تسجيل الدخولأغمض عينيه كاتمًا انفعاله، كي لا ينهال عليها بصفعات متعاقبة، عقابًا على ما أقحمته فيه، وهدر بعد أن فتحهما:
-إذًا بمَ تفسّرين سبب تعبه؟ قضمت شفتيها بغلٍ من هديرة المستثير لأعصابها، وقالت بنبرة مزعوجة: -ربما يكون قد عاد من السفر فجأة لأنه متعب. لغوها الفارغ، وثرثرتها التي لا يوجد منها فائدة لا تسمح له بالتفكير، ضغط على مقدمة رأسه بكفه بصبر نافذ، وصاح بها بانفعال: -اصمتي يا سمية الآن، لا أستطيع التفكير من كثرة كلامك. نظراته ناحيتها تنعكس فيها عدائية غريبة، جعلتها تشرد للحظة في أمره. بينما هو بعد تفكير رأى ألا يستبق الأحداث، خاصة وأن الطبيب ما يزال معه بالأعلى، ولم يعرف بعد ما حل به، لذلك هتف بجمود: -دعنا نرى ما سيقوله الطبيب أولًا. رمقته بنظرات اختفى منهما الارتياح نحوه، ولكنها ظلت على صمتها، تنتظر جواره نزول الطبيب حتى يعلمان منه ما طرأ على زوجها بغتةً. انتبها بعد لحظات للطبيب وهو يهبط الدرج، تقدما منه بتعبيرات متفاوتة في الاهتمام والخوف كذلك، وتكلمت "سمية" بلهفة نجحت في اصطناعها: -ما به بكر يا دكتور؟ تنهد ببعض الوجوم، ثم أخبرهما بأسفٍ: -أصيب بكر بيه بارتفاع مفاجئ في ضغط الدم، أدى لحدوث نزيف في الدماغ نتج عنه جلطة دماغية. صمت للحظة وهو يرى تأثير ما قاله على وجهيهما الذي انتشر فيهما الصدمة، ثم أضاف بنفس النبرة الآسفة: -والجانب الأيسر من الجسم قد تضرر. تشكل على وجه "نوح" التخبط الذي اختلط بشيءٍ من الحزن، وتساءل: -كيف تضرر؟ وجه الطبيب نظره إليه وأجابه موضحًا: -للأسف أصيب بالشلل. توسعت مقلتيه بصدمة أشد، في حين كان عقل الأخرى لم يكف عن التفكير، وعندما وقع على سمعها الخبر الصادم، تساءلت بتوجسٍ غريب: -أيعني لن يستطيع المشي مرة أخرى؟ هز رأسه لها بتأكيدٍ وتحدث مطنبًا في الإيضاح: -لن يستطيع المشي، ويده اليسرى لن يتمكن من تحريكها، وهناك احتمال لوجود مشكلة في الكلام لديه. وكأن نجدة من السماء نزلت عليها، لتنقذها من الحدث الراهن، فمرضه سيمنحها المزيد من الوقت للتفكير جيدًا، وترتيب أمورها تحسبًا لأي أمر متوقع، أخفت ما ظهر على وجهها من تعبيرات شيطانية، وهي تستمع إلى سؤال "نوح" الموجه إلى الطبيب: -هل هناك علاج يا دكتور؟ رد عليه بهدوء وبطريقة علمية وهو يوزع نظراته بين كليهما: -الشلل النصفي الشفاء كليًا منه أمر غير ممكن، لكن مع التقنيات الحديثة هناك أمل في تحسن كبير، وأن يعود للحركة مرة أخرى أمر محتمل، لكنه لن يكون كما كان سابقًا بالطبع. مهد لها عجزه في ذلك الوقت الطريق لفعل الكثير، فقد خدم مصالحها، وسهل تنفيذ بعض خططها، عاثت، وأساءت، وازدادت في شرورها، خوفها من افتضاح أمرها أجهز على ما تبقى من إحساس بالضمير ينبض