التقليدية المعتادة، تقدم رجال عائلة السيوفي بخطواتهم الواثقة والمهيبة، وقادوها بصرامة جلية وقسوة واضحة نحو سيارة سوداء ضخمة، ذات نوافذ معتمة بالكامل لا تسمح للضوء الخارجي باختراقها، لتبدأ رحلتها الطويلة نحو مصيرها المبهم والغامض.

طوال الطريق الطويل والممتد عبر شوارع المدينة المألوفة التي طالما أحبتها، كانت إليف تجلس في المقعد الخلفي بصمت مطبق، وتنظر بعينين حزينتين وانكسار خفي إلى الشوارع والمباني والناس الذين يمرون سريعاً من خلف النافذة الزجاجية السميكة. كانت تشعر في أعماقها السحيقة وكأنها تُساق إلى حتفها الأخير وسجنها الأبدي المؤبد الذي لا خروج منه، وكل ذلك بطلب مباشر وتخطيط من عائلتها التي تخلت عنها في منتصف الطريق وتركتها تواجه المصير الأسود وحدها دون سند. لكن كبرياءها العشائري الأصيل، ودماء عائلتها الحارة التي تجري في عروقها بكبرياء وعزة، كانا يمنعانها بشدة من البكاء أو إظهار أي علامة من علامات الضعف والانكسار أمام هؤلاء الرجال الأعداء الذين يراقبون كل حركاتها وسكناتها بدقة.

وصلت السيارة الفاخرة أخيراً إلى قصر جاسر السيوفي، ذلك الحصن الحجري الضخم والمهيب الذي يرتفع في الأفق كقلعة قديمة مرعبة، ويبعث الرعب الحقيقي والرهبة الشديدة في قلوب كل من يراه أو يقترب من أسواره الحديدية العالية الممتدة. ترجلت إليف من السيارة بخطوات ثابتة ومدروسة للغاية، متناسية كل مخاوفها النسائية، ورفعت رأسها الشامخ عقولاً لتتأمل بتمعن ودقة هذا المكان الأثري الشاسع، المكان المظلم الذي سيكون من الآن فصاعداً سجنها الجديد ومدفن ذكرياتها القديمة وأحلامها الوردية المجهضة.

فتح الحراس الأشداء والمدربون الأبواب الكبرى المصنوعة من الحديد المطروق بدويّ رنان وقوي اهتزت له القلوب، ودخلت بخطى وئيدة وبطيئة إلى الردةة الرئيسية الواسعة التي كانت خالية تماماً من معالم الحياة والدفء الإنساني، إلا من بعض الخدم الذين كانوا يقفون في الزوايا المظلمة وينظرون إليها بأعين مليئة بالشفقة المكتومة والوجل الشديد، متسائلين في أنفسهم وبصمت حذر عن مصير هذه الفتاة المسكينة والجميلة التي دخلت بكامل إرادتها المجبرة إلى داخل عرين الأسد المفترس. صعدت إليف بخطى ثقيلة متعبة إلى الجناح المخصص لها بناءً على توجيهات جافة وصارمة من رئيسة الخدم، التي كانت تقودها بنظرات حادة تخلو من أي ود أو ترحيب بالعروس الجديدة.

كانت الغرفة واسعة بشكل مفرط ومخيف، تسودها الألوان الداكنة والقاتمة التي تعكس بوضوح شديد شخصية صاحب هذا القصر الباردة والقاسية التي لا تعرف الرحمة أو اللين في التعامل. جلست إليف على طرف الفراش الكبير الوثير، متشحة ببياض فستانها الناصع الذي بدا غريباً ومتناقضاً وسط هذه العتمة والظلال، تنتظر اللحظة الحاسمة والمرعبة التي تعلم في أعماقها أنها ستحدد مسار حياتها القادم بالكامل وتكشف لها ملاحقة ملامح قدرها الجديد المفروض عليها... لحظة مواجهة الطاغية جاسر السيوفي.

