LOGINحدّقت بالرجل الواقف أمام عتبة بابي. لثواني طويلة رفض عقلي أن يفهم ما تراه عيناي.
أدريانو كونتي. واقف أمام باب شقتي وفي الليل؟ لماذا؟ بدا الممر فجأة أضيق مما هو عليه، والصمت بيننا أثقل مما ينبغي. ثم أخذت نفسًا عميقاً لأهدأ من نفسي ومن ضربات قلبي. ولكن تجمد كل شيء بداخلي. الرائحة. خشب الأرز الدافئ المبلل بالمطر. لقد وصلت إليّ قبل حتى أن يصل صوته، وبشكل مألوف جعل معدتي تنقبض. لا. دفعت الفكرة بعيدًا فورًا. لا تفعلي هذا. ليس مجددًا. لقد قضيت ساعات أحاول إقناع نفسي بأن أوجه التشابه لا تعني شيئًا. الساعة والصوت والرائحة. لا يمكن أن تكون أي من هذه الأشياء مرتبطة برجل واحد فقط. لا يمكن. "آنسة مارتينيز." أعادني صوته الهادئ إلى الواقع. أدركت أنني كنت أحدق به لوقت أطول مما ينبغي. "أنا آسفة..." رمشت بسرعة. "السيد كونتي. لم أتوقع رؤيتك." "نحتاج إلى التحدث." كان صوته هادئًا، مهنيًا. كانت أصابعي لا تزال ممسكة بحافة الباب، فتنحيت جانبًا. "تفضل... ادخل." خرجت الكلمات قبل أن أتمكن من منعها. أومأ برأسه قليلًا ودخل. ولم أدرك حقيقة ما فعلته إلا بعد أن أغلقت الباب خلفه. ماذا فعلت للتو؟ أنا وحدي في شقتي. مع أدريانو كونتي. لو علمت زوجة أبي بهذا... مجرد التفكير بالأمر جعل صدري يضيق. توقف في منتصف غرفة المعيشة الصغيرة، وبدأت عيناه تتجولان بهدوء في المكان. توقفتا عند الرفوف الممتلئة بكتب نوح وألعابه. فجأة بدت شقتي أصغر من المعتاد. بسيطة جدًا وعادية جدًا. عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي ينتمي إليه. "أعتذر عن مجيئي دون موعد مسبق." قال. "لم يكن هناك وقت كافٍ لترتيب اجتماع مناسب. كان الأمر عاجلًا." عندها فقط لاحظت المكان الذي توقفت فيه عيناه. عليّ أنا. وبشكل لا إرادي تقريبًا، نظرت إلى نفسي. قدمان حافيتان. رداء حمام أبيض مربوط حول جسدي بشكل غير مرتب. شعري المبعثر ينسدل حول كتفي. ثم غطت يدي وجهي فورًا. منظف الزيت. آثار الماسكارا المتبقية تحت عيني. يا إلهي. لقد فتحت الباب له وأنا أبدو هكذا. اندفعت الحرارة إلى وجهي. "أنا..." تنحنحت. "هل تريد شيئًا لتشربه؟" "قهوة." بالطبع. حتى إجابته كانت قصيرة، متحكمًا بها، ومهنية. "سأحضرها." استدرت نحو المطبخ، ثم توقفت. "في الواقع..." أجبرت نفسي على ابتسامة محرجة. "هل تسمح لي بدقيقة فقط؟" أومأ مرة واحدة. "خذي وقتك." كنت على وشك الابتعاد حين أضاف: "لقد أهملتِ جزءًا من مسؤولياتك اليوم لذا أنا هنا." توقفت وانعقد حاجباي. ماذا يقصد؟ قبل أن أتمكن من سؤاله، أسرعت نحو غرفتي. في اللحظة التي أغلقت فيها الباب خلفي، أسندت ظهري إليه وغطيت وجهي بكلتا يدي. ما الذي يحدث؟ لماذا أتصرف هكذا؟ الشك موجود فقط داخل رأسي. مجرد فكرة سخيفة صنعها الإرهاق والضغط. ذهبت إلى الحمام وغسلت وجهي بالماء البارد. المرأة التي انعكست في المرآة بدت مرتبكة بقدر ما كنت أشعر. غيرت ملابسي بسرعة، وارتديت كنزة ناعمة وبنطال جينز داكن، ثم مررت أصابعي بين شعري قبل أن آخذ نفسًا عميقًا. تنفسي. إنه فقط أدريانو كونتي. رئيسك. عندما عدت إلى غرفة المعيشة، كان جالسًا على الأريكة يكتب شيئًا في هاتفه. وضعت القهوة على الطاولة أمامه، ثم جلست مقابله. رفع عينيه نحوي. "لو كنتِ قد أنهيتِ مسؤولياتك اليوم، آنسة مارتينيز، لما اضطررت إلى المجيء إلى هنا." عبست. مسؤولياتي؟ لقد قضيت اليوم بأكمله أحاول مواكبة كل شيء. "عن أي مسؤوليات تتحدث؟" نظر إليّ للحظة، ثم مد يده نحو هاتفه. "كان عليك قراءة العقد بعناية أكبر." أثارت كلماته انزعاجي فورًا. "لقد قرأته." "إذًا كان يجب أن تعرفي واجباتك كمساعدتي الشخصية." فتح ملفًا على هاتفه ومده نحوي. "هذه معلومات سرية عن إحدى الشركات المنافسة لنا." نظرت إلى الشاشة. "تركت ملاحظة هذا الصباح أطلب منك نقلها إلى جهازك عبر البلوتوث. لكنك لم تفعلي." عبست. "لم تصلني أي ملاحظة." ضاقت عيناه قليلًا، ليس بغضب، بل وكأنه يشكك. أخذ الهاتف مجددًا. "سياسة الشركة لا تسمح بنقل الملفات السرية عبر البريد الإلكتروني أو أي وسيلة تعتمد على الإنترنت. نستخدم البلوتوث للحفاظ على الأمن الداخلي." أومأت. "أنا آسفة، السيد كونتي. سأحرص على مراجعة كل شيء قبل المغادرة في المرة القادمة." "جيد." عاد ينظر إلى الملف. "الآن، أحتاج منك تحليل هذه المعلومات وإعداد تقرير." أومأت. "بالطبع." رغم أن عقلي كان يحسب بالفعل كيف سأتمكن من فعل ذلك. ما زال عليّ الاطمئنان على نوح. ولم يتبقَّ لدي من الطاقة ما يكفي حتى لإبقاء عيني مفتوحتين. نظر أدريانو إلى ساعته. تغيرت دقات قلبي فورًا. نفس الساعة. نفس الحركة. أبعدت نظري قبل أن يلاحظ. "انقلي الملف إلى جهازك الآن." "سأحضر حاسوبي المحمول." ذهبت بسرعة إلى غرفتي. عندما عدت، وضعت الحاسوب على طاولة القهوة. لكن يدي اصطدمت بفنجان القهوة الخاص به بالخطأ. وفي الثانية التالية، انسكب السائل الداكن مباشرة على بنطاله. "يا إلهي." وقفت فورًا. "أنا آسفة جدًا." "لا بأس." بقي صوته هادئًا. ثم نظر إليّ. "فقط أريني مكان الحمام." أشرت نحو الممر. "في الزاوية اليمنى." أومأ واتجه بعيدًا. جلست مجددًا وبدأت فورًا بنقل الملف. تحركت أصابعي بسرعة، لكن عقلي لم يكن مركزًا على العمل. كان مركزًا عليه. شيء غريب يخصه. هالته تبدو مألوفة جداً بالنسبة لي. لا. هززت رأسي. مستحيل. ظهرت فجأة إشعارات على هاتفه. لم أقصد النظر. ففي البداية تجاهلتها. ثم وصلت رسالة أخرى. تحركت عيناي نحو الشاشة لا إرادياً قبل أن أتمكن من إيقاف نفسي. وفي اللحظة التالية توقف جسدي بالكامل.أدريانووعدت نفسي أنني سأحتاجها أقل مع كل يوم يمر.أن أرغب بها أقل...لكن... في كل مرة تقع عيناي عليها، أشعر أنني أعجز أكثر عن التوقف عن احتياجها.تلك العينان اللتان نظرتا إليّ كإنسان حين لم يهتم أحد إن كنت سأعيش أو أموت.اشتدت قبضتي حول خصر فيفيان وأنا أراقب إلينا ترقص مع ذلك الوغد، هندريك زيلر.أتذكر ابتسامتها بعد أن منحتني قبلة الحياة وقالت لي:"ممنوع على البشر أن يقتلوا أنفسهم. أرجوك، لا تفعل ذلك مرة أخرى."وجعلتني أعدها بأن أحاول أن أعيش.كانت في الرابعة عشرة من عمرها آنذاك، بينما كنت أنا في العشرين.يائسًا من الحياة.هي لا تتذكرني الآن حتى.لكنني لم أستطع يومًا أن أتخلص من فكرة أنها خاطرت بحياتها لتنقذ حياتي.كنت مدمن مخدرات.مشردًا.لم يكن هناك من يهتم بي.لكنها... رأت الإنسان بداخلي.وحين لاحظت يد هندريك تستقر على أسفل ظهرها...لم أعد أحتمل أكثر.زمجرت في داخلي:هذه المرأة... لي.في اللحظة التي انتهت فيها الموسيقى، لم أفكر.تحركت.تنحى الناس عن طريقي غريزيًا وأنا أعبر قاعة الرقص.وقبل أن يتمكن هندريك من قول كلمة أخرى لها، أمسكت بمعصم إلينا.شهقت."أدريانو؟"لم أجب.اكتفيت بسحب