داخلها، وقضى على إنسانيتها، فما قامت به بعد ذلك اليوم يجعلها تتفوق على إبليس في مكائده وشره. ❈-❈-❈ مشاعر الحب الحبيسة، تحتاج لخبير في أمور العشق، حتى يحررها، ويحولها لأخرى أكثر شغفًا، ولهفة، وهذا ما نجح فيه "فارس"، استطاع بلا مجهود يذكر، بحنكته، وتأثيره الكبير عليها، في التحكم بمشاعرها، وتخويلها حسب رغبته، فلم يحتاج للتأني والتريث حتى يتمكن من فرض سيطرته على جسدها، الذي يصرخ بالشوق، كلما اقترب منها بضمة، أو لسرق قبلة، وهذا ما جعله يتمادى مع الوقت، ويزيد من جرعة الأشواق كل مرة، حتى يشعر بها تزوي بين يديه، ولكن قبل الوصول للحظة الفارقة، ما يوقفه عند حده هو إنذار الخطر، الذي ينبهه لفرق الطبقات بينهما، ولنفوذ عائلتها القادرة على تدميره في لحظة، إن استجاب لغريزته في الحصول على متعة تقدم له على طبق من فضة. سعادة من نوعٍ آخر تغمرها بوجوده، فهو قادر على جعلها تنسى العالم بأسره وهي بين يديه، يضمها بحنوٍ، ويمدها بكل الدفء والعواطف التي تفتقر لمثلها، والتي اتضح أنها بحاجة ماسة لها. قرر قتل الروتين خلال قيادته للسيارة، وهي إلى جواره تصرخ بخوف تارة، وبحماسٍ تارة أخرى، وهو يزيد من سرعته، ويتمايل بسيارته بحركات مفاجئة، حتى تعبا من الحركة الزائدة، فأوقفها على أحد جانبي الطريق، وما تزال أصوات الضحك تسري في السيارة، وصدى صوتها في المكان، وما إن هدآ واستعادا اتزانهما، التفت لها بجسده وابتسامته الجذابة مزينة ثغره، يشملها بنظراتٍ تظهر لها والهة، وإنما هي متعطشة، وسألها باهتمام: -هل أنتِ سعيدة؟ لم تختفِ البسمة من فوق وجهها، فقد اتسعت أكثر بسؤاله، وأجابته بتأكيدٍ، وعيناها لامعتان بوميض عشق تخصه به بنظرتها الهائمة به: -نعم، سعيدة جدًا يا فارس. تلمس بيده جانب وجهها بحنانٍ، وتكلم مستفسرًا: -حسنًا، أين تريدين أن نذهب؟ وضعت يدها فوق يده المحتوية وجنتها، ومالت عليها قليلًا تمرغ وجهها بكفه، وأردفت بعاطفةٍ: -أي مكان تحبه، المهم أن أبقى معك. حفزه ردها، ودفعه للاقتراب منها، لنيل بعض المتعة غير المشروطة، فالتقم شفتيها بقبلة امتزج بها الشعور بكل ما هو باعث على تأجيج الرغبة وإثارة الأشواق، وبعدما قاربت على الذوبان، ابتعد عنها وهو يقترح بلهاث وأنفاسٍ متثاقلة: -هل نذهب إلى شقتي قليلًا. من بين ثمالتها بدفقة الحميمية التي تسربت إلى أعماقها، انتبهت لعبارته، ففتحت عينيها نصف فتحة، وقد غلبها خمول لذيذ من أثر المشاعر المتداخلة. وعندما التقط هو في نظراتها شيئًا من الاستفهام، أضاف موضحًا: - بدل أن نواصل التجوال بالسيارة، قد يرانا أحد. رمقته بنظرة لا تزال مشوبة بالدهشة، ومع ذلك لمحت في ملامحه تحمسًا خفيًا. ورغم أن الفكرة بدت لها غريبة في البداية، إلا أن منطقه