لم تطل فترة الانتظار المرعبة والمشحونة بالهواجس الكثيرة والأفكار المتضاربة، فبحوالي منتصف الليل تماماً، انفتح باب الجناح الفاخر بعنف شديد وقوة مفرطة جعلت أصداء الصوت تتردد برعب في أرجاء الغرفة الباردة. كان ذلك الاندفاع المفاجئ كفيلاً بأن يجعل قلبها يرتجف ويهتز بعنف شديد بين ضلوعها من المفاجأة والفزع، لكنها رغم الخوف الدفين والاضطراب حافظت بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة على ثبات ملامحها الخارجية دون أن يرف لها جفن أو تظهر ضعفها.

دخل "جاسر" إلى الغرفة بكامل هيبته الطاغية وجسده الفارع المهيب وقامته الشاهقة، وكانت عيونه الحادة كالصقر تخترق العتمة ويتطاير منها شرر الغضب الأعمى والحقد المتوارث بين العائلتين منذ عقود طويلة. أغلق الباب خلفه بقوة هائلة أرعبت السكون السائد وجعلت جدران الجناح تهتز بعنف، ثم تقدم نحوها بخطوات ثقيلة، واثقة، ومدروسة تحبس الأنفاس في الصدور وتثير الرعب. لم يتوقف إلا عندما أصبح أمامها مباشرة، متراساً بجسده الضخم العريض، ليغلق عليها كل ممرات الضوء تماماً ويغمرها بظله الضخم الذي يوحي بالسيطرة التامة والسلطة المطلقة التي لا يمكن ردعها.

مد جاسر يده الخشنة القاسية بخشونة بالغة وبحركة مباغتة وسريعة، ونزع الطرحة البيضاء عن وجهها ليجبرها على مواجهته والنظر إليه مباشرة، ليلتقي سواد عينيه الحادتين المليئتين بالوعيد والوجع والتهديد بعينيها الواسعتين اللتين، لشدة ذهوله وصدمته، لم تظهرا أي انكسار أو تراجع أو ذل أو انحناء، وهو تماماً ما أشعل فتيل غضبه المكتوم أكثر وأثاره بشكل جنوني لم يحسب له حساباً. ضغط على فكيه بقوة هائلة حتى برزت عظام وجهه وتصلبت ملامحه الرجولية القاسية، وقال بصوت منخفض جداً، حاد كالشفرة، لكنه يحمل نبرة تهديد مرعبة تقشعر لها الأبدان وتتجمد لها الدماء في العروق:

"أتظنين أنكِ أتيتِ إلى هنا لتكوني ملكة هذا القصر وتتحكمي في رجاله؟ لا يا بنت الراوي... أنتِ هنا مجرد دية، مجرد كفارة رخيصة ومجبرة ومسلوقة الكرامة عن الذنب الجسيم والخطيئة التي اقترفه شقيقكِ الساقط في حق عائلتنا ودمائنا. تذكري جيداً وتأكدي أن حياتكِ وحريتكِ منذ هذه اللحظة وحتى نهاية العمر أصبحت ملكاً لي وحدي أتلاعب بها كيفما أشاء، وسأجعل كل يوم تقضينه في هذا القصر بمثابة جحيم حي يذكركِ في كل ثانية وبكل قسوة بدم شقيقتي الغالي الذي سُفك برعونتكم واستهتاركم الطائش!"

