登入بعد يومين... سمح الطبيب بخروج "كيان" وطفلتها من المستشفى، طوال الطريق... لم تنطق "كيان" إلا بكلماتٍ قليلة، كانت تضم صغيرتها إلى صدرها بحرصٍ شديد، وكأنها تخشى أن تغفل عنها للحظة، أما "راغب"... فكان يقود السيارة بصمت، يلقي بين الحين والآخر نظرات خاطفة نحو المرآة الأمامية... ليطمئن أن كلتيهما بخير.ما إن توقفت السيارة أمام الفيلا... حتى كان الخدم قد اصطفوا لاستقبالهما، تقدمت "لينا" أولًا، ثم ساعدت "كيان" على النزول، لم تسمح "كيان" لأحد أن يحمل الصغيرة عنها، ابتسمت "لينا" قائلة:— يبدو أن أحدًا لن يتمكن من انتزاعها من بين ذراعيك.خفضت "كيان" بصرها إلى ابنتها، ولأول مرة منذ أيام... ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، قالت بهدوء:— لقد انتُزع مني الكثير... أما هي... فلن أتركها ما حييت.ساد الصمت للحظة، شعر "راغب" بوخزةٍ في قلبه، كان يعلم... أن كلماتها لم تكن موجهة إلى الطفلة وحدها.دخلت "كيان" غرفتها، وضعت الصغيرة برفق داخل المهد الذي كان قد أُعد لها قبل أسابيع، ظلت واقفة أمامها... تتأمل ملامحها وهي نائمة.اقترب "راغب" ببطء، وقف إلى جوارها، ولم يتحدث، اكتفى بالنظر إلى طفلته، ثم قال بعد لحظات:
لم تنظر إليه، وظلت تربت بأطراف أصابعها على ظهر الصغيرة، ثم أجابت بهدوء شديد:— لا.كانت كلمة واحدة... لكنها حملت بين حروفها جدارًا كاملًا من البرود، ساد الصمت من جديد، فنظرت "لينا" إلى "راغب"، ثم قالت محاولةً تخفيف الأجواء:— أظن أن الصغيرة تشبه أمها.ابتسمت "كيان" ابتسامة باهتة... كانت الأولى منذ أن استعادت وعيها، لكنها كانت لطفلتها... لا لشيءٍ آخر، همست وهي لا تزال تحدق في وجهها:— سأحميك... لن أسمح لأحد أن يسلبك من تحبين... كما سُلِب مني أبي.تجمد "راغب" في مكانه، وعادت تلك الكلمات... لتغرس ألمًا جديدًا في صدره، أطرق رأسه في صمت. أما "لينا"... فالتفتت إلى "كيان" بقلق، كانت تدرك أن جسدها قد تعافى من الولادة... لكن روحها... ما زالت عالقة في تلك اللحظة... التي انهار فيها كل ما كانت تؤمن به عن ماضيها.❈-❈-❈ساد الصمت... صمتٌ ثقيل، لم يجرؤ أحد على كسره، كانت "كيان" تضم ابنتها إلى صدرها بحذر، وكأنها تخشى أن يختطفها القدر منها إن أرخَت ذراعيها لحظةً واحدة.أما "راغب"... فلم يرفع عينيه عنها، لم يكن ينظر إلى زوجته فحسب... بل إلى المرأة التي تغيرت في أيامٍ قليلة، حتى كاد لا يعرفها، دخلت المم
نظر إليها "راغب" سريعًا، وربت برفق على يدها، وقال مطمئنًا: — لا تقلقي... إنها بخير. لكن القلق لم يفارق عينيها، تشبثت بيده أكثر، وقالت بصعوبة: — أين هي...؟ أريد أن أراها... أرجوك. ثم اغرورقت عيناها بالدموع وهي تهمس: — أخبرني... هل هي بخير حقًا؟ كانت "لينا" تقف بالقرب من النافذة تراقبهما بصمت، فاقتربت منهما، ثم أمسكت يد "كيان" الأخرى برفق، وقالت بابتسامة حانية: — اطمئني يا كيان... ابنتك بخير، وقد رأيتها بنفسي، إنها جميلة... كالقمر. التفتت "كيان" إليها بسرعة، ولم تسأل عن نفسها... ولا عن آلامها... ولا عن العملية، بل خرج منها السؤال نفسه مرة أخرى، وقد اختلط بالخوف واللهفة: — أحقًا؟ أهي بخير؟ ابتسمت "لينا" وهي تومئ برأسها. — نعم... بخير، ولله الحمد، صغيرة جدًا... وهادئة أيضًا. تنفست "كيان" بارتياح، ثم أغمضت عينيها للحظة، وانحدرت دمعتان دافئتان فوق وجنتيها، وهمست: — الحمد لله... مد "راغب" يده، ومسح دموعها برفق، وقال مبتسمًا: — ما إن يسمح الطبيب بذلك... ستكون بين ذراعيك. لكنها هزت رأسها بخفة، ثم نظرت إليه بعينين امتلأتا بالشوق، وقالت برجاء: — لا أريد الانتظار... أريد أن أر
رفع عينيه نحو "كيان"، واقترب منها، جلس إلى جوارها، وأمسك يدها برفق.كانت لا تزال دافئة... لكنها ساكنة.رفعها بين كفيه... ثم طبع قبلة طويلة فوق ظاهرها.وقال بصوتٍ مبحوح:— أنا آسف... آسف لأنك تحملتِ كل هذا وحدك.ولأنك تألمتِ... وأنا لم أكن أعرف حجم الألم الذي يسكن قلبك.ابتلع غصته بصعوبة.ثم أردف:— أقسم لك... سأعرف الحقيقة.مهما كلفني الأمر، وسأعيد لك حق والدك...إن كان قد سُلب بالفعل.ولن أسمح لأحد... أن يؤذيك مرةً أخرى.تحركت "كيان" حركةً خفيفة.واهتزت رموشها ببطء.خرج منها همسٌ واهن... يكاد لا يُسمع:— ...بابا...أغمض "راغب" عينيه بألم، ثم قرب يدها من شفتيه مرةً أخرى.وقال بصوتٍ غلبته دموعه:— نامي الآن... حين تستيقظين...ستجدينني هنا.أنا... وابنتنا.ولن أترك يدك أبدًا.❈-❈-❈داخل صالة الألعاب الخاصة به...كان "فارس" ينهي مجموعته الأخيرة على جهاز الأوزان.تساقطت قطرات العرق فوق جبينه، بينما كان يلتقط أنفاسه ببطء.ألقى المنشفة فوق كتفه... ثم جلس على أحد المقاعد القريبة.أخرج هاتفه من جيبه، فتح "فيسبوك" على سبيل قتل الوقت.بدأ يمرر المنشورات بلا اهتمام.خبر... إعلان... صورة...ثم عق
لم يكن الوقت يمر... بل كان يزحف ببطءٍ قاتل.داخل الممر الطويل المؤدي إلى جناح الطوارئ...كان "راغب" يقف أمام باب الغرفة المغلق، وعيناه معلقتان بالمصباح الأحمر أعلى الباب، وكأن انطفاءه وحده سيعيد إليه أنفاسه.كانت كفاه ملطختين بآثار الدماء التي لم ينتبه إليها حتى الآن.دماء "كيان"... ودماء طفلتهما.كان يسمع أصوات الأجهزة من الداخل... وصوت الأطباء يتحركون بسرعة...وكل صوتٍ جديد كان يغرس سكينًا جديدة في صدره.مرر يده المرتجفة فوق وجهه... ثم أسند ظهره إلى الحائط.أغمض عينيه بقوة. لكن المشهد ظل يطارده...صرخاتها... دموعها...وكلماتها التي مزقت قلبه قبل أن تمزق سمعه."أعيش مع قاتل أبي..."ابتلع ريقه بصعوبة.لأول مرة... يشعر بهذا القدر من العجز.فلو كان الألم جسديًا... لاستطاع تحمله عنها.أما هذا الألم... فلم يكن يعرف حتى كيف يقترب منه.---اقتربت "لينا" منه بخطوات هادئة.كانت قد وصلت منذ دقائق بعد أن اتصل بها أحد أفراد المنزل.توقفت أمامه... ورأت الشحوب الذي غطى وجهه.قالت بصوتٍ منخفض:— راغب...لم يجب، كان لا يزال ينظر إلى الباب.رفعت يدها وربتت على كتفه برفق.— ستصبح بخير... بإذن الله.أط