البسيط أقنعها؛ فاحتمال أن يراهما أحد وارد، وقد يتحول الأمر إلى خبر متداول بسرعة، خاصة بين من يتربصون بها. وهي كانت تفضّل أن تبقى علاقتهما بعيدة عن الأعين، حتى يحين الوقت المناسب للإعلان الرسمي. وبعد صمتٍ طال أكثر مما توقع، فاجأته بموافقتها، وقد ارتسم على وجهها هدوء مصطنع ونبرة ناعمة: - حسنًا، لا أمانع. تسلّل إليه شعور بالرضا، ممتزج بنشوة خفيفة من قدرته على دفعها لتقبل اقتراحه بسهولة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة واثقة، بينما أدار المحرك، واتجه بالسيارة نحو منزله، منشغلًا بتفكير صامت حول ما يمكن أن تؤول إليه علاقتهما؛ تلك العلاقة التي تجمع بين المال والجمال والنفوذ، والتي لم يتوقع يومًا أنها ستنحني بهذه البساطة لرغبته، دون أن تطلب هي أي التزام واضح أو خطوة رسمية. ❈-❈-❈ هناك آلام لا تشبه الألم الجسدي؛ فهي تمس الروح أولًا، ثم تترك الجسد يتأخر في إدراكها. فالجسد قد يشفى مع الوقت، أما ما ينكسر في الداخل فيبقى معلّقًا بين الذاكرة والصمت. بعد تجربة فُرضت عليها قسرًا، تركت في داخلها ارتباكًا عميقًا، كان النوم ملاذها الوحيد من ثقل ما حدث. وحين استيقظت، وجدت نفسها في غرفة لا تعرفها جيدًا، وعلى فراش لم تألفه بعد. ثم بدأت الذكريات تعود تدريجيًا… كل ما سبق لحظة نومها عاد يطفو على السطح، ببطء موجع. التفتت برأسها، فوجدته ما يزال نائمًا على الجانب الآخر من الفراش، ممدد الجسد، وملامحه غارقة في هدوء لا يشبه ما بداخلها من اضطراب. بقيت ثابتة في مكانها، تتجنب حتى صوت أنفاسها. شعور ثقيل استقر في صدرها، مزيج من الخزي والارتباك والإنكار. نهضت ببطء، والتقطت ثيابها المبعثرة عند طرف السرير، وارتدتها على عجل، كأنها تحاول استعادة مسافة آمنة بين جسدها والعالم. ثم اتجهت نحو الحمام بخطوات محسوبة، تتجنب أي صوت قد يوقظه. لم تكن ترغب في مواجهة، ولا حتى في نظرة صباحية عابرة. وقفت أمام المرآة، وبدأت تغسل وجهها بعنف خفيف، كأنها تحاول محو أثر الليلة الماضية من ملامحها. كانت تمرر الماء مرارًا، وكأنها تريد إزالة ما هو أعمق من المكياج… تريد إزالة اللمسة ذاتها. تجمعت الدموع في عينيها دون مقاومة، وانسابت بصمت. لم تكن تبكي بصوت، بل بانكسار داخلي صامت، كأنها ترى انعكاس امرأة لا تشبهها. غادرت الحمام بعد وقت، واتجهت إلى الغرفة الأخرى ملفوفة بمنشفة. وبينما كانت تخرج ثيابها من حقيبتها غير المرتبة، توقفت فجأة. سمعت خطوات تقترب. التفتت بسرعة، وقد ارتسم الذعر على ملامحها، لتجده على مقربة منها، لا يزال نصف غارق في أثر النوم، وملامحه تحمل هدوءًا خاملاً. نظر إليها للحظة، ثم قال بصوت خافت متحشرج: - صباح الخير.