LOGINفُرض على “كيان” زواج لم تكن تريده، في صفقة عائلية قاسية ربطت مصيرها بالميراث… وبابن عمها “راغب”. لم يكن راغب رجل حب ولا عاطفة؛ كان عمليًا، يحسب كل خطوة بدقة، يرى الزواج مجرد اتفاق يحفظ به مكانته ونفوذه داخل العائلة. لكن ما بدأ كعقد بارد، خرج عن كل التوقعات… فـ”كيان” التي ظنها مجرد جزء من الصفقة، أصبحت الاستثناء الوحيد في حياة لا تؤمن بالمشاعر. ومع كل اقتراب، يتغير ميزان القوة… ويبدأ القلب الذي لا يحسب خسائره في كسر كل قواعده.
View Moreفستان العرس، حين يُقدَّم عادةً للعروس كهدية من العريس، يكون لفتةً رقيقة تبقى عالقة في الذاكرة وتترك أثرًا دافئًا في القلب. غير أن الأمر معها كان مختلفًا تمامًا.
كانت تحدّق بسخرية في العلبة المفتوحة فوق السرير، حيث بدا فستان أبيض أنيق التصميم، لو أنها رأته في ظرفٍ آخر لأُعجبت به وبكل تفاصيله الراقية، لكنه الآن لم يكن في نظرها سوى رسالة مبطنة منه. هذا “التفكير اللطيف” في إرسال فستان حفل زفافهما جعلها تتساءل: أهو يحاول التأثير عليها لتغيير موقفها؟ أم أن الأمر مجرد تصرف عابر يكشف جانبًا من شخصيته التي ما زالت غامضة بالنسبة لها؟ ما زال غامضًا، غير مفهوم، وكأن ما يظهر منه لا يكشف شيئًا مما يخفيه. بعض المكالمات والرسائل خلال الأيام الماضية لم تضف أي وضوح، بل جعلتها أكثر ابتعادًا عنه. لم تكن تحاول فهمه من الأساس؛ فقبولها بالزواج لم يكن اقتناعًا، بل هروبًا من صدام محتوم بين والدتها وعمها، صدام ستكون هي الخاسرة فيه. لذا اكتفت بالصمت والتعامل معه ببرود، اتقاءً لأي تصعيد جديد. قطع شرودها صوت الباب وهو يُفتح، لتدخل والدتها الغرفة. رفعت “كيان” نظرها إليها بدهشة خفيفة، فهذه الزيارة غير معتادة، خصوصًا أنها لم تتحدث معها منذ زيارة العم. تقدمت الأم بهدوء، نظراتها ثابتة، ثم توقفت أمامها وقالت بجدية: - أعلم أنكِ لا تريدين الزواج من راغب. لم يكن في الأمر جديد بالنسبة لها، فالجميع يعرف ذلك. ظلت “كيان” صامتة تنصت، بينما تابعت والدتها: - وإن موافقتكِ ليست سوى خوف من عمك. للحظة ظنت “كيان” أن والدتها جاءت لتدعمها أو تجد لها مخرجًا، فتمسكت بهذا الأمل وسألت بسرعة: - أنا فعلًا لا أريده… هل يمكنكِ أن ترفضي هذا الزواج دون مشاكل؟ بدت الأم وكأنها وجدت المدخل الذي تبحث عنه، فأجابت بثقة: - لدي حل. ارتسم الترقب على ملامح “كيان”، فتابعت الأم بحماس: - يمكننا أن نعقد قرانكِ على هادي اليوم. اتسعت عيناها بصدمة حادة، وكأن الاسم وحده أثار داخلها رفضًا فوريًا. وقبل أن تستوعب، أكملت الأم: - وبذلك نغلق الباب تمامًا أمام نوح وابنه… قاطعَتها “كيان” فورًا، بنبرة حاسمة: - هادي؟ لا… مستحيل. تبدلت ملامح الأم من الحماس إلى الضيق، بينما قالت “كيان” وهي تبتعد خطوة: - زواجي من راغب أهون لي. علقت الأم بتهكم واضح: - راغب ابن نوح أهون لك من ابن خالتك؟ أجابت “كيان” بثبات: - أنتِ تعلمين السبب جيدًا. زفرت الأم بانزعاج: - هادي يحبك وأنتِ تعلمين ذلك… قاطعَتها بسرعة، بنبرة قاطعة: - وأنا لا أحبه… ولا أطيقه. ردت الأم بصبر بدأ يتآكل: - لكنكِ لا تحبين راغب أيضًا، ومع ذلك ستتزوجينه… فما الفرق؟ أجابت دون تردد: - الفرق كبير. سألت الأم: - ماذا تقصدين؟ ارتفعت نبرة “كيان” فجأة، وقد امتلأ صوتها بالاختناق: - لأن راغب لم يؤذني. ساد الصمت للحظة، قبل أن تقول الأم بغضب مكبوت: - سيؤذيكِ يومًا ما، وعندها ستقولين: ليتني سمعت كلامي. ثم أضافت بحدة: - وستتحملين وحدك نتيجة اختيارك. خرجت من الغرفة وأغلقت الباب بقوة، فارتجف جسد “كيان”. لم تعرف إن كان الارتجاف بسبب صوت الإغلاق أم بسبب الكلمات التي بقيت عالقة في صدرها. جلست على طرف السرير بصمت ثقيل، وكأن العالم بأكمله بدأ يضيق حولها. ثم مدت يدها إلى دفترها وقلمها، وعادت إلى السرير، وأسندت ظهرها، وبدأت تكتب… وكأنها تفرّ إلى عالم آخر لا يشبه هذا العالم. ❈-❈-❈ في قاعة صغيرة داخل مبنى السجل المدني، حيث يتم إتمام إجراءات الزواج، اجتمع عدد محدود من الشهود في صمتٍ ثقيل، يملؤه الترقّب أكثر من الاحتفال. لا زينة مبالغ فيها، ولا أجواء احتفالية؛ فقط مقاعد مرتبة، وطاولة رسمية يجلس خلفها الموظف المختص بإتمام الزواج، وأوراق موضوعة بعناية أمامه. توسعت عينا "راغب" من موضعه المجاور لوالده، والمقابل لباب القاعة، الذي دلفت منه "كيان" للتو، بثوبها الأبيض وشعرها الطليق. في تلك اللحظة، تبدّل ملل الانتظار إلى شيءٍ آخر أكثر حدة، نظرة طويلة لم يستطع إزاحتها عنها. لم يتوقع أن تكون بهذا القدر من الجمال الهادئ؛ بسيط، لكنه آسر على نحوٍ يربك النظر. الفستان لم يكن مجرد اختيار عابر، بل بدا وكأنه صُمم ليكشف عنها بشكل يليق بها دون مبالغة. لم يحِد بنظره عنها وهي تتقدم نحو الداخل، بخطوات محسوبة لكنها متوترة. جسدها المرسوم بدقة جعل أفكاره تتباطأ للحظات، وكأن القاعة كلها تقلّصت لتصبح هي فقط في المنتصف. أين كان هذا الجمال من قبل؟ أم أنه لم يره إلا الآن؟ حتى عيناها الرمادية، لاحظ تشابهها مع خاصتيه لأول مرة، رغم اختلاف ملامحهما. وجهها بدا أكثر هدوءًا تحت إضاءة المكان الباردة، ووجنتاها المستديرتان وشفتاها الممتلئتان أضفتا عليها مظهرًا هشًّا لا يتناسب مع ارتباكها الواضح. خلال سيرها نحو الطاولة، ثم جلوسها في المقابل، كانت عينيه تلاحقانها دون انقطاع، ما جعل توترها يزداد بشكل ملحوظ. جلست بسرعة، وكأنها تحاول الهروب من ثقل النظرات، حتى إنها لم تنتبه لبدء الموظف في قراءة الإجراءات الرسمية الخاصة بإتمام الزواج المدني. أما "راغب"، فكانت نظرته تتغير تدريجيًا. لم يعد الأمر مجرد اتفاق بارد أو صفقة عائلية كما تصوّر في البداية. وجودها أمامه بهذا الشكل جعل الفكرة أكثر تعقيدًا… وأكثر إغراءً مما ينبغي. توقفت الإجراءات للحظات قصيرة عند اكتمال التوقيعات وإعلان الموظف انتهاء تسجيل الزواج رسميًا، في صوت محايد خالٍ من أي دفء، وكأن الأمر لا يتعدى كونه معاملة روتينية. في تلك اللحظة، همس "نوح" بصوت منخفض، بارد ومشحون بنبرة انتصار خفية وهو يلتفت نحو "سمية": - مبارك يا سمية. رمقته بنظرة ممتلئة بالكره الصامت، دون أن تمنحه حتى ردًا حقيقيًا، ثم أزاحت وجهها عنه ببرود متعمد، محاولة تجاهله وسط الحضور. ابتسامته اتسعت قليلًا، لا لشيء سوى شعوره بأنه نجح في كسر شيء داخلها. ثم تحرك نحو "كيان"، التي بدت جالسة وكأنها خارج المشهد بالكامل، غارقة في فكرة واحدة ثقيلة: أنها أصبحت الآن مرتبطة رسميًا برجلٍ سيصبح حياتها القادمة. اقترب منها، وأمسك بيدها بإشارة مختصرة للنهوض. عندما وقفت أمامه، قال بصوت هادئ، خالٍ من أي حرارة حقيقية: - مبارك لكِ يا كيان. ابتلعت ريقها، بصوت متوتر تحاول إخفاء ارتجافه، ثم أجابت: - شكرًا لك. لم تمضِ ثوانٍ حتى التفت إلى ابنه، هاتفًا بنبرة عملية شبه ساخرة: - ألن تضع الخاتم في يد عروسك يا راغب؟ تقدّم "راغب" نحوها، وعيناه لا تفارقان وجهها. أخرج من جيبه علبة صغيرة من القطيفة، فتحها أمامها دون تعليق. داخلها دبلة ذهبية وخاتم من الألماس. سلم العلبة لوالده، ثم أمسك يدها مباشرة. تجمد جسدها للحظة عند لمسته. كانت باردة بما يكفي لتزيد ارتباكها، وثقيلة بما يكفي لتجعلها تدرك أن الأمر حقيقي أكثر مما يجب. ألبسها الدبلة أولًا، ثم الخاتم فوقها، بحركة دقيقة محسوبة، دون استعجال. بعدها انحنى قليلًا، وقبّل يدها بخفة غير متوقعة، لم تحمل عاطفة واضحة بقدر ما حملت إيماءة رسمية غامضة أربكتها. رفع رأسه، وقال ببساطة: - مبروك. حدّقت فيه "كيان" بصمت مضطرب. كانت طريقته في الهدوء مربكة أكثر من أي قسوة متوقعة. الصورة التي رسمتها عنه—رجل بارد وجامد مثل والده—بدأت تتشقق، لكن بدل أن يريحها ذلك، زاد أسئلتها تعقيدًا. لماذا يتصرف بهذه الطريقة؟ هل هذا لطف حقيقي… أم أسلوب محسوب لشيء لا تفهمه بعد؟ وفي تلك اللحظة، كان السؤال الأثقل في عقلها لا يزال بلا إجابة: ماذا ينتظرها معه الآن؟عقد حاجبيه باستهجان عند سماعه ما قاله ابنه بشأن معرفة "كيان" بحقيقة هذه الزيجة، والتي لم تكن سوى الميراث بطبيعة الحال، ليتساءل بتعبيرات مزدردة:- كيف عرفت؟ ماذا قالت لك تحديدًا؟ حافظ على ثبات بصره تجاه والده وهو يجيبه مسترسلًا ما قالته:- قالت لي: إن كنتم تظنون أنكم ستأخذون منها شيئًا بزواجي بها، فأنتم تحلمون. ارتفع أحد حاجبيه، وترافق ذلك مع التواء فمه بابتسامة ساخرة. فهو يعرف أنها كانت دائمًا هادئة، تميل إلى الانسحاب وتعيش في ظل والدها أينما كان، ولم تكن معروفة بالجرأة. وكان على علمٍ بما كانت تتعرض له من "سمية" من قسوة واضطهاد منذ طفولتها، وهو ما كان سببًا رئيسيًا للخلافات المستمرة بينهما وبين "بكر"، الذي كانت تلجأ إليه دائمًا بحثًا عن الحماية. لذلك قال بسخرية:- يبدو أنها أصبحت جريئة جدًا… ترى، هل سمية هي من لقنتها هذه العبارات؟ فرك مقدمة رأسه بعدم اهتمام بتلك التفاصيل التي لا تعنيه، وقال بجدية:- لا أعلم يا أبي، لكن كيان ليست كما وصفتها من قبل بأنها غير مهتمة بالمال أو الميراث، فالطريقة التي تحدثت بها لم تكن كذلك على الإطلاق. اشتدت ملامحه وهو يسأل بغلظة:- ماذا تقصد؟ استقام ف
ابتلعت ريقها وردّت عليه بوجوم، وقد تفشّى الضيق في ملامحها:- صباح النور. وجدت شفتيه تنفرجان عن بسمة رائقة، ومدّ يده نحو خصلاتها المبللة يزيحها عن عنقها وهو يسألها باهتمام:- متى استيقظتِ؟ على ما يبدو أنه لا يلحظ انطفاءها، فأدارت جسدها نحو الحقيبة، متظاهرة بالانشغال بما تخرجه منها، وأجابته بفتور:- منذ قليل. شعرت به في تلك اللحظة يحاوط جسدها من الخلف، ثم أتبع ذلك بلمسة رقيقة من شفتيه على عنقها، وقال بإعجابٍ واله:- كل شيء فيكِ جميل… لقد جننتيني بالأمس. عبارته التي قصد بها المدح لجسدها، رأت فيها إهانة لكيانها، وكأنها مجرد جسد يُشبع رغبته ويروي عطشه لا أكثر. كادت تبتعد عنه، وشعور النفور يتفاقم داخلها، إلا أنها وجدته في لمح البصر، وبسرعة لم تستطع مجاراتها، قد أدارها نحوه، وبدأ فيما يُتقنه ببراعة، يعيد ما فعله ليلة أمس، لكن هذه المرة بشغفٍ متزايد ولهفةٍ مؤججة. كان ماهرًا، خبيرًا بما تستجيب له الحواس؛ حتى كادت أن تزأر وتضطرب وتطلب المزيد. ربما نجح في أن يُخضع جسدها لتيار رغبته الملتهب، وأن يتحكم في أعماق إحساسها البكر، ونال ما أراد ظافرًا به، لكنه لم يصل إلى قلبها. كان أبعد ما يكون عن
أغمض عينيه كاتمًا انفعاله، كي لا ينهال عليها بصفعات متعاقبة، عقابًا على ما أقحمته فيه، وهدر بعد أن فتحهما: -إذًا بمَ تفسّرين سبب تعبه؟ قضمت شفتيها بغلٍ من هديرة المستثير لأعصابها، وقالت بنبرة مزعوجة: -ربما يكون قد عاد من السفر فجأة لأنه متعب. لغوها الفارغ، وثرثرتها التي لا يوجد منها فائدة لا تسمح له بالتفكير، ضغط على مقدمة رأسه بكفه بصبر نافذ، وصاح بها بانفعال: -اصمتي يا سمية الآن، لا أستطيع التفكير من كثرة كلامك. نظراته ناحيتها تنعكس فيها عدائية غريبة، جعلتها تشرد للحظة في أمره. بينما هو بعد تفكير رأى ألا يستبق الأحداث، خاصة وأن الطبيب ما يزال معه بالأعلى، ولم يعرف بعد ما حل به، لذلك هتف بجمود: -دعنا نرى ما سيقوله الطبيب أولًا. رمقته بنظرات اختفى منهما الارتياح نحوه، ولكنها ظلت على صمتها، تنتظر جواره نزول الطبيب حتى يعلمان منه ما طرأ على زوجها بغتةً. انتبها بعد لحظات للطبيب وهو يهبط الدرج، تقدما منه بتعبيرات متفاوتة في الاهتمام والخوف كذلك، وتكلمت "سمية" بلهفة نجحت في اصطناعها: -ما به بكر يا دكتور؟ تنهد ببعض الوجوم، ثم أخبرهما بأسفٍ: -أصيب بكر بيه بارتفاع مفاجئ في ضغط الد
اشتعلت السخونة في وجهها فور رؤيته، وسرعان ما أبعدت عينيها عنه. فقد كان قد خرج من الحمّام للتو، يكتفي بارتداء بنطال أسود قطني، بينما بقي جذعه العلوي عاريًا. ابتلعت ريقها في ارتباك، وحاولت أن تستعيد توازنها، ثم أجابت بصوت مهتز قليلًا:- سأنام. اقترب منها قبل أن تتمدد على الأريكة، وأمسك بذراعها ليوقفها، قائلاً بدهشة واضحة وهو يديرها نحوه:- السرير موجود… ما الذي يدفعك للنوم هنا؟ ازدادت وجنتاها احمرارًا، وقد شعرت بثقل أنفاسها وهي تحاول ألا تنظر إليه. قطرات الماء كانت لا تزال تنحدر من شعره المبلل على عنقه وكتفيه، ما جعل حضور اللحظة أكثر ارتباكًا. تمسكت بقدر ما تستطيع من هدوئها، وقالت بجدية متكلفة:- كي تأخذ راحتك. اقترب خطوة أخرى، وصوته انخفض بنبرة هادئة تحمل شيئًا من الإغواء المتعمد:- وأنا لن أكون مرتاحًا وأنتِ تنامين على الأريكة. رفعت عينيها إليه بارتباك، لم تفهم تمامًا ما يقصده، بينما بدا هو كمن يقرأ ما يدور في رأسها، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال:- أعني… لكي أكون مرتاحًا، يجب أن تكوني أنتِ أيضًا مرتاحة. حاولت أن تستعيد تماسكها، وأجابت وهي تعود لترتيب الوسادة:- لا بأس،

![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)