لم ترمش إليف، رغم أن كلماته القاسية والسامة كانت كالمخانجر المسمومة التي تمزق كبرياءها وتطعن أنوثتها، وابتلعت غصتها المريرة بقوة وثبات شديد هز جدران غطرسته الطاغية وفاجأه، ثم رفعت ذقنها إلى الأعلى بنظرة كبرياء وشموخ وعزة تتحدى بها غضبه الطاغية العارم وثورته المتأججة التي تحرق الأخضر واليابس. وقفت بثبات راسخ ونظرت في أعماق عينيه المشتعلتين بنار الانتقام، وقالت بنبرة صوت واضحة، حاسمة، وقوية للغاية لا تشوبها أي رعدة أو خوف:

"أعلم جيداً وبكل وضوح لماذا أنا هنا يا جاسر بيه، وأعلم حجم الكارثة والدماء التي حدثت وتسببت في هذا الخراب كله وجعلتني ضحية. لكن تذكر أنت أيضاً وضعه في عقلك جيداً... أنا دخلت هذا القصر بكامل طوعي لأحمي عائلتي وأصلح خطأً كبيراً لم أرتكبه أنا بيدي، ولم أدخله جارية مستسلمة أو منكسرة لأي أحد كان مهما كانت قوته وسلطته. يمكنك بكل بساطة سلب حريتي الجسدية وجعلي سجينة جدرانك الباردة، لكنك لن تتمكن أبداً، وأقولها لك بثقة، لن تتمكن أبداً من كسر كبريائي أو إخضاع روحي التي لا تملكها!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل الحادي والعشرون و الأخير: فجر العهد الجديد

    مرت الشهور ثقيلة كالعواصف، لكنها حملت في طياتها التطهير الكامل لقصر عائلة السيوفي. بعد إحباط المكيدة الدنيئة، لم يرحم "جاسر" أحداً ممن تلطخت أيديهم بقطرة حقد ضد زوجته وطفله المنتظر؛ فقد استأصل جذور الفتنة وقضى على نفوذ عمه الخائن ورجاله تماماً، فارضاً سيادة مطلقة لا تجرؤ أي قوة في العشيرة على زلزلتها. وبقدر ما كان وحشاً كاسراً في مواجهة أعدائه، كان مع "إيف" واحة من الحنان والهوس الدافئ، يحيطها برعاية مفرطة ويعد الأيام والدقائق ليرى ثمرة حبهما. وجاءت ليلة المخاض في شتاء قارص، ليلة حبس فيها القصر أنفاسه مجدداً. كان جاسر يذرع الرواق المؤدي إلى الغرفة بخطوات مضطربة، وعروق عنقه بارزة من فرط الخوف والتوتر، بينما السيدة "أمينة" في الداخل تشرف على الولادة. لأول مرة، شعر الرجل الطاغية بالضعف أمام القدر، يدعو بكل جوارحه أن تخرج حبيبته سالمة. ومع بزوج الفجر، شق سكون القصر صوت بكاء حاد ونقي، صوت أعلن ولادة وريث العشيرتين. اندفع جاسر إلى الداخل كالإعصار، متجاوزاً الجميع، ليتسمر في مكانه وعيناه تلمعان بدموع حبسها لسنوات. كانت إيف تستلقي على الفراش الأبيض، شاحبة ولكنها تشع بجمال ونبل أسطوري،

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل الثامن عشر: اقتلاع الأنياب

    لم تكد تمر ساعات قليلة على فضيحة ليلة عشاء الصلح وإحباط مكيدة العصير المسموم، حتى تحول قصر عائلة السيوفي إلى ثكنة عسكرية يملأها الرعب. لم يكن "جاسر" رجلاً ينام على إهانة، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمحاولة إنهاء حياة وريثه وتسميم زوجته "إيف"؟ كان هوسه بها يتغذى على هذا الخطر، محولاً إياه إلى إعصار مدمر لا يبقي ولا يذر. في قبو القصر المظلم، حيث لا يصل شعاع الشمس، كان العم الأكبر "أبو طارق" يجلس مقيداً إلى كرسي حديدي، والذعر قد أكل ما تبقى من كبريائه الزائف بعد أن حاصره رجال جاسر واعتقلوه مع رجاله في عتمة الليل. انفتح الباب الحديدي الثقيل ليدخل جاسر بخطوات بطيئة ومنتظمة، تُحدث ضربات حذائه على الأرض رنيناً مرعباً في السكون. كان قميصه الأسود مفتوحاً عند العنق، وعيناه تشعان بنور أحمر قاتم يشبه جمر الجحيم. لم ينطق بكلمة؛ بل تقدم وعلامات الجبروت تعلو ملامحه الشامخة، وسحب كرسياً وجلس قبالة عمه، واضعاً يديه القويتين على ركبتيه. قال أبو طارق بنبرة ترتجف محاولاً استجداء العاطفة العشائرية: — "جاسر.. أنا عمك، وكبير العائلة بعد والدك الراحل! لا يمكنك معاملتي كخائن من أجل فتاة غريبة.. الدم ل