إلى قرّائي الأعزاء… روايتي «عُدتُ باسمٍ لا يعرفه… ليقع في حبي من جديد» قيد النشر الآن إذا كنتم تحبون الروايات التي تجمع بين الحب، الغموض، الأسرار، الانتقام، والمشاعر المتناقضة… فأعتقد أن هذه الرواية ستأخذكم في رحلة مختلفة تمامًا. هناك أسرار لم تُكشف بعد، وشخصيات تحمل الكثير خلف هدوئها، وحكاية حب ستجعلكم تتساءلون طوال الوقت: هل يمكن للحب أن يجد الشخص نفسه من جديد… حتى لو لم يعرفه؟ إذا أثارت الرواية فضولكم، أضيفوها إلى مكتبتكم وتابعوا فصولها القادمة، ولا تنسوا أن تخبروني برأيكم في كل فصل. تعليقاتكم وتوقعاتكم تعني لي الكثير، وقد تكون توقعاتكم أقرب للحقيقة مما تتخيلون… أتمنى أن تستمتعوا بهذه الرواية الحكاية بدأت… فهل ستتمكنون من كشف الحقيقة قبل أبطالها؟
بعد ثلاثة أعوام... لم تعد الفيلا هي المكان نفسه. ذلك المنزل الذي شهد يومًا صرخات... وخصامًا... وفقدًا... ودموعًا... كان يمتلئ الآن بأصوات مختلفة تمامًا. ضحكات أطفال. في الحديقة الواسعة... كانت "رها" تركض فوق العشب بساقيها الصغيرتين. تضحك بصوت مرتفع. ثم تلتفت خلفها كل عدة خطوات. وخلفها... كان أحمد الصغير يحاول اللحاق بها. يركض بخطوات غير متزنة... يتعثر أحيانًا... ثم يعاود الوقوف. صرخت "رها" وهي تضحك: — لن تمسكني! واصل الصغير الركض خلفها. حتى توقفت هي عمدًا. فأمسك بطرف ثوبها. ثم انفجرا معًا بالضحك. وفي الجهة الأخرى من الحديقة... كانت "كيان" تراقبهما. ابتسامة هادئة تستقر فوق شفتيها. لم تشعر باقتراب "راغب" منها... إلا عندما أحاطها بذراعيه من الخلف. أسندت جسدها إليه بصورة تلقائية. ووضع "راغب" ذقنه فوق كتفها. ثم نظر إلى الطفلين. وقال: — يبدو أن رها وجدت من تعذبه بدلًا مني. ضحكت "كيان". — أنت من علمتها الدلال. — ما زلتِ تصرين على اتهامي؟ — لأنك مذنب. ضحك. ثم انتقلت إحدى يديه ببطء... واستقرت فوق بطنها المنتفخة. وما إن فعل... حتى تحرك الجنين. توقف "را
تجمدت في مكانها. حدقت فيه... وكأنها تنتظر منه أن يبتسم ويخبرها أنه يمزح. لكنه لم يفعل. كان جادًا تمامًا. قالت بذهول: — نوح... ابتسم. — أعرف أن الأمر مفاجئ. — بل مفاجئ جدًا. ضحك بخفة. ثم قال: — ولهذا لن أطلب إجابتك الآن. رفعت حاجبها. — حقًا؟ — حقًا. صمتت "يسر" قليلًا. ثم نظرت ناحية ابنتها التي كانت تضحك بسعادة إلى جوار "يوسف". وعادت تنظر إليه. ارتسمت ابتسامة خجولة فوق شفتيها. وقالت: — سأجيبك... بعد انتهاء الفرح. رفع "نوح" حاجبه. — أهذا يعني أن هناك أملًا؟ حاولت إخفاء ابتسامتها. — قلت بعد انتهاء الفرح. ضحك. — حسنًا... سأنتظر. ابتعدت "يسر" عنه وهي تهز رأسها مبتسمة. أما "نوح"... فظل واقفًا مكانه. يتابعها بعينيه. والابتسامة لا تفارق وجهه. ربما... لم يكن العمر قد انتهى بعد. وربما كان من حقه هو الآخر... أن يبدأ من جديد. ❈-❈-❈ بعد عدة أشهر... كان الهدوء الذي يميز المستشفى ليلًا قد اختفى تمامًا أمام غرفة الولادة. كان "فارس" يتحرك ذهابًا وإيابًا أمام الباب للمرة التي لم يعد يستطيع عدها. يجلس دقيقة... ثم يقف. يمسك هاتفه... ثم يعيده إلى جيبه. ينظر إل