كان الممر الجانبي خاليًا.ما إن أُغلق الباب خلفنا حتى أفلت أدريانو معصمي.تقدم بضع خطوات، ثم استدار نحوي.كانت عيناه جليدًا.ليس ذلك البرود الذي اعتاد ارتداءه في المكتب؛ ذلك كان مقصودًا، متحكمًا فيه، قناعًا يضعه متى شاء.أما هذا...فكان شيئًا آخر.شيئًا يختبئ خلف ذلك القناع، ولم يتمكن هذه المرة من السيطرة عليه بالكامل.قال بصوت منخفض جدًا:"ماذا... كنتِ تفعلين؟"أجبته بنفس الهدوء:"أرقص."رفعت دفتري قليلًا."مع المدير التنفيذي للشركة المنافسة التي أرسلتني لجمع المعلومات عنها. وبالمناسبة... نجحت."لوحت بالدفتر أمامه."ست صفحات كاملة. هل تود الاطلاع عليها؟"شيء ما تحرك في ملامحه."كان من المفترض أن تكوني تعملين...""وكنت أعمل."تقدمت خطوة نحوه."منذ اللحظة التي دخلت فيها القاعة، بعدما أخبرتني أن أبدأ عملي."رفعت الدفتر مرة أخرى."حصلت على خطة الربع الرابع، واسم وكالة الدعاية الجديدة التي تعاقدوا معها، وحتى ملامح إعادة الهيكلة الداخلية للشركة... معلومات لا يعرفها حتى بعض أعضاء مجلس إدارتهم."اقتربت خطوة أخرى."وحصلت على كل ذلك لأنني ابتسمت للناس، واستمتعت إليهم، وأحسنت الإصغاء."ثبتُّ نظ
ابتلعت الألم غير المنطقي الذي شعرت به في صدري وفتحت تطبيق توصيل.طلبت تاكسي وبعد خمس دقائق كنت في طريقي إلى المكان.طوال الطريق ظللت أردد على نفسي أن هذا عمل، وليس هناك ما يدعو إلى الشعور بالحزن أو الخيبة على شيء كهذا. كان من الطبيعي أن يختار خطيبته.حين وصلت، كان المكان قد امتلأ بالفعل برجال ونساء أعمال أنيقين وميسورين.لم أعرف إلى أين أتجه. بدأت تمسح عيناي القاعة بحثًا عن زملائي، حين دخل رنين هاتفي وأوقفني.[نحن على الجانب الأيسر من القاعة، طاولة رقم 99.]قرأت الرسالة. كانت من أدريانو. وفي اللحظة التي رفعت فيها عيني التقت بعينيه.لكنه سرعان ما حوّل نظره بعيدًا.مشيت نحوهم. كان يتحدث مع بعض المديرين من شركتنا، بينما فيفيان متعلقة بذراعه. كأنها تقول لكل امرأة في الغرفة: هذا رجلي. لا تقتربي.لم أستطع لومها على أي حال.كان أدريانو من النادرين الذين يستطيعون استقطاب انتباه كل امرأة في أي مكان دون أن يبذل أي جهد.حين رأتني فيفيان، انحازت أكثر نحو أدريانو."مرحبًا،" قلت حين وقفت أمامهم.التفت أدريانو والمديرون من حوله ونظروا إليّ.ابتسمت، واحمرّ وجهي حين مدّت أعينهم عليّ أطول مما ينبغي.صف
كنت سعيدة جدًا حين رأيت نوح جالسًا على سريره يشاهد الرسوم المتحركة. "مرحباً، يا صغيري،" قلت. "يبدو أننا بخير اليوم." ربّتُّ على رأسه. "ماما، انظري." قال بحماس، مشيرًا إلى صندوق بجانب السرير. "رجل توصيل أحضره." عبست. كان صندوقًا متوسط الحجم، عليه ورقة. "لإيلينا وابنها." "افتحيه يا ماما،" قال نوح. "أريد أن أرى ما بداخله." التفتُّ إليه وابتسمت. "حسنًا." بدأت أفكّ الطيّات. "لا بد أنها لعبة جديدة لي." صاح نوح. لم أعرف من كان يمكن أن يرسل لنا هذه الأشياء، لكنني لم أستطع التفكير في أحد سوى زوجي الغامض، السيد دي لوكا. عبست حين لاحظت أن الطيّات كانت أكثر مما ينبغي. التفتُّ إلى نوح. "يبدو أنه شيء مميز." حين نظرت مجددًا وأزلت آخر طيّة، جمدت في مكاني. كان داخل الصندوق لعبة. لعبة مشوّهة، بحلقات سوداء حولها وملطّخة بالدماء. ومعها ورقة صغيرة: "نأمل أن يستمتع نوح بها." تجعّدت البطاقة الصغيرة بين قبضتي. "قذرتان،" أسررت في نفسي. لا بد أنهما كاميلا وفيفيان. "ماما،" قال نوح. "دعيني أراها." أغمضت عيني بإحكام. حابسةً الدموع التي تجمّعت بالداخل. كيف يمكن أن يكونا بهذه القسوة؟ هل
كانت جميع الأنظار مصوبة نحوي. همسات منخفضة عني هسهست في أرجاء المكان، وكل واحدة منها كانت تغرس في داخلي جرحًا أعمق من سابقتها. أبقيت رأسي منخفضًا وأنا أسير نحو مكتب الرئيس التنفيذي، ومن خلفي، لحق بي صوت فيفيان.."آسفة يا أختي." ابتسمت بحلاوة مصطنعة. "نسيت أن أهنئك. لا بد أنكِ سعيدة جدًا لأن حالة نوح تتحسن." لم أجبها. اكتفيت بالنظر إليها من رأسها حتى قدميها، ثم تابعت سيري. كانت فيفيان تكرهني منذ اللحظة التي دخلت فيها حياتي. وكلما وجدت طريقة لإذلالي وتشويه سمعتي، استغلتها. وفي النهاية، نجحت والدتها في إقناع الجميع بأنني أنا المشكلة، وأنني ثمرة فاسدة. والآن كانت فيفيان تحاول أن تفعل الشيء نفسه. طرقت باب المكتب برفق. "ادخلي." جاءني صوته العميق من الداخل. دفعت الباب ودخلت. ولثانية واحدة... شعرت أنني تلك الطفلة الصغيرة من جديد. أقف داخل مكتب والدي. أنتظر أن يوبخني بسبب شجار آخر مع فيفيان، قبل حتى أن يسأل عما حدث. كان يصدقها دائمًا. دائمًا. "لقد تأخرتِ ثلاث دقائق، آنسة مارتينيز." قال أدريانو من دون أن يرفع رأسه عن حاسوبه المحمول، ألقى نظرة سريعة على ساعة رولكس في معصمه، ث
"أليس من غير الأخلاقي الاطلاع على رسائل الآخرين الخاصة؟" الصوت خلفي جعلني أقفز واقفةً من الهول، ثم زحف الخجل إليّ. "أنا… أنا…" تلعثمت. لم أكن أقصد. انتزع الهاتف من يدي ورفع حاجبًا واحدًا. "بوصفك مساعدة شخصية، هذا التصرف غير مقبول،" أضاف، وكان صوته باردًا جدًا. كان بإمكاني أن أفهم غضبه على خصوصيته، لكن لماذا كان بهذه الحدة؟ كان يبالغ في رد فعله. "آسفة يا سيد كونت،" قلت، وكان صوتي أكثر ثباتًا هذه المرة بعد أن استعدت توازني. فحص هاتفه لثوانٍ، مما جعلني أتساءل إن كان يظن أنني تصفحته. هل كان يظن ذلك؟ رفع نظره إليّ. "هل أرسلتِ الملف إلى جهازك؟" أومأت. "نعم، سيدي." "جيد." هذا كل ما قاله. ثم استدار ومشى خارجًا من الشقة. هكذا فحسب. دون حتى تصبح مساءً أو شكرًا. "أحمق!" نظرت إلى الساعة على هاتفي وتنهدت. لم يعد لديّ وقت للحمام الذي كنت أحلم به. يجب أن أذهب لأرى نوح. لا بد أنه غاضب مني، لقد أخلفت وعدي له اليوم. حاولت التحدث إليه عدة مرات وأخبرتني الممرضة أنه يرفض الكلام معي. أمسكت بحقيبتي وتوجهت خارجًا. أدرت محرك سيارتي وانطلقت نحو المستشفى. *** فُتحت أبواب الم