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل العشرون: مواسم الفرح الشامل

    لم يكن قصر عائلة السيوفي قادراً على استيعاب كل هذه الفيضانات من البهجة؛ فعواصف السنين تلاشت في أيام معدودة، وحلّ مكانها ربيع دافئ طال انتظاره. كان قرار "جاسر" حاسماً ومزلزلاً للبلدة بأكملها: إقامة أكبر احتفال شهده تاريخ العشائر، ليس فقط للاحتفال بقرب وصول وريثه من زوجته المحبوبة "إيف"، بل لإعلان المعجزة الكبرى أمام الملأ.. عودة شقيقته "نور" حية ترزق، وسقوط كل قطرة ثأر أو دم قديم بين العائلتين للأبد. في بهو القصر والحدائق الشاسعة التي زُينت بالأنوار المبهجة والأقمشة الحريرية الفاخرة، اجتمع كبار العشائر من كل حدب وصوب. وكان على رأس الحاضرين "ساهر"، شقيق إيف، الذي أقبل وعلى وجهه ابتسامة ارتياح عارمة؛ فقد زال عن كاهل عائلته عبء ذنب لم يقترفوه، وصار وقوفه بجانب جاسر وقوف حليف وصهر مخلص، لا أسير صكوك وأوراق. تقدم جاسر بجسده الضخم الشامخ ممسكاً بيد إيف التي كانت تبدو كحورية هاربة من الأساطير بفستانها المخملي الذي يبرز معالم حملها المتقدم بشكل ساحر ومتألق. وقف جاسر وسط الديوان الكبير، ورفع يده معلناً الصمت، ثم قال بصوت جهوري هز القلوب: — "يا كبار عشيرتنا وأهلنا.. جئنا اليوم لنعلن أن ر

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل التاسع عشر: عودة الروح

    بعد العاصفة التي اقتلع فيها "جاسر" أنياب الفتنة وطرد عمه الخائن، حلّ على قصر عائلة السيوفي هدوء دافئ لم يعهده أحد من قبل. كانت أشهر الحمل تمر بسلام، و"إيف" تشع جمالاً ونبلًا وهي تتحرك بين جدران القصر كملكة متوجة، يحيطها جاسر بهوس وحماية مفرطة يوماً بعد يوم. لكن القدر كان يخبئ لهما مفاجأة تفوق كل الخيالات، مفاجأة ستغسل رماد الندم القديم بالكامل. في صباح أحد الأيام المشمسة، توقفت سيارة سوداء فاخرة غريبة أمام البوابة الرئيسية للقصر. ترجل منها شاب وقور ذو ملامح هادئة ببدلة رسمية، لكن المفاجأة الصادمة كانت في من خرجت خلفه من السيارة؛ فتاة في مقتبل العمر، ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً، وتمشي بخطوات بطيئة مستندة على ذراعه. كانت السيدة "أمينة" تقف في الشرفة العلوية برفقة إيف، وبمجرد أن وقعت عيناها على ملامح الفتاة، سقط كوب الشاي من يدها ليتناثر زجاجاً على الأرض، وشحب وجهها كالرماد وهي تهمس بصوت واهن يرتجف: — "غير معقول.. مستحيل! إنها.. إنها ابنتي (نور)؟!". نزلت السيدة أمينة وإيف ركضاً نحو البهو السفلي، وفي نفس اللحظة خرج جاسر من مكتبه على إثر جلبة الحراس. تجمّدت الدماء في عروق جاسر، وات