مرّت الأيام...وبدأت الحياة، شيئًا فشيئًا، تستعيد هدوءها بعد كل ما حدث، لم تختفِ الجراح تمامًا، ولم تُمحَ الذكريات المؤلمة من القلوب، لكن الجميع تعلموا أن بعض الأشياء لا تُنسى... وإنما نتعلم فقط كيف نعيش بعدها.وجاء اليوم الذي انتظره الجميع...يوم زفاف "يوسف" و"داليدا".منذ ساعات الصباح الأولى، كانت الأجواء مختلفة، امتلأت القاعة بالزهور البيضاء، وتدلت الأضواء الصغيرة من السقف، وانعكست فوق الطاولات بطريقة جعلت المكان يبدو أكثر دفئًا، بينما كانت الموسيقى الهادئة تنساب في الخلفية وسط أصوات الضحكات والأحاديث.وبعد كل ما عاشته العائلة خلال الشهور الماضية...كان ذلك اليوم أشبه باستراحة طويلة من الحزن.يومًا قرر فيه الجميع، ولو لساعات قليلة، أن يتركوا خلفهم كل ما حدث...ويفرحوا فقط.وقفت "داليدا" أمام المرآة داخل غرفتها، تتأمل صورتها بفستانها الأبيض، ولم تستطع منع دموعها من التجمع في عينيها، كانت تبتسم، ثم تبكي، ثم تعود للابتسام من جديد، وكأنها لا تصدق أن اليوم الذي انتظرته طويلًا قد جاء أخيرًا.أما "يوسف"...فمنذ أن وقعت عيناه عليها، لم يستطع إبعاد نظره عنها.ظل يراقبها وهي تتقدم نحوه ببطء،
ما إن دوّى صوت "فريدة":— سمية... انتهى الأمر...!حتى التفتت "سمية" نحوها.ساد صمت ثقيل...وتشابكت نظرات الأختين لثوانٍ بدت وكأنها عمرٌ كامل.ارتجفت يد "سمية"...ثم أفلتت المسدس الذي تمسكه.لم ينتظر "راغب" لحظة واحدة.اندفع بكل قوته نحو "رها"، واحتضنها بين ذراعيه، ثم تراجع بها سريعًا وهو يضمها إلى صدره كأنما يخشى أن تختفي مرة أخرى.انطلقت "كيان" نحوه، وما إن وقعت عيناها على صغيرتها حتى انهارت باكية.مدت يديها إليها وهي تنتحب:— رها... صغيرتي...ضمها "راغب" إلى أمها، فأخذتها "كيان" بين ذراعيها، وأغرقتها بالقبلات، وهي تبكي وتحمد الله أنها عادت إليها.لكن الهدوء لم يدم.في لحظة خاطفة...تحول الموقف إلى فوضى.تعالت الصرخات...وتحرك الجميع في آن واحد.ثم دوّى صوتٌ حاد داخل الشقة. أطلقت سمية طلقة من المسدس أصأبت جسد راغبتجمدت "كيان" في مكانها.ورأت "راغب" يترنح إلى الخلف قبل أن يسقط على الأرض.اتسعت عيناها بفزع.وانطلقت صرختها تمزق المكان:— راغب...!وفي اللحظات التالية...تحرك "نوح" غريزيًا ليوقف الخطر قبل أن يمتد إلى أحد آخر، وقام بإطلاق رصاصة عليها استقرت في كتفها.وبعد ثوانٍ قليلة...
لم يستغرق الأمر سوى دقائق...حتى كانت سيارة "راغب" تشق الطريق بسرعة جنونية.جلس خلف المقود...وعيناه لا تفارقان الطريق.كانت قبضتاه مشدودتين فوق المقود حتى ابيضت مفاصل أصابعه.أما "كيان"...فكانت تجلس إلى جواره.تضم بطانية "رها" الصغيرة إلى صدرها.وشفتاها لا تكفان عن التمتمة بالدعاء.وفي المقعد الخلفي...جلس "نوح".لم ينطق بكلمة واحدة.كان يحدق من النافذة بشرود.كل دقيقة تمر...كانت تزيد شعوره بالذنب.لو لم يجمعه عداء مع سمية..لما وصلت الأمور إلى هذا الحد.قطع "راغب" الصمت وهو يقول بصوت أجش:— كم بقي؟نظر "نوح" إلى شاشة هاتفه.ثم قال:— شارِعان فقط.أسرع "راغب" أكثر.حتى توقفت السيارة أخيرًا أمام بناية قديمة.لم ينتظر أحد.فتحوا الأبواب في اللحظة نفسها.وأسرعوا إلى الداخل.---كان المصعد في الطابق الأخير.فلم ينتظروه.صعدوا الدرج ركضًا.أنفاسهم تتلاحق...وقلوبهم تكاد تخرج من صدورهم.توقفت "كيان" أمام باب الشقة.كان الباب مواربًا.نظرت إلى "راغب" بعينين امتلأتا بالرعب.همست:— الباب... مفتوح.لم يجبها.دفع الباب ببطء.فصدر عنه صرير خافت.دخل أولًا...ثم تبعه "نوح".أما "كيان"...فدخلت
ابتلعت ريقها وردّت عليه بوجوم، وقد تفشّى الضيق في ملامحها: - صباح الخير. وجدت شفتيه تنفرجان عن بسمة رائقة، ومدّ يده نحو خصلاتها المبللة يزيحها عن عنقها وهو يسألها باهتمام: - متى استيقظتِ؟ على ما يبدو أنه لا يلحظ انطفاءها، فأدارت جسدها نحو الحقيبة، متظاهرة بالانشغال بما تخرجه منها، وأجابته بف
اشتعلت السخونة في وجهها فور رؤيته، وسرعان ما أبعدت عينيها عنه. فقد كان قد خرج من الحمّام للتو، يكتفي بارتداء بنطال أسود قطني، بينما بقي جذعه العلوي عاريًا. ابتلعت ريقها في ارتباك، وحاولت أن تستعيد توازنها، ثم أجابت بصوت مهتز قليلًا: - سأنام. اقترب منها قبل أن تتمدد على الأريكة، وأمسك بذراعها ليو
بدا حفل عقد القران وكأنه مشهد مُعدّ بعناية، تزيّنت فيه الوجوه بابتساماتٍ مصطنعة، ورُسمت على الملامح علامات سرورٍ متكلفة، فقط ليبدو الجمع أمام الحضور وكأنه مناسبة سعيدة مكتملة. خاصة أولئك الذين استغربوا التوقيت؛ فالموت لم يمضِ عليه سوى شهرٍ واحد، وكان من الصعب عليهم تقبّل إقامة مثل هذه المناسبة بهذه
فستان العرس، حين يُقدَّم عادةً للعروس كهدية من العريس، يكون لفتةً رقيقة تبقى عالقة في الذاكرة وتترك أثرًا دافئًا في القلب. غير أن الأمر معها كان مختلفًا تمامًا. كانت تحدّق بسخرية في العلبة المفتوحة فوق السرير، حيث بدا فستان أبيض أنيق التصميم، لو أنها رأته في ظرفٍ آخر لأُعجبت به وبكل تفاصيله الراقي