مرَّ يوم... ثم يومان... ثم ثلاثة... والوضع بينهما لم يتغير.كانت "كيان" تؤدي ما عليها في صمتٍ كامل.تستيقظ، تتناول دواءها إن ذكرها أحد، ثم تجلس لساعات طويلة أمام النافذة، تحدق في الفراغ، وكأن عقلها عالق عند تلك اللحظة التي سمعت فيها كلمات والدتها.أما "راغب"... فلم يترك محاولة إلا وفعلها.جلس معها، حدثها، حاول أن ينتزع منها ولو كلمة واحدة.لكنه في كل مرة... كان يصطدم بذلك الجدار الصامت، حتى بدأ يشعر بالعجز.---وفي صباح اليوم الرابع... دخل الغرفة وهو يحمل صينية الطعام بنفسه.اقترب منها، ووضعها أمامها، ثم قال بهدوء:-يكفي يا كيان... لم تعودي تأكلين كما يجب، وهذا يضر بك وبالطفل.لم ترفع رأسها، أعاد المحاولة:-حتى لو كنتِ غاضبة... لا تعاقبي نفسك.بقيت على صمتها، زفر بضيق، ثم جلس أمامها مباشرة.-إلى متى ستظلين هكذا؟ثم قال بحذر:-إن كنتِ غاضبة من والدتك... فأنا مثلك، فقد حاولت قتل أبي أمام عيني.أما إن كان هناك شيء آخر... فتحدثي، أرجوكِ.ظل ينظر إليها منتظرًا... وفجأة... تحركت.رفعت رأسها نحوه ببطء، ولأول مرة منذ أيام.. نظرت إليه مباشرة.لكن تلك النظرة... لم تكن تحمل دفئها المعتاد.بل كان
اشتعلت السخونة في وجهها فور رؤيته، وسرعان ما أبعدت عينيها عنه. فقد كان قد خرج من الحمّام للتو، يكتفي بارتداء بنطال أسود قطني، بينما بقي جذعه العلوي عاريًا. ابتلعت ريقها في ارتباك، وحاولت أن تستعيد توازنها، ثم أجابت بصوت مهتز قليلًا: - سأنام. اقترب منها قبل أن تتمدد على الأريكة، وأمسك بذراعها ليو
أغمض عينيه كاتمًا انفعاله، كي لا ينهال عليها بصفعات متعاقبة، عقابًا على ما أقحمته فيه، وهدر بعد أن فتحهما: -إذًا بمَ تفسّرين سبب تعبه؟ قضمت شفتيها بغلٍ من هديرة المستثير لأعصابها، وقالت بنبرة مزعوجة: -ربما يكون قد عاد من السفر فجأة لأنه متعب. لغوها الفارغ، وثرثرتها التي لا يوجد منها فائدة لا
بدا حفل عقد القران وكأنه مشهد مُعدّ بعناية، تزيّنت فيه الوجوه بابتساماتٍ مصطنعة، ورُسمت على الملامح علامات سرورٍ متكلفة، فقط ليبدو الجمع أمام الحضور وكأنه مناسبة سعيدة مكتملة. خاصة أولئك الذين استغربوا التوقيت؛ فالموت لم يمضِ عليه سوى شهرٍ واحد، وكان من الصعب عليهم تقبّل إقامة مثل هذه المناسبة بهذه
فستان العرس، حين يُقدَّم عادةً للعروس كهدية من العريس، يكون لفتةً رقيقة تبقى عالقة في الذاكرة وتترك أثرًا دافئًا في القلب. غير أن الأمر معها كان مختلفًا تمامًا. كانت تحدّق بسخرية في العلبة المفتوحة فوق السرير، حيث بدا فستان أبيض أنيق التصميم، لو أنها رأته في ظرفٍ آخر لأُعجبت به وبكل تفاصيله الراقي