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل السابع عشر: أنياب تحت عباءة الود

    لم تكن انحناءة شيوخ العشيرة أمام خبر حمل "إيف" سوى هدنة مؤقتة، ورداء مزيف من الفرح والسرور ارتداه البعض ليفسحوا المجال لمؤامرة أكثر دهاءً وقسوة. فبينما كانت السيدة "أمينة" غارقة في ترتيبات استقبال حفيدها القادم، وكان "جاسر" يحيط زوجته بهوس وحماية لم يسبق لها مثيل، كانت هناك أعين مظلمة تراقب هذا الاستقرار بحقد يغلي. لقد أدرك الطامعون في نفوذ عائلة السيوفي، وعلى رأسهم "أبو طارق" (العم الأكبر لجاسر)، أن ولادة هذا الطفل تعني شيئاً واحداً: نهاية صراع الدم والعشائر للأبد، وتوحد عائلتي الراوي والسيوفي تحت راية وريث واحد. هذا الاتحاد كان سيقضي تماماً على أحلام العم في السيطرة على مجلس العشيرة واقتسام أراضي الحدود المتنازع عليها، لذا قرر أن يُحبط هذا السلام بمكيدة دنيئة تصيب جاسر في مقتل.. عبر إيف وجنينها. استغلت الأيدي الخفية ليلة "عشاء الصلح الكبرى" التي أقامتها العشيرة في ديوان العائلة لإعلان انتهاء الخلافات رسمياً. كان الديوان يغص بالحضور، والابتسامات المنافقة تعلو الوجوه. جلس جاسر بجانب إيف التي كانت تشع وداً ورقة وهي ترتدي ثوباً مخملياً فضفاضاً يخفي معالم حملها الأولي، بينما عيون ج

  • زواج مصلحة :صفقة العمر.... أم قفص من ذهب    الفصل السادس عشر: مهد السلام الجديد

    وقع خبر الحمل على شيوخ العشيرة كالصاعقة التي شلت حركتهم وألجمت ألسنتهم. تحول بهو قصر عائلة السيوفي من ساحة حرب تغلي بالوعيد والتهديد بمقتل طارق، إلى صمت مهيب ومطبق. كانت النظرات تتركز بذهول على يد "إيف" المستقرة بحنو فوق بطنها، ثم تنتقل إلى "جاسر" الذي كان يقف كالجبل الشامخ، محيطاً خصر زوجته بذراعه القوية في مشهد تملك واضح يعلن فيه للجميع أن المساس بها أو بطفلها هو مساس بحياته شخصياً. بدأت همسات الشيوخ تتعالى، فالأعراف العشائرية الصارمة التي يحكمون بها تنص على أن وريث القصر القادم يحمل حصانة مطلقة، وأن مجرد التفكير في إشعال حرب دم قد تؤذي الأم أو الجنين يُعد خطيئة لا تغفرها العائلات. تقدم كبير الشيوخ بخطوات وقورة، ونظر إلى جاسر ثم إلى إيف، وتنهد بعمق قائلاً بنبرة تلاشت منها العدائية وحل مكانها التسليم: — "لقد حسمتِ الأمر يا سيدة إيف.. وجئتِ بما يخرس الألسن ويحقن الدماء. طارق أخطأ في حق العرض والدم، وموته كان نتيجة طيشه وخيانته للأعراف. واليوم، هذا الطفل القادم يحمل دماء عائلة السيوفي وعائلة الراوي معاً.. إنه مهد السلام الجديد بيننا، ولن يسمح أحد منا بأن تمسه يد بسوء". أومأ بقي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